لقد أنزل الله القرآن لِيُتدبر كما قال سبحانه: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص: ٢٩)، أي: ليتدبَّروا حُجَج الله التي فيه، وما شرع فيه من شرائعه، فيتعظوا ويعملوا به (^١)، ولا شك في أن تعلم أن تلك المقامات صارف عن التدبر الذي أنزل القرآن لأجله.
وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-:
ولأن ذلك فيه تشبيه القرآن بالغناء، ولأن ذلك يورث أن يبقى قلب القارئ مصروفًا إلى وزن اللفظ بميزان الغناء لا يتدبره ولا يعقله، وأن يبقى المستمعون يصغون إليه لأجل الصوت الملحَّن كما يصغى إلى الغناء لا لأجل استماع القرآن وفهمه وتدبره والانتفاع به. (^٢)
ويقول ابن رجب (ت: ٦٩٥ هـ) - ﵀-:
وفي الحقيقة هذه الألحان المبتدعة المطربة تُهيِّج الطباع وتلهي عن تدبر ما يحصل له الاستماع حتى يصير الالتذاذ بمجرد سماع النغمات الموزونة والأصوات المطربة، وذلك يمنع المقصود من تدبّر معاني القرآن. (^٣)
قال ابن الصلت الأهوازي (ت: ٤٠٨ هـ) - ﵀-:
سمعت جماعة من شيوخي يقولون لا يجوز للمقرئ أن يقرأ بخمسة أضرب:
بالترقي، والترعيد، والتطريب، والتلحين، والتحزين؛ إذ ليس لها أثر ولا نقل عن أحد من السلف، بل ورد إلينا أن بعض السلف كان يكره القراءة بها. (^٤)
وقال أبو بكر الطرطوشي (ت: ٥٢٠ هـ) - ﵀-:
وهذا يمنع أن يُقرأ بالألحان المطربة والمشبهة للأغاني؛ لأن ذلك يُثمر صدَّ الخشوع ونقيض الخوف والوجل. (^٥).
_________________
(١) - تفسير الطبري (٧٩/ ٢٠).
(٢) جامع المسائل (٣/ ٣٠٥).
(٣) نزهة الأسماع في مسألة السماع: (ص: ٨٥).
(٤) -الإقناع في القراءات السبع (١/ ١٥٥).
(٥) - الحوادث والبدع: (ص: ٨٧).
[ ٧٢ / ١٣١ ]