إنه لمَّا قد عُلِم من دين الله تعالى بالضرورة أن العبادات توقيفية، كان لابد من التنبيه إلى أن قراءة القرآن عبادة من أعظمالعبادات، وطاعة وقربى من أعظم
_________________
(١) - يُنظر فتوى رقم: (١٦٩٧٩٩) في موقع الإسلام سؤال وجواب، ورسالة البدع العملية المتعلقة بالقرآن الكريم جمعًا ودراسة للعبد الكريم: (٣٤٦) ..
(٢) مقامات في المقامات قراءة توصيفية حُكْميَّة في المقامات القرآنية، مجلة البيان، العدد: (٣١٣). بتصرف.
[ ٧٢ / ١٢٨ ]
وأجل وأعز القرب التي يُتقرب بها إلى الله تعالى، فلابد أن يُعْلَم أن طريقة تلقيها وتلاوة القرآن بها توقيفية- كذلك-، ولاشك أن كل عبادة مبناها على الإخلاص والاتباع؛ كما قال ربنا: ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف: ١١٠).
وفي الآية تصريح بشرطي قبول العمل ألا وهما الإخلاص والاتباع.
قَالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ (ت: ١٩٧ هـ) - ﵀- فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالىَ: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (الملك: ٢)
"هُوَ أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ"، قَالُوا: "يَا أَبَا عَليٍّ، مَا أَخْلَصُهُ وُأَصْوَبُهُ؟ "، فَقَالَ: "إِنَّ العَمَلَ إِذاَ كَانَ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ، وَإِذَا كَانَ صَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا. الخَالِصُ أَنْ يَكُونَ للهِ، وَالصَّوابُ أَنْ يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ"، ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف: ١١٠). (^١)
شرطا قبول العمل:
أما الشرط الأول: فهو الإخلاص
وهو إرادة العبد بجميع أقواله وأعماله الظاهرة والباطنة وجه الله تعالى والدار الآخرة، لذا فإن العمل إذا كان لمراءاة المخلوقين ومحبة مديحيهم وثنائهم، ولم يكن المراد منه التقرب إلى الله وحده لا شريك له، كان عملًا باطلًا غير مقبول كما قال ربنا: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (البينة: ٥).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺقَالَ اللهُ ﵎: "أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ "، وفي رواية ابن خزيمة: " أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، فَمَنْ عَمَلَ عَمَلًا فَأَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ، وَهُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ"، وَفي رواية: "فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ، وَلْيَلْتَمِسْ ثَوَابَهُ مِنْهُ". (^٢)
أما الشرط الثاني: فهو الاتباع
والمقصود بالاتباع هنا موافقة شرع الله الذي شرعه الله لعباده في كتابه وشرعه على لسان رسوله -ﷺ- أي يكون متابعًا للنبيﷺ- في عمله: وذلك بأن يكون هذا العمل وفق ما جاء به الرسول -ﷺ- فلا يعبد الله إلا بما شرع، ويترك كل ما سوى ذلك ويهجره وينزجر ويتجافى عنه تقربًا لله تعالى وابتغاء مرضاته.
فعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ". (^٣) وفي رواية عنها -﵂- قالت، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: "مَنْ عَمِلَ
_________________
(١) - مدارج السّالكين، لابن القيّم: (٢/ ٩٣).
(٢) - صحيح مسلم (٤/ ٢٢٨٩).
(٣) صحيح البخاري (٣/ ١٨٤) رقم ٢٦٩٧، صحيح مسلم (٣/ ١٣٤٣) رقم ١٧ (١٧١٨).
[ ٧٢ / ١٢٩ ]
عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ". (^١)
قال ابن رجب (ت: ٦٩٥ هـ) -﵀-:
هذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها، كما أن حديث " إنما الأعمال بالنيات " ميزان للأعمال في باطنها، فكما أن كل عمل لا يُراد به وجه الله تعالى، فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله، فليس من الدين في شيء". (^٢)
فلابد أن يكون العمل على وفق ما دل عليه الكتاب والسنة، فكل عمل على خلاف ذلك - فإن الله لا يقبله، حتى ولو أراد به العبد التقرب إلى الله، كما قال تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً) (الغاشية: ٢ - ٤).
فالعمل الذي لا يتوفر فيه شرطا قبول العمل جميعًا فهو مردود على صاحبه غير مقبول كائنًا من كان كما قال ﷿: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) (الفرقان: ٢٣).
ذلك لأنهم عملوا أعمالًا على خلاف ما شرع لهم ربهم وخالقهم، كما قال تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا) (الكهف: ١٠٣ - ١٠٦).
قال ابن القيم -﵀-:
إن الله جعل الإخلاص والمتابعة سببًا لقبول الأعمال فإذا فقدا لم تقبل الأعمال. (^٣)
ولم نذكر الإسلام معي شرطي قبول العمل لأنه شرط صحة في قبول جميع الأعمال كما لا يخفى.
وبعد أن علمنا أن تلاوة القرآن أمر تعبدي محض يلزم فيه ما يلزم من سائر العبادات من إخلاص العمل فيه لله ومتابعة هدي رسول الله -ﷺ- فيأتي التساؤل هنا، أي إخلاص يقع في هذا العمل بحيث ينوى التقرب به إلى الله، ثم أي هدي يُتَبع فيه هدى رسول الله -ﷺ- فيه- كذلك، وفي الجملة فأي إخلاص واتباع يراه العبد في تلاوة القرآن بـ " المقامات الموسيقية"، وأي قربى يراها هذا المخلوق في هذا
_________________
(١) صحيح مسلم (٣/ ١٣٤٣) رقم ١٨ (١٧١٨).
(٢) - جامع العلوم والحكم لابن رجب (١/ ١٧٦). جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم المؤلف: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: ٧٩٥ هـ) المحقق: شعيب الأرناؤوط - إبراهيم باجس الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت الطبعة: السابعة، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م عدد الأجزاء: ٢ (في مجلد واحد).
(٣) - الروح (١/ ١٣٥).
[ ٧٢ / ١٣٠ ]
العمل تسره أن يلقاها غدًا في صحائف أعماله.
لذا فإنه يجب ويتحتم ويلزم تنزيه القرآن عن العبث بأي صورة وتحت أي مسمى، ولا سيما بما يسمى بـ" المقامات الموسيقية"، إجلالًا وتوقيرًا وتعظيمًا لكلام الله جل في علاه. ومن أسَرَّ على ذلك بعد ذلك، فليعد للسؤال جوابًا وللجواب صوابًا، وليضع نصب عينيه قول جبار السموات والأرض: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ) (الصافات: ٢٤)