فقد قام ابن مجاهد على رأس المائة من الهجرة بتأليف كتابه: «القراءات السبعة»، وفيه قسّم القراءات إلى شاذة وغير شاذة، وغلب وصف الشاذ على ما عدا القراءات السبع.
ثم بدا لأبى على الفارسى أن يحتج مدافعا عن «القراءات السبع» فألف كتابه «الحجة».
ثم كان منه أن فكر بعض الوقت فى تأليف كتاب مثله يحتج فيه للقراءات الشاذة، بل إنه فيما يقول ابن جنى فى «مقدمة المحتسب» عراضا لجهد شيخه أبى علىّ فى هذا المضمار: «قد
[ ١ / ٦٥ ]
همّ أن يضع يده فيه ويبدأ به، فاعترضت خوالج هذا الدهر دونه، وحالت كبواته بينه وبينه».
ولأجل هذا تجرد ابن جنى للقراءات الشاذة علّه يمكنه النيابة عن شيخه فى الاحتجاج لها، وتأدية حقها عليه، كما أدى شيخه حق القراءات غير الشاذة عليه؛ إذ كانت دواعى الاحتجاج للنوعين ثابتة، والاستجابة لها لازمة، بل لعل دواعى الاحتجاج للشاذ أثبت، والاستجابة لها ألزم.
يقول فى «مقدمة المحتسب» شارحا غرضه المرجو فى الاحتجاج للشاذ: «. . . غرضنا منه أن نرى وجه قوة ما يسمى الآن شاذا، وأنه ضارب فى صحة الرواية بجرانه، آخذ من سمت العربية مهلة ميدانه، لئلا يرى مرى أن العدول عنه إنما هو غض منه أو تهمة له».
وقال فى موضع آخر منها، يبين رأيه فى الشاذ ومكانه عند الله: «. . . إلا أننا وإن لم نقرأ فى التلاوة به؛ مخافة الانتشار فيه، ونتابع من يتبع فى القراءة كل جائز رواية ودارية، فإنّا نعتقد قوة هذا المسمى شاذا، وأنه مما أمر الله تعالى بتقبّله، وأراد منا العمل بموجبه، وأنه حبيب إليه، ومرضى من القول لديه».
وزاد من رغبته فى الإقبال على الشاذ والاحتجاج له أن أحدا من أصحابه لم يتقدم للاحتجاج له على النحو الذى يريد.
قال: «فإذا كانت هذه حاله عند الله. . . وكان من مضى من أصحابنا لم يضعوا للحجاج كتابا فيه، ولا أولوه طرفا من القول عليه، وإنما ذكروه مرويّا مسلما، مجموعا أو متفرقا، وربما اعتزموا الحرف منه فقالوا القول المقنع فيه. . . حسن بل وجب التوجه إليه، والتشاغل بعمله، وبسط القول على غامضه ومشكله».
وهكذا أصبح كتاب «المحتسب فى الاحتجاج لشواذ القراءات»، الذى ألفه أبو الفتح عثمان بن جنى، ضرورة ملحة على كاتبه إمام العربية، رغم علو سنه آنذاك.
قال الشريف الرضى: كان شيخنا أبو الفتح النحوى عمل فى آخر عمره، كنايا يشتمل على الاحتجاج بقراءة الشواذ.
وقال أبو الفتح فى مقدمة المحتسب: «وإن قصرت أفعالنا عن مفروضاتك وصلتها برأفتك بنا، وتلافيتنا من سيئات أنفسنا ما امتدت أسباب الحياة لنا، فإذا انقضت علائق مددنا، واستوفى ما فى الصحف المحفوظة لديك من عدد أنفاسنا، واستؤنفت أحوال الدار الاخرة بنا، فاقلبنا إلى كنز جنتك التى لم تخلف إلا لمن وسع ظلّ رحمتك».
وهذا كلام قلما يقوله إلا امرؤ غلب عليه التفكر فى الآخرة، واستبد به حبّ التزود لها؛ لأنه يشعر أن منيته قد دنت، وأن حياته قد آذنت بزوال، فهو يتخضع لله، ويبتغى إليه الوسيلة؛ عسى أن يثيبه الله مغفرة منه ورضوانا.
وربما كانت تسمية الكتاب «المحتسب» مرجعها أنه يحتسب أجره على هذا الكتاب عند
[ ١ / ٦٦ ]
الله ﷾، وهو نعم المثيب على الأعمال، وهو أعظم من يؤجر على فضائل الأفعال، ولهذا اختار أن يدل باسمه على الغرض الذى يريده به، لا على الموضع الذى يريده عليه.
ومنهج المحتسب كمنهج الحجة، لا يكاد يخالفه إلا بمقدار ما تقتضيه طبيعة الاحتجاج لقراءة الجماعة والقراءة الشاذة، فأبو الفتح يعرض القراءة، ويذكر من قرأ بها، ثم يرجع فى أمرها إلى اللغة، يلتمس لها شاهدا فيرويه، أو نظيرا فيقيسها عليه، أو لهجة فيردها إليها ويؤنسها بها، أو تأويلا أو توجيها فيعرضه فى قصد وإجمال، أو تفصيل وافتنان على حسب ما يقتضيه المقام، ويتطلبه الكشف عن وجه الرأى فى القراءة.
وهو فى الجملة آخذ بها، مطمئن إليها، وربما وقع فى نفسك من كثرة ما عدد من خصائصها واستخرج من لطائفها، أنه يؤثرها ويحكم لها على قراءة الجماعة، كما فى الاحتجاج لقراءة الحسن: «اهدنا صراطا مستقيما» وإن هو لم يجد للقراءة وجها يسكن إليه، إما لشذوذه فى اللغة، وإما لحاجته فى الاحتجاج إلى ضرب من التكلف والاعتساف، لم يتخرج أن يردها أو يضعف القراءة بها، لا يكاد يأخذها هى نفسها بهذا أو ذاك، ولكن يأخذ به الوجه الذى يتجه بها إليه، فهو أخذ غير مباشر ولا صريح.
فقال مثلا فى الاحتجاج لقراءة ابن محيصن: «ثم أطّرّه إلى عذاب النار» بإدغام الضاد فى الطاء: هذه لغة مرذولة.
وقال فى الاحتجاج لقراءة أبى جعفر يزيد: «للملائكة اسجدوا» بضم التاء: «هذا ضعيف عندنا جدّا».
وليس عجيبا ولا منكورا أن يتشابه الكتابان فى المنهج على هذا النحو؛ فموضوعهما واحد، وصاحب الحجة أستاذ لصاحب المحتسب، ووحدة الموضوع تستدعى تشابها فى علاج مسائله، وللأستاذ فى تلميذه تأثير، وللتلميذ فى أستاذه قدوة.
ولهذا كان «المحتسب» كما كان «الحجة» معرضا حافلا، يزخر بكثير من الشواهد والتوجيهات، وألوان من الآراء والبحوث اللغوية والصوتية التى تدل على الغزارة والتمكن، وعلى شمول الإحاطة، ودقة الملاحظة، وبراعة القياس، وصحة الاستنباط.
وليس هذا بكثير على أبى الفتح، ولا هو مما يتعاظمه، فذلك دأبه فى كل ما عرفنا له من كتب، ثم هو بعد هذا قد ألف المحتسب فى آخر حياته كما سبق، أى حين استفاضت تجاريه، واستحصدت ملكاته، وبلغت معارفه غاية ما قدر لها من نضج واكتمال.
على أن ابن جنى كان يأخذ على الحجة أن الشيخ أبا على قد أغمضه وأطال الاحتجاج فيه حتى عىّ به القراء، وجفا عنه كثير من العلماء.
قال فى مقدمة المحتسب: «فتجاوز فيه قدر حاجة القراء إلى ما يجفو عنه كثير من العلماء».
[ ١ / ٦٧ ]
وقال فى الاحتجاج لقراءة: «تماما على الذى أحسن»: وقد كان شيخنا أبو على عمل كتاب الحجة فى قراءة السبعة، فأغمضه وأطاله حتى منع كثيرا ممن يدعى العربية فضلا عن القرأة وأجفاهم عنه.
فلم يشأ أن يكون فى المحتسب كما كان شيخه من قبله فى الحجة، لهذا لا تراه يكثر مثله من الشواهد، ولا يمعن إمعانه فى الاستطراد، ولا يغمض إغماضه فى الاحتجاج. وهو يذكر هذا وينبه عليه فى مواطن شتى من الكتاب.
فيقول فى الاحتجاج لقراءة: «لا تنفع نفسا إيمانها»: «والشواهد على ذلك كثيرة، لكن الطريق التى نحن عليها مختصرة قليلة قصيرة».
ويقول فى الاحتجاج لقراءة: «فأكثرت جدلنا»: «ولولا أن القراء لا ينبسطون فى هذه الطريق لنبهت على كثير منه، بل إذا كان منتحلو هذا العلم والمترسمون به قلما تطوع طباعهم لهذا الضرب منه. . . فما ظنك بالقراء لو جشموا النظر فيه والتقرى لعزوره ومطاويه؟».
ولعزوف ابن جنى عن الإسهاب والإمعان فى الاستطراد فى مقدمة المحتسب يفضل كتاب أبى حاتم السجستانى فى الشواذ على كتاب قطرب «من حيث كان كتاب أبى حاتم مقصورا على ذكر القراءات، عاريا من الإسهاب فى التعليل والاستشهادات التى انحط قطرب فيها وتناهى إلى متباعد غاياتها».
على أن أبا الفتح عثمان بن جنى لم يلتزم الاقتصاد فى الاستشهاد فى كل مقام، ولا سيما حين تكون القراءة غريبة، يدعو ظاهرها إلى التنكر لها والتعجب منها.
فقد استشهد فى قراءة: «اهدنا صراطا مستقيما» بعشرة شواهد، بعضها من شعر المولدين.
واحتج لقراءة: «ولا أدرأتكم به» فأطال الاحتجاج ما شاء الله أن يطيل، ثم ختمه بقوله:
وهذا وإن طالت الصنعة فيه أمثل من أن تعطى اليد بفساده.
وعبارة المحتسب مرسلة متدفقة، فيها طلاوة بادية، وعليها مسحة ملازمة من عذوبة الفن وأناقته، مبسوطة فى غير حشو ولا فضول، يشيع فيها الازدواج، ويطول الفصل، جزلة الألفاظ، لا تخلو أحيانا من بعض الغريب الذى يحتاج فى الكشف عن معناه الذى يقتضيه المقام إلى فضل تأول وإمعان.
أما شواهد المحتسب فكثيرة، لكن يشيع فيها التكرار، لتكرر مقتضيات الاستشهاد بها، وجملتها من الشعر، وفيها قليل من حديث الرسول وكلام البلغاء والأمثال السائرة. وطريقته فى إيراداها لا تخالف طريقة العلماء الآخرين، فهو ينسب بعضها ولا ينسب بعضها الآخر، ويرويها فى أكثر الأمر أبياتا كاملة، وفى أقله أجزاء الأبيات يبلغ أحدها شطر البيت وقد يقل عنه أو يزيد عليه. وربما روى الشاهد مع بعض صلته، فإذا هو معها بضعة أبيات.
وأكثر شواهده مما يتردد فى كتب اللغة وعلومها، وبينها طائفة من أشعار المولدين، يأتى
[ ١ / ٦٨ ]
بها للاستئناس والتمثيل، أو لإيضاح المعنى وتأييده.
قال: وقد روى بيتا للمتنبى فى أقناء الاحتجاج لقراءة: «وليلبسوا عليهم دينهم»، بفتح الباء: «ولا تقل ما يقوله من ضعفت نجيزته وركت طريقته: هذا شاعر محدث، وبالأمس كان معنا، فكيف يجوز أن يحتج به فى كتاب الله-جل وعز-فإن المعانى لا يرفعها تقدم، ولا يزرى بها تأخر. أما الألفاظ فلعمرى إن الموضع معتبر فيها».
***