اعلم أن القاضى جلال الدين البلقينى، قال: القراءة تنقسم إلى متواتر وآحاد وشاذ، فالمتواتر القراءات السبعة المشهورة، والآحاد قراءات الثلاثة التى هى تمام العشر وتلحق بها
[ ١ / ٢٢ ]
الصحابة، والشاذ قراءة التابعين كالأعمش ويحيى بن وثاب وابن جبير ونحوهم وهذا الكلام فيه نظر يعرف مما سنذكره.
وأحسن من تكلم فى هذا النوع إمام القراء فى زمانه شيخ شيوخنا أبو الخير بن الجزرى، قال فى أول كتابه «النشر»: كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية، ولو احتمالا، وصح سندها، فهى القراءة الصحيحة التى لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هى من الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم. هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف، صرح بذلك الدانى ومكى والمهدوى وأبو شامة، وهو مذهب السلف الذى لا يعرف عن أحد منهم خلافه.
قال أبو شامة فى «المرشد الوجيز»: لا ينبغى أن يغتر بكل قراءة تعزى إلى أحد السبعة ويطلق عليها لفظ الصحة، وأنها أنزلت هكذا إلا دخلت فى الضابط، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مصنف عن غيره، ولا يختص ذلك بنقلها عنهم، بل إن نقلت عن غيرهم من القراء، فذلك لا يخرجها عن الصحة، فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف لا على من تنسب إليه، فإن القراءة المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجمع عليه فى قراءتهم تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم.
قال ابن الجزرى: فقولنا فى الضابط: «ولو بوجه» تريد به وجها من وجوه النحو سواء كان أفصح أم فصيحا مجمعا عليه أم مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله، إذا كانت القراءة مما شاع وذاع وتلقاه الأئمة بالإسناد الصحيح؛ إذ هو الأصل الأعظم والركن الأقوم وكم من قراءة أنكرها بعض أهل النحو أو كثير منهم ولم يعتبر إنكارهم كإسكان «بارئكم» و«يأمركم» وخفض و«الأرحام» ونصب «ليجزى قوما» والفصل بين المضافين فى «قتل أولادهم شركاؤهم» وغير ذلك.
قال الدانى وأئمة القراء: لا تعمل فى شئ من حروف القرآن على الإفشاء فى اللغة والأقيس فى العربية بل على الأثبت فى الأثر والأصح فى النقل، وإذا ثبتت الرواية لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة؛ لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها.
قال السيوطى: أخرج سعيد بن منصور فى سننه عن زيد بن ثابت، قال: القراءة سنة متبعة.
قال البيهقى: أراد أن اتباع من قبلنا فى الحروف سنة متبعة لا يجوز مخالفة المصحف الذى هو إمام ولا مخالفة القراءات التى هى مشهورة، وإن كان غير ذلك سائغا فى اللغة أو أظهر منها.
قال ابن الجزرى: ونعنى بموافقة أحد المصاحف ما كان ثابتا فى بعضها دون بعض كقراءة
[ ١ / ٢٣ ]
ابن عامر: «قالوا اتخذ الله ولدا» فى البقرة بغير واو و«بالزبر» و«بالكتاب» بإثبات الباء فيهما، فإن ذلك ثابت فى المصحف الشامى، وكقراءة ابن كثير: «تجرى من تحتها الأنهار» فى آخر براءة بزيادة «من» فإنه ثابت فى المصحف المكى ونحو ذلك، فإن لم يكن فى شئ من المصاحف العثمانية، فشاذ لمخالفتها الرسم المجمع عليه وقولنا: «ولو احتمالا» نعنى به ما وافقه ولو تقديرا ك «ملك يوم الدين» فإنه كتب فى الجميع بلا ألف، فقراءة الحذف توافقه تحقيقا وقراءة الألف توافقه تقديرا لحذفها فى الخط اختصارا كما كتب «ملك الملك».
وقد يوافق اختلاف القراءات الرسم تحقيقا نحو «تعلمون» بالتاء والياء و«يغفر لكم» بالياء والنون، ونحو ذلك، مما يدل تجرده عن النقط والشكل فى حذفه وإثباته على فضل عظيم للصحابة ﵃ فى علم الهجاء وفهم ثاقب فى تحقيق كل علم، وانظر كيف كتبوا «الصراط» بالصاد المبدلة من السين وعدلوا عن السين التى هى الأصل؛ لتكون قراءة السين، وإن خالفت الرسم من وجه قد أتت على الأصل فيعتدلان، وتكون قراءة الإشمام محتملة، ولو كتب ذلك بالسين على الأصل لفات ذلك، وعدت قراءة غير السين مخالفة للرسم والأصل؛ ولذلك اختلف فى «بسطة» الأعراف دون بسطة البقرة لكون حرف البقرة كتب بالسين والأعراف بالصاد، على أن مخالف صريح الرسم فى حرف مدغم أو مبدل أو ثابت أو محذوف أو نحو ذلك لا يعد مخالفا إذا ثبتت القراءة به، ووردت مشهورة مستفاضة، ولذا لم يعدوا إثبات ياء الزوائد وحذف ياء «تسئلنى» فى الكهف وواو «وأكون من الصالحين» والطاء من «بطنين» ونحوه من مخالفة الرسم المردودة، فإن الخلاف فى ذلك مغتفر؛ إذ هو قريب إلى معنى واحد، وتمشية صحة القراءة وشهرتها وتلقيها بالقبول، بخلاف زيادة كلمة ونقصانها وتقديمها وتأخيرها حتى ولو كانت حرفا واحدا من حروف المعانى، فإن حكمه فى حكم الكلمة لا يسوغ مخالفة الرسم ومخالفته.
قال: وقولنا: «وصح إسنادها» نعنى به أن يروى تلك القراءة العدل الضابط عن مثله، وهكذا حتى ينتهى، وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن غير معدودة عندهم من الغلط أو مما شذ بها بعضهم.
قال: وقد شرط بعض المتأخرين التواتر فى هذا الركن ولم يكتف بصحة السند، وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وأن ما جاء مجئ الآحاد لا يثبت به قرآن.
قال: وهذا مما لا يخفى ما فيه، فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين من الرسم وغيره؛ إذ أن ما ثبت من أحرف الخلاف متواترا عن النبى ﷺ وجب قبوله وقطع بكونه قرآنا، سواء وافق الرسم أم لا، وإذا شرطنا التواتر فى كل حرف من حروف الخلاف، انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن السبعة.
وقد قال أبو شامة: شاع على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم من المقلدين أن السبع كلها متواترة، أى كل فرد فرد فيما روى عنهم، قالوا: والقطع بأنها منزلة من عند الله
[ ١ / ٢٤ ]
واجب، ونحن بهذا نقول: ولكن فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق، واتفقت عليه الفرق، من غير نكير له، فلا أقل من اشتراط ذلك إذا لم يتفق التواتر فى بعضها.
وقال الجعبرى: الشرط واحد، وهو صحة النقل، ويلزم الآخران، فمن أحكم معرفة حال النقلة وأمعن فى العربية وأتقن الرسم، وانجلت له هذه الشبهة.
وقال مكى: ما روى فى القرآن على ثلاثة أقسام: قسم يقرأ به ويكفر جاحده وهو ما نقله الثقات ووافق العربية وخط المصحف، وقسم صح نقله عن الآحاد وصح فى العربية وخالف لفظه الخط، فيقبل ولا يقرأ به لأمرين: مخالفته لما أجمع عليه وأنه لم يؤخذ بإجماع، بل بخبر الآحاد ولا يثبت به قرآن ولا يكفر جاحده، وقسم نقله ثقة ولا حجه له فى العربية أو نقله غير ثقة فلا يقبل وإن وافق الخط.
وقال ابن الجزرى: مثال الأول كثير ك «مالك» و«يخدعون» و«يخادعون»، ومثال الثانى قراءة ابن مسعود وغيره: و«الذكر والأنثى» وقراءة ابن عباس: «وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة» ونحو ذلك.
قال: واختلف العلماء فى القراءة بذلك والأكثر على المنع لأنها لم تتواتر وإن ثبتت بالنقل، فهى منسوخة بالعرضة الأخيرة أو بإجماع الصحابة على المصحف العثمانى.
ومثال ما نقله غير ثقة كثير مما كتب الشواذ مما غالب إسناده ضعيف وكالقراءة المنسوبة إلى الإمام أبى حنيفة التى جمعها أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعى ونقلها عنه أبو القاسم الهذلى ومنها: «إنما يخشى الله من عبادة العلماء» برفع الله ونصب العلماء.
وقد كتب الدار قطنى وجماعة: بأن هذا الكتاب موضوع لا أصل له.
ومثال ما نقله ثقة ولا وجه له فى العربية قليل لا يكاد يوجد وجعل بعضهم منه رواية خارجة عن نافع «معائش» بالهمز.
قال: وبقى قسم رابع مردود أيضا، وهو ما وافق العربية والرسم ولم ينقل البتة، فهذا رده أحق ومنعه أشد ومرتكبه مرتكب لعظيم من الكبائر.
وقد ذكر جواز ذلك عن أبى بكر بن مقسم وعقد له بسبب ذلك مجلس وأجمعوا على منعه، ومن ثم امتنعت القراءة بالقياس المطلق الذى لا أصل له يرجع إليه، ولا ركن يعتمد فى الأداء عليه.
قال: أما أصل ذلك، فإنه مما يصار إلى قبول القياس عليه كقياس إدغام «قال رجلان» على «قال رب» ونحوه مما لا يخالف نصا ولا يرد إجماعا مع إنه قليل جدا.
قال السيوطى: أتقن الإمام ابن الجزرى هذا الفصل جدا، وقد تحرر لى منه أن القراءات، أنواع:
[ ١ / ٢٥ ]
الأول: المتواتر، وهو ما نقله جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه وغالب القراءات كذلك.
الثانى: المشهور، وهو ما صح سنده ولم يبلغ المتواتر ووافق العربية والرسم واشتهر عند القراء فلم يعدوه من الغلط ولا من الشذوذ، يقرأ به على ما ذكره ابن الجزرى ويفهمه كلام أبى شامة السابق، ومثاله ما اختلفت الطرق فى نقله عن السبعة فرواه بعض الرواة عنهم دون بعض، ومن أشهر ما صنف فى ذلك «التسير» للدانى و«قصيدة الشاطبى» و«أعية النشر فى القراءات العشر» و«تقريب النشر» كلاهما لابن الجزرى.
الثالث: الآحاد، وهو ما صح سنده وخالف الرسم أو العربية أو لم يشتهر الاشتهار المذكور ولا يقرأ به، وقد عقد الترمذى فى جامعه والحاكم فى مستدركه لذلك بابا أخرج فيه شيئا كثيرا صحيح الإسناد.
ومن ذلك ما أخرجه الحاكم من طريق عاصم الجحدى، عن أبى بكرة أن النبى ﷺ قرأ:
«متكئين على رفارف خضر وعباقرى حسان».
وأخرج من حديث أبى هريرة أنه ﷺ قرأ: «فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرات أعين».
وأخرج عن ابن عباس أنه ﷺ قرأ: «لقد جاءكم رسول من أنفسكم» بفتح الفاء.
وأخرج عن عائشة أنه ﷺ قرأ: «فروح وريحان» يعنى بضم الراء.
الرابع: الشاذ وهو ما لم يصح سنده وفيه كتب مؤلفة من ذلك قراءة: «ملك يوم الدين» بصيغة الماضى ونصب «يوم» و«إياك نعبد» ببنائه للمفعول.
الخامس: الموضوع كقراءات الخزاعى.
وظهر لى سادس يشبه: من أنواع الحديث المدرج، وهو ما زيد فى القراءات على وجه التفسير كقراءة سعيد بن أبى وقاص: «وله أخ أو أخت من أم». أخرجها سعيد بن منصور.
وقراءة ابن عباس: «ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم» فى مواسم الحج أخرجها البخارى.
وقراءة ابن الزبير: «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ما أصابهم».
قال عمرو: فما أدرى أكانت قراءته أم تفسير؟ أخرجه سعيد بن منصور.
وأخرجه الأنبارى وجزم بأنه تفسير.
وأخرج عن الحسن أنه كان يقرأ: «وإن منكم إلا واردها» الورود الدخول.
قال الأنبارى: قوله: الورود الدخول، تفسير من الحسن لمعنى الورود، وغلط فيه بعض الرواة فأدخله فى القرآن.
[ ١ / ٢٦ ]
قال ابن الجزرى، فى آخر كلامه: وربما كانوا يدخلون التفسير فى القراءات إيضاحا وبيانا؛ لأنهم محققون لما تلقوه عن النبى ﷺ قرآنا، فهم آمنون من الالتباس، وربما كان بعضهم يكتبه معه، وأما من يقول: إن بعض الصحابة كان يجيز القراءة بالمعنى، فقد كذب.