كان ابن جنى إماما فى النحو والصرف، وهو على إمامته فيهما فى النحو أمثل منه فى الصرف، كما يذكره الكاتبون لترجمته، وإن كان لا يعرف إلا بالنحوى، فالنحو-بالمعنى العام-ينتظم الصرف.
ومرد نبوغه فى الصرف وتفوقه فيه أن عجزه أمام أبى علىّ كان فى مسألة صرفية؛ كما سبق إيراده، فكان جدّه فى الصرف أكثر وأبلغ من جده فى النحو.
وقد يونس بتخلفه فى النحو، القصة التى يرويها صاحب نزهة الألباء فى ترجمة على ابن عيسى الربعى. وها هى ذى: «اجتمع الربعى وابن جنى يمشيان فى موضع، فاجتاز على باب خربة فرأى فيها كلبا-أى الربعىّ وكان مغرى بقتل الكلاب-فقال لابن جنى: قف على الباب، ودخل. فلما رآه الكلب يريد أن يقتله هرب وخرج، ولم يقدر ابن جنى على منعه.
فقال له الربعى: ويلك يا ابن جنى! مدبر فى النحو، ومدبر فى قتل الكلاب!».
ويذكر ابن عقيل فى شرحه للألفية فى مبحث الابتداء أن أبا الفتح سأله ولده عن إعراب بيت أبى نواس:
غير مأسوف على زمن … ينقضى بالهم والحزن
[ ١ / ٥٧ ]
فارتبك فى إعرابه.
ومن آرائه النحوية التى لم يتابع فيها تجويزه إظهار متعلق الظرف الواقع خبرا فى الكون العام، نحو زيد عندك زيد عندك. قال ابن يعيش فى شرح المفصل ٩٠/ ١: «وقد صرح ابن جنى بجواز إظهاره».
ومن هذا أنه فى الخصائص ١٠٦/ ١،٣٤٢ يجيز أن يقال: مررت بزيد وعمرا، بعطف عمرا على محل زيد المجرور بالحرف، وهذا لا يجيزه النحويون؛ لأن شرط العطف على المحل عندهم ظهور الإعراب المحلى فى فصيح الكلام. وانظر المغنى فى مبحث العطف من الكتاب الرابع.
ومن آرائه التى خالف فيها اصطلاح النحويين ما يراه فى علل منع الصرف. فهو فى الخصائص ١٠٩/ ١ يقول: «ألا ترى أن الأسباب المانعة من الصرف تسعة: واحد منها لفظى، وهو شبه الفعل لفظا؛ نحو أحمد ويرمع وتنضب وإثمد وأبلم وبقم وإستبرق. والثمانية الباقية كلها معنوية؛ كالتعريف والوصف والعدل والتأنيث وغير ذلك» واصطلاح النحاة المتأخرين أن المعنوى منها التعريف والوصف، وما عدا هذين لفظى.
ومن آرائه أنه يرى فى بغىّ فى معنى الفاجرة أن زنتها فعيل لا فعول. ويقول الزمخشرى فى الكشاف فى تفسير سورة مريم عند قوله تعالى: ﴿قالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾: «والبغى: الفاجرة التى تبغى الرجال. وهى فعول عند المبرد: بغوى، فادغمت الواو فى الياء. وقال ابن جنى فى كتاب التمام: هى فعيل. ولو كانت فعولا لقيل:
بغو؛ كما قيل: فلان نهو عن المنكر».
***