قال الدير عاقولى فى فوائده: حدثنا إبراهيم بن بشار، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهرى عن عبيد، عن زيد بن ثابت، قال: قبض النبى ﷺ ولم يكن القرآن جمع فى شئ.
قال الخطابى: إنما لم يجمع ﷺ القرآن فى المصحف، لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته، ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة، فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر.
[ ١ / ٥ ]
وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبى سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تكتبوا عنى شيئا غير القرآن. . .» الحديث، فلا ينافى ذلك لأن الكلام فى كتابة مخصوصة على صفة مخصوصة وقد كان القرآن كتب كله فى عهد رسول الله ﷺ لكن غير مجموع فى موضع واحد ولا مرتب السور.
قال الحاكم فى المستدرك: جمع القرآن ثلاث مرات:
إحداها: بحضرة النبى ﷺ ثم أخرج بسند على شرط الشيخين عن زيد بن ثابت قال:
«كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع» الحديث.
وقال البيهقى: أشبه أن يكون المراد به تأليف ما نزل من الآيات المفرقة فى سورها وجمعها فيها بإشارة النبى ﷺ.
الثانية: بحضرة أبى بكر.
روى البخارى فى صحيحه عن زيد بن ثابت قال: أرسل إلىّ أبو بكر، مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر أتانى، فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإنى أخشى أن يستحر القتل بالقراء فى المواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإنى أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ؟. قال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعنى حتى شرح الله صدرى لذلك، ورأيت فى ذلك الذى رأى عمر.
قال زيد: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فأجمعه. فو الله لو كلفونى نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علىّ مما أمرنى به من جمع القرآن.
قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ؟. قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعنى حتى شرح الله صدرى للذى شرح الله له صدر أبى بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبى خزيمة الأنصارى لم أجدها مع غيره: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبى بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر.
وأخرج ابن أبى داود فى المصاحف بسند حسن عن عبد خير قال: سمعت عليّا يقول:
«أعظم الناس فى المصاحف أجرا أبو بكر، رحمة الله على أبى بكر، هو أول من جمع كتاب الله».
لكن أخرج أيضا من طريق ابن سيرين، قال: «قال على: لما مات رسول الله ﷺ آليت أن لا آخذ علىّ ردائى إلا لصلاة جامعة حتى أجمع القرآن فجمعته».
قال ابن حجر: هذا الأثر ضعيف لانقطاعه، وبتقدير صحته، فمراده بجمعه حفظه فى
[ ١ / ٦ ]
صدره، وما تقدم من رواية عبد خير، إن صح عنه، فهو المعتمد.
قال السيوطى: قد ورد من طريق أخرى، أخرجه ابن الضريس فى فضائله. حدثنا بشر بن موسى، حدثنا هودة بن خليفة، حدثنا عون، عن محمد بن سيرين، عن عكرمة، قال: لما كان بعد بيعة أبى بكر قعد على بن أبى طالب فى بيته، فقيل لأبى بكر: قد كره بيعتك:
فأرسل إليه، فقال: أكرهت بيعتى؟ قال: لا والله، قال: ما أقعدك عنى، قال: رأيت كتاب الله يزاد فيه، فحدثت نفسى أن لا ألبس ردائى إلا لصلاة حتى أجمعه. قال أبو بكر: فإنك نعم ما رأيت.
قال محمد: فقلت لعكرمة: ألفوه كما أنزل الأول فالأول، قال: لو اجتمعت الأنس والجن على أن يؤلفوه هذا التأليف ما استطاعوا.
وأخرجه ابن أشتة فى المصاحف من وجه آخر عن ابن سيرين، وفيه: أنه كتب فى مصحفه الناسخ والمنسوخ، وأن ابن سيرين، قال: تطلبت ذلك الكتاب، وكتبت فيه إلى المدينة فلم أقدر عليه.
وأخرج ابن أبى داود من طريق الحسن: «أن عمر سأل عن آية من كتاب الله، فقيل:
كانت مع فلان يوم اليمامة، فقال: إنا لله، وأمر بجمع القرآن، فكان أول من جمع القرآن فى المصحف. . .» إسناده منقطع، والمراد بقوله: فكان أول من جمع، أى أشار بجمعه.
قال السيوطى: ومن غريب ما ورد فى أول من جمعه ما أخرجه ابن أشتة فى كتاب المصاحف من طرق كهمس، عن ابن بريدة، قال: أول من جمع القرآن فى مصحف سالم مولى أبى حذيفة أقسم لا يرتدى برداء حتى يجمعه، فجمعه ثم ائتمروا ما يسمونه، فقال بعضهم: سموه السفر، قال: ذلك تسمية اليهود، فكرهوه، فقال: رأيت بالحبشة يسمى المصحف، فاجتمع رأيهم على أن يسموه المصحف، إسناده منقطع أيضا، وهو محمول على أنه كان أحد الجامعين بأمر أبى بكر.
وأخرج ابن أبى داود من طريق يحيى عبد الرحمن بن حاطب، قال: قدم عمر، فقال: من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئا من القرآن، فليأت به، وكانوا يكتبون ذلك فى الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان.
وهذا يدل على أن زيدا كان لا يكتفى بمجرد وجدانه مكتوبا حتى يشهد به من تلقاه سماعا مع كون زيد كان يحفظ، فكان يفعل ذلك مبالغة فى الاحتياط.
وأخرج ابن أبى داود أيضا من طريق هشام بن عروة، عن أبيه أن أبا بكر، قال: لعمر ولزيد: اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شئ من كتاب الله فاكتباه.
قال ابن حجر: وكأن المراد بالشاهدين الحفظ والكتابة.
وقال السحاوى فى جمال القراء: المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين
[ ١ / ٧ ]
يدى رسول الله ﷺ أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التى نزل بها القرآن.
قال أبو شامة: وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين النبى ﷺ لا من مجرد الحفظ، قال: ولذلك قال: فى آخر سورة التوبة لم أجدها مع أحد غيره، أى لم أجدها مكتوبة مع غيره؛ لأنه كان لا يكتفى بالحفظ دون الكتابة.
قال السيوطى: أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك مما عرض على النبى ﷺ عام وفاته كما يؤخذ مما تقدم آخر النوع السادس عشر.
وقد أخرج ابن أشتة فى المصاحف عن الليث بن سعد، قال: أول من جمع القرآن أبو بكر وكتبه زيد وكان الناس يأتون زيد بن ثابت، فكان لا يكتب آية إلا بشاهدى عدل، وأن آخر سورة براءة لم توجد إلا مع خزيمة بن ثابت، فقال: اكتبوها، فإن رسول الله ﷺ جعل شهادته بشهادة رجلين، فكتبت، وأن عمر أتى بآية الرجم، فلم يكتبها؛ لأنه كان وحده.
وقال الحارث المحاسبى فى كتاب فهم السنن: كتابة القرآن ليست بمحدثة؛ فإنه ﷺ كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرقا فى الرقاع والأكتاف والعسب؛ وإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان، وكان مجتمعا، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت فى بيت رسول الله ﷺ فيها القرآن منتشرا، فجمعها جامع، وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شئ.
قال: فإن قيل: كيف وقعت الثقة بأصحاب الرقاع وصدور الرجال؟. قيل: لإنهم قد شاهدوا تلاوته من النبى ﷺ عشرين سنة، فكان تزوير ما ليس منه مأمونا، وإنما كان الخوف من ذهاب شئ من صحفه، وقد تقدم فى حديث زيد أنه جمع القرآن من العسب واللخاف.
وفى رواية: والرقاع، وفى أخرى: وقطع الأديم، وفى أخرى والأكتاف، وفى أخرى:
والأضلاع، وفى أخرى: والأقتاب والعسب جمع عسيب، وهو جريد النخل، كانوا يكشطون الخوص، ويكتبون فى الطرف العريض، واللخاف بكسر اللام وبخاء معجمة خفيفة آخره فاء، جمع لخفة، بفتح اللام وسكون الخاء، وهى الحجارة الدقاق.
وقال الخطابى: صفائح الحجارة والرقاع، جمع رقعة، وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد، والأكتاف جمع كتف، وهو العظم الذى للبعير أو الشاة كانوا إذا جف كتبوا عليه، والأقتاب جمع قتب، وهو الخشب الذى يوضع على ظهر البعير ليركب عليه.
وفى موطأ ابن وهب، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر، قال:
جمع أبو بكر القرآن فى قراطيس، وكان يسأل زيد بن ثابت فى ذلك، فأبى حتى استعان عليه بعمر، ففعل.
وفى مغازى موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، قال: لما أصيب المسلمون باليمامة، فزع أبو بكر، وخاف أن يذهب من القرآن طائفة، فأقبل الناس بما كان معهم وعندهم، حتى جمع على عهد أبى بكر فى الورق، فكان أبو بكر أول من جمع القرآن فى المصحف.
[ ١ / ٨ ]
قال ابن حجر: ووقع فى رواية عمارة بن غزية: أن زيد بن ثابت قال: فأمرنى أبو بكر، فكتبته فى قطع الأديم والعسب، فلما توفى أبو بكر، وكان عمر كتب ذلك فى صحيفة واحد، فكانت عنده، قال: والأول أصح، إنما كان فى الأديم والعسب أولا قبل أن يجمع فى عهد أبى بكر، ثم جمع فى الصحف فى عهد أبى بكر كما دلت عليه الأخبار الصحيحة المترادفة.
قال الحاكم: والجمع الثالث: هو ترتيب السور فى زمن عثمان.
روى البخارى عن أنس أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازى أهل الشام فى فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم فى القراءة، فقال لعثمان: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حفصة أن أرسلى إلينا الصحف ننسخها فى المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها فى المصاحف.
وقال عثمان للرهط القريشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فى شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف فى المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن فى كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.
قال زيد: ففقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها فالتمسناها، فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصارى، فألحقناها فى سورتها فى المصحف.
قال ابن حجر: وكان ذلك فى سنة خمس وعشرين، قال: وغفل بعض من أدركناه، فزعم أنه كان فى حدود سنة ثلاثين، ولم يذكر له مستندا، انتهى.
وأخرج ابن اشتة من طريق أيوب، عن أبى قلابة، قال: حدثنى رجل من بنى عامر يقال له أنس بن مالك، قال: اختلفوا فى القرآن على عهد عثمان حتى اقتتل الغلمان والمعلمون، فبلغ ذلك عثمان بن عفان، فقال: عندى تكذبون به، وتلحنون فيه، فمن نأى عنى كان أشد تكذيبا وأكثر لحنا يا أصحاب محمد، اجتمعوا، فاكتبوا للناس إماما فاجتمعوا، فكتبوا، فكانوا إذا اختلفوا فى أى آية، قالوا: هذه أقرأها رسول الله ﷺ فلانا، فيرسل إليه، وهو على رأس ثلاث من المدينة، فيقال له: كيف أقرأك رسول الله ﷺ آية كذا وكذا؟ فيقول كذا وكذا، فيكتبونها، وقد تركوا لذلك مكانا.
وأخرج ابن أبى داود من طريق محمد بن سيرين، عن كثير بن أفلح، قال: لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اننى عشر رجلا من قريش والأنصار، فبعثوا إلى الرابعة التى فى
[ ١ / ٩ ]
بيت عمر فجئ بها، وكان عثمان يتعاهدهم، فكانوا إذا اختلفوا فى شئ أخروه.
قال محمد: فظننت إنما كانوا يؤخرونه؛ لينظروا أحدثهم عهدا بالعرضة الأخيرة، فيكتبونه على قوله.
وأخرج ابن أبى داود بسند صحيح عن سويد بن غفلة، قال: قال على: لا تقولوا فى عثمان إلا خيرا، فو الله ما فعل الذى فعل فى المصاحف إلا عن ملأ منا، قال: ما تقولون فى هذه القراءة، فقد بلغنى أن بعضهم، يقول: إن قراءتى خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرا، قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة ولا اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت.
والفرق بين جمع أبى بكر وجمع عثمان، أن جمع أبى بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شئ بذهاب حملته؛ لأنه لم يكن مجموعا فى موضع واحد فجمعه فى صحائف، مرتبا لآيات كل سورة على ما وقفهم عليه النبى ﷺ، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف فى وجوه القراءة حتى قرؤه بلغاتهم على اتساع اللغات؛ فأدى ذلك ببعضهم إلى تخطئة بعض، فخشى من تفاقم الأمر فى ذلك، فنسخ تلك الصحف فى مصحف واحد مرتبا لسوره، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجا بأنه نزل بلغتهم، وإن كان قد وسع فى قراءته بلغة غيرهم، رفعا للحرج والمشقة فى ابتداء الأمر، فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت، فاقتصر على لغة واحدة.
وقال القاضى أبو بكر فى الانتصار: لم يقصد عثمان قصد أبى بكر فى جمع نفس القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبى ﷺ وإلغاء ما ليس كذلك، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير ولا تأويل، ولا منسوخ تلاوته، كتب مع مثبت رسمه، ومفروض قراءته، وحفظه خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتى بعد.
وقال الحارث المحاسبى: المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان، وليس كذلك، إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار، لما خشى الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام فى حروف القراءات، فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التى أنزل بها القرآن، فأما السابق إلى جمع الجملة، فهو الصديق.
وقد قال على: لو وليت لعملت بالمصاحف التى عمل بها عثمان، انتهى.
فائدة: اختلف فى عدة المصاحف التى أرسل بها عثمان إلى الآفاق المشهورة أنها خمسة.
وأخرج ابن أبى داود من طريق حمزة الزيات، قال: أرسل عثمان أربعة مصاحف، قال ابن أبى داود: وسمعت أبا حاتم السجستانى، يقول: كتبت سبعة مصاحف، فأرسل إلى مكة وإلى الشام وإلى اليمن وإلى البحرين وإلى البصرة وإلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحد.
[ ١ / ١٠ ]