أما ما اعتلوا به فى وجوه القراءات من الاختلاف، فإنا نحتج عليهم فيه بقول النبى ﷺ:
«نزل القرآن على سبعة أحرف، شاف كاف، فاقرءوا كيف شئتم».
وقد غلط فى تأويل هذا الحديث قوم فقالوا: السبعة الأحرف: وعد، ووعيد، وحلال، وحرام، وأمر، ونهى، وخبر ما كان قبل، وخبر ما هو كائن بعد، وأمثال. وليس شئ من هذه المذاهب لهذا الحديث بتأويل.
ومن قال: فلان يقرأ بحرف «أبى عمرو» أو بحرف «عاصم»، فإنه لا يريد شيئا مما ذكروا.
وليس يوجد فى كتاب الله حرف قرئ على سبعة أوجه-يصح، فيما أعلم.
وإنما تأويل قوله ﷺ: «نزل القرآن على سبعة أحرف»: على سبعة أوجه من اللغات متفرقة فى القرآن يدلك على ذلك قول رسول الله ﷺ: «فاقرأوا كيف شئتم».
وقال عمر: سمعت «هشام بن حكيم بن حزام» يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها،
[ ١ / ٣٥ ]
وقد كان النبى ﷺ أقرأنيها، فأتيت به النبى ﷺ، فأخبرته، فقال له: اقرأ، فقرأ تلك القراءة، فقال: هكذا أنزلت. ثم قال لى: أقرأ، فقرأت، فقال: هكذا أنزلت. ثم قال: «إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فاقرأوا منه ما تيسر».
فمن قرأه قراءة «عبد الله» فقد قرأ بحرفه، ومن قرأ قراءة «أبىّ» فقد قرأ بحرفه، ومن قرأ قراءة «زيد» فقد قرأ بحرفه.
و«الحرف» يقع على المثال المقطوع من حروف المعجم، وعلى الكلمة الواحدة، ويقع الحرف على الكلمة بأسرها، والخطبة كلها، والقصيدة بكمالها.
ألا ترى أنهم يقولون: قال الشاعر كذا فى كلمته، يعنون فى قصيدته.
والله جل وعز يقول: ﴿وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾، وقال: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى﴾، وقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾.
وقال: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ﴾، أراد ﷾: من الناس من يعبد الله على الخير يصيبه من تثمير المال، وعافية البدن، وإعطاء السؤل، فهو مطمئن ما دام ذلك له. وإن امتحنه الله تعالى باللأواء فى عيشه، والضراء فى بدنه وماله، كفر به.
فهذا عبد الله على وجه واحد، ومعنى متحد، ومذهب واحد، وهو معنى الحرف. ولو عبد الله على الشكر للنعمة، والصبر للمصيبة، والرضا بالقضاء-لم يكن عبده على حرف.