وأما ما تعلقوا به من «حديث عائشة» ﵂ فى غلط الكاتب، و«حديث عثمان» ﵁: أرى فيه لحنا-فقد تكلم النحويون فى هذه الحروف، واعتلوا لكل حرف منها، واستشهدوا الشعر:
فقالوا: فى قوله سبحانه: ﴿إِنْ هذانِ لَساحِرانِ﴾ وهى لغة بلحرث بن كعب يقولون:
مررت برجلان، وقبضت منه درهمان، وجلست بين يداه، وركبت علاه.
وأنشدوا:
أى قلوص راكب تراها … طاروا علاهن فطر علاها
على أن القراء قد اختلفوا فى قراءة هذا الحرف: فقرأه «أبو عمرو بن العلاء»، و«عيسى بن عمر»: «إنّ هذين لساحران» وذهبا إلى أنه غلط من الكاتب كما قالت «عائشة».
وكان «عاصم الجحدرى» يكتب هذه الأحرف الثلاثة فى مصحفه على مثالها فى الإمام، فإذا قرأها، قرأ: «إنّ هذين لساحران»، وقرأ: «والمقيمون الصّلاة»، وقرأ: «إنّ الّذين آمنوا والّذين هادوا والصّابئين».
وكان يقرأ أيضا فى سورة البقرة: «والصابرون فى البأساء والضراء» ويكتبها: «الصّابرين».
وإنما فرق بين القراءة والكتاب؛ لقول «عثمان» ﵀: «أرى فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها» فأقامه بلسانه، وترك الرسم على حاله.
وكان «الحجاج» وكل «عاصما» و«ناجية بن رمح» و«على بن أصمع» بتتبع المصاحف، وأمرهم أن يقطعوا كل مصحف وجدوه مخالفا لمصحف عثمان، ويعطوا صاحبه ستين درهما.
خبرنى بذلك «أبو حاتم» عن «الأصمعى» قال: وفى ذلك يقول «الشاعر»:
وإلا رسوم لدار قفر كأنها … كتاب محاه الباهلى بن أصمعا
وقرأ بعضهم: «إن هذان لساحران» اعتبارا بقراءة «أبى» لأنها فى مصحفه: «إن ذان إلا ساحران» وفى مصحف «عبد الله»: «وأسرّوا النّجوى إن هذان ساحران» منصوبة الألف بجعل: «إن هذان» تبيينا للنجوى.
[ ١ / ٤٠ ]
وقالوا فى نصب «المقيمين» بأقاويل: قال بعضهم: أراد بما أنزل إليك وإلى المقيمين.
وقال بعضهم: وما أنزل من قبلك ومن قبل المقيمين.
وكان «الكسائى» يرده إلى قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أى: ويؤمنون بالمقيمين، واعتبره بقوله فى موضع آخر: ﴿يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أى بالمؤمنين.
وقال بعضهم: هو نصب على المدح.
قال «أبو عبيدة» هو نصب على تطاول الكلام بالنسق، وأنشد «للخرنق بنت هفان»:
لا يبعدن قومى الذين هم … سم العداة وآفة الجزر
النازلين بكل معترك … والطيبون معاقد الأزر
ومما يشبه هذه الحروف-ولم يذكروه-قوله فى سورة البقرة: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ﴾. و«القراء» جميعا على نصب «الصابرين» إلا «عاصما الجحدرى» فإنه كان يرفع الحرف إذا قرأه، وينصبه إذا كتبه؛ للعلة التى تقدم ذكرها.
واعتل «أصحاب النحو» للحرف، فقال «بعضهم»: هو نصب على المدح، والعرب تنصب على المدح والذم، كأنهم ينوون إفراد الممدوح بمدح مجدد غير متبع لأول الكلام، كذلك قال «الفراء».
وقال «بعضهم»: أراد: «وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين والصابرين فى البأساء والضراء».
وهذا وجه حسن؛ لأن البأساء: الفقر، ومنه قول الله ﷿: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ﴾.
والضراء: البلاء فى البدن، من الزمانة والعلة. فكأنه قال: وآتى المال على حبه السائلين الطوافين، والصابرين على الفقر والضر الذين لا يسألون ولا يشكون، وجعل «الموفين» وسطا بين المعطين نسقا على «من آمن بالله».
*** ومن ذلك قوله فى سورة الأنبياء: «كذلك نجى المؤمنين» كتبت فى المصاحف بنون واحدة، وقرأها «القراء» جميعا «ننجى» بنونين إلا «عاصم بن أبى النجود» فإنه كان يقرؤها بنون واحدة، ويخالف «القراء» جميعا، ويرسل الياء فيها على مثال «فعل».
فأما من قرأها بنونين، وخالف الكتاب، فإنه اعتل بأن النون تخفى عند الجيم، فأسقطها كاتب المصحف لخفائها، ونيته إثباتها.
واعتل بعض النحويين «لعاصم» فقالوا: أضمر المصدر، كأنه قال: نجى النجاء المؤمنين، كما تقول: ضرب الضرب زيدا، ثم تضمر الضرب، فتقول: ضرب زيدا.
[ ١ / ٤١ ]
وكان «أبو عبيد» يختار فى هذا الحرف مذهب «عاصم» كراهية أن يخالف الكتاب، ويستشهد عليه «حرفا» فى سورة الجاثية، كان يقرأ به «أبو جعفر المدنى»، وهو قوله:
﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أى ليجزى الجزاء قوما.
وأنشدنى بعض النحويين:
ولو ولدت فقيرة جرو كلب … لسب بذلك الجرو الكلابا
*** ومن ذلك: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أكثر القراء يقرأون: «فأصّدّق أكن» بغير واو.
واعتل «بعض النحويين» فى ذلك بأنها محمولة على «موضع» فأصدق، لو لم يكن فيه الفاء، وموضعه جزم، وأنشد:
فأبلونى بليتكم لعلى … أصالحكم وأستدرج نويا
فجزم «وأستدرج»، وحمله على موضع «أصالحكم» لو لم يكن قبلها: «لعلى» كأنه قال:
فأبلونى بليتكم أصالحكم وأستدرج.
وكان «أبو عمرو بن العلاء» يقرأ: «فأصّدّق وأكون» بالنصب، ويذهب إلى أن الكاتب أسقط الواو، كما تسقط حروف المد واللين فى «كلمون» وأشباه ذلك.
*** وليست تخلو هذه الحروف من أن تكون على مذهب من مذاهب أهل الإعراب فيها، أو أن تكون غلطا من الكاتب، كما ذكرت «عائشة» ﵂.
فإن كانت على مذاهب النحويين، فليس هاهنا لحن بحمد الله.
وإن كانت خطأ فى الكتاب، فليس على رسوله ﷺ جناية الكاتب فى الخط.
ولو كان هذا عيبا يرجع على القرآن، لرجع عليه كل خطأ وقع فى كتابة المصحف من طريق التهجى:
فقد كتب فى الإمام: «إن هذن لساحران» بحذف ألف التثنية. وكذلك «ألف التثنية» تحذف فى هجاء هذا المصحف فى كل مكان، مثل: «قال رجلن» و«آخرن يقومان مقامهما» وكتب كتاب المصحف: الصلوة والزكوة والحيوة، بالواو، واتبعناهم فى هذه الحروف خاصة على التيمن بهم، ونحن لا نكتب: «القطاة والقناة والقلاة» إلا بالألف، ولا فرق بين تلك الحروف وبين هذه.
وكتبوا «الربو» بالواو، وكتبوا: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فمال بلام منفردة.
وكتبوا: «ولقد جاءك من نبأى المرسلين» بالياء «أو من ورائى حجاب» بالياء فى الحرفين جميعا، كأنهما مضافان، ولا ياء فيهما، إنما هى مكسورة.
[ ١ / ٤٢ ]
وكتبوا: «أم لهم شركو» و«فقال الضعفو» بواو، ولا ألف قبلها.
وكتبوا: «أو أن نفعل فى أموالنا ما نشاو» بواو بعد الألف، وفى موضع آخر ﴿ما نَشاءُ﴾ بغير واو، ولا فرق بينهما.
وكتبوا: «أولا أذبحنه أو ليأتينى بسلطان مبين» بزيادة ألف. وكذلك «ولا أوضعوا خلالكم» بزيادة ألف بعد لام ألف.
وهذا أكثر فى المصحف من أن نستقصيه.
وكذلك لحن اللاحنين من القراء المتأخرين، لا يجعل حجة على الكتاب. وقد كان الناس قديما يقرأون بلغاتهم كما أعلمتك.
ثم خلف قوم بعد قوم من أهل الأمصار وأبناء العجم ليس لهم طبع اللغة، ولا علم التكلف، فهفوا فى كثير من الحروف وزلوا وقرأوا بالشاذ وأخلوا.
منهم «رجل» ستر الله عليه عند العوام بالصلاح، وقربه من القلوب بالدين. لم أر فيمن تتبعت وجوه قراءته أكثر تخليطا، ولا أشد اضطرابا منه؛ لأنه يستعمل فى الحرف ما يدعه فى نظيره، ثم يؤصل أصلا ويخالف إلى غيره لغير ما علة. ويختار فى كثير من الحروف ما لا مخرج له إلا على طلب الحيلة الضعيفة.
هذا إلى نبذه فى قراءته مذاهب العرب وأهل الحجاز، بإفراطه فى المد والهمز والإشباع، وإفحاشه فى الإضجاع والإدغام، وحمله المتعلمين على المركب الصعب، وتعسيره على الأمة ما يسره الله، وتضيقه ما فسحه.
ومن العجب أنه يقرئ الناس بهذه المذاهب، ويكره الصلاة بها!.
ففى أى موضع تستعمل هذه القراءة إن كانت الصلاة لا تجوز بها؟!.
وكان «ابن عيينة» يرى لمن قرأ فى صلاته بحرفه، أو ائتم بقراءته: أن يعيد، ووافقه على ذلك كثير من خيار المسلمين منهم «بشر بن الحارث» «وأحمد بن حنبل».
وقد شغفت بقراءته عوام الناس وسوقتهم، وليس ذلك إلا لما يرونه من مشقتها وصعوبتها، وطول اختلاف المتعلم إلى المقرئ فيها، فإذا رأوه قد اختلف فى أم الكتاب عشرا، وفى مائة آية شهرا، وفى السبع الطوال حولا، ورأوه عند قراءته مائل الشدقين، دار الوريدين، راشح الجبينين-توهموا أن ذلك لفضيلة فى القراءة وحذق بها.
وليس هكذا كانت قراءة رسول الله ﷺ ولا خيار السلف ولا التابعين؛ ولا القراء العالمين؛ بل كانت قراءتهم سهلة رسلة.
وهكذا نختار لقراء القرآن فى أورادهم ومحاريبهم. فأما الغلام الريض والمستأنف للتعلم، فنختار له أن يؤخذ بالتحقيق عليه، من غير إفحاش فى مد أو همز أو إدغام؛ لأن فى ذلك تذليلا للسان، وإطلاقا من الحبسة، وحلا للعقدة.
[ ١ / ٤٣ ]