وأما ترتيب السور فهل هو توقيفى أيضا أو هو باجتهاد من الصحابة، ففيه: خلاف فجمهور العلماء على الثانى، منهم مالك والقاضى أبو بكر فى أحد قوليه.
قال ابن فارس: جمع القرآن على ضربين، أحدهما تأليف السور كتقديم السبع الطوال، وتعقيبها بالمئين، فهذا هو الذى تولته الصحابة، وأما الجمع الآخر، وهو جمع الآيات فى السور، فهو توقيفى تولاه النبى ﷺ كما أخبر به جبريل عن أمر ربه مما استدل به، ولذلك اختلفت مصاحف السلف فى ترتيب السور، فمنهم من رتبها على النزول، وهو مصحف علىّ، كان أوله: اقرأ، ثم المدثر، ثم نون، ثم المزمل، ثم تبت، ثم التكوير، وهكذا إلى آخر
[ ١ / ١٣ ]
المكى والمدنى، وكان أول مصحف ابن مسعود: البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، على اختلاف شديد، وكذا مصحف أبى وغيره.
وأخرج ابن أشتة فى المصاحف من طريق إسماعيل بن عباس، عن حبان بن يحيى، عن أبى محمد القرشى، قال: أمرهم عثمان أن يتابعوا الطوال، فجعلت سورتا الأنفال التوبة فى السبع، ولم يفصل بينهما ب «بسم الله الرحمن الرحيم».
وذهب إلى الأول جماعة منهم القاضى فى أحد قوليه. قال أبو بكر بن الأنبارى: أنزل الله القرآن كله إلى السماء الدنيا، ثم فرقه فى بضع وعشرين، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث، والآية جوابا لمستخبر، ويوقف جبريل النبى ﷺ على موضع الآية والسورة، فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف كله عن النبى ﷺ فمن قدم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن.
وقال الكرمانى فى البرهان: ترتيب السور هكذا هو عند الله فى اللوح المحفوظ على هذا الترتيب، وعليه كان ﷺ يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه، وعرضه عليه فى السنة التى توفى فيها مرتين، وكان آخر الآيات نزولا: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ فأمره جبريل أن يضعها بين آيتى الربا والدين.
وقال الطيبى: أنزل القرآن أولا جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثم نزل مفرقا على حسب المصالح، ثم أثبت فى المصاحف على التأليف والنظم المثبت فى اللوح المحفوظ.
قال الزركشى: والخلاف بين الفريقين لفظى؛ لأن القائل بالثانى يقول: إنه رمز إليهم ذلك لعلهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته، ولهذا قال مالك: إنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبى ﷺ مع قوله بأن ترتيب السور باجتهاد منهم، فآل الخلاف إلى أنه: هل هو بتوقيف قولى أو بمجرد إسناد فعلى بحيث يبقى لهم فيه مجال للنظر، وسبقه إلى ذلك أبو جعفر بن الزبير.
وقال البيهقى: فى المدخل كان القرآن على عهد النبى ﷺ مرتبا سوره وآياته على الترتيب إلا الأنفال وبراءة لحديث عثمان السابق، ومال ابن عطية إلى أن كثيرا من السور كان قد علم ترتيبها فى حياته ﷺ كالسبع الطوال والحواميم والمفصل، وأن ما سوى ذلك يمكن أن يكون قد فوض الأمر فيه إلى الأمة بعده.
وقال أبو جعفر بن الزبير: الآثار تشهد بأكثر مما نص عليه ابن عطية ويبقى منها قليل يمكن أن يجرى فيه الخلاف كقوله اقرأوا الزهراوين: البقرة وآل عمران. رواه مسلم.
وكحديث سعيد بن خالد: قرأ ﷺ بالسبع الطوال فى ركعة. رواه ابن أبى شيبة فى مصنفه، وفيه أنه ﵊ كان يجمع المفصل فى ركعة.
[ ١ / ١٤ ]
وروى البخارى عن ابن مسعود أنه قال: فى بنى إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء:
إنهن من العتاق الأول، وهن تلادى، فذكرها نسقا كما استقر ترتيبها.
وفى البخارى أنه ﷺ كان إذا أوى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ و«المعوذتين».
وقال أبو جعفر النحاس: المختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله ﷺ لحديث واثلة: أعطيت مكان التوراة السبع الطوال.
قال: فهذا الحديث يدل على أن تأليف القرآن مأخوذ عن النبى ﷺ وأنه من ذلك الوقت، وإنما جمع المصحف على شئ واحد؛ لأنه جاء فى هذا الحديث بلفظ يدل على تأليف القرآن بتوقيفه ﷺ.
وقال ابن الحصار: ترتيب السور ووضع الآيات موضعها إنما كان بالوحى.
وقال ابن حجر: ترتيب بعض السور على بعضها أو معظمها لا يمتنع أن يكون توقيفيا، قال: ومما يدل على أن ترتيبها توقيفى، ما أخرجه أحمد وأبو داود، عن أوس ابن أبى أوس، عن حذيفة الثقفى، قال: كنت فى الوفد الذين أسلموا من ثقيف، الحديث، وفيه: فقال لنا رسول الله ﷺ: طرأ علىّ حزب من القرآن، فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه، فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشر، وثلاث عشرة، وحزب المفصل من «ق» حتى نختم، قال: فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو فى المصحف الآن كان على عهد رسول الله ﷺ.
قال: ويحتمل أن الذى كان مرتبا حينئذ حزب المفصل خاصة بخلاف ما عداه.
قال السيوطى: وما يدل على أنه توقيفى كون الحواميم رتبت ولاء، وكذا الطواسين، ولم ترتب المسبحات ولاء، بل فصل بين سورها، وفصل بين «طسم» الشعراء و«طسم» القصص ب «طس» مع أنها أقصر منهما ولو كان الترتيب اجتهاديا لذكرت المسبحات ولاء، وأخرت «طس» عن القصص.
والذى ينشرح له الصدر، ما ذهب إليه البيهقى، وهو أن جميع السور ترتيبها توقيفى إلا «براءة» و«الأنفال» ولا ينبغى أن يستدل قبل «آل عمران» لأن ترتيب السور فى القراءة ليس بواجب، ولعله فعل ذلك لبيان الجواز.
وأخرج ابن اشتة فى كتاب المصاحف من طريق ابن وهب سليمان بن بلال، قال: سمعت ربيعة يسأل: لم قدمت «البقرة» و«آل عمران» وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة بمكة، وإنما أنزلتا بالمدينة، فقال: قدمتا وألف القرآن على علم ممن ألفه به، ومن كان معه فيه، واجتماعهم على علمهم بذلك، فهذا مما ينتهى إليه ولا يسأل عنه.
[ ١ / ١٥ ]
والثابت أن: السبع الطوال أولها «البقرة» وآخرها «براءة» كذا قال جماعة.
لكن أخرج الحاكم والنسائى وغيرهما عن ابن عباس، قال: السبع الطوال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف.
قال الراوى: وذكر السابعة فنسيتها، وفى رواية صحيحة عن ابن أبى حاتم وغيره عن مجاهد وسعيد بن جبير أنها: يونس، وتقدم عن ابن عباس مثله فى النوع الأول.
وفى رواية عند الحاكم أنها الكهف، والمئون ما وليها سميت بذلك؛ لأن كل سورة منها تزيد على مائة آية أو تقاربها، والمثانى ما ولى المئين؛ لأنها ثنتها، أى كانت بعدها فهى لها ثوان، والمئون لها أوائل.
وقال الفراء: هى السورة التى آيها أقل من مائة آية؛ لأنها تثنى أكثر مما يثنى الطوال والمئون، وقيل لثنية الأمثال فيها بالعبر والخبر حكاه النكزاوى.
وقال فى جمال القراء: هى السور التى تثنت فيها القصص، وقد تطلق على القرآن كله وعلى الفاتحة كما تقدم، والمفصل ما ولى المثانى من قصار السور، سمى بذلك لكثرة الفصول التى بين السور بالبسملة وقيل لقلة المنسوخ منه، ولهذا يسمى بالمحكم أيضا كما روى البخارى عن سعيد بن جبير، قال: إن الذى تدعونه المفصل هو المحكم وآخره سورة الناس بلا نزاع.
واختلف فى أوله على اثنى عشر قولا: أحدها: «ق» لحديث أوس السابق قريبا. الثانى:
«الحجرات» وصححه النووى. الثالث: «القتال» عزاه الماوردى للأكثرين. الرابع: «الجاثية» حكاه القاضى عياض. الخامس: «الصافات». السادس: «الصف». السابع: «تبارك» حكى الثلاثة ابن أبى الصيف اليمنى فى نكته على التنبيه. الثامن: «الفتح» حكاه الكمال الذمارى فى شرح التنبيه. التاسع: «الرحمن» حكاه ابن السيد فى أماليه على الموطأ. العاشر:
«الإنسان». الحادى عشر: «سبح» حكاه ابن الفركاح فى تعليقه عن المرزوقى. الثانى عشر:
«الضحى» حكاه الخطابى، ووجهه بأن القارئ يفصل بين هذه السور بالتكبير وعبارة الراغب فى مفرداته المفصل من القرآن السبع الأخير.
فائدة: للمفصل طوال وأوساط وقصار، قال ابن معن: فطواله إلى «عم» وأوساطه منها إلى «الضحى»، ومنها إلى آخر القرآن قصاره هذا أقرب ما قيل فيه.
تنبيه: أخرج ابن أبى داود فى كتاب المصاحف، عن نافع، عن ابن عمر أنه ذكر عنده المفصل، فقال: وآى القرآن ليس بمفصل، ولكن قولوا قصار السور، وصغار السور.
وقد استدل بهذا على جواز أن يقال سورة قصيرة وصغيرة، وقد كره ذلك جماعة منهم أبو العالية، وأخرج عن ابن سيرين وأبى العالية، قالا: لا تقل سورة خفيفة، فإنه تعالى يقول:
﴿إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ ولكن سورة يسيرة.
[ ١ / ١٦ ]
فائدة: قال ابن أشتة: فى كتاب المصاحف أنبأنا محمد بن يعقوب، حدثنا أبو داود حدثنا أبو جعفر الكوفى، قال: هذا تأليف مصحف أبى: الحمد ثم البقرة ثم النساء ثم آل عمران ثم الأنعام ثم الأعراف ثم المائدة ثم يونس ثم الأنفال ثم براءة ثم هود ثم مريم ثم الشعراء ثم الحج ثم يوسف ثم الكهف ثم النحل ثم الأحزاب ثم بنى إسرائيل ثم الزمر. . . أولها، أخرجه أحمد فى المسند، ثم طه ثم الأنبياء ثم النور ثم المؤمنون ثم سبأ ثم العنكبوت ثم المؤمن ثم الرعد ثم القصص ثم النمل ثم الصافات ثم صدوق ثم يس ثم الحجر ثم حمعسق ثم الروم ثم الحديد ثم الفتح ثم القتال ثم الظهار ثم تبارك الملك ثم السجدة ثم إنا أرسلنا نوحا ثم الأحقاف ثم ق ثم الرحمن ثم الواقعة ثم الجن ثم النجم ثم سأل سائل ثم المزمل ثم المدثر ثم اقتربت ثم حم الدخان ثم لقمان ثم حم الجاثية ثم الطور ثم الذاريات ثم الحاقة ثم الحشر ثم المرسلات ثم عم يتساءلون ثم لا أقسم بيوم القيامة ثم إذا الشمس كورت ثم يا أيها النبى إذا طلقتم النساء ثم النازعات ثم التغابن ثم عبس ثم المطففين ثم إذا السماء انشقت ثم والتين والزيتون ثم اقرأ باسم ربك ثم الحجرات ثم المنافقون ثم الجمعة ثم لم تحرم ثم الفجر ثم لا أقسم بهذا البلد ثم إذا السماء انفطرت ثم والشمس وضحاها ثم والسماء والطارق ثم سبح اسم ربك ثم الغاشية ثم الصف ثم التغابن ثم سورة أهل الكتاب، وهى لم يكن، ثم الضحى ثم ألم نشرح ثم القارعة ثم التكاثر ثم العصر ثم سورة الخلع ثم ويل لكل همزة ثم إذا زلزلت ثم العاديات ثم الفيل ثم لإيلاف قريش ثم أرأيت ثم إنا أعطيناك ثم القدر ثم الكافرون ثم إذا جاء نصر الله ثم تبت ثم الصمد ثم الفلق ثم الناس.
قال ابن أشتة أيضا: وأخبرنا أبو الحسن بن نافع أن أبا جعفر محمد بن عمرو بن موسى حدثهم، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن سالم، حدثنا على بن مهران الطائى، حدثنا جرير بن عبد الحميد، قال: تأليف مصحف عبد الله بن مسعود، الطوال: البقرة والنساء وآل عمران والأعراف والأنعام والمائدة ويونس. والمئين: براءة والنحل وهود ويوسف والكهف وبنى إسرائيل والأنبياء وطه والمؤمنون والشعراء والصافات. والمثانى: الأحزاب والحج والقصص وطس النمل والنور والأنفال ومريم والعنكبوت والروم ويس والفرقان والحجر والرعد وسبأ والملائكة وإبراهيم وص والذين كفروا ولقمان والزمر. والحواميم: حم المؤمن والزخرف والسجدة وحمعسق والأحقاف والجاثية والدخان. والممتحنات: إنا فتحنا لك والحشر وتنزيل السجدة والطلاق ون والقلم والحجرات وتبارك والتغابن وإذا جاءك المنافقون والجمعة والصف وقل أوحى وإنا أرسلنا والمجادلة والممتحنة ويا أيها النبى لم تحرم. والمفصل:
الرحمن والنجم والطور والذاريات واقتربت الساعة والواقعة والنازعات وسأل سائل والمدثر والمزمل والمطففين وعبس وهل أتى والمرسلات والقيامة وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت وإذا السماء انفطرت والغاشية وسبح والليل والفجر والبروج وإذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك والبلد والضحى والطارق والعاديات وأرأيت والقارعة ولم يكن والشمس وضحاها
[ ١ / ١٧ ]
والتين وويل لكل همزة وألم تر كيف ولإيلاف قريش وألهاكم وإنا أنزلناه وإذا زلزلت والعصر وإذا جاء نصر الله والكوثر وقل يا أيها الكافرون وتبت وقل هو الله أحد وألم نشرح وليس فيه الحمد ولا المعوذتان.
***