الأول: لا خلاف أن كل ما هو من القرآن يجب أن يكون متواترا فى أصله وأجزائه وأما فى محله ووضعه وترتيبه فكذلك عند محققى أهل السنة للقطع بأن العادة تقضى بالتواتر فى تفاصيل مثله؛ لأن هذا القرآن العظيم الذى هو أصل الدين القويم والصراط المستقيم مما تتوافر الدواعى على نقل جمله وتفاصيله، فما نقل آحادا ولم يتواتر يقطع بأنه ليس من القرآن قطعا.
وذهب كثير من الأصوليين إلى أن التواتر شرط فى ثبوت ما هو من القرآن بحسب أصله وليس بشرط فى محله ووضعه وترتيبه بل يكثر فيها نقل الآحاد، وهو الذى يقتضيه صنع الشافعى فى إثبات البسملة من كل سورة، ورد هذا المذهب بأن الدليل السابق يقتضى التواتر فى الجميع، ولأنه لو لم يشترط التواتر لجاز سقوط كثير من القرآن المكرر، وثبوت كثير مما ليس بقرآن.
أما الأول، فلأنا لو لم نشترط التواتر فى المحل جاز أن لا يتواتر كثير مما ليس بقرآن. وأما الثانى، فلأنه إذا تواتر بعض القرآن بحسب المحل، جاز إثبات ذلك البعض فى الموضع بنقل الآحاد.
وقال القاضى أبو بكر فى الانتصار: ذهب قوم من الفقهاء والمتكلمين إلى إثبات قرآن، حكما لا علما، بخبر الواحد، وكره ذلك أهل الحق وامتنعوا منه.
وقال قوم من المتكلمين: إنه يسوغ إعمال الرأى والاجتهاد فى إثبات قراءة وأوجه وأحرف إذا كانت تلك الأوجه صوابا العربية، وإن لم يثبت أن النبى ﷺ قرأ بها، وأبى ذلك أهل الحق وأنكروه وخطؤؤا من قال به، انتهى.
وقد بنى المالكية وغيرهم ممن قال بإنكار البسملة قولهم على الأصل وقرروه بأنها لم تتواتر فى أوائل السور، وما لم يتواتر فليس بقرآن، وأجيب من قبلنا بمنع كونها لم تتواتر فرب متواتر عند قوم دون آخرين، وفى وقت دون آخر، ويكفى فى تواترها إثباتها فى مصاحف الصحابة فمن بعدهم بخط المصحف مع منعهم أن يكتب فى المصحف ما ليس منه كأسماء السور، وآمين، والأعشار، فلو لم تكن قرآنا لما استجازوا إثباتها، لأن ذلك يحمل على اعتقادها قرآنا، فيكونوا مغررين بالمسلمين، حاملين لهم على اعتقاد ما ليس بقرآن قرآنا، وهذا مما لا يجوز اعتقاده فى الصحابة.
فإن قيل لعلها أثبتت للفصل بين السور أجيب بأن هذا فيه تغرير ولا يجوز ارتكابه لمجرد
[ ١ / ٢٧ ]
الفصل، ولو كانت له لكتبت بين براءة والأنفال.
ويدل لكونها قرآنا منزلا ما أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وغيرهم عن أم سلمة أن النبى ﷺ كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الحديث، وفيه: وعد بسم الله الرحمن الرحيم آية، ولم يعد عليهم.
وأخرج ابن خزيمة والبيهقى فى «المعرفة» بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: استرق الشيطان من الناس أعظم آية من القرآن بسم الله الرحمن الرحيم.
وأخرج البيهقى فى «الشعب» وابن مردويه بسند حسن من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: أغفل الناس آية من كتاب الله لم تنزل على أحد سوى النبى ﷺ إلا أن يكون سليمان ابن داود: بسم الله الرحمن الرحيم.
وأخرج الدار قطنى والطبرانى فى «الأوسط» بسند ضعيف عن بريدة، قال: قال النبى ﷺ:
«لا أخرج من المسجد حتى أخبرك بآية لم تنزل على نبى بعد سليمان غيرى ثم قال: بأى شئ تفتتح القرآن إذا افتتحت الصلاة؟ قلت: بسم الله الرحمن الرحيم، قال: هى هى».
وأخرج أبو داود والحاكم والبيهقى والبزار من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:
«كان النبى ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم. . .».
زاد البزار: فإذا نزلت عرف أن السورة قد ختمت واستقبلت أو ابتدئت سورة أخرى.
وأخرج الحاكم من وجه آخر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا نزلت علموا أن السورة قد انقضت. . .». إسناده صحيح على شرط الشيخين.
وأخرج الحاكم أيضا من وجه آخر عن سعيد، عن ابن عباس «أن النبى ﷺ كان إذا جاءه جبريل، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم علم أنها سورة». إسناده صحيح.
وأخرج البيهقى فى «الشعب» وغيره عن ابن مسعود، قال: كنا لا نعلم فصلا بين السورتين حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم.
قال أبو شامة: يحتمل أن يكون ذلك وقت عرضه ﷺ على جبريل كان لا يزال يقرأ فى السورة إلى أن يأمره جبريل بالتسمية، فيعلم أن السورة قد انقضت، وعبر ﷺ بلفظ النزول إشعارا بأنها قرآن فى جميع أوائل السور، ويحتمل أن يكون المراد أن جميع آيات كل سورة كانت تنزل قبل نزول البسملة، فإذا كملت آياتها نزل جبريل بالبسملة واستعرض السورة فيعلم النبى ﷺ أنها قد ختمت ولا يلحق بها شيئا.
وأخرج ابن خزيمة والبيهقى بسند صحيح عن ابن عباس قال: السبع المثانى فاتحة الكتاب، قيل فأين السابعة؟ قال: بسم الله الرحمن الرحيم.
[ ١ / ٢٨ ]
وأخرج الدار قطنى بسند صحيح عن على أنه سئل عن السبع المثانى، فقال: الحمد لله رب العالمين، فقيل له: إنما هى ست آيات، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم آية.
وأخرج الدار قطنى وأبو نعيم والحاكم فى تاريخه بسند ضعيف عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: كان جبريل إذا جاءنى بالوحى أول ما يلقى علىّ: بسم الله الرحمن الرحيم.
وأخرج الواحدى من وجه آخر عن نافع، عن ابن عمر قال: نزلت بسم الله الرحمن الرحيم فى كل سورة.
وأخرج البيهقى من وجه ثابت عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقرأ فى الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم، وإذا ختم السورة قرأها، ويقول: ما كتبت فى المصحف إلا لتقرا.
وأخرج الدار قطنى بسند صحيح عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قرأتم الحمد، فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم، فإنها أم الكتاب والسبع المثانى وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها».
وأخرج مسلم عن أنس قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما، فقال: «أنزلت علىّ آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر. . .» الحديث.
فهذه الأحاديث تعطى التواتر المعنوى بكونها قرآنا منزلا فى أوائل السور.
ومن المشكل على الأصل ما ذكره الإمام فخر الدين الرازى، قال: نقل فى بعض الكتب القديمة أن ابن مسعود كان ينكر كون سورة الفاتحة والمعوذتين من القرآن، وهو فى غاية الصعوبة؛ لأنا إن قلنا: إن النقل المتواتر كان حاصلا فى عصر الصحابة، يكون ذلك من القرآن فإنكاره يوجب الكفر، وإن قلنا: لم يكن حاصلا فى ذلك الزمان، فيلزم أن القرآن ليس بمتواتر فى الأصل، قال: والأغلب على الظن أن نقل هذا المذهب عن ابن مسعود نقل باطل، وبه يحصل الخلاص عن هذه العقدة.
وكذا قال القاضى أبو بكر: لم يصح عنه أنها ليست من القرآن ولا حفظ عنه إنما حكها وأسقطها من مصحفه إنكارا لكتابتها لا جحدا لكونها قرآنا؛ لأن السنة كانت عنده أن لا يكتب فى المصحف إلا ما أمر النبى ﷺ بإثباته فيه، ولم يجده كتب ذلك ولا سمعه أمر به.
وقال النووى فى شرح المهذب: أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن، وأن من جحد منها شيئا كفر، وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح.
وقال ابن حزم فى كتاب القدح المعلى تتميم المجلى: هذا كذب على ابن مسعود وموضوع، وإنما صح عنه قراءة عاصم، عن زر، عنه وفيها المعوذتان والفاتحة.
وقال ابن حجر فى شرح البخارى: قد صح عن ابن مسعود إنكار ذلك فأخرج أحمد
[ ١ / ٢٩ ]
وابن حبان عنه أنه كان لا يكتب المعوذتين فى مصحفه.
وأخرج عبد الله بن أحمد فى زيادات المسند والطبرانى وابن مردويه من طريق الأعمش، عن أبى إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعى، قال: كان عبد الله بن مسعود يحك المعوذتين من مصاحفه، ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله.
وأخرج البزار والطبرانى من وجه آخر عنه أنه كان يحك المعوذتين من المصحف ويقول:
إنما أمر النبى ﷺ أن يتعوذ بهما، وكان عبد الله لا يقرأ بهما أسانيدها صحيحة.
قال البزار: ولم يتابع ابن مسعود على ذلك أحد من الصحابة، وقد صح أنه ﷺ قرأهما فى الصلاة.
قال ابن حجر: فقول من قال: إنه كذب عليه مردود والطعن فى الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل بل الروايات صحيحة والتأويل محتمل.
قال: وقد أوله القاضى وغيره على إنكار الكتابة كما سبق، قال: وهو تأويل حسن إلا أن الرواية الصريحة التى ذكرتها تدفع ذلك حيث جاء فيها ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله.
قال: ويمكن حمل لفظ كتاب الله على المصحف، فيتم التأويل المذكور، لكن قال: من تأمل سياق الطرق المذكورة استبعد هذا الجمع.
قال: وقد أجاب ابن الصباغ بأنه لم يستقر عنده القطع بذلك ثم حصل الاتفاق بعد ذلك وحاصله أنهما كانتا متواترتين فى عصره لكنهما لم يتواترا عنده، انتهى.
وقال ابن قتيبة فى مشكل القرآن: ظن ابن مسعود أن المعوذتين ليستا من القرآن؛ لأنه رأى النبى ﷺ يعوذ بهما الحسن والحسين، فأقام على ظنه، ولا نقول إنه أصاب فى ذلك وأخطأ المهاجرون والأنصار.
قال: وأما أسقاطه الفاتحة من مصحفه فليس لظنه أنها ليست من القرآن معاذ الله، ولكنه ذهب إلى أن القرآن إنما كتب وجمع بين اللوحين مخافة الشك والنسيان والزيادة والنقصان، ورأى أن ذلك مأمون فى سورة الحمد لقصرها ووجوب تعلمها على كل أحد.
قال السيوطى: وإسقاطه الفاتحة من مصحفه، أخرجه أبو عبيد بسند صحيح كما تقدم فى أوائل النوع التاسع عشر.
التنبيه الثانى: قال الزركشى فى البرهان: القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحى المنزل على محمد ﷺ للبيان والإعجاز، والقراءات اختلاف ألفاظ الوحى المذكور فى الحروف وكيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرهما والقراءات السبع متواترة عند الجمهور، وقيل: بل هى مشهورة.
قال الزركشى: والتحقيق أنها متواترة عن الأئمة السبعة أما تواترها عن النبى ﷺ، ففيه
[ ١ / ٣٠ ]
نظر، فإن اسنادهم بهذه القراءات السبعة موجود فى كتب القراءات وهى نقل الواحد عن الواحد.
قال السيوطى: فى ذلك نظر لما سيأتى، واستثنى أبو شامة كما تقدم الألفاظ المختلف فيها عن القراء واستثنى ابن الحاجب ما كان من قبيل الأداء كالمد والإمالة وتحقيق الهمزة.
وقال غيره: الحق أن الأصل المد والإمالة، ولكن التقدير غير متواتر للاختلاف فى كيفيته كذا قال الزركشى قال: وأما أنواع تحقيق الهمزة فكلها متواترة.
وقال ابن الجزرى: لا نعلم أحدا تقدم ابن الحاجب إلى ذلك.
وقد نص على تواتر ذلك كله أئمة الأصول كالقاضى أبى بكر وغيره، وهو الصواب؛ لأنه إذا ثبت تواتر اللفظ ثبت تواتر هيئة أدائه لأن اللفظ لا يقوم إلا به ولا يصح إلا بوجوده.
التنبيه الثالث: قال أبو شامة: ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هى التى أريدت فى الحديث وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل.
وقال أبو العباس بن عمار: لقد نقل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغى له وأشكل الأمر على العامة بإبهامه كل من قل نظره إن هذه القراءات هى المذكورة فى الخبر، وليته إذا اقتصر نقص عن السبعة أو زاد ليزيل الشبهة، ووقع له أيضا فى اقتصار على كل إمام على روايين أنه صار من سمع قراءة راو ثالث غيرهما أبطلها وقد تكون هى أشهر وأصح وأظهر وربما بالغ من لا يفهم فخطأ أو كفر.
وقال أبو بكر بن العربى: ليست السبعة متعينة للجواز حتى لا يجوز غيرها كقراءة أبى جعفر وشيبة والأعمش ونحوهم، فإن هؤلاء مثلهم أو فوقهم. وكذا قال غير واحد منهم مكى وأبو العلاء الهمدانى وآخرون من أئمة القراء.
وقال أبو حيان: ليس فى كتاب ابن مجاهد ومن تبعه من القراءات المشهورة إلا النزر اليسير، فهذا أبو عمرو بن العلاء اشتهر عنه سبعة عشر راويا ثم ساق أسماءهم واقتصر فى كتاب ابن مجاهد على اليزيدى، واشتهر عن اليزيدى عشرة أنفس، فكيف يقتصر على السوسى والدورى وليس لهما مزية على غيرهما؛ لأن الجميع مشتركون فى الضبط والإتقان والاشتراك فى الأخذ. قال: ولا أعرف لهذا سببا إلا ما قضى من نقص العلم.
وقال المكى: من ظن أن قراءة هؤلاء كنافع وعاصم هى الأحرف السبعة التى فى الحديث فقد غلط غلطا عظيما، قال: ويلزم من هذا أيضا أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة غيرهم ووافق خط المصحف أن لا يكون قرآنا وهذا غلط عظيم فإن الذين صنفوا القراءات من الأئمة المتقدمين كأبى عبيد القاسم بن سلام وأبى حاتم السجستانى وأبى جعفر الطبرى وإسماعيل القاضى قد ذكروا أضعاف هؤلاء، وكان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة أبى عمرو ويعقوب، وبالكوفة على قراءة حمزة وعاصم، وبالشام على قراءة ابن
[ ١ / ٣١ ]
عامر، وبمكة على قراءة ابن كثير، وبالمدينة على قراءة نافع، واستمروا على ذلك فلما كان على رأس الثلاثمائة أثبت ابن مجاهد اسم الكسائى وحذف يعقوب، قال: السبب فى الاقتصار على السبعة مع أن فى أئمة القراء من هو أجل منهم قدرا أو مثلهم أكثر من عددهم أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيرا جدا، فلما تقاصرت الهمم اقتصروا مما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى من اشتهر بالثقة والأمانة وطول العمر فى ملازمة القراءة به والاتفاق على الأخذ عنه، فافردوا من كل مصر واحدا ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه الأئمة غير هؤلاء من القراءات ولا القراءة به كقراءة يعقوب وأبى جعفر وشيبة وغيرهم.
قال: وقد صنف ابن جبر المكى مثل ابن مجاهد كتابا فى القراءات، فاقتصر على خمسة، اختار من كل مصر إماما، وإنما اقتصر على ذلك؛ لأن المصاحف التى أرسلها عثمان كانت خمسة إلى هذه الأمصار، ويقال أنه وجه بسبعة، هذه الخمسة ومصحفا إلى اليمن والبحرين، لكن لم يسمع لهذين المصحفين خبرا.
وأراد ابن مجاهد وغيره مراعاة عدد المصاحف استبدلوا من مصحف البحرين واليمن قارئين كمل بهما العدد، فصادف ذلك موافقة العدد الذى ورد الخبر به، فوقع ذلك بمن لم يعرف أصل المسألة ولم تكن له فطنة، فظن أن المراد بالأحرف السبعة القراءات السبع والأصل المعتمد عليه صحة السند فى السماع واستقامة الوجه فى العربية وموافقة الرسم وأصح القراءات سندا نافع وعاصم وأفصحها أبو عمرو والكسائى، انتهى.
وقال القراب فى الشافى: التمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سنة وإنما هو من جمع بعض المتأخرين، فانتشر، وأوهم أنه لا تجوز الزيادة على ذلك وذلك لم يقل به أحد.
وقال الكواشى: كل ما صح سنده واستقام وجهه فى العربية ووافق خط المصحف الإمام، فهو من السبعة المنصوصة، ومتى فقد شرط من الثلاثة فهو من الشاذ.
وقد اشتد إنكار أئمة هذا الشأن على من ظن انحصار القراءات المشهورة فى مثل ما فى التيسير والشاطبية وآخر من صرح بذلك الشيخ تقى الدين السبكى، فقال فى شرح المنهاج قال الأصحاب: تجوز القراءة فى الصلاة وغيرها بالقراءات السبع ولا تجوز بالشاذ، وظاهر هذا يوهم أن غير السبع المشهورة من الشواذ.
وقد نقل البغوى الاتفاق على القراءة بقراءة يعقوب وأبى جعفر مع السبع المشهورة، وهذا القول هو الصواب، قال: واعلم أن الخارج عن السبع المشهورة على، قسمين: منه ما يخالف رسم المصحف، فهذا لا شك فى أنه لا تجوز قراءته لا فى الصلاة ولا فى غيرها، ومنه ما لا يخالف رسم المصحف ولم تشتهر القراءة به، وإنما ورد من طريق غريب لا يعول عليها، وهذا يظهر المنع من القراءة به أيضا، ومنه ما اشتهر عن أئمة هذا الشأن القراءة به قديما وحديثا
[ ١ / ٣٢ ]
فهذا لا وجه للمنع منه، ومن ذلك قراءة يعقوب وغيره.
قال: والبغوى أولى من يعتمد عليه فى ذلك فإنه مقرئ فقيه جامع للعلوم، قال: وهكذا التفصيل فى شواذ السبعة، فإن عنهم شيئا كثيرا شاذا، انتهى.
وقال ولده فى منع الموانع: إنما قلنا فى الجوامع والسبع متواترة، ثم قلنا فى الشاذ والصحيح إنه ما وراء العشرة ولم نقل: والعشر متواترة؛ لأن السبع لم يختلف فى تواترها فذكرنا أولا موضع الإجماع ثم عطفنا عليه موضع الخلاف، قال: على أن القول بأن القراءات الثلاث غير متواترة فى غاية السقوط ولا يصح القول به عمن يعتبر قوله فى الدين، وهى لا تخالف رسم المصحف، قال: وقد سمعت أبى يشدد النكير على بعض القضاة وقد بلغه أنه منع من القراءة بها واستأذنه بعض أصحابنا مرة فى إقراء السبع، فقال: أذنت لك أن تقرأ العشر، انتهى.
وقال: فى جواب سؤال سأله ابن الجزرى عن القراءات السبع التى اقتصر عليها الشاطبى والثلاث التى هى قراءة أبى جعفر ويعقوب وخلف متواترة معلومة من الدين بالضرورة وكل حرف انفرد به واحد من العشرة معلوم من الدين بالضرورة أنه منزل على رسول الله ﷺ لا يكابر فى شئ من ذلك إلا جاهل.
التنبيه الرابع: باختلاف القراءات يظهر الاختلاف فى الأحكام، ولهذا بنى الفقهاء وضوء الملموس وعدمه على اختلاف القراءة فى «لمستم» و«لامستم»، وجواز وطء الحائض عند الانقطاع قبل الغسل وعدمه على الاختلاف فى «يطهرن» وقد حكوا خلافا غريبا فى الآية إذا قرئت بقراءتين، فحكى أبو الليث السمرقندى فى كتاب البستان قولين أحدهما: أن الله قال بهما جميعا. والثانى: أن الله قال بقراءة واحدة إلا أنه أذن أن تقرأ بقراءتين، ثم اختار توسطا، وهو أنه إن كان لكل قراءة تفسير يغاير الآخر، فقد قال بهما جميعا وتصير القراءتان بمنزله آيتين مثل «حتى يطهرن»، وإن كان تفسيرهما واحدا، فإن قيل إذا قلتم أنه قال بإحداهما، فأى القراءتين هى؟ قلنا: التى بلغة قريش انتهى.
وقال بعض المتأخرين: لاختلاف القراءات وتنوعها فوائد منها التهوين والتسهيل والتخفيف على الأمة، ومنها إظهار فضلها وشرفها على سائر الأمم، إذ لم ينزل كتاب غيرهم إلا على وجه واحد، ومنها إعظام أجرها من حيث إنهم يفرغون جهدهم فى تحقيق ذلك وضبطه حتى مقادير المدات وتفاوت الإمالات ثم فى تتبع معانى ذلك واستنباط الحكم والأحكام من دلالة كل لفظ وإمعانهم الكشف عن التوجيه والتعليل والترجيح، ومنها إظهار سر الله فى كتابه وصيانته عن التبديل والاختلاف مع كونه على هذه الأوجه الكثيرة، ومنها المبالغة فى إعجازه بإيجازه، إذ تنوع القراءات بمنزلة الآيات، ولو جعلت دلالة كل لفظ آية على حدة لم يخف ما كان فيه من التطويل ولهذا كان قوله: «وأرجلكم» منزلا لغسل الرجل والمسح على الخف واللفظ واحد لكن باختلاف إعرابه، ومنها أن بعض القراءات يبين ما
[ ١ / ٣٣ ]
لعله مجمل فى القراءة الأخرى، فقراءة «يطهرن» بالتشديد مبنية لمعنى قراءة التخفيف، وقراءة:
«فامضوا إلى ذكر الله» تبين أن المراد بقراءة «اسعوا» الذهاب لا المشى السريع.
وقال أبو عبيد فى فضائل القرآن: المقصد من القراءة الشاذة تفسير القراءة المشهورة وتبيين معانيها كقراءة عائشة وحفصة «والصلاة الوسطى صلاة العصر» وقراءة ابن مسعود: «فاقطعوا أيمانهما».
قال: فهذه الحروف وما شاكلها قد صارت مفسرة للقرآن، وقد كان يروى مثل هذا عن التابعين فى التفسير فيحسن، فكيف إذا روى عن كبار الصحابة ثم صار فى نفس القراءة فهو أكثر من التفسير وأقوى، فأدنى ما يستنبط من هذه الحروف معرفة صحة التأويل، انتهى.
التنبيه الخامس: اختلف فى العمل بالقراءة الشاذة فنقل إمام الحرمين فى البرهان عن ظاهر مذهب الشافعى أنه لا يجوز وتبعه أبو نصر القشيرى، وجزم به ابن الحاجب لأنه نقله على أنه قرآن ولم يثبت، وذكر القاضيان أبو الطيب والحسين والرويانى والرافعى العمل بها تنزيلا لها منزلة خبر الآحاد، وصححه ابن السبكى فى الجوامع وشرح المختصر، وقد احتج الأصحاب على قطع يمين السارق بقراءة ابن مسعود وعليه أبو حنيفة أيضا، واحتج على وجوب التتابع فى صوم كفارة اليمين بقراءته «متتابعات» ولم يحتج بها أصحابنا لثبوت نسخها.
التنبيه السادس: من المهم معرفة توجيه القراءات وقد اعتنى به الأئمة وأفردوا فيه كتبا منها «الحجة» لأبى على الفارسى و«الكشف» لمكى و«الهداية» للمهدوى و«المحتسب» فى توجيه الشواذ لابن جنى، الذى نقدمه للقارئ اليوم.
قال الكواشى: وفائدته أن يكون دليلا على حسب المدلول عليه أو مرجحا إلا أنه ينبغى التنبيه على شئ وهو أنه ترجيح إحدى القراءتين على الأخرى ترجيحا يكاد يسقطها وهذا غير مرضى؛ لأن كلا منهما متواتر.
وقد حكى أبو عمر الزاهد فى كتاب «اليواقيت» عن ثعلب أنه قال: إذا اختلف الإعرابان فى القراءات لم أفضل إعرابا على إعراب، فإذا خرجت إلى كلام الناس فضلت الأقوى.
وقال أبو جعفر النحاس: السلامة عند أهل الدين إذا صحت القراءتان أن لا يقال إحداهما أجود؛ لأنهما جميعا عن النبى ﷺ فيأثم من قال ذلك، وكان رؤساء الصحابة ينكرون مثل هذا.
وقال أبو شامة: أكثر المصنفون من الترجيح بين قراءة «مالك» و«ملك» حتى أن بعضهم بالغ إلى حد يكاد يسقط وجه القراءة الأخرى، وليس هذا بمحمود بعد ثبوت القراءتين، انتهى.
وقال بعضهم: توجيه القراءات الشاذة أقوى فى الصناعة من توجيه المشهورة.
***
[ ١ / ٣٤ ]