﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٢) من ذلك قراءة عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان ﵄، وابن مسعود وإبراهيم النخعى، والأعمش، وأصحاب عبد الله وزيد بن على، وجعفر بن محمد وأبى رجاء بخلاف، ورويت عن النبى ﷺ: «الحىّ القيّام»، وقرأ علقمة: «الحىّ القيّم».
قال أبو الفتح: أما «القيّام» ففيعال من قام يقوم؛ لأن الله تعالى هو القيم على كل نفس، ومثله من الصفة على فيعال الغيداق والبيطار. وأصله القيوام فلما التقت الواو والياء وسبقت الأولى بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء فصارت القيام، ومثله قولهم: «ما بالدار ديّار»، وهو فيعال من دار وأصلها ديوار، وأهل الحجاز يقولون، للصّوّاغ: الصّيّاغ. فعلى هذا ينبغى أن يحمل لا على فعّال؛ لأنه كان يجب أن يكون صوّاغا. هذا هو الباب.
وأما الفيّاد لذكر البوم فحمله أبو علىّ على أنه فعّال من الأسماء، وذلك أنه من فاد يفيد إذا تبختر. وأما الجيّار للسّعال فكذا يجب أن يكون أيضا، وهو فعّال من لفظ «جير» بمعنى نعم ومعناها؛ وذلك أن السّعلة تجيب أختها كما أن جير جواب.
قال العجّاج:
تجاوب الرّعد إذا تبوّجا
وأنشدنا أبو على:
[ ١ / ٢٤٦ ]
إذا حنّت الأولى سجعن لها معا
والحديث طويل لكن هذا طريقه.
وأما القيّم ففيعل من قام يقوم بأمره، وهو من لفظ قيّام ومعناه قال:
الله بينى وبين قيّمها … يفر منى بها وأتّبع
لما قال الشاعر هذا قيل له: لا، بل الله بين قيمها وبينك.
والقيوم قراءة الجماعة، فيعول هذا أيضا، ومثله الدّيّور فى معنى الدّيّار.
***
﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾ (٣) ومن ذلك قراءة الحسن: «الأنجيل»، بفتح الهمزة.
قال أبو الفتح: هذا مثال غير معروف النظير فى كلامهم؛ لأنه ليس فيه أفعيل بفتح الهمزة. ولو كان أعجميا لكان فيه ضرب من الحجاج، لكنه عندهم عربى، وهو أفعيل من نجل ينجل: إذا أثار واستخرج، ومنه نجل الرجل لولده؛ لأنه كأنه استخرجهم من صلبه وبطن امرأته، قال الأعشى:
أنجب أزمان والده به … إذ نجلاه فنعم ما نجلا
أى أنجب والده به أزمان إذ نجلاه، ففصل بالفاعل بين المضاف الذى هو أزمان وبين المضاف إليه الذى هو إذ، كقولهم: حينئذ، ويومئذ، وساعتئذ، وليلتئذ.
وقال أبو النجم:
تنجل أيديهن كل منجل
[ ١ / ٢٤٧ ]
يريد أيدى الإبل، أى تثير بأيديها فى سيرها ما تمر به من نبت وحجر وغيرهما.
وقيل له: إنجيل لأنّ به ما استخرج علم الحلال والحرام ونحوهما، كما قيل: توراة، وهو فوعلة من ورى الزند إذا قدح وأصله وورية، فأبدلت الواو التى هى الفاء تاء كما قالوا: التّجاه والتّخمة والتّكلان والتّيقور، وهى من الوجه الوخامة والوكيل والوقار.
وقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت توراة. فهذه من ورى الزّند: إذا ظهرت ناره، وهذا من نجل ينجل: إذا استخرج، لما فى هذين الكتابين من معرفة الحلّ والحرم كما قيل لكتاب نبينا ﷺ: الفرقان؛ لأنه فرّق بين الحق والباطل. وهذا الحديث الذى نحن عليه من باب ضمنه كتابنا الخصائص وسمته: باب فى تلاقى المعانى على اختلاف الأصول والمبانى، وذلك أن التوراة من لفظ ورى، والإنجيل من لفظ «ن ج ل»، والفرقان من «ف ر ق». والتوراة فوعلة، والإنجيل إفعيل، والفرقان فعلان.
فالأصول مختلفة والمبانى كذلك، والمعانى واحدة ومعتنقة، وكلها للإظهار والإبراز والفرق بين الأشياء، أفلا ترى إلى هذه الحكمة الممرور بها، الواطئة الأقدام عليها، المسهوّ لعادة الدعة وقلة المراعاة والمراجعة عنها؟.
وفى كل شئ له شاهد … يدل على أنه واحد
ونظائره تكاد تكون أكثر من الرمل، منه قولهم للمسك: صوار، فأصلاهما مختلفان:
هذا من «م س ك»، وهذا من «ص ور». ومثالاهما كذلك؛ لأن مسكا فعل، وصوار فعال، ومعنياهما واحد. وذلك لأنه سمى مسكا لأنه بطيب رائحته يمسك الحس عليه استلذاذا له، وصوار من صار يصور إذا عطف وجمع فأمسكت الشئ وعطفته وجمعته شئ واحد. ومنه قولهم: سحاب، قيل له ذلك، كما قيل له حبىّ: فهذا من «ح ب و»، وهذا من «س ح ب». وسحاب فعال، وحبى فعيل، فالأصلان مختلفان، والمثالان اثنان
[ ١ / ٢٤٨ ]
والمعنيان واحد، وذلك أنه لثقله ما ينسحب على وجه الأرض، وكذلك ما يحبو عليها.
قالت امرأة تصف غيثا:
وأقبل يزحف زحف الكسير … كأن على عضديه رفاقا
وقال أوس أو عبيد:
دان مسف فويق الأرض هيدبه … يكاد يدفعه من قام بالرّاح
واللطيف الحسن الجميل كثير، لكن أين لك بالمحسن المستثير؟ فهذا حديث هذا المثال الذى هو الإنجيل، وأما فتحه فغريب، ولكنه الشيخ أبو سعيد نضر الله وجهه ونور ضريحه. ونحن نعلم أنه لو مر بنا حرف لم نسمعه إلا من رجل من العرب لوجب علينا تسليمه له إذا أونست فصاحته، وأن نبهأ به، ونتحلى بالمذاكرة بإعرابه. فكيف الظن بالإمام فى فصاحته وتحريه وثقته؟ ومعاذ الله أن يكون ذلك شيئا جنح فيه إلى رأيه دون أن يكون أخذه عمن قبله. وبعد فقد حكى أبو زيد فى السّكّينة: السّكّينة، بفتح السين وتشديد الكاف. فهذا فعّيلة وإن لم يكن لها نظير، وإفعيل أخو فعّيل.
[ ١ / ٢٤٩ ]
وأحسبنى سمعت فى برطيل برطيل.
فهذا فعليل بفتح الفاء، وأفعيل وفعليل وفعّيل يكاد يكون مثالا واحدا.
***
﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ (٨) ومن ذلك قراءة أبى واقد الجرّاح: «ربّنا لا تزغ قلوبنا»».
قال أبو الفتح: هذا فى المعنى عائد إلى قراءة الجماعة: ﴿لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾، وذلك أنه فى الظاهر طلب من القلوب ورغبة إليها، فهو كقول الراجز فيما أنشده ابن الأعرابى.
يا رب لا يرجع إلينا طفيلا
وفسره طفلا فظاهر الطلب والرغبة إلى ذلك الإنسان المدعو إليه.
وإنما المسئول الله سبحانه، حتى كأنه قال: اللهم لا ترجعه إلينا، ويؤكّد فى ذلك النداء فى قوله تعالى: «رَبَّنا».
ويزيد فى شرحه لك أنك تقول للأمير: لا ترهقنى؛ لأنه يملك التنفيس عنك، ولا تقول له: أيها الأمير أدخلنى الجنة؛ لأن ذلك ليس له ولا إليه.
فقد علمت إذا أن معنى «لا تُزِغْ قُلُوبَنا» هو معنى ﴿لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾؛ ألا ترى أن القلوب لا تملك شيئا فيطلب منها؟ فالمسئول إذا واحد وهو الله سبحانه.
***
﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ (١٣) ومن ذلك قراءة ابن عباس وطلحة: «يرونهم مثليهم»، بياء مضمومة.
[ ١ / ٢٥٠ ]
قال أبو الفتح: هذه قراءة حسنة المعنى، وذلك أن رأيت وأرى أقوى فى اليقين من أريت وأرى. تقول: أرى أن سيكون كذا، أى: هذا غالب ظنى، وأرى أن سيكون كذا، أى: أعلمه وأتحققه، وسبب ذلك أن الإنسان قد يريه غيره الشئ فلا يصح له، فمعناه إذا أن غيره يشرع فى أن يراه ولا أنه هو لا يراه. وأما أرى فإخبار بيقين منه، فكذلك هذه الآية «يرونهم مثليهم»، أى: يصوّر لهم ذلك وإن لم يكن حقا؛ لأن الشئ الواحد لا يكون اثنين فى حال واحد قد يظن ويتوهم شيئين بل أشياء كثيرة. ومثله قول الله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا﴾، فهذا يحسّن هذه القراءة.
وأما قراءة الجماعة: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ فلأنها أقوى معنى، وذلك أنه أوكد لفظا، أى حتى لا يقع شك فيهم ولا ارتياب بهم أنهم مثلاهم. فهذا أبلغ فى معناه من أن يكون مر يريهم ذلك، فقد يجوز أن يتم له ذلك وقد لا، هذا فى ظاهر الأمر؛ فأما على اليقين ومع الحقيقة فلا يجوز أن يكون الشئ الواحد شيئين اثنين فيما له كان واحدا. ومما جاء مفصولا فيه بين أرى وأرى قوله:
ترى أو تراءى عند معقد غرزها … تهاويل من أجلاد هرّ مؤوّم
فلما قال: «ترى» استكثر ذلك لأنه مع التحصيل لا حقيقة له، فأتبعه بما لان له القول الأول، فقال: أو تراءى فاعرف ذلك.
***
﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ (١٤) ومن ذلك قراءة مجاهد: «زيّن للناس حبّ الشهوات»، بفتح الزاى والياء.
قال أبو الفتح: فاعل هذا الفعل إبليس، ودل عليه ما يتردد فى القرآن من ذكره.
فهذا نحو قول الله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾، وما جرى هذا المجرى.
***
[ ١ / ٢٥١ ]
﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ﴾ (١٨) ومن ذلك قراءة الناس: ﴿شَهِدَ اللهُ﴾ وقرأ أبو المهلّب محارب بن دثار:
«شهداء لله». مضمومة الشين، مفتوحة الهاء، ممدودة على فعلاء.
قال أبو الفتح: هو منصوب على الحال من الضمير فى المستغفرين، أى يستغفرونه شهداء لله أنه لا إله إلا هو، وهو جمع شهيد. ويجوز أن يكون جمع شاهد، كعالم وعلماء، والأول أجود.
***
﴿ذُرِّيَّةً﴾ (٣٤) ومن ذلك قراءة الناس: ﴿ذُرِّيَّةً﴾، وقرأ زيد بن ثابت: «ذرّيّة» بكسر الذال، «وذرّيّة» بفتح الذال.
قال أبو الفتح: يحتمل أصل هذا الحرف أربعة ألفاظ:
أحدها: ذرأ، والثانى ذرر، والثالث ذرو، والرابع ذرى.
فأما الهمز فمن ذرأ الله الخلق. وأما ذرر فمن لفظ الذر ومعناه، وذلك لما ورد فى الخبر أن الخلق كان فى القديم كالذّر، وأما الواو والياء فمن ذروت الحب وذريته، يقالان جميعا؛ وذلك لقوله سبحانه: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾، وهذا للطفه
[ ١ / ٢٥٢ ]
وخفته، وتلك حال الذر أيضا. فهذه الأصول المنزوع إليها، المقود تصريف هذا الموضع عليها. فأما ذرّية المضمومة فإن أخذتها من ذرأ فإنها فى الأصل فعّيلة كمريّق، وأصلها ذرّيئة، فألزمت التخفيف أو البدل كنبىّ فى أكثر اللغة، وكالخابية، وكالبريّة فيمن أخذها من برأ الله الخلق، وغير ذلك مما ألزم التخفيف. ومثلها: ﴿كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ فيمن جعله فعّيلا من درأت؛ وذلك لأنه يدرأ الظلمة عن نفسه بضوئه، وأصله على هذا درّئ فخفف، وقد قرئ به مهموزا.
وإن أخذت الذّرّية من الذّرّ احتمل خمسة أوجه:
أحدها: أن يكون فعليّة كبختيّة وقمريّة.
والآخر: أن تكون منسوبة إلى الذّرّ، إلا أنه غير أولها؛ لما قد يعرض من التغيير لياءى الإضافة، كقولهم فى الإضافة إلى أمس: إمسى، وإلى الأفق أفقى، وإلى الحرم حرمى، وإلى جذيمة جذمىّ، وإلى عبيدة عبدى، وإلى الدّهر دهرى، وإلى السّهل سهلى.
والثالث: أن تكون ذرّية فعّيلة كمرّيقة؛ إلا أن أصلها ذرّيرة على هذا، فلما كثرت الراءات أبدلوا الآخرة ياء وأدغموا فيها ياء فعّيلة التى قبلها. ونحو منه مما أبدل فيه أحد الأمثال ياء هربا من تكريرها قولهم: تظّنّيت، وتسرّيت، وتلعّيت من اللّعاعة وهى بقلة، وقصّيت أظافرى، وتفضّيت من الفضة، وكقوله:
تقضّى البازى إذا البازى كسر
هو تفعّل من الانقضاض، وأصله تقضّض، كما أن أصل تظنيت تظننت، وتسرّيت تسررت، لأنه تفعّلت من السّرّية فيمن أخذها من السّر وهو النكاح، أو من السّر لأنه فى غالب الأمر مكتومة الأمر من صاحبة المنزل. وهذا قول أبى الحسن الكرخى.
وأصل تلعيت تلععت، وأصل قصّيت أظفارى قصصت. ويمكن أن يكون أخذت من أقاصيها فلا يكون مبدلا. وأصل تفضيت تفضّضت، وقالوا: فأبدلوا مع الاثنين فى أمللت الكتاب: أمليت، وقال الأسود بن يعفر:
وأقسمت لا أملاه حتى يفارقا …
[ ١ / ٢٥٣ ]
يريد أملّه فأبدلوا الثانى منها ياء للتكرير، ثم أبدلت الياء ألفا فصار أملاه.
وأخبرنا أبو على قال: قال أحمد بن يحيى عنهم «لا وربيك لا أفعل»، يريد: لا وربّك، ونظائره كثيرة. فأصل ذرّية على هذا ذرّيرة فعّيلة كمرّيقة، فأبدلت الراء الأخيرة لما ذكرنا ياء، وأدغمت فيها ياء فعّيلة، فصارت ذرّيّة.
والرابع أن تكون فعّولة كجبّورة وكسبّوح وقدّوس وأصلها على هذا ذرّورة، فأبدلت الراء الأخيرة-لما ذكرنا من اجتماع الأمثال-ياء فصارت ذرّوية، ثم أبدلت الواو لوقوعها ساكنة قبل الياء-ياء والضمة قبلها كسرة، وأدغمت فى الياء المبدلة من الراء، فصارت ذرّية كما ترى.
والخامس أن تكون فعلولة منه، كقردودة وحبرورة، وأصلها على هذا ذرورة؛ فعمل فيها ما عمل فيما يليها. فهذا حديث ذرية إذا كانت من ذرر.
وإن كانت من لفظ ذرو أو ذرى احتملت مثالين:
أحدهما: أن يكون فعّولة.
والآخر: أن يكون فعيلة. فإذا كانت فعّولة من الواو فأصلها ذرّوّة، كفعولة من غزوت غزّوّة، إلا أن الاسم طال وضوعفت فى آخره الواو فاستثقلت، فأبدلت اللام ياء للتخفيف فصار ذروية، فأبدلت الواو لوقوع الياء بعدها والواو ساكنة-ياء والضمة قبلها كسرة كما قلبت هى ياء وأدغمت الياء فى الياء، فصارت ذرية.
ومثل ذلك مما أبدل لطوله وثقل تضعيف الواو أدحيّة وأصلها أدحوّة لأنها من دحوت، وأدعيّة وأصلها أدعوّة؛ لأنها من دعوت، وأحجيّة وأصلها أحجوّة؛ لأنها من حجوت أى: ثبتّ وأضحيّة وأصلها أضحوّة؛ لأنها من الضحوة، فأبدلت لما ذكرنا، فصار جميعها إلى الياء.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وإن كانت ذرية من الياء، وهى فعّولة فخطبها أيسر؛ لأن أصلها ذروية، ولزمها من إبدال الواو وإدغامها ما لزم فيما قبلها. انقضى أمر ذرية بضم الذال.
وأما ذرّية بكسر الذال فتكون من ذرأ الله الخلق، فلا يجوز فيها إلا أن تكون فعّيلة، وأصلها ذرّيئة، ثم ألزمت التخفيف أو البدل على ما مضى فصارت ذرّية.
فإن أخذت ذريّة من الذّر احتملت أربعة أوجه:
أحدها: أن تكون فعليّة كحيرىّ دهر.
والآخر: أن تكون منسوبة إلى الذّر، إلا أنها كسر أولها للتغيير المعتاد مع ياءى الإضافة، كقولهم فى أمس: إمسى.
والثالث: أن تكون فعّيلة كبطيخة وجرّيّة، وأصلها ذرّيرة، ثم غيرت الراء الأخيرة لكثرة الراءات ياء على ما مضى، ثم أدغمت فيها الياء قبلها، فصارت ذرّيّة.
الرابع: أن تكون فعليلة كحلتيت وحبرير، وأصلها على هذا ذرّيرة، ثم عمل فيها ما عمل فى الذى يليها.
فإن أخذت ذرّية من ذرو أو من: ذرى لم تكن إلا فعّيلة البتة، وأصلها من الواو ذريوة، فأبدلت الواو ياء، وأدغمت فيها ياء المد قبلها، فصارت ذرية.
وإن كانت من الياء فلا صنعة فيها، فهى كفعّيلة من رميت رمّيّة. انقضت ذرّية بكسر الذال.
وأما ذرّيّة بفتح الذال فتكون من لفظ الذّر، وتكون من لفظ ذرأ، وتكون من لفظ ذرو، وتكون من لفظ ذرى. فإذا كانت من لفظ ذرر احتملت أن تكون فعليّة كبرنيّة، وأن تكون فعّولة كخرّوبة، وأن تكون فعلولة كبعكوكة، وأن تكون فعّيلة كسكّينة.
فتلك أربعة أوجه. أما فعليّة فأمرها واضح، وأما فعّولة فأصلها ذرّورة فاجتمعت الراءات فأبدلت الآخرة ياء على ما قدمنا ذكره من تظنيت وتقضيت، فصارت ذرّوية، فلما اجتمعت الواو والياء وسكن الأول منهما قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء فى الياء، فصار ذرّية.
وأما فعلولة فأصلها أيضا ذرّورة، فعمل فيها من البدل والإدغام ما عمل فى فعّولة.
[ ١ / ٢٥٥ ]
وأما فعّيلة فأصلها ذرّيرة، فأبدلت الراء الأخيرة لما ذكرنا ياء، وأدغمت فيها ياء المد قبلها، فصارت ذرّيّة.
فإذا كانت من لفظ ذرأ احتملت أن تكون فعّيلة كسكّينة، وأن تكون فعّولة كخرّوبة.
فإذا كانت فعّيلة فأصلها ذرّيئة، فألزمت الهمزة التخفيف البتة أو البدل فقلبت ياء، ثم أدغمت فيها الياء قبلها، فصارت ذرّية.
وأما إذا كانت فعّولة فأصلها ذرّوءة، فأبدلت الهمزة ياء فصارت ذرّوية، ثم أبدلت الواو ياء للياء بعدها، وأدغمت الياء المبدلة فى الياء الثانية، فصارت ذرّيّة.
ولا يجوز على هذا أن تكون همزة ذرّوءة خففت؛ لأنه لو كان كذلك لقلبت واوا لوقوع الواو قبلها ثم أدغمت واو فعّولة فيها فصارت ذرّوّة، كما أنك لو خفّفت مقروءة لقلت: مقروّة، وهذا واضح.
وأما فعّيلة أعنى ذرّيئة فإنك إن أبدلتها أو خفّفتها استوى فيها اللفظان، فقلت: ذرّيّة، كما تقول: فى تخفيف جرّيئة وإبدالها جرّيّة، وهذا واضح.
وإذا كانت من لفظ الذّرو فإنها تكون فعّيلة، وأصلها ذرّيوة، فقلبت الواو لسكون الياء قبلها، وأدغمت الياء الأولى فيها، فصارت ذرّيّة. ولا تحتمل وهى من الواو أن تكون فعّولة؛ لأنه كان يجب على هذا أن تكون ذرّوّة، والحمل على أدحيّة جائز، إلا أنه ليس بالظاهر، وليس كذلك أدعيّة وأدحيّة وأضحية؛ لأنه قد أمن أن يكون فى الكلام أفعيل؛ لأنه لم يأت عنهم، فلا بد إذا من أن يكون أصلها أدحوة وأدعوّة وأضحوّة، فغيرت إلى الياء تخفيفا استحسانا لا وجوبا، وليس كذلك ذرّية لو كانت من الذّرو؛ لأنه ليس واجبا فعّولة، بل قد يجوز أن تكون فعّيلة، فافهم ذلك.
وأما إذا كانت من ذرى فإنها تحتمل أن تكون فعّولة وفعّيلة، فأصل فعّولة ذرّوية، فأبدلت الواو للياء بعدها، وأدغمت الأولى فى الثانية، فصارت ذرّيّة.
وأصل فعّيلة ذرّية هكذا وكما ترى؛ لأنك أدغمت الياء الأولى فى الثانية فصارت ذرّيّة، ومثلها من قضيت قضّيّة، ومن رميت رمّيّة. انتهى القول فى ذرّية وذرّية وذرّية، ودعانا إلى إشباع القول عليها أن لم يتقدم أحد ببسطها، وحسبنا الله.
***
[ ١ / ٢٥٦ ]
بالحق»، خفيفة الزاى، ورفع الباء من الكتاب.
قال أبو الفتح: هذه القراءة تدل على استقلال الجملة التى هى قوله عز اسمه: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
ألا ترى أنه لا ضمير فى قوله: «نزل عليك الكتاب»؛ يعود على اسم الله تعالى؟ فعلى هذا ينبغى أن تكون جملة مستقلة أيضا فى قول من شدّد الزاى ونصب الكتاب، فيكون اسم الله مرفوعا بالابتداء، وقوله: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ خبر عنه، ويكون ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ صفة له وثناء عليه. وإن شئت جعلت قوله: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ ثناء عليه معترضا بين المبتدأ والخبر، ويكون ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ خبرين عنه، كحلو حامض.
وإن شئت جعلت قوله: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ خبرا عنه، و﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أيضا خبرين عنه، فيكون له ثلاثة أخبار.
وإن شئت أن تخبر عن المبتدأ بعشرة أخبار أو بأكثر من ذلك جاز وحسن؛ لما يتضمّنه كل خبر منها من الفائدة، فكأنه أخبر عنه وأثنى عليه، ثم أخذ يقصّ الحديث فقال:
«نزل عليك الكتاب».
ومن شدّد الزاى ونصب «الكتاب» جاز أن يكون على قوله خبرا رابعا، وجاز أن يكون أيضا جميع ما قبل نزل ثناء وإعظاما، ويفرد قوله: «نزل عليك الكتاب» فيجعل خبرا عنه، كقولك: الله سبحانه، وجل ثناؤه، وتقدست أسماؤه يأمر بالعدل وينهى عن السوء. وفيه أكثر من هذا، إلا أن هذا مقنعا بحمد الله.
***
﴿أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ (٣٩) ومن ذلك قراءة مجاهد وحميد الأعرج: «أن الله يبشرك»، بضم الياء، وسكون الباء، وكسر الشين خفيفة.
[ ١ / ٢٥٧ ]
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون هذا منقولا من بشرت بالأمر فى وزن أنفت وفرحت، كقولك: بطر وأبطرته، وخرق وأخرقته. يقال: بشر الرجل بالخير وأبشرته وبشّرته وبشرت خفيفة أيضا.
***
﴿آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزًا﴾ (٤١) ومن ذلك قراءة الأعمش: «إلا رمزا»، بضمتين.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون هذا على قول من جعل واحدتها رمزة، كما جاء عنهم ظلمة وظلمة، وجمعة وجمعة. ويجوز أن يكون جمع رمزة على رمز، ثم أتبع الضم الضم، كما حكى أبو الحسن عن يونس أنه قال: ما سمع فى شئ فعل إلا سمع فيه فعل، وعليه قول طرفة:
ورادا … وشقر
يريد شقرا.
***
﴿قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ﴾ [آل عمران:٥٢] ومن ذلك قراءة إبراهيم وأبى بكر الثقفى: «الحواريون»، مخففة الياء فى جميع القرآن.
[ ١ / ٢٥٨ ]
قال أبو الفتح: ظاهر هذه القراءة يوجب التوقف عنها والاحتشام منها؛ وذلك لأن فيها ضمة الياء الخفيفة المكسور ما قبلها، وهذا موضع تعافه العرب وتمتنع منه.
ألا ترى إلى قول الله سبحانه: ﴿فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ وأصله العاديون، فاستثقلت الضمة على الياء، فأسكنت وحذفت لسكونها وسكون الواو بعدها؟ فكان يجب على هذا أن يكون الحوارون كالقاضون والساعون، إلا أن هنا غرضا وفرقا بين الموضعين يكاد يقنع مثله، وذلك أن أصل هذه الياء أن تكون مشددة، وإنما خففت استثقالا لتضعيف الياء، فلما أريد فيها معنى التشديد جاز أن تحمّل الضمة تصورا لاحتمالها إياها عند التشديد، كما ذهب أبو الحسن فى تخفيف يستهزيون إلى أن أخلص الهمزة ياء البتة وحمّلها الضمة تذكّرا لحال الهمز المراد فيها: وكما قال فى مثال عضرفوط من قرأت: قرأ يوء، فأبدل الهمزة الثانية التى كانت فى قرأءوء ياء، ثم ضمها بعد أن أخلصها ياء وجرت مجرى الياء التى لا حظّ فيها لشئ من الهمز.
فإن قيل: فأى الياءين حذف من الحواريين؟.
قيل: المحذوفة هى أشبهها بالزيادة، وهى الأولى لأنها بإزاء ياء العطاميس والزناديق.
فإن قيل: فبالثانية وقع الاستثقال، فهلا حذفت دون الأولى؟.
قيل: قد يغير الأول من المثلين تخفيفا كما يغير الآخر. وذلك قوله:
يا ليتما أمّنا شالت نعامتها … أيما إلى جنة أيما إلى نار
يريد أمّا، وكذلك القول فى قيراط ودينار وديماس فيمن قال: دماميس، وديباج فيمن قال: دبابيج. وقد حذفت هذه الياء فى الواحد من هذا الجمع. أنشدنا أبو على وقرأته عليه أيضا فى نوادر أبى زيد:
بكّى بعينك واكف القطر … ابن الحوارى العالى الذكر
يريد الحوارىّ. وقد خففت ياء النسب فى غير موضع مع كونها مفيدة لمعنى النسب، فكيف بها إذا كان لفظها لفظ النسب ولا حقيقة له هناك؟ ألا ترى أن الحوارىّ بمنزلة كرسى فى أنه نسب لفظى، ولا حقيقة إضافة تحته؟.
***
[ ١ / ٢٥٩ ]
﴿قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ [آل عمران:٧٣]
ومن ذلك قراءة الحسن: «أن يوتى أحد مثل ما أوتيتم». قال أحمد بن صالح كذا قال: قال ابن مجاهد: وعلى هذا ينبغى أن يكون أن يوتى أحدا.
قال أبو الفتح: لا وجه لإنكار ابن مجاهد رفع أحد مع قوله «يوتى» مسمّى الفاعل، وذلك أن معناه أن يوتى أحد أحدا مثل ما أوتيتم، كقولك: أن يحسن أحد مثل ما أحسن إليكم، أى أن يحسن أحد إلى أحد مثل ما أحسن إليكم، فتحذف المفعول ويكون معناه ومفاده أنّ نعمة الله سبحانه لا تقاس بها نعمة. وهذا مع أدنى تأمل واضح.
***
﴿وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٧٩) ومن ذلك قراءة أبى حيوة: «تدرسون»، بضم التاء ساكنة الدال مكسورة الراء.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون هذا منقولا من درس هو وأدرس غيره، كقولك: قرأ وأقرأ غيره. وأكثر كلام العرب درس ودرّس غيره، وعليه جاء المصدر على التدريس.
***
﴿لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ (٨١) ومن ذلك قراءة الأعرج فيما يروى عنه: «لمّا آتيناكم»»، بفتح اللام وتشديد الميم، آتيناكم بألف قبل الكاف.
[ ١ / ٢٦٠ ]
قال أبو الفتح: فى هذه القراءة إغراب، وليست لمّا هاهنا بمعروفة فى اللغة، وذلك أنها على أوجه:
تكون حرفا جازما كقول الله تعالى: ﴿وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ﴾، وتكون ظرفا فى نحو قوله: ﴿وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾.
وتكون بمعنى إلا فى نحو قولهم: أقسمت عليك لمّا فعلت، أى إلا فعلت. ولا وجه لواحدة منهن فى هذه الآية.
وأقرب ما فيه أن يكون أراد: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمن ما آتيناكم وهو يريد القراءة العامة: «لما آتيناكم»، فزاد من على مذهب أبى الحسن فى الواجب، فصارت «لممّا»، فلما التقت ثلاث ميمات فثقلن-حذفت الأولى منهن، فبقى «لمّا» مشددا كما ترى. ولو فكت لصارت لنما، غير أن النون أدغمت فى الميم كما يجب فى ذلك فصارت «لمّا». هذا أوجه ما فيها إن صحت الرواية بها.
وأما «آتيناكم» بالجمع فطريقه أنه لما ورد مع لفظ الجماعة من النبيين جاء أيضا مجموعا تعاليا فى اللفظ، كقوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾.
وقال سبحانه: ﴿وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ﴾، ولو كانت وضربت لكم الأمثال لم تبلغ فى سمو اللفظ وتعاليه فى قوله: ﴿ضَرَبْنا لَكُمُ﴾، فتفهّم معناه.
***
﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ (٩٥) ومن ذلك قراءة أبان بن تغلب: «قل صّدق الله»». بإدغام اللام فى الصاد، وكذلك: «قل سّيروا».
[ ١ / ٢٦١ ]
قال أبو الفتح: علة جواز ذلك فشو هذين الحرفين، أعنى الصاد والسين فى الفم وانتشار الصدى المنبث عنهما، فقاربتا بذلك مخرج اللام فجاز إدغامها فيهما، وكذلك هى أيضا مع الزاى ومع الطاء، والدال والتاء: قرئ: «فهل ترى لهم»» ومع الظاء والثاء والذال: قرئ. «هل ثوّب الكفار»» فأما اللام التى للتعريف فتدغم فى ثلاثة عشر حرفا، وذلك معروف فى موضعه، فلا وجه لإعادته.
***
﴿يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ (١٢٤) ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ﴾ (١٢٥) ومن ذلك ما رواه مبارك عن الحسن أنه كان يقرأ: «بثلاثة آلاف»»، و«بخمسة آلاف»» وقف ولا يجرى واحدا منهما.
قال أبو الفتح: وجهه فى العربية ضعيف؛ وذلك أن ثلاثة وخمسة مضافان إلى ما بعدهما، والإضافة تقتضى وصل المضاف بالمضاف إليه؛ لأن الثانى تمام الأول، وهو معه فى أكثر الأحوال كالجزء الواحد. وإذا وصلت هذه العلامة للتأنيث فهى تاء لا محالة، وذلك أن أصلها التاء، وإنما يبدل منها فى الوقف الهاء، وإذا كان كذلك-وهو كذلك- فلا وجه للهاء؛ لأنها من أمارات الوقف، والموضع على ما ذكرنا متقاض للوصل، غير أنه قد جاء عنهم نحو هذا، حكى الفراء أنهم يقولون: أكلت لحما شاة يريدون لحم شاة، فيمطلون الفتحة فينشئون عنها ألفا، كما يقولون فى الوقف: قالا، يريدون: قال، ثم يمطلون الفتحة فتنشأ عنها الألف، وهذا المطل لا يكون مع الإسراع والاستحثاث، إنما يكون مع الروية والتثبت، وأنشد أبو زيد:
محض نجارى طيّب عنصرّى …
يريد عنصرى بتخفيف الراء، غير أنه ثقّلها كما يفعل فى الوقف، نحو خالدّ وجعفرّ.
[ ١ / ٢٦٢ ]
وإذا جاز أن ينوى الوقف دون المضمر المجرور، وهو على غاية الحاجة-للطفه عن الانفصال-إلى ما قبله جاز أيضا أن يعترض هذا التلوم والتمكث دون المظهر المضاف إليه، أعنى قوله: «آلاف»، بل إذا جاز أن يعترض هذا الفتور والتمادى بين أثناء الحروف من المثال الواحد نحو قوله:
أقول إذ خرّت على الكلكال … يا ناقتا ما جلت من مجال
وقوله فيما أنشدناه:
ينباع من ذفرى غضوب جسرة …
يريد ينبع، وقوله، أنشدناه:
وأنت من الغوائل حين ترمى … ومن ذم الرجال بمنتزاح
[ ١ / ٢٦٣ ]
يريد منتزح، مفتعل من نزح-كان التأنى والتمادى بالمد بين المضاف والمضاف إليه لأنهما فى الحقيقة اسمان لا اسم واحد أمثل. ونحوه قراءة الأعرج عن ابن أبى الزّناد: «بثلاثه آلاف»، بسكون الهاء. وقد ذكرناه فيما قبل، فهذا تقوية وعذر لقراءة أبى سعيد. وقد أفردناه فى الخصائص بابا قائما برأسه وذكرناه أيضا فى هذا الكتاب.
***
﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ (١٤٠) ومن ذلك قراءة محمد بن السّميفع: «قرح»، بفتح القاف والراء.
قال أبو الفتح: ظاهر هذا الأمر أن يكون فيه لغتان: قرح، وقرح، كالحلب والحلب، والطّرد والطّرد، والشّلّ والشّلل. وفيه أيضا «قرح» على فعل، يقرأ بهما جميعا.
ثم لا أبعد من بعد أن تكون الحاء لكونها حرفا حلقيا يفتح ما قبلها كما تفتح نفسها فما كان ساكنا من حروف الحلق، نحو قولهم فى الصخر: الصّخر، والنعل:
النّعل. ولعمرى إن هذا عند أصحابنا ليس أمرا راجعا إلى حرف الحلق، لكنها لغات؛ وأنا أرى فى هذا رأى البغداديين فى أن حرف الحلق يؤثّر هنا من الفتح أثرا معتدا معتمدا؛ فلقد رأيت كثيرا من عقيل لا أحصيهم يحرك من ذلك ما لا يتحرك أبدا لولا حرف الحلق، وهو قول بعضهم: نحوه، يريد نحوه. وهذا ما لا توقّف فى أنه أمر راجع إلى حرف الحلق؛ لأن الكلمة بنيت عليه البتة. ألا ترى أن لو كان هذا هكذا
[ ١ / ٢٦٤ ]
لوجب أن يقال: نحاة؛ لأنه فعل مما لامه واو، فيجرى مجرى عصاة وفتاة. نعم، وسمعت الشجرى يقول فى بعض كلامه: أنا محموم، بفتح الحاء. وقال مرة وقد رسم له الطبيب أن يمصّ التفاح ويرمى بثفله فلم يفعل ذلك، فأنكره الطبيب عليه، فقال: إنى لأبغى مصه وعليته تغذو، يريد تغذو. ولا قرابة بينى وبين البصريين، لكنها بينى وبين الحق، والحمد لله. ويكون فتح الحاء من القرح لها ما قبلها كفتحها لها عين الفعل المضارع، نحو يسنح ويسفح ويسمح.
ويؤنّس بذلك أن هذه الحروف حلقية، فضارعت بذلك الألف التى لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، وهذا قدر ما يتعلّل به، إلا أن الاختيار أن تكون «القرح» لغة.
***
﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ (١٤٣) ومن ذلك قراءة إبراهيم: «من قبل أن تلاقوه».
قال أبو الفتح: وجه ذلك أنك إذا لقيت الشئ فقد لقيك هو أيضا، فلما كان كذلك دخله معنى المفاعلة، كالمضاربة والمقاتلة. وقد جاء ذلك عينه فى هذه اللفظة عينها، قالت امرأة:
هل إلاّ الموت يغلى غاليه … مختلطا سافله بعاليه
لا بد يوما أننى ملاقيه
فأما ما قرأته على أبى على فى نوادر أبى زيد من قوله:
فارقنا قبل أن نفارقه … لما قضى من جماعنا وطرا
فظاهره إلى التناقض؛ لأنا إذا فارقنا فقد فارقناه لا محالة، فما معنى قوله بعد: قبل أن نفارقه؟ وهو عندنا على إقامة المسبب مقام السبب فى تفسيره: فارقنا قبل أن نريد فراقه، فوضع المفارقة وهى المسبب موضع الإرادة لها وهى السبب، وذلك لقرب أحدهما من صاحبه ومثله قول الله تعالى: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾،
[ ١ / ٢٦٥ ]
أى: إذا أردت القراءة، وهو كثير قد مر فى هذا الكتاب. وقد أفردنا له فى الخصائص بابا قائما برأسه.
***
﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (١٤٤) ومن ذلك قراءة حطّان بن عبد الله: «وما محمّد إلا رسول قد خلت من قبله رسل»، وكذلك هى فى مصحف ابن مسعود.
قال أبو الفتح: هذه القراءة حسنة فى معناها؛ وذلك أنه موضع اقتصاد بالنبى ﷺ وإعلام أنه لا يلزم ذمته ممن يخالفه تبعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾، وقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾؛ وقوله: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾، وقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾.
ومعلوم أن «إنما» موضوعة للاقتصاد والتقليد، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾؟ فهذا كقوله: ﴿ما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾، وقوله:
﴿وَقَلِيلٌ ما هُمْ﴾، وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾. فلما كان موضع اقتصاد به، وفكّ ليد الذمّ عن ذمته، وكان من مضى من الأنبياء ﵈ فى هذا المعنى مثله-لاق بالحال تنكير ذكرهم بقوله: «قد خلت من قبله رسل».
وذلك أن التنكير ضرب من الكف والتصغير، كما أن التعريف ضرب من الإعلام
[ ١ / ٢٦٦ ]
والتشريف. ألا ترى إلى قوله:
فمن أنتم إنا نسينا من أنتم … وريحكم من أىّ ريح الأعاصر
فأين هذا من قوله:
هذا الذى تعرف البطحاء وطأته … والبيت يعرفه والحلّ والحرم؟
ولهذا قال:
من حديث نمى إلىّ فما أط … عم غمضا ولا ألذ شرابى
فنكّر الغمض احتقارا له إذ كان لا يعرفه، وعرّف الشراب إذ كان لا بد أن يشرب وإن قل. قال:
على كل حال يأكل المرء زاده … من الضّرّ والبأساء والحدثان
[ ١ / ٢٦٧ ]
ولأجل ذلك لم تندب العرب المبهم ولا النكرة لاحتقارها، وإنما تندب بأشهر أسماء المندوب؛ ليكون ذلك عذرا لها فى اختلاطها وتفجعها. ويؤكده أيضا قوله تعالى:
﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾، فجرى قوله سبحانه:
«وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله رسل» مجرى قولك لصاحبك: اخدم كما خدمنا غيرك من قبلك ولا تبعة عليك بعد ذلك، فهذا إذا موضع إسماح له، فلا بد إذا من إلانة ذكره. وعليه جاء قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ﴾ فأضاف سبحانه من عذرهم، وأعلم أن لا متعلق عليه بشئ من أمرهم، فلهذا حسن تنكير «رسل» هاهنا، والله أعلم.
وأما من قرأ: «قد خلت من قبله الرسل» فوجه تعريفهم ومعناه أنكم قد عرفتم حال من قبله من الرسل فى أنهم لم يطالبوا بأفعال من خالفهم، وكذلك هو ﷺ.
فلما كان موضع تنبيه لهم كان الأليق به أن يومئ إلى أمر معروف عندهم.
***
﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ (١٤٥) ومن ذلك قراءة الأعمش، فيما رواه القطعى عن أبى زيد عن المفضّل عن الأعمش:
«ومن يرد ثواب الدنيا يوته منها ومن يرد ثواب الآخرة يوته منها وسنجزى الشاكرين». بالياء فيهما.
قال أبو الفتح: وجهه على إضمار الفاعل لدلالة الحال عليه، أى يوته الله، يدل على ذلك قراءة الجماعة: ﴿نُؤْتِهِ مِنْها﴾، بالنون.
وحديث إضمار الفاعل للدلالة عليه واسع فاش عنهم، منه حكاية الكتاب أنهم يقولون: إذا كان غدا فأتنى، أى إذا كان ما نحن عليه من البلاء فى غد فأتنى، ومثله حكايته أيضا: من كذب كان شرا له، أى كان الكذب شرا له. وعليه قول الآخر:
[ ١ / ٢٦٨ ]
ومجوّفات قد علا ألوانها … أسآر جرد مترصات كالنوى
أى قد علا التجويف ألوانها. وقول الآخر:
إذا نهى السفيه جرى إليه … وخالف والسفيه إلى خلاف
وكما أضمر المصدر مجرورا أعنى الهاء فى إليه-يعنى إلى السفه-كذلك أيضا أضمره مرفوعا بفعله.
***
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ (١٤٦) ومن ذلك قراءة ابن محيصن والأشهب والأعمش: «وكأى»، بهمزة بعد الكاف ساكنة، وياء بعدها مكسورة خفيفة، ونون بعدها، فى وزن كعى.
قال أبو الفتح: فيها أربع لغات: كأىّ، وكاء، وكأى، وهى هذه القراءة، وكاء فى وزن كع.
ثم اعلم أن أصل ذلك كله «كأىّ»» فى معنى كم كأكثر القراءة، «وكأى من قرية»، وهى أىّ دخلت عليها كاف الجر، فحدث لها من بعد معنى كم، ولهذه الكاف الجارة حديث طويل فى دخولها وفيها معنى التشبيه، وفى دخولها عارية من التشبيه، نحو كأن زيدا عمرو، وله كذا وكذا درهما، وكأىّ من رجل. ثم إنها لما كثر استعمالها لها تلعبت بها العرب كأشياء يكثر تصرفها فيها لكثرة نطقها بها، فقدّمت الياء المشددة على الهمزة فصارت كيّإ بوزن كيّع، ثم حذفت الياء المتحركة تشبيها لها بسيد وميت، فصارت «كئ» بوزن كيع، ثم قلبت الياء ألفا وإن كانت ساكنة، كما قلبت فى ييئس فقيل: ياءس، فصارت كاء بوزن كاع.
وذهب يونس فى «كاء» إلى أنه فاعل من الكون، وهذا يبعد؛ لأنه لو كان كذلك لوجب إعرابه، إذ لا مانع له من الإعراب.
وأما كأى بوزن كعى فهو مقلوب كئ الذى هو أصل كاء، وجاز قلبه لأمرين:
[ ١ / ٢٦٩ ]
أحدهما: كثرة التلعب بهذه الكلمة.
والآخر: مراجعة أصل، ألا ترى أن أصل الكلمة كأى؟ فالهمزة إذا قبل الياء. وأما كإ بوزن كع فمحذوفة من كاء، وجاز حذف الألف لكثرة الاستعمال، كما قال الراجز:
أصبح قلبى صردا … لا يشتهى أن يردا
إلا عرادا عردا … وصلّيانا بردا
وعنكثا ملتبدا
يريد: عاردا وباردا. ألا ترى إلى قول أبى النجم:
كأن فى الفرش العراد العاردا …
وكما قالوا: أم الله لقد كان كذا، يريد أما، وحذف الألف.
فإن قلت: فما مثال هذه الكلم من الفعل فإنّ كأىّ مثاله كفعل، وذلك أن الكاف زائدة، ومثال أىّ فعل كطىّ وزىّ، مصدر طويت وزويت، وأصل أى أوى، لأنها فعل من أويت، ووجه التقائها أن «أىّ» أين وقعت فهى بعض من كل، وهذا هو معنى أويت؛ وذلك أن معنى أويت إلى الشئ تساندت إليه، قال أبو النجم:
يأوى إلى ملط له وكلكل
أى يتساند هذا العير إلى ملاطيه وكلكله.
ونحوه قول طفيل الغنوى:
وآلت إلى أجوازها وتقلقلت … قلائد فى أعناقها لم تقضّب
فمعنى آلت رجعت، والآوى إلى الشئ معتصم به وراجع إليه، هذا طريق الاشتقاق. وأما القياس فكذلك أيضا؛ وذلك أن باب أويت وطويت وشويت مما عينه واو ولامه ياء أكثر من باب حييت وعييت مما عينه ولامه ياءان. ولو نسبت إلى «أىّ»، لقلت: أووىّ، كما أنك لو نسبت إلى طىّ ولىّ لقلت: طووىّ ولووىّ، وكذلك لو أضفت إلى الرّى لكان قياسه رووى. وأما قولهم: رازى فشاذ بمنزلة كلابزى واصطخرزى.
[ ١ / ٢٧٠ ]
وأما «كاء» فوزنه كعف وأصله «كيّإ»، ومثاله كعلف؛ فحذفت الياء الثانية وهى لام الفعل، كما حذفت الثانية من ميت، فبقى كئ، ووزنه كعف. وقلب الياء ألفا لا يخرجها أن تكون كما كانت عينا، ألا ترى أن وزن قام فى الأصل فعل لأنه قوم، ومثال قام فى اللفظ فعل؟ فالألف عين كما كانت الواو التى الألف بدل منها عينا، وأيا كان مثال «كأى» فإنه كفع؛ لأن الهمزة التى هى فاء عادت إلى مكانها من التقدم.
وأما «كإ» بوزن كع فإنه كف، والعين واللام محذوفتان.
فإن قيل: لمّا حذفت الياء الثانية من «كيّإ» هلا رددت الواو على مذهبك، لأنه قد زالت الياء التى قلبت لها العين قبلها ياء فقدّرته كوء؟.
قيل: لما تلعّب بالكلمة تنوسى أصلها فصارت الياء كأنها أصل فى الحرف، ودعانا إلى اعتماد هذا وإن لم تظهر الياء إلى اللفظ أن الألف أبدلت منها وهى ساكنة، وقلب الألف من الياء الساكنة أضعاف قلبها من الواو الساكنة. ألا تراهم قالوا: حاحيت وعاعيت وهاهيت، وأصلها حيحيت وعيعيت وهيهيت؛ فقلبت الياء ألفا.
نعم، وقلبوها مكسورا ما قبلها ألفا، فقالوا فى الحيرة: حارى، كما قالوا فى المفتوح ما قبلها: طائى، وقالوا: ضرب عليه ساية، وهى فعلة من سوّيت، يعنى به الطريق، وأصلها سوية؛ فقلبت الواو ياء لوقوعها ساكنة قبل الياء فصارت سيّة، ثم قلبت الياء ألفا فقيل: «ساية»: وهو أولى من أن تكون قلبت الواو من سوية ألفا قبل القلب والإدغام. وإن أعطيت القول ثنى مقوده طال وطغى وأملّ وتمادى.
ومن ذلك قراءة قتادة: «وكأى من نبىّ قتّل معه ربّيون كثير»، مشددة.
قال أبو الفتح: فى هذه القراءة دلالة على أن من قرأ من السبعة قتل أو «قاتل معه ربيون».
[ ١ / ٢٧١ ]
فإن ربّيّون مرفوع فى قراءته بقتل أو قاتل، وليس مرفوعا بالابتداء ولا بالظرف الذى هو معه، كقولك: مررت برجل يقرأ عليه سلاح. ألا ترى أنه لا يجوز كم نبى قتّل بتشديد التاء، على فعّل؟ فلا بد إذا أن يكون ربّيون مرفوعا بقتّل، وهذا واضح.
فإن قلت: فهلا جاز فعّل حملا على معنى كم؟.
قيل: لو انصرف عن اللفظ إلى المعنى لم يحسن العود من بعد إلى اللفظ. وقد قال تعالى، كما تراه: ﴿مَعَهُ﴾، ولم يقل: معهم، فافهم ذلك.
*** ﴿رِبِّيُّونَ﴾ (١٤٦) ومن ذلك قراءة على وابن مسعود وابن عباس وعكرمة والحسن وأبى رجاء وعمرو ابن عبيد وعطاء بن السائب: «ربّيون»، بضم الراء. وقرأ بفتحها ابن عباس فيما رواه قتادة عنه.
قال أبو الفتح: الضم فى «ربّيون» تميمية، والكسر أيضا لغة. قال يونس: الرّبّة:
الجماعة. وكان الحسن يقول: الرّبّيون: العلماء الصّبر. قال قطرب: والجماعة أيضا مع يونس، أى فرق وجماعات.
وكان ابن عباس يقول: الواحدة ربوة، وهى عنده عشرة آلاف، وأنكرها قطرب، قال: لدخول الواو فى الكلمة، وهذا لا يلزم لأنه يجوز أن يكون بنى من الرّبوة فعّيلا كبطيخ، فصار ربّىّ ومثله من عزوت عزّىّ، ثم جمع فقيل: ربّيون. وأما ربّيون، بفتح الراء فيكون الواحد منها منسوبا إلى الرّب، ويشهد لهذا قول الحسن: إنهم العلماء الصبر. وليس ننكر أيضا أن يكون أراد ربّيون وربيون ثم غيّر الأول لياء الإضافة كقولهم فى أمس: إمسى.
***
[ ١ / ٢٧٢ ]
﴿فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا﴾ [آل عمران:١٤٦] ومن ذلك قراءة الحسن: «فما وهنوا»، بكسر الهاء.
قال أبو الفتح: فيه لغتان: وهن يهن، ووهن يوهن. وقولهم فى المصدر: الوهن، بفتح الهاء يؤنّس بكسر الهاء من «وهن»، فيكون كفرق فرقا وحذر حذرا. وحدثنا أبو على أن أبا زيد حكى فيها كسر الهاء فى الماضى، وقولهم فيه: الوهن، بسكون الهاء يؤنس بفتح عين الماضى كفتر فترا.
***
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا﴾ (١٥٤) ومن ذلك قراءة ابن محيصن، ورويت عن يحيى وإبراهيم: «أمنة نعاسا»، بسكون الميم.
قال أبو الفتح: روينا عن قطرب أنه قال: الأمنة: الأمن. والأمنة؛ بفتح الميم أشبه بمعاقبة الأمن، ونظير ذلك قولهم: الحبط والحبج والرّمث، كل ذلك فى أدواء الإبل.
فلما أسكنوا العين جاءوا بالهاء فقالوا: مغل مغلة وحقل حقلة، وقد أفردنا بابا فى كتاب الخصائص لنحو هذا، وهو باب فى ترافع الأحكام.
***
﴿إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى﴾ (١٥٦) ومن ذلك قراءة الحسن والزّهرى: «أو كانوا غزا»، خفيفة الزاى.
قال أبو الفتح: وجهه عندى أن يكون أراد غزاة، فحذف الهاء إخلادا إلى قراءة من قرأ «غزّى»، بالتشديد. ولا يستنكر هذا؛ فإن الحرف إذا كان فيه لغتان متقاربتان فكثيرا ما تتجاذب هذه طرفا من حكم هذه.
[ ١ / ٢٧٣ ]
قرأت على أبى بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى لبلال بن جرير:
إذا خفتهم أو سآيلتهم … وجدت بهم علة حاضرة
وذلك أنه يقال: سألته عن حاله وسايلته على البدل، فلما ألف استماعهما تجاذبتا لفظه فجمع بينهما فيه لتداخلهما وتزاحم حروفها. وقد حذفت تاء التأنيث فى أماكن قد ذكرناها: ناح فى ناحية، ومألك فى مألكة. وأنشد ابن الأعرابى للعتابى يمدح الكسائى:
أبى الذمّ أخلاق الكسائى وانتحى … به المجد أخلاق الأبوّ السوابق
يريد الأبوة جمع أب، كالعمومة جمع عم، والخئولة جمع خال. وهذا عندى أمثل من أن يكون خرّج «أبوّا» على أصله من الصحة وأن يكون من باب نحو ونحوّ، وبهو وبهو للصدر، ونجو ونجوّ للسحاب، وعلى أنه قد يمكن أن تكون الهاء مرادة فى جميع ذلك، وقد قالوا أيضا: ابن وبنوّ، والقول فيهما سواء.
ووجه آخر، وهو أن يكون مخففا من «غزّى»، ونظيره قراءة على ﵇:
«وكذّبوا بآياتنا كذابا»، وبابه ﴿كِذّابًا﴾، كقراءة الجماعة. وقد يجوز أن يكون «كذابا» مصدر كذب الخفيفة، جرى على الثقيلة لدلالة الفعل على صاحبه، والقول الأول أقوى.
***
﴿وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١٥٩) ومن ذلك قراءة ابن عباس فيما رواه عنه عمرو: «وشاورهم فى بعض الأمر».
[ ١ / ٢٧٤ ]
قال أبو الفتح: فى هذه القراءة دلالة على أنك إذا قلت: شربت ماءك-وإنما شربت بعضه-كنت صادقا، وكذلك إذا قلت: أكلت طعامك، وإنما أكلت بعضه. ووجه الدلالة منه قراءة الباقين: ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، والمعنى واحد فى القراءتين. ونحن أيضا نعلم أن الله سبحانه لم يأمر النبى ﷺ بقوله: ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، أى فى جميعه، كشرب الماء، وتناول الغذاء. وإنما المراد به العانى من أمر الشريعة وما أرسل ﵇ له. ومع هذا فقد قال سيبويه فى باب الاستقامة والاستحالة من الكلام: فأما المستقيم الكذب فهو قولك: حملت الجبل، وشربت ماء البحر ونحوه. فجعله إياه كذبا يدلك على أن مراده هنا بقوله: ماء البحر-جميعه؛ لأنه لا يجوز أن يشرب جميع مائه، فأما على العرف فى ذلك على ما مضى فلا يكون كذبا.
***
﴿فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ (١٥٩) ومن ذلك قراءة جابر بن يزيد، وأبى نهيك وعكرمة وجعفر بن محمد. «فإذا عزمت»، بضم التاء.
قال أبو الفتح: تأويله عندى والله وأعلم: فإذا أريتك أمرا فأعمل به وصر إليه.
وشاهده قول الله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ﴾، وهذا ليس من رؤية العين؛ لأنه لا مدخل له فى الأحكام، ولا من العلم؛ لأن ذلك متعد إلى مفعولين. فإذا نقل بالهمزة وجب أن يتعدى إلى ثلاثة، والذى معنا فى هذا الفعل إنما هو مفعولان:
أحدهما الكاف، والآخر الهاء المحذوفة العائدة على «ما»، أى بما أراكه الله. فثبت بذلك أنه من الرأى الذى هو الاعتقاد، كقولك: فلان يرى رأى الخوارج، ويرى رأى أبى حنيفة ورأى مالك، ونحو ذلك؛ فرأيت هذه إذا قسم ثالث ليست من رؤية العين ولا من يقين القلب.
وجاز أن ينسب سبحانه العزم إليه إذ كان بهدايته وإرشاده، فهو كقوله تعالى:
[ ١ / ٢٧٥ ]
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، وقد جاء فيه ما هو أقوى معنى من هذا، وهو قوله تعالى: ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾، فخرج اللفظ فيه نافيا أوله ما أثبته آخره، والغرض فيه ما قدمناه من أن الرمى لما كان بإقداره ومشيئته صار كأنه هو الفاعل له، وهو كثير، منه قول الإنسان لمن ينتسب إليه: إنما أرى بعينك وأسمع بأذنك والفعل منك، وإنما أنا آلة لك. ومن عرف طريق القوم فى اللغة سقطت عنه مئونات التعسف والشّبه.
***
﴿إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ﴾ (١٧٥) ومن ذلك قراءة ابن عباس وعكرمة وعطاء: «يخوّفكم أولياءه».
قال أبو الفتح: فى هذه القراءة دلالة على إرادة المفعول فى يخوف وحذفه فى قراءة أكثر الناس: «يخوّف أولياءه». وليس هذا كقولنا: فلان يخوّف غلامه ويخوف جاريته من ضربه إياهما وإساءته إليهما، فالمحذوف هنا هو المفعول الثانى وهو فى الآية المفعول الأول على ما قدمنا.
***
﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ (١٧٦) ومن ذلك قراءة الحر النحوى: «يسرعون»، فى كل القرآن.
قال أبو الفتح: معنى ﴿يُسارِعُونَ﴾، فى قراءة العامة: أى يسابقون غيرهم، فهو أسرع لهم وأظهر خفوفا بهم، وأما يسرعون فأضعف معنى فى السرعة من يسارعون؛ لأن من سابق غيره أحرص على التقدم ممّن آثر الخفوف وحده. وأما سرع فعادة ونحيزة، أى صار سريعا فى نفسه.
وفعل من لفظ فاعلت ضربان: متعد، وغير متعد. فالمتعدى كضربت زيدا وضاربته،
[ ١ / ٢٧٦ ]
وغير المتعدى كقمت وقاومت زيدا. وأما أسرع وسرع جميعا فغير متعديين، لكن سرع غريزة، وأسرع كلّف نفسه السرعة، لكن سارع متعد.
***
﴿إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ﴾ (١٨٣) ومن ذلك ما رواه روح عن أحمد عن عيسى أنه كان يقرأ: «بقربان»، بضم الراء.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون أصله «قربان» ساكنة الراء والضمة فيها إتباع؛ لتعذر فعلان فى الكلام. وحكى صاحب الكتاب منه السّلطان، وذهب إلى أن ضمة اللام إتباع كضمة الراء من القرفصاء، وإنما هى القرفصاء بسكون الراء. ومثله من الإتباع ما حكاه من قولهم: منتن بضم التاء، وهو منحدر من الجبل، أى منحدر. وحكى أيضا:
أجوءك وأنبؤك. فأما العرقصبان والعرتن فليس إتباعا، لكنه يراد به العريقصان بالياء والعرنقصان يقال أيضا، فحذفت الياء والنون، وكذلك العرتن إنما هو العرنتن، فحذفت النون. وكذلك العبقر أصله العبيقر، فحذفت الياء، فهذا طريق حذف وليس طريق إتباع.
***
[ ١ / ٢٧٧ ]