﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ (٤)
قرأ أبو السّمّال: «بلسن قومه» (^١).
قال أبو الفتح: حكى أن بعض أصحابنا قال: دخلت على أبى السّمّال وهو ينتف شعر إسبه وهو يقرأ: «وما أرسلنا من رسول إلا بلسن قومه». وإسبه يعنى عانته، فاللّسن واللسان، كالريش والرياش (^٢): فعل وفعال بمعنى واحد. هذا إذا أردت باللسان اللغة والكلام. فإن أردت به العضو فلا يقال فيه: لسن، إنما ذلك فى القول لا العضو. وكأن الأصل فيهما للعضو، ثم سمّوا القول لسانا؛ لأنه باللسان، كما يسمى الشئ باسم الشئ لملابسته إياه، كالراوية والظعينة ونحوها.
***
﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١١)
ومن ذلك قراءة الحسن: «فليتوكّل المؤمنون» (^٣).
قال أبو الفتح: هذا لعمرى الأصل فى لام الأمر: أن تكون مكسورة، إلا أنهم أقروا إسكانها تخفيفا. وإذا كانوا يقولون: مره فليقم فيسكنونها مع قلة الحروف والحركات فإسكانها مع كثرة الحروف والحركات أمثل، وتلك حالها فى قوله: «فليتوكّل المؤمنون»، لا سيما وقبلها كسرة الهاء، فاعرف ذلك، فإن مصارفة الألفاظ باب معتمد فى الاستثقال والاستخفاف.
***
_________________
(١) وقراءة أبى الجوزاء، وأبى عمران الجونى، والأعمش. انظر: (مختصر شواذ القراءات ٦٨، الكشاف ٣٦٧/ ٢، العكبرى ٣٧/ ٢، البحر المحيط ٤٠٠/ ٥، الآلوسى ١٨٥/ ١٣).
(٢) انظر: (الآلوسى ١٨٥/ ١٣).
(٣) انظر: (البحر المحيط ٤١١/ ٥).
[ ٢ / ٣٣ ]
﴿وَاِسْتَفْتَحُوا﴾ (١٥)
ومن ذلك قراءة ابن عباس ومجاهد وابن محيصن: «واستفتحوا» (^١).
قال أبو الفتح: هو معطوف على ما سبق من قوله تعالى: ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ (^٢) أى: قال لهم: استفتحوا، ومعناه استنصروا الله عليهم، واستحكموه بينكم وبينهم، والقاضى اسمه الفتاح. قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ (^٣)، أى: تستنصروا، فقد جاءكم النصر. وعليه سمّوا الظفر بالعدو فتحا، ومنه الحديث أن النبى ﷺ كان يستفتح بصعاليك المهاجرين (^٤): أى يستنصر بهم.
وقال أحمد بن يحيى: أى يقدّمهم ويبدأ أمره بهم، وكأنهم إنما سمّوا القاضى فتّاحا لأنه يفتح باب الحق الذى هو واقف ومنسد، فيصار إليه ويعمل عليه.
***
﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ (١٨)
ومن ذلك قراءة ابن أبى إسحاق وإبراهيم بن أبى بكير (^٥) «فى يوم عاصف» (^٦)، بالإضافة.
قال أبو الفتح: هذا على حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، أى فى يوم ريح عاصف، وحسن حذف الموصوف هنا شيئا؛ لأنه قد ألف حذفه فى قراءة الجماعة: ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾.
فإن قيل: فإذا كان «عاصف» قد جرى وصفا على «يوم» فكيف جاز إضافة «يوم»
_________________
(١) انظر: (الكشاف ٣٧١/ ٢، العكبرى ٣٧/ ٢، مجمع البيان ٣٠٧/ ٦، البحر المحيط ٤١٢/ ٥، الإتحاف ٢٧١، الرازى ١٠١/ ١٩).
(٢) سورة إبراهيم الآية (١٣).
(٣) سورة الأنفال الآية (١٩).
(٤) انظر: (النهاية فى غريب الحديث ٢٠٤/ ٣).
(٥) فى غيره من المصادر: إبراهيم بن أبى بكر.
(٦) وهى قراءة الحسن. انظر: (الكشاف ٣٧٢/ ٢، القرطبى ٣٥٤/ ٩، مجمع البيان ٣٠٧/ ٦، الرازى ١٠٦/ ١٩، البحر المحيط ٤١٥/ ٥، العكبرى ٣٧/ ٢، مختصر شواذ القراءات ٦٨).
[ ٢ / ٣٤ ]
إليه، والموصوف لا يضاف إلى صفته؛ إذ كانت هى هو فى المعنى؛ والشئ لا يضاف إلى نفسه؟ ألا تراك لا تقول: هذا رجل عاقل، ولا غلام ظريف وأنت تريد الصفة؟ قيل: جاز ذلك من حيث كان «اليوم» غير العاصف فى المعنى وإن كان إياه فى اللفظ؛ لأن العاصف فى الحقيقة إنما هو الريح لا اليوم، وليس كذلك هذا رجل عاقل؛ لأن الرجل هو العاقل فى الحقيقة، والشئ لا يضاف إلى نفسه، فهذا فرق.
***
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ﴾ (١٩)
ومن ذلك قراءة السّلمى: «ألم تر أنّ الله»، ساكنة الراء (^١).
قال أبو الفتح: فيها ضعف؛ لأنه إذا حذف الألف للجزم فقد وجب إبقاؤه للحركة قبلها دليلا عليها، وكالعوض منها لا سيما وهى خفيفة، إلا أنه شبه الفتحة بالكسرة المحذوفة فى نحو هذا؛ استخفافا، أنشد أبو زيد (^٢):
قالت سليمى اشتر لنا دقيقا
وأنشدنا أيضا:
قالت سليمى كلمة تلجلجا … لو طبخ النّئ به لأنضجا
يا شيخ لا بدّ لنا أن نحججا … قد حجّ فى ذا العام من كان رجا
فاكتر لنا كرىّ صدق فالنّجا … واحذر فلا تكتر كريّا أعوجا
علجا إذا ساق بنا عفنججا (^٣) …
فأسكن الراء من «اشتر» و«اكتر» استخفافا، أو إجراء للوصل على حد الوقف. وروينا عن أبى بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى قول الشاعر:
&
_________________
(١) انظر: (البحر المحيط ٤١٥/ ٥، العكبرى ٣٧/ ٢).
(٢) من قول العذافر الكندى كما فى شرح شواهد الشافية (٢٢٥/ ٤) وبعده: «ومات خبز البرّ أو سويقا».
(٣) وقع المنصف ٩/ ٣: قالت له كليمة تلجلجا من الكلام لينا سملجا لو طبخ الشئ به لأنضجا يا شيخ لا بد لنا أن نحججا قد حج فى ذا العام من تحرّجا فأكثر لنا كرى صدق فالنجا واحذر ولا تكثر كريا أعوجا علجا إذا ساق بنا عفنججا
[ ٢ / ٣٥ ]
ومن يتّق فإن الله معه … ورزق الله مؤتاب وغادى (^١)
فأسكن قاف «يتّق» لما ذكرنا، وكذلك شبه السّلمى «ألم تر» بذلك إذ كانت الكسرة أثقل، أو لأنه أجرى الوصل مجرى الوقف.
***
﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ﴾ (٢٣)
ومن ذلك قراءة الحسن «وأدخل الذين» (^٢)، برفع اللام.
قال أبو الفتح: هذه القراءة على أنّ «أدخل» من كلام الله تعالى، كأنه قطع الكلام واستؤنف فقال الله ﷿: «وأدخل الذين آمنوا»، أى: وأنا أدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار بإذن ربّهم: أى بإذنى، إلا أنه أعاد ذكر الرب ليضيفه إليهم، فتقوى الملابسة باللفظ، فيكون أحنى وأذهب فى الإكرام والتقريب منه لهم. ومثله فى القرآن: ﴿قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ (^٣)، وقال: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ﴾ (^٤)، فهذا كله تحقّق بالله تعالى، وتقرب منه، وانتساب إليه.
***
﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ﴾ (٢٤)
ومن ذلك قراءة أنس بن مالك «كشجرة طيبة ثابت أصلها» (^٥).
قال أبو الفتح: قراءة الجماعة ﴿أَصْلُها ثابِتٌ﴾ أقوى معنى؛ وذلك أنك إذا قلت:
_________________
(١) قال فى شرح شواهد الشافية ٢٢٨/ ٤: لما تقدم قبله من تسكين الآخر، والقياس كسر القاف، وقد أورده الجوهرى فى موضعين من صحاحه: فى مادة «أوب» قال: آب رجع، وأناب مثل آب فعل وافتعل بمعنى، وأنشد البيت، وأورده ثانيا فى مادة الوقاية فأصل مؤنات بهمز الواو؛ لأن الهمزة فاء الكلمة، والألف مبدلة من واو عين الكلمة.
(٢) وقراءة عمرو بن عبيد. انظر: (الكشاف ٣٧٥/ ٢، القرطبى ٣٥٨/ ٩، البحر المحيط ٤٢٠/ ٥، مختصر شواذ القراءات ٦٨، مجمع البيان ٣١٢/ ٦، الإتحاف ٢٧٢، العكبرى ٣٨/ ٢، الرازى ١١٦/ ١٩).
(٣) سورة طه الآية (٥٠).
(٤) سورة الأعراف الآية (١٩٦).
(٥) انظر: (الكشاف ٣٧٦/ ٢، البحر المحيط ٤٢٢/ ٥).
[ ٢ / ٣٦ ]
ثابت أصلها فقد أجريت ثابتا صفة على شجرة، وليس الثبات لها، إنما هو للأصل. ولعمرى إن الصفة إذا كانت فى المعنى لما هو من سبب الموصوف جرت عليه، إلا أنها إذا كانت له كانت أخص لفظا به.
وإذا كان الثبات فى الحقيقة إنما هو للأصل فالمعتمد بالثبات هو الأصل، فبقدر ذلك ما حسن تقديمه عناية به ومسارعة إلى ذكره، ولأجل ذلك قالوا: زيد ضربته فقدموا المفعول لأن الغرض هنا ليس بذكر الفاعل وإنما هو ذكر المفعول، فقدموه عناية بذكره، ثم لم يقنع ذلك حتى أزالوه عن لفظ الفضلة وجعلوه فى اللفظ ربّ الجملة، فرفعوه بالابتداء، وصارت الجملة التى إنما كان ذيلا لها وفضلة ملحقة بها فى قولهم: ضربت زيدا-ثانية له، وواردة فى اللفظ بعده، ومسندة إليه، ومخبرا بها عنه. وقد تقدم فى هذا الكتاب نحو هذا مستقصى.
فكذلك قولك: مررت برجل أبوه قائم أقوى معنى من قولك: قائم أبوه؛ لأن المخبر عنه بالقيام إنما هو الأب لا رجل، ومن هنا ذهب أبو الحسن فى نحو قولنا: قام زيد إلى أن قام فى موضع رفع؛ لأنه وقع موقع الاسم؛ لأن تقدير المحدّث عنه أن يكون أسبق رتبة من الحديث، إلا أن لقراءة أنس هذه وجها من القياس حسنا؛ وذلك أن قوله: «ثابت أصلها» صفة لشجرة، وأصل الصفة أن تكون اسما مفردا لا جملة، يدل على ذلك أن الجملة إذا جرت صفة للنكرة حكم على موضعها بإعراب المفرد الذى هى واقعة موقعه.
فإذا قال: «ثابت أصلها» فقد جرى لفظ المفرد صفة على النكرة، وإذا قال: «أصلها ثابت» فقد وضع الجملة موضع المفرد، فالموضع إذا له لا لها.
فإن قلت: فليس اللفظ مفردا، ألا ترى أنه ثابت أصلها؟ قيل: هذا لا يبلغ به صورة الجملة، لأن ثابتا جار فى اللفظ على ما قبله، وإنما فيه أنه وضع أصلها لتضمنه لفظ الضمير موضع الضمير الخاص بالأول، وليس كذلك أصلها ثابت؛ لأن معك صورة الجملة البتة، فهذا تقوية لقول أنس.
وكان أبو على يعتذر من إجازتهم مررت برجل قائم أبوه، ويقول: إنما ذلك لأن الجملة نكرة، كما أن المفرد هنا لو وقع لم يكن إلا نكرة؛ لأن موصوفه نكرة.
***
[ ٢ / ٣٧ ]
﴿مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ﴾ (٣٤)
ومن ذلك قراءة ابن عباس والحسن والضحاك ومحمد بن على وجعفر بن محمد وعمرو بن فائد ويعقوب: «من كلّ ما سألتموه» بالتنوين (^١).
قال أبو الفتح: أما على هذه القراءة فالمفعول ملفوظ به، أى وآتاكم ما سألتموه أن يؤتيكم منه. وأما على قراءة الجماعة: ﴿مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ،﴾ على الإضافة فالمفعول محذوف، أى وآتاكم سؤلكم من كل شئ: أى: وآتاكم ما ساغ إيتاؤه إياكم إياه منه، فهو كقوله ﷿: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٢)، أى: أوتيت من كل شئ شيئا. وقد سبق ذكرنا حذف المفعول للعلم به، وأنه مع ذلك عذب عال فى اللغة.
***
﴿وَاُجْنُبْنِي﴾ (٣٥)
ومن ذلك قراءة الجحدرى والثقفى وأبى الهجهاج (^٣): «وأجنبنى»، بقطع الألف (^٤).
قال أبو الفتح: يقال: جنبت الشئ أجنبه جنوبا، وتميم تقول: أجنبته أجنبه إجنابا، أى: نحّيته عن الشئ. فجنبته كصرفته، وأجنبته جعلته جنيبا عنه، وكذلك ﴿وَاُجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ،﴾ أى: اصرفنى وإياهم عن ذلك، وأجنبنى: أى اجعلنى كالجنيب لك، أى المنقاد معك عنها.
***
﴿تَهْوِي﴾ (٣٧)
ومن ذلك قراءة علىّ بن طالب وأبى جعفر محمد بن على وجعفر بن محمد عليهم
_________________
(١) وقراءة نافع، والأعمش، وقتادة، وسلام بن منذر. انظر: (مختصر شواذ القراءات ٦٨، الطبرى ١٥٠/ ١٣، الفراء ٧٧/ ٢، الأخفش ٣٧٦/ ٢، مجمع البيان ٣١٥/ ٦، البحر المحيط ٤٢٨/ ٥، الإتحاف ٢٧٢، العكبرى ٣٨/ ٢).
(٢) سورة النمل الآية (٢٣).
(٣) فى مجمع البيان: أبو الجحجاح.
(٤) انظر: (الفراء ٧٨/ ٢، الكشاف ٣٧٩/ ٢، مجمع البيان ٣١٧/ ٦، الرازى ١٣١/ ١٩، البحر المحيط ٤٣١/ ٥، العكبرى ٣٨/ ٢).
[ ٢ / ٣٨ ]
السلام ومجاهد: «تهوى»، بفتح الواو (^١). وقرأ مسلمة بن عبد الله: «تهوى إليهم» (^٢).
قال أبو الفتح: أما قراءة الجماعة: ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ،﴾ بكسر الواو فتميل إليهم: أى تحبهم، فهذا فى المعنى كقولهم: فلان ينحط فى هواك، أى يخلد إليه ويقيم عليه؛ وذلك أن الإنسان إذا أحب شيئا أكثر من ذكره وأقام عليه، فإذا كرهه أسرع عنه وخف إلى سواه، وعلى ذلك قالوا: أحبّ البعير: إذا برك فى موضعه، قال:
حلت عليه بالقطيع ضربا … ضرب بعير السوء إذا أحبّا
أى برك.
ومنه قولهم: هويت فلانا، فهذا من لفظ هوى الشئ يهوى، إلا أنهم خالفوا بين المثالين لاختلاف ظاهر الأمرين وإن كانا على معنى واحد متلاقيين، فقراءة على ﵇: «تهوى إليهم» بفتح الواو هو من هويت الشئ إذا أحببته، إلا أنه قال: «إليهم»، وأنت لا تقول: هويت إلى فلان، لكنك تقول: هويت فلانا؛ لأنه ﵇ حمله على المعنى، ألا ترى أن معنى هويت الشئ: ملت إليه؟ فقال: تهوى إليهم لأنه لاحظ معنى تميل إليهم. وهذا باب من العربية ذو غور، وقد ذكرناه فى هذا الكتاب.
ومنه قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ﴾ (^٣)، عداه بإلى وأنت لا تقول: رفثت إلى المرأة، إنما تقول: رفثت بها أو معها، لكنه لما كان معنى الرفث معنى الإفضاء عداه بإلى ملاحظة لمعنى ما هو مثله، فكأنه قال: الإفضاء إلى نسائكم، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ (^٤). لما كانت التوبة سببا للعفو لاحظ معناه فقال: عن عباده، حتى كأنه قال: وهو الذى يقبل سبب العفو عن عباده. وقد أفردنا لهذا ونحوه فى الخصائص بابا (^٥).
وأما «تهوى إليهم» فمنقول من تهوى إليهم، وإن شئت كان منقولا من قراءة على ﵇ «تهوى»، كلاهما جائز على ما مضى.
***
_________________
(١) انظر: (القرطبى ٣٧٣/ ٩، الكشاف ٣٨٠/ ٢، الفراء ٧٨/ ٢، مجمع البيان ٣١٧/ ٦، مغنى اللبيب ٧١/ ١، البحر المحيط ٤٣٣/ ٥، العكبرى ٣٨/ ٢، تهذيب اللغة، لسان العرب «هوى»).
(٢) انظر: (الكشاف ٣٨٠/ ٢، البحر المحيط ٤٣٣/ ٥).
(٣) سورة البقرة الآية (١٨٧).
(٤) سورة الشورى الآية (٢٥).
(٥) انظر: (الخصائص ٣٠٨/ ٢).
[ ٢ / ٣٩ ]
﴿وَلِوالِدَيَّ﴾ (٤١)
ومن ذلك قراءة يحيى بن يعمر: «ولولدى» (^١)، وقرأ: «لولدىّ» على اثنين (^٢) الحسين ابن على (^٣) والزهرى وإبراهيم النخعى (^٤) وأبو جعفر محمد بن على، وقرأ: «ولوالدى» (^٥)، يعنى أباه وحده سعيد بن جبير.
قال أبو الفتح: الولد يكون واحدا ويكون جمعا، قال فى الواحد:
فليت زيادا كان فى بطن أمه … وليت زيادا كان ولد حمار
ومن كلام بنى أسد: ولدك من دمى عقبيك: أى ولدك من ولدته فسال دمك على عقبيك عند ولادته، لا من اتخذته ولدا، قريبا كان منك أو بعيدا.
وإذا كان جمعا فهو جمع ولد كأسد وأسد، وخشبة وخشب. وقد يجوز أن يكون الولد أيضا جمع ولد كالفلك فى أنه جمع الفلك، وقالوا: كور الناقة للواحد والجماعة على هذا، ورجل هود: أى تائب، وقوم هود. وقول الله تعالى: ﴿مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ﴾ (^٦): أى رهطه، ويقال: ولده. والولد اسم يجمع الواحد والجماعة والأنثى والذكر. وقالوا: ولد أيضا.
***
﴿مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ﴾ (٤٦)
ومن ذلك قراءة على بن أبى طالب وعمر بن الخطاب وابن عباس وابن مسعود-
_________________
(١) انظر: (الكشاف ٣٨٢/ ٢، البحر المحيط ٤٣٤/ ٥).
(٢) وقراءة ابن يعمر. انظر: (الكشاف ٣٨٢/ ٢، القرطبى، مجمع البيان ٣١٧/ ٦، الآلوسى ٢٤٣/ ١٣).
(٣) فى الكشاف ومجمع البيان والآلوسى كذلك، وفى غيرهم «الحسن بن على».
(٤) إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود، أبو عمران النخعى (٤٦ - ٩٦ هـ-٦٦٦ - ٨١٥)، من مذجح: من أكابر التابعين صلاحا وصدق رواية وحفظا للحديث. من أهل الكوفة. مات مختفيا من الحجاج. قال فيه الصلاح الصفدى: فقيه العراق، كان إماما مجتهدا له مذهب. ولما بلغ الشعبى موته قال: والله ما ترك بعده مثله. انظر: (طبقات ابن سعد ١٨٨/ ٦ - ١٩٩، تهذيب التهذيب، الحلية ٢١٩/ ٤، تاريخ الإسلام ٣٣٥/ ٣، طبقات الفراء ٢٩/ ١، الأعلام ٨٠/ ١).
(٥) انظر: (الكشاف ٣٨٢/ ٢، البحر المحيط ٤٣٥/ ٥، مجمع البيان ٣١٧/ ٦).
(٦) سورة نوح الآية (٢١).
[ ٢ / ٤٠ ]
واختلف عنه-وأبى بن كعب وأبى إسحاق السّبيعىّ (^١): «وإن كاد» -بالدال- «مكرهم لتزول»، بفتح اللام الأولى، وضم الثانية (^٢).
قال أبو الفتح: هذه «إن» مخففة من الثقيلة، واللام فى قوله: «لتزول» هى التى تدخل بعد «إن» هذه المخففة من الثقيلة؛ فصلا بينها وبين «إن» التى للنفى فى قوله تعالى: ﴿إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ﴾ (^٣)، أى: ما الكافرون إلا فى غرور فكأنه قال: وإنه كاد مكرهم تزول منه الجبال.
ودخلت يوما على أبى علىّ بعيد عوده من شيراز سنة تسع وستين، فقال لى: ألا أحدثك؟ قلت له: قل! قال: دخل إلى هذا الأندلسىّ فظننته قد تعلّم، فإذا هو يظن أن اللام التى تصحب إن المخففة من الثقيلة هى لام الابتداء. قلت: لا تعجب، فأكثر من ترى هكذا.
***
﴿مِنْ قَطِرانٍ﴾ (٥٠)
ومن ذلك قراءة ابن عباس وأبى هريرة وعلقمة وسعيد بن جبير وابن سيرين والحسن وسنان بن سلمة بن المحبّق وعمرو بن عبيد والكلبى وأبى صالح وعيسى
_________________
(١) عمرو بن عبد الله، من بنى ذى يحمد السبيع الهمدانى الكوفى، أبو إسحاق (٣٣ - ١٢٧ هـ- ٦٥٣ - ٧٤٥ م): من أعلام التابعين الثقات. كان شيخ الكوفة فى عصره. أدرك عليا، ورآه يخطب وقال: رأيته أبيض الرأس واللحية. قال ابن المدينى: روى السبيعى عن ٧٠ أو ٨٠ رجلا لم يرو عنهم غيره، وبلغت مشيخته نحوا من ٤٠٠ شيخ. وقيل: سمع من ٣٨ صحابيا. وكان من الغزاة المشاركين فى الفتوح: غزا الروم فى زمن زياد ست غزوات. وعمى فى كبره. انظر: (تاريخ الإسلام للذهبى ١١٦/ ٥، تهذيب التهذيب ٦٣/ ٨ - ٦٧، خلاصة تذهيب الكمال ٢٤٦، الأعلام ٨١/ ٥).
(٢) انظر: (الطبرى ١٦٠/ ١٣، القرطبى ٣٨٠/ ٩، مجمع البيان ٣٢٢/ ٦، الكشف ٢٧/ ٢، التبيان ٣٠٨/ ٦، البحر المحيط ٤٣٥/ ٥، النحاس ١٨٧/ ٢، الكشاف ٣٨٣/ ٢). وقراءة «لتزول» مع كاد قراءة سبعية قرأ بها: الكسائى، وابن محيصن، وابن عباس، وأبى، وابن مسعود، وعلى، وعمر، وزيد بن على، وابن وثاب، وابن جريج، وأبو سلمة بن عبد الرحمن. انظر: (المراجع السابقة والسبعة ٣٦٣، غيث النفع ٢٦٦، العنوان ١٠٦، النشر ٣٠٠/ ٢، الإتحاف ٢٧٣، العكبرى ٣٩/ ٢، التيسير ١٣٥).
(٣) سورة الملك الآية (٢٠).
[ ٢ / ٤١ ]
الهمدانى وقتادة والربيع بن أنس وعمرو بن فائد: «من قطرآن» (^١).
قال أبو الفتح: القطر: الصّفر والنحاس، وهو أيضا الفلزّ. رويناه عن قطرب، وهو أيضا الصاد. ومنه قدور الصّاد، أى: قدور الصّفر. والآنى: الذى قد أنى وأدرك. وأنى الشئ يأنى أنيّا وإنى مقصور، ومنه قول الله سبحانه: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ﴾ (^٢): أى بلوغه وإدراكه. قال أبو على: ومنه الإناء؛ لأنه الظرف الذى قد بلغ غايته المرادة فيه من خرز أو صياغة أو نحو ذلك. قال أمية:
وسليمان إذ يسيل له القطر … على ملكه ثلاث ليال
وأما القطران ففيه ثلاث لغات: قطران على فعلان، وهو أحد الحروف التى جاءت على فعلان، وهى: ثلثان، وبدلان، والشّقران. ويقال أيضا: قطران، بفتح القاف وإسكان الطاء، وقطران بكسر القاف وإسكان الطاء. والأصل فيها قطران فأسكنا على ما يقال فى كلمة: كلمة وكلمة، لغة تميمية. قال أبو النجم:
جون كأن العرق المنتوحا … لبّسه القطران والمسوحا
وقال النابغة (^٣):
وتخضب لحية غدرت وخانت … بأحمر من نجيع الجوف آن (^٤)
***
﴿وَلِيُنْذَرُوا﴾ (٥٢)
ومن ذلك قراءة يحيى بن عمر الذارع (^٥) وأحمد بن يزيد بن أسيد السّلمى: «ولينذروا به» (^٦)، بفتح الياء والذال.
_________________
(١) وقراءة على، وزيد بن على، ويعقوب. انظر: (القرطبى ٣٨٥/ ٦، الطبرى ١٦٨/ ١٣، البحر المحيط ٤٤٠/ ٥، العكبرى ٣٩/ ٢، الكشاف ٣٨٥/ ٢، التبيان ٣١١/ ٦).
(٢) سورة الأحزاب الآية (٥٣).
(٣) من قصيدة مطلعها: لعمرك، ما خشيت على يزيد من الفخر المطلل، ما أتانى انظر: (ديوانه ١١٩).
(٤) نجيع الجوف: الدم الخالص. الآنى: الشديد الحرارة.
(٥) فى غيره من المصادر: يحيى بن عمارة.
(٦) انظر: (القرطبى ٣٨٥/ ٩، الكشاف ٣٨٥/ ٢، البحر المحيط ٤٤١/ ٥).
[ ٢ / ٤٢ ]
قال أبو الفتح: يقال نذرت بالشئ: إذا علمت به فاستعددت له، فهو فى معنى فهمته، وعلمت به، وطبنت له، وفى وزن ذلك. ولم تستعمل العرب لقولهم: نذرت بالشئ مصدرا، كأنه من الفروع المهجورة الأصول. ومنه عسى لا مصدر لها، وكذلك ليس.
وكأنهم استغنوا عنه بأن والفعل، نحو: سرنى أن نذرت بالشئ، ويسرنى أن تنذر به.
***
&
[ ٢ / ٤٣ ]