﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِرارًا﴾ (١٣)
«إنّ بيوتنا عورة وما هى بعورة» (^١)، بكسر الواو-ابن عباس وابن يعمر وأبو رجاء، بخلاف، وعبد السلام أبو طالوت عن أبيه وقتادة.
قال أبو الفتح: صحة الواو فى هذا شاذة من طريق الاستعمال؛ وذلك أنها متحركة بعد فتحة، فكان قياسها أن تقلب ألفا، فيقال: عارة، كما قالوا: رجل مال. وامرأة مالة، وكبش صاف ونعجة صافة، ويوم راح، وطان، ورجل نال، من النّوال، وله نظائر. وكل ذلك عندنا فعل، كرجل فرق وحذر. ومثل «عورة» فى صحة واوها قولهم: رجل عوز لوز، أى: لا شئ له، وقول الأعشى (^٢):
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعنى … شاو مشلّ شلول شلشل شول (^٣)
فكأن «عورة» أسهل من ذلك شيئا؛ لأنها كأنها جارية على قولهم: عور الرجل، فهو بلفظه، والمعنيان ملتقيان؛ لأن المنزل إذا أعور فهناك إخلال واختلال.
***
&
_________________
(١) قراءة ابن كثير، وأبى حيوة، وابن أبى عبلة، وابن مقسم، وإسماعيل بن سليمان، وعكرمة، ومجاهد. انظر: (الفراء ٣٣٧/ ٢، الإتحاف ٣٥٣، القرطبى ١٤٨/ ١٤، الكشاف ٢٥٤/ ٣، البحر المحيط ٢١٨/ ٧، العكبرى ١٠٣/ ٢، مجمع البيان ٣٤٥/ ٨، الآلوسى ١٦٠/ ٢١).
(٢) من قصيدته المشهورة التى مطلعها: ودع هريرة إن الركب مرتحل وهل تطيق وداعا أيها الرجل؟ انظر: (ديوانه ٢١٧).
(٣) انظر: (ديوانه ٢٢٢)، الحانوت: بيت الخمّار، الشاوى: الذى يشوى اللحم، مشل: سواق الإبل، شلول: خفيف، الشول: الذى يحمل الشئ.
[ ٢ / ٢١٩ ]
﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ﴾ (٢٠)
ومن ذلك قراءة ابن عباس: «بدّى فى الأعراب»، شديدة الدال، منونة.
قال أبو الفتح: هذا أيضا جمع باد، فنظيره قول الله سبحانه: ﴿أَوْ كانُوا غُزًّى﴾ (^١)، جمع غاز على فعّل. ولو كان على فعّال لكان بدّاء وغزاء، ككاتب وكتاب، وضارب وضرّاب أنشد الأصمعى:
وأنا فى الضّرّاب قيلان القله (^٢) …
***
﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها﴾ (١٤)
ومن ذلك قراءة الحسن: «ثم سولوا الفتنة» (^٣)، مرفوعة السين، ولا يجعل فيها ياء، ولا يمدها.
قال أبو الفتح: اعلم أن فى سألت لغتين:
إحداهما: سأل يسأل مهموزا، كدأل يدأل، وجأر يجأر.
والأخرى: وهى سال يسال، كخاف يخاف. والعين من هذه اللغة واو؛ لما حكاه أبو زيد من قوله: هما يتساولان، كقولك: يتقاومان، ويتقاولان.
والذى ينبغى أن تحمل عليه هذه القراءة هو أن تكون على لغة من قال: سال يسال، كخاف يخاف، ومال يمال: إذا كثر ماله. وأقيس اللغات فى هذا أن يقال عند إسناد الفعل إلى المفعول: سيلوا كعيدوا، ومثل قيل، وبيع، وسير به. ولغة أخرى هنا وهى إشمام كسرة الفاء ضمة، فيقال: سيلوا، كقيل وبيع. واللغة الثالثة سولوا، كقولهم: قول، وبوع، وقد سور به. وهو على إخلاص ضمة فعل، إلا أنه أقل اللغات. وروينا عن محمد بن الحسن قول الشاعر:
وابتذلت غضبى وأمّ الرّحال … وقول لا أهل له ولا مال (^٤)
أى: وقيل وروينا أيضا:
_________________
(١) سورة آل عمران الآية (١٥٦).
(٢) انظر: (الخصائص ٧/ ١).
(٣) انظر: (الإتحاف ٣٥٤، مجمع البيان ٣٤٥/ ٨، البحر المحيط ٢١٨/ ٧،٢١٩).
(٤) سبق الاستشهاد به فى (١٧/ ١).
[ ٢ / ٢٢٠ ]
نوط إلى صلب شديد الخلّ
أى: نيط، كقولك: وصل به، فهذا أحد الوجهين، وهو كالساذج.
والآخر: وفيه الصنعة، وهو أن يكون أراد: سئلوا، فخفف الهمزة، فجعلها بين بين، أى: بين الهمزة والياء؛ لأنها مكسورة، فصارت سيلوا، فلما قاربت الياء، وضعفت فيها الكسرة شابهت الياء الساكنة وقبلها ضمة، فأنحى بها نحو قول وبوع.
فإما أخلصها فى اللفظ واوا لانضمام ما قبلها على رأى أبى الحسن فى تخفيف الهمزة المكسورة إذا انضم ما قبلها، نحو قولهم: مررت باكموك، وعلى قوله: «يستهزيون» (^١) بإخلاص الهمزة إذا خففها ياء لانكسار ما قبلها.
وإما بقّاها على روائح الهمزة الذى فيها فجعلها بين بين، فخفيت الكسرة فيها، فشابهت لانضمام ما قبلها-الواو.
ويدل على أن الهمزة المكسورة إذا خففت قاربت لضعف حركتها-الياء الساكنة قول ابن ميّادة:
فكان يوميذ لها أمرها (^٢) …
أراد: يومئذ، ثم خفف الهمزة، فقاربت الياء، فصارت كأنها «يوميذ» بياء مخلصة، فأسكنها استثقالا للكسرة فيها فصارت «يوميذ».
وعليه قولهم: أيش تقول: أراد: أىّ شئ تقول؟ ثم خفف الهمزة وهى مكسورة، فدانت الياء، فاستثقل فيها الكسرة، كما يستثقلها فى ياء القاضى والغازى، فصار أيش، كقولك: قاض، وغاز.
ويؤكد هذا القول الثانى قول ابن مجاهد: ولا يمدها، أى ينسى الهمز الذى كان فيها الذى لو اعتمده وتطاول نحوه لزاد فى الحرف الصوت للحركة التى كان يقوى ويزيد صداه لمكانها. ألا ترى أن قولك: آدم وآمن أنقص صوتا من قولك: «آانت قلت للناس» (^٣)؛ لمكان حركة الهمزة الثانية وإن كانت مخفاة مضعفة؟ أعنى إذا خففت همزة «أنت» ولم تفصل بينها وبين همزة الاستفهام قبلها بألف الوصل، كالتى فى قوله:
_________________
(١) سورة الأنعام الآية (١٠) وغيرها.
(٢) ورد فى الخصائص ١٥٤/ ٣: «فكان لها يومذ أمرها». وقال محقق الخصائص: إنه محرف وغير مستقيم الوزن.
(٣) سورة المائدة الآية (١١٦). وهى قراءة ابن كثير.
[ ٢ / ٢٢١ ]
«آانت قلت للناس» فى قول أبى عمرو ومن ذهب مذهبه؛ لأن ذلك صوت واف ومطمئن متماد، وإنما مرادنا قدر تمام الصوت لتخفيف الثانية، على أن لا فاصل بينها وبين الأولى؛ لأنه حينئذ يوافق قوله: ولا يمدها، أى: لا يمدها كما يمدها إذا اعتد حركة الثانية.
***
﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ﴾ (٣٠)
ومن ذلك قراءة عمرو بن فائد الأسوارى، ورويت عن يعقوب: «يا نساء النبىّ من تأت منكنّ» (^١) بالتاء.
قال أبو الفتح: هذا حمل على المعنى، كأن «من» هنا امرأة فى المعنى، فكأنه قال: أيّة امرأة أتت منكن بفاحشة، أو تأت بفاحشة. وهو كثير فى الكلام، معناه للبيان كقول الله سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ (^٢)، وقول الفرزدق:
تعشّ فإن عاهدتنى لا تخوننى … نكن مثل من يا ذيب يصطحبان
أى: مثل اللذين يصطحبان، أو مثل اثنين يصطحبان، وأن يكون على الصلة أولى من أن يكون على الصفة، فكأن الموضع فى هذا الحمل على المعنى إنما بابه الصلة، ثم شبهت بها الصفة، ثم شبهت الحال بالصفة، ثم شبه الخبر بالحال، كذا ينبغى أن يرتب هذا الباب من تنزيل، ولا ينبغى أن يؤخذ بابا سردا وطرحا واحدا؛ وذلك أن الصلة أذهب فى باب التخصيص من الصفة لإبهام الموصول، فلما قويت الحاجة إلى البيان فى الصلة جاء ضميرها من الصلة على معناها؛ لأنه أشد إفصاحا بالغرض، وأذهب فى البيان المعتمد.
فأما ما أنشدناه أبو علىّ عن الكسائىّ من قول الشاعر:
أخو الذّيب يعوى والغراب ومن يكن … شريكيه تطمع نفسه كلّ مطمع (^٣)
ففيه نظر. وكان قياسه: ومن يكن شريكيهما، أو من يكونا شريكيه، وقد كان أبو على يتعسف هذا، وأقرب ما فيه أن يكون تقديره: وأىّ إنسان يكونا شريكيه، إلا أنه
_________________
(١) وقراءة زيد بن على، والجحدرى، وروح. انظر: (القرطبى ١٧٦/ ١٤، مجمع البيان ٣٥٣/ ٨، الكشاف ٢٥٩/ ٣، البحر المحيط ٢٧٧/ ٧،٢٢٨).
(٢) سورة يونس الآية (٤٢).
(٣) سبق الاستشهاد به.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
أعاد إليهما معا ضميرا واحدا، وهو الضمير فى «يكن». وساغ ذلك إذ كانت الذيب والغراب فى أكثر الأحوال مصطحبين، فجريا مجرى الشئ الواحد، فعاد الضمير كذلك. ومثله قوله (^١):
لمن زحلوقة زلّ … بها العينان تنهل
ولم يقل: تنهلاّن؛ لكونهما كالعضو الواحد. ومثله للفرزدق:
ولو رضيت يداى بها وضنّت … لكان علىّ للقدر الخيار (^٢)
ولم يقل: رضيتا.
***
﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (٣٢)
ومن ذلك قراءة الأعرج وأبان بن عثمان «فيطمع الذى»، بكسر العين.
قال أبو الفتح: هو معطوف على قول الله تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ،﴾ أى: فلا يطمع الذى فى قلبه مرض، فكلاهما منهى عنه، إلا أن النصب أقوى معنى، وأشد إصابة للعذر؛ وذلك أنه إذا نصب كان معناه أن طعمه إنما هو مسبب عن خضوعهن بالقول. فالأصل فى ذلك منهىّ عنه، والمنهىّ مسبّب عن فعلهن، وإذا عطفه كان نهيا لهن وله، وليس فيه دليل على أن الطمع راجع الأصل إليهن، وواقع من أجلهن. وعليه بيت امرئ القيس (^٣):
_________________
(١) فى هامش الخصائص ٤٢٥/ ٢: من ثلاث أبيات لغضوب: وهى امرأة من رهط ربيعة بن مالك تهجو سبيعا. وانظر: (النوادر ١١٩).
(٢) من قصيدته أولها: ندمت ندامة الكسعى لما غدت منى مطلقة نوار فى الديوان ٢٩٤: ولو رضيت يداى بها وقرت لكان لها على القدر الخيار
(٣) من قصيدته التى مطلعها: ألا عم صباحا أيها الربع وانطق وحدث حديث الركب إن شئت واصدق انظر: (ديوانه ١٣٣). وقد نسبه فى الكتاب ١٠١/ ٢ لعمرو بن عمار الطائى. وينظر: (مجالس ثعلب ٤٣٦).
[ ٢ / ٢٢٣ ]
فقلت له صوّب ولا تجهدنّه … فيذرك من أخرى القطاة فتزلق (^١)
فهذا نهى بعد نهى، كالقراءة الشاذة.
***
﴿وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٤٠)
ومن ذلك ما رواه عبد الوهاب عن أبى عمرو: «ولكنّ رسول الله»، نصب (^٢).
قال أبو الفتح: «رسول الله» منصوب على اسم «لكنّ»، والخبر محذوف، أى: ولكنّ رسول الله محمد. وعليه قول الفرزدق:
فلو كنت ضبّيّا عرفت قرابتى … ولكنّ زنجيا غليظ المشافر (^٣)
أى: ولكنّ زنجيا غليظ المشافر لا يعرف قرابتى، فحذف الخبر لدلالة ما قبله عليه،
_________________
(١) فى الديوان ١٣٦: «فيذرك من أعلى القطاة فتزلق». وفى الكتاب: «فيدنك من أخرى القطاة فتزلق». وفى اللسان برواية: «فتزلق» بالرفع وهو تحريف. يقول هذا لغلامه وقد حمله على فرسه ليصيد له: صوب ولا تجهدنه؛ أى: خذ عفوه ولا تحمله على العدو الشديد. يذرك، من أذراه: صرعه. القطاة: عجز الدابة، فتزلق: فلا تثبت فى مكانك.
(٢) وقراءة عبد الوارث. انظر: (الكشاف ٢٦٤/ ٣،٢٦٥، القرطبى ١٩٦/ ١٤، البحر المحيط ٢٣٦/ ٧).
(٣) البيت بهذه القافية فى ديوان الفرزدق ٤٨١، وصواب روايته: «غليظا مشافره» أو غلاظا مشافره. وانظر: (الكتاب ١٣٥/ ٢،١٣٦، شرح شواهد المغنى ٢٣٩، مجالس ثعلب ١٢٧، الإنصاف ١٨٢، المنصف ١٢٩/ ٣، خزانة الأدب ٣٧٨/ ٤، شرح المفصل ٨١/ ٨،٨٢، همع الهوامع ١٣٦/ ١،٢٢٣، الأغانى ٢٤/ ١٩) من قصيدة يهجو بها أيوب بن عيسى الضبى ليست فى ديوانه. نفى نسبته إلى ضبة، وهم بنو أد بن طابخة، والفرزدق تميمى من تميم بن مرة بن أد بن طابخة. وأصل المشفر للبعير، فجعله لشفة الإنسان لما قصد من تشنيع خلقه. والشاهد فيه رفع «زنجى» على أنه خبر «لكن» مع حذف اسمها وتقديره: ولكنك زنجى، ويجوز نصب «زنجيا» على أنه اسمها والخبر محذوف، أى لا يعرف قرابتى. قال سيبويه: والنصب أكثر فى كلام العرب، كأنه قال: ولكن زنجيا عظيم المشافر لا يعرف قرابتى، ولكنه أضمر هذا كما يضمر ما بنى على الابتداء نحو قوله ﷿: طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ [محمد:٢١]؛ أى طاعة وقول معروف أمثل. . . ورفعه على قوله «ولكن زنجى». انظر: (الكتاب ١٣٦/ ٢).
[ ٢ / ٢٢٤ ]
وهو قوله: عرفت قرابتى، كما أن قوله: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ يدل على أنه مخالف لهذا الضرب من الناس، ونحو من ذلك قول طرفة (^١):
وتبسم عن ألمى كأنّ منوّرا … تخلّل حرّ الرّمل دعص له ندى (^٢)
قال أبو الحسن على بن سليمان: لم يأت لكأن بخبر، علما بمعرفة موضعه، أى: كأن ذلك المنوّر ثغرها، فحذفه للعلم به، ولطول الكلام.
***
﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ (٥٠)
ومن ذلك قراءة أبىّ بن كعب والحسن والثقفى وسلاّم: «أن وهبت نفسها للنبىّ» (^٣)، بفتح الألف.
_________________
(١) من معلقته الشهيرة التى مطلعها: لخولة أطلال ببرقة ثهمد ظللت بها أبكى وأبكى إلى الغد انظر: (شرح القصائد السبع الطول ١٣٢).
(٢) قوله: «وتبسم عن ألمى» معناه تبسم عن ثغر ألمى. يقال: تبسم، وابتسم، وافتر، وانكل، كل ذلك إذا تبسم،. . . يقول: فهذه المرأة إذا حدثت ابتسمت فى خلال حديثها، وهم يمدحون الابتسام ويذمون الضحك، ومعنى قوله: «عن ألمى» عن ثغر ألمى، فحذف الثغر وأقام ألمى مقامه. . . والألمى: الأسمر، أى تبسم عن ثغر أسمر اللثات وهم يمدحون سمرة اللثة، لأنها تبين بياض الأسنان. . .، المنور: الأقحوان الذى قد ظهر نوره، ونوره ونواره: زهره. والأقحوان: نبت طيب الريح يقال: هو خيرىّ البر فشبه بياض الثغر ببياض نور الأقحوان، وقوله: «تخلل حرّ الرمل» معناه توسطه ودخل فيه ونبت فى وسطه، يعنى الأقحوان، فإذا كان كذلك كان أنعم لنبته وزهره. وحرّ الرمل: أكرمه وأحسنه لونا. وحرّ البلاد: أكرمها، وحر المتاع: خياره. ومنه قوله: «فتناولت قيسا بحرّ بلاده». وقال الرستمى: قال أبو محمد التوزى: والحرة: الرطب الأزاذ، سمى حرّة لكرمه. والدعص: كثيب من الرمل، وليس بكثير، وقد يقال: دعصه وقوله: «له ندى» الهاء للمنور، ورواه الأصمعى: «وتبسم عن ألمى يرف منور» قوله: «يرف» معناه: يقطر من نعمته وريه، يقال: رف النبت يرف ويرف بمعنى واحد. وقوله: «ندى» معناه فى أسفله الماء، يقال للذى يندى: ندى فهو ند، والمنور: اسم كأن، وخبر كأن مضمر والتقدير: كأن به منورا، فحذف خبر كأن لأن الاسم نكرة وموضع الخبر معروف. انظر: (شرح القصائد السبع الطوال ١٣٤:١٤٥).
(٣) وقراءة الشعبى. انظر: (الإتحاف ٣٥٦، الطبرى ١٦/ ٢٢، العكبرى ١٠٤/ ٢، النحاس ٦٤٥/ ٢، التبيان ٣٠٩/ ٨، القرطبى ٢٠٩/ ١٤، الكشاف ٢٦٨/ ٣، البحر المحيط ٢٤٢/ ٧، مجمع البيان ٣٦٣/ ٨).
[ ٢ / ٢٢٥ ]
قال أبو الفتح: تقديره: لأن وهبت نفسها، أى: أنها تحل له من أجل أن وهبت نفسها له، إلا أن حلّ ذلك لذلك عند هبتها نفسها له، وإن هى وهبت نفسها له، وليس يعنى بذلك امرأة بعينها قد كانت وهبت نفسها له، وإنما محصوله أنها إن وهبت امرأة نفسها للنبى ﷺ حلت له من أجل هبتها إياها له ﵇، فالحل إذا إنما هو مسبب عن الهبة متى كانت؛ فلهذا لم يعتزم به واحدة معينة قد كانت وهبت نفسها له، ويؤكد ذلك القراءة بالكسر، فصح به الشرط.
***
﴿بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ (٥١)
ومن ذلك قراءة أبو إياس جؤيّة بن عائذ: «بما آتيتهنّ كلّهنّ» (^١)، بنصب اللام.
قال أبو الفتح: نصبه على أنه توكيد ل «هنّ» من قوله: «آتيتهنّ»، وهو راجع إلى معنى قراءة العامة: ﴿كُلُّهُنَّ،﴾ بضم اللام؛ وذلك أن رضاهن كلّهن بما أوتين كلّهن على انفرادهن واجتماعهن، فالمعنيان إذا واحد، إلا أن الرفع أقوى معنى وذلك أن فيه إصراحا من اللفظ بأن يرضين كلهن، والإصراح فى القراءة الشاذة-أعنى النصب- إنما هو بإيتائهن كلهن، وإن كان محصول الحال فيهما مع التأويل واحدا.
***
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ (٥٦)
ومن ذلك قراءة الحسن: «يأيّها الذين آمنوا فصلّوا عليه» (^٢).
قال أبو الفتح: دخول الفاء إنما هو لما ضمّنه الحديث من معنى الشرط؛ وذلك أنه إنما وجبت عليه الصلاة منا لأن الله «سبحانه» قد صلى عليه، فجرى ذلك مجرى قولهم: قد أعطيتك فخذ، أى: إنما وجب عليك الأخذ من أجل العطية، وإذا قال: قد أعطيتك، خذ فالوقوف على أعطيتك، ثم استأنف الأمر له بالأخذ فهو أعلى معنى، وأقوم قيلا.
وذلك أنه إذا علل الأخذ، فجعله واجبا عن العطية فجائز أن يعارضه المأمور بالأخذ. بأن يقول: قد ثبت أن الأخذ لا يجب بعطيتك، فإن كان أخذى لغير ذلك فعلت. وهو
_________________
(١) انظر: (الكشاف ٢٧٠/ ٣، العكبرى ١٠٤/ ٢، البحر المحيط ٢٤٤/ ٧). ووقع فيه أبو إياس حوبة ابن عائذ، والصحيح ما أثبتناه.
(٢) انظر: (مجمع البيان ٣٦٩/ ٨).
[ ٢ / ٢٢٦ ]
إذا ارتجل قوله: خذ، لم يسرع المعارضة له فى أمره إياه؛ لاستبهام معنى موجب الأخذ، كما قد تقع المعارضة إذا ذكر العلة فى ذلك. فإن قلت: فقد يجوز أن يعارض أمره بالأخذ مرسلا، كما قد يعارضه معلّلا. ألا تراه قد يقول له: اذكر لى علة الأخذ لأرى فيه رأيى فيتوقف عن الأخذ إلى أن يعرف علة الأمر له بذلك؟ قيل على كل حال الأمر المحتوم به على حالاته أثبت فى النفس من المعلّل بما يجوز أن يعارض. وإذا راجعت نظرك وأعملت فكرتك وجدت الحال فيه على ما ذكرت لك؛ فلذلك كان قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ أقوى معنى.
***
﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ﴾ (٦٦)
ومن ذلك قراءة عيسى بن عمر الكوفىّ: «يوم تقلّب وجوههم» (^١)، نصب.
قال أبو الفتح: الفاعل فى «تقلّب» ضمير السعير المقدم الذكر فى قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خالِدِينَ فِيها أَبَدًا،﴾ ثم قال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ،﴾ أى: تقلّب السعير وجوههم فى النار، فنسب الفعل إلى النار، وإن كان المقلّب هو الله سبحانه، بدلالة قراءة أبى حيوة: «يوم نقلّب وجوههم» (^٢)؛ لأنه إذا كان التقليب فيها جاز أن ينسب الفعل إليها للملابسة التى بينهما، كما قال الله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ (^٣)، فنسب المكر إليهما لوقوعه فيهما، وعليه قول رؤبة (^٤):
فنام ليلى وتجلّى همّى
أى: نمت فى ليلى، وعليه نفى جرير الفعل الواقع فيه عنه فقال (^٥):
لقد لمتنا يا أمّ غيلان فى السّرى … ونمت وما ليل المطىّ بنائم (^٦)
&
_________________
(١) انظر: (القرطبى ٢٤٩/ ١٤، مجمع البيان ٣٧١/ ٨، الكشاف ٢٧٥/ ٣، البحر المحيط ٢٥٢/ ٧).
(٢) وقراءة خارجة بن عيسى البصرى. انظر: (الفراء ٣٥٠/ ٢، القرطبى ٢٤٩/ ٢، البحر المحيط ٢٥٢/ ٧، الكشاف ١٨٤/ ٢).
(٣) سورة سبأ الآية (٣٣).
(٤) انظر: (ديوانه ١٤٢).
(٥) انظر: (ديوانه ٥٥٤، الكتاب ١٦٠/ ١، خزانة الأدب ٢٢٣/ ١، أمالى ابن الشجرى ٣٦/ ١، ٣٠١، الإنصاف ١٥١، الكامل ٧٠٠).
(٦) أم غيلان: هى بنت جرير. والسرى: سير الليل، والمطى: جمع مطية، وهى الراحلة يمتطى ظهرها، أى: يركب. وأراد ليل ركاب المطى. يقول: دعى عنك اللوم، فنحن لما نرجو من غب السرى لا نصغى إلى لومك وعذلك. والشاهد فيه وصف الليل بالنوم اتساعا ومجازا.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
فهذا نفى لمن قال: نام ليل المطىّ، وتطرقوا من هذا الاتساع إلى ما هو أعلى منه، فعليه بيت الكتاب (^١):
أمّا النّهار ففى قيد وسلسلة … واللّيل فى جوف منحوت من السّاج (^٢)
فجعل النهار نفسه فى القيد والسلسلة، والليل نفسه فى جوف المنحوت. وإنما يريد أن هذا المذكور فى نهاره فى القيد والسلسلة، وفى ليله فى بطن المنحوت. وقد جاء هذا فى الأماكن أيضا، وعليه قول رؤبة (^٣):
ناج وقد زوزى بنا زيزاؤه
فالزّيزاء على هذا فعلاء، وهى هذه الغليظة المنقادة من الأرض، فكأن هذه الأرض سارت بهم الفجاج؛ لأنهم ساروا عليها. وقد يمكن أن يكون «زيزاؤه» مصدرا من زوزيت، فيكون الفعل منسوبا إلى المصدر، كقولهم: سار بنا السير، وقام بهم القيام. فهو على قولك: سير سائر، وقيام قائم. ومنه: شعر شاعر، وموت مائت، وويل وائل. والزّيزاء على هذا فعلال، كالزّلزال، والقلقال.
وأما قول رؤبة:
هيهات من منخرق هيهاؤه (^٤) …
فهو فعلال من لفظ هيهات، كالزّلزال، والقلقال، وليس مصدرا صريحا. وهيهات من مضاعف الياء، ومن باب الصيّصية وقد تقدم القول عليه.
***
﴿وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا﴾ (٦٩)
ومن ذلك قراءة ابن مسعود: «وكان عبدا لله وجيها» (^٥).
_________________
(١) البيت من الخمسين التى استشهد بها سيبويه دون نسبة. انظر: (الكتاب ١٦٠/ ١،١٦١). ونسبه المبرد فى الكامل: إلى رجل من أهل البحرين من اللصوص.
(٢) وصف سجينا يقيد بالنهار ويغل فى سلسلة، ويوضع بالليل فى بطن محبس منحوت، أى محفور من الساج، وهو شجر من شجر الهند. وشاهده المجاز فى جعل النهار فى سلسلة، وإنما السجين هو المجعول فيها.
(٣) انظر: (ديوانه ٤).
(٤) سبق الاستشهاد به.
(٥) وقراءة المطوعى، والأعمش، وأبى حيوة، وابن شنبوذ. انظر: (الإتحاف ٣٥٦، البحر المحيط ٢٥٣/ ٧، الكشاف ٢٧٧/ ٣، القرطبى ٢٥٢/ ١٤، مجمع البيان ٣٧١/ ٨).
[ ٢ / ٢٢٨ ]
قال أبو الفتح: قراءة الكافة أقوى معنى من هذه القراءة؛ وذلك أن هذه إنما يفهم منها أنه عبد لله ولا تفهم منها وجاهته عند من هى؟ أعند الله، أم عند الناس؟ وأما قراءة الجماعة فإنها تفيد كون وجاهته عند الله، وهذا أشرف من القول الأول؛ لإسناد وجاهته إلى الله تعالى، وحسبه هذا شرفا.
***
[ ٢ / ٢٢٩ ]