﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ (٤)
قراءة ابن عباس-بخلاف-وعكرمة وقتادة وعمرو بن ميمون، ورويت عن الأعمش: «أو أثرة من علم»، بغير ألف (^١).
وقرأ علىّ ﵇ وأبو عبد الرحمن السّلمى: «أو أثرة»، ساكنة الثاء (^٢).
قال أبو الفتح: الأثرة والأثارة التى تقرأ بها العامة: البقية، وما يؤثر. وهى من قولهم: أثر الحديث يأثره أثرا وأثرة. ويقولون: هل عندك من هذا أثرة وأثارة؛ أى: أثر. ومنه سيف مأثور، أى: عليه أثر الصنعة، وطرائق العمل.
وأما «الأثرة»، ساكنة الثاء فهى أبلغ معنى؛ وذلك أنها الفعلة الواحدة من هذا الأصل، فهى كقولك: ائتونى بخبر واحد، أو حكاية شاذة، أى: قد قنعت فى الاحتجاج لكم بهذا القدر، على قلّته، وإفراد عدده.
***
﴿بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٩)
ومن ذلك قراءة عكرمة وابن أبى عبلة وأبى حيوة: «بدعا من الرّسل» (^٣).
_________________
(١) وقراءة السلمى، وعلى، وزيد بن على، وأبى رجاء. انظر: (زاد المسير ١٣١/ ٧، مختصر شواذ القراءات ١٤٠، الطبرى ٣/ ٢٦، البحر المحيط ٥٥/ ٨، الرازى ٤/ ٢٨، القرطبى ١٨٢/ ١٦).
(٢) وقراءة الحسن، وقتادة. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٠، الطبرى ٣/ ٢٦، البحر المحيط ٥٧/ ٨، القرطبى ١٨٢/ ١٦، الفراء ٥٠/ ٣، الكشاف ٥١٥/ ٣).
(٣) وقراءة مجاهد. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٠، الكشاف ٥١٧/ ٣، البحر المحيط ٥٦/ ٨، القرطبى ١٨٥/ ١٦).
[ ٢ / ٣١٢ ]
قال أبو الفتح: هو على حذف المضاف، أى: ما كنت صاحب بدع، ولا معروفة منى البدع. قال:
وكيف تواصل من أصبحت … خلالته كأبى مرحب (^١)
أى: كخلالة أبى مرحب. وما أكثر هذا المضاف فى القرآن، وفصيح الكلام.
***
﴿بِوالِدَيْهِ إِحْسانًا﴾ (١٥)
ومن ذلك قراءة علىّ وأبى عبد الرحمن السّلمى: «بوالديه حسنا» (^٢).
قال أبو الفتح: تحتمل اللغة أن تكون حسنا هنا مصدرا، كالمصادر التى اعتقب عليها الفعل والفعل، نحو الشّغل والشغل، والبخل والبخل، وهو واضح.
وتحتمل أن يكون الحسن هنا اسما صفة لا مصدرا، لكنه رسيل القبيح كقولنا: الحسن من الله، والقبيح من الشيطان، أى: وصّيناه بوالديه فعلا حسنا، ونصبه وصّيناه به؛ لأنه يفيد مفاد ألزمناه الحسن فى أبويه. وإن شئت قلت: هو منصوب بفعل غير هذا، لا بنفس هذا؛ فيكون منصوبا بنفس ألزمناه، لا بنفس وصّيناه؛ لأنه فى معناه.
***
﴿هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اِسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ (٢٤)
ومن ذلك قراءة ابن مسعود: «هذا عارض ممطرنا قال هود بل هو ما استعجلتم به» (^٣).
قال أبو الفتح: قد كثر عنهم حذف القول؛ لدلالة ما يليه عليه، كقول الله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (^٤)، أى: يقولون: سلام عليكم، وكذلك هذه القراءة، مفسرة لقراءة الجماعة: ﴿بَلْ هُوَ مَا اِسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ،﴾ لو
_________________
(١) انظر: (لسان العرب «رحب» أمالى القالى ١٩٥/ ١).
(٢) وقراءة عيسى بن عمر. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٠، الكشاف ٥٢٠/ ٣، البحر المحيط ٦٠/ ٨).
(٣) انظر: (القرطبى ٢٠٦/ ١٦، الكشاف ٥٢٢/ ٣، الكرمانى ٢٢٣/ ٢، الفراء ٥٥/ ٣).
(٤) سورة الرعد الآيتان (٢٣،٢٤).
[ ٢ / ٣١٣ ]
لم تأت قراءة عبد الله هذه لما كان المعنى إلا عليها، فكيف وقد جاءت ناصرة لتفسيرها؟.
***
﴿لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ﴾ (٢٥)
ومن ذلك قراءة الحسن وأبى رجاء والجحدرى وقتادة وعمرو بن ميمون والسّلمى ومالك بن دينار والأعمش وابن أبى إسحاق، واختلف عن الكل إلا أبا رجاء ومالك ابن دينار: «لا ترى»، بالتاء مضمومة، «إلاّ مساكنهم»، بالرفع (^١).
وقرأ الأعمش: «إلا مسكنهم» (^٢)، وكذلك يروى عن الثقفى ونصر بن عاصم.
قال أبو الفتح: أما «ترى»، بالتاء ورفع «المساكن» فضعيف فى العربية، والشعر أولى بجوازه من القرآن؛ وذلك أنه من مواضع العموم فى التذكير، فكأنه فى المعنى لا يرى شئ إلا مساكنهم. وإذا كان المعنى هذا كان التذكير لإرادته هو الكلام.
فأما «ترى» فإنه على معاملة الظاهر، والمساكن مؤنثة، فأنث على ذلك. وإنما الصواب ما ضرب إلاّ هند، ولسنا نريد بقولنا: إنه على إضمار أحد وإن هندا بدل من أحد المقدّر هنا، وإنما نريد أن المعنى هذا؛ فلذلك قدمنا أمر التذكير. وعلى التأنيث قال ذو الرمة:
برى النّحز والأجرال ما فى غروضها … فما بقيت إلاّ الصّدور الجراشع (^٣)
وهو ضعيف، على ما مضى.
وأما «مسكنهم» فإن شئت قلت: واحد كفى من جماعته، وإن شئت جعلته مصدرا وقدّرت حذف المضاف، أى: لا ترى إلا آثار مسكنهم. فلما كان مصدرا لم يلق لفظ الجمعية به كما قال ذو الرمة:
_________________
(١) وقراءة أبى كثير، وعاصم، وميمون، وشعبة، وحماد بن سلمة. انظر: (الإتحاف ٣٩٢، الفراء ٥٥/ ٣، القرطبى ٢٠٧/ ١٦، البحر المحيط ٥٦/ ٨١، النحاس ١٥٧/ ٣، الكشاف ٥٢٤/ ٣، تحبير التيسير ١٧٧، شرح التصريح ٩٨٠/ ١).
(٢) انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٠، البحر المحيط ٦٥/ ٨، الكشاف ٥٢٤/ ٣، مجمع البيان ٨٩/ ٩، الإتحاف ٣٩٢).
(٣) سبق الاستشهاد به فى (٢٥٢/ ٢).
[ ٢ / ٣١٤ ]
تقول عجوز مدرجى متروّحا … على بابها من عند أهلى وما ليا (^١)
فالمدرج هنا مصدر، ألا تراه قد نصب الحال؟ ولو كان مكانا لما عمل، كما أن المغار من قوله (^٢):
وما هى إلاّ فى إزار وعلقة … مغار ابن همّام على حىّ خثعما (^٣)
مصدر أيضا. ألا تراه قد علّق به حرف الجرّ؟ وهذا واضح. وحسن أيضا أن يريد بمسكنهم هنا الجماعة، وإن كان قد جاء بلفظ الواحد؛ وذلك أنه موضع تقليل لهم وذكر العفاء عليهم، فلاق بالموضع ذكر الواحد؛ لقلته عن الجماعة، كما أن قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ (^٤)، أى: أطفالا. وحسن لفظ الواحد هنا؛ لأنه موضع تصغير لشأن الإنسان، وتحقيره لأمره، فلاق به ذكر الواحد لذلك، لقلته عن الجماعة؛ ولأن معناه أيضا نخرج كل واحد منكم طفلا، وقد ذكرنا نحو هذا. وهذا مما إذا سئل الناس عنه قالوا: وضع الواحد موضع الجماعة اتساعا فى اللغة، وأنسوا حفظ المعنى ومقابلة اللفظ به؛ لتقوى دلالته عليه، وتنضم بالشبه إليه.
***
﴿إِفْكُهُمْ﴾ (٢٨)
ومن ذلك قراءة ابن عباس وأبى عياض وعكرمة (^٥) وحنظلة بن النعمان بن مرة:
&
_________________
(١) انظر: (ديوانه ٦٥٣).
(٢) نسبه سيبويه فى الكتاب ٢٣٥/ ١ لحميد بن ثور، وليس فى ديوان حميد ولا فى ملحقاته، وقد أثبته الشيخ عبد السلام هارون فى استدراكه على الأستاذ الميمنى ص ١٧٣ نقلا عن هذا الموضع من سيبويه، وهو فى لسان العرب «علق» والكامل ١١٥ بدون نسبة فيهما، لكن نسب فى حواشى الكامل إلى حميد بن ثور، وأنشد قبله: تطول القصار والقصار يطلنها فمن يرها لا ينسها ما تكلما
(٣) الإزار: ثوب يحيط بالنصف الأسفل من البدن، والعلقة، بالكسر: ثوب قصير بلا كمين تلبسه الجارية، وقيل: أول ثوب يلبسه المولود. ينعت المرأة بأنها كانت صغيرة السن وقت إغارة ابن همام على هذا الحى من اليمن، وهو خثعم. انظر: (هامش الكتاب ٢٣٥/ ١).
(٤) سورة الحج الآية (٥).
(٥) عكرمة بن عبد الله البربرى المدنى: أبو عبد الله، مولى عبد الله بن عباس: تابعى، كان من أعلم الناس بالتفسير والمغازى. طاف البلدان، وروى عنه زهاء ثلاثمائة رجل، منهم أكثر من سبعين تابعيا. انظر: (تهذيب التهذيب ٢٦٣/ ٧، حلية الأولياء ٣٢٦/ ٣، ذيل المذيل ٩٠، ميزان الاعتدال ٢٠٨/ ٢).
[ ٢ / ٣١٥ ]
«أفكهم» (^١)، بفتح الألف، والفاء، والكاف.
وقرأ: «وذلك آفكهم»، بالمد، وبفتح الفاء مخففة- (^٢) عبد الله بن الزبير.
وقرأ: «أفّكهم»، مشددة الفاء- (^٣) أبو عياض (^٤)، بخلاف.
وقراءة الناس: ﴿وَذلِكَ إِفْكُهُمْ،﴾ فذلك أربعة أوجه.
قال أبو الفتح: أما «أفكهم» فصرفهم، وثناهم. قال:
إن تك عن أحسن المروءة مأ … فوكا ففى آخرين قد أفكوا (^٥)
وهو صرف بالباطل، وأرض مأفوكة، أى: مقلوبة التراب.
وأما «آفكهم» فيجوز أن يكون أفعلهم، أى: أصارهم إلى الإفك، أو وجدهم كذلك، كما تقول: أحمدت الرجل: وجدته محمودا.
ويجوز أن يكون أفعل على معنى فعل، كصدّ وأصدّ، وقد مضى ذكره.
ويجوز أن يكون «آفكهم» فاعلهم كغالطهم وخادعهم.
وأما «أفّكهم» ففعّلهم؛ وذلك لتكثيره ذلك الفعل بهم، وتكرره منه عليهم.
وحكى الفراء فيها قراءة أخرى، وهى: «وذلك أفكهم»، وقال فيه: إلإفك والأفك، كالحذر والحذر. ومن جهة أحمد بن يحيى:
ما لى أراك عاجزا أفيكا … أكلت جديا وأكلت ديكا
تعجز أن تأخذ ما أريكا
الأفيك: المصروف عن وجهه وحيلته. وروينا عن قطرب أن ابن عباس قرأ: «وذلك آفكهم»، بمعنى صارفهم، فذلك ستّ قراءات.
***
_________________
(١) وقراءة ابن الزبير، ومجاهد. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٠، الكشاف ٥٢٦/ ٣، الطبرى ١٩،٢٦، القرطبى ٢١٩/ ١٦، البحر المحيط ٦٩/ ٨، النحاس ١٥٩/ ٣).
(٢) وقراءة ابن عباس. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٠، الكشاف ٥٢٦/ ٣، القرطبى ٢١٠/ ١٦، البحر المحيط ٦٦/ ٨، العكبرى ١٢٦/ ٢).
(٣) وقراءة عياض. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٠، البحر المحيط ٦٦/ ٨، القرطبى ٢١٠/ ١٦، الكشاف ٥٢٦/ ٣، مجمع البيان ٩٠/ ٩).
(٤) فى المختصر: «عياض».
(٥) انظر: لسان العرب «أفك».
[ ٢ / ٣١٦ ]
﴿مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ﴾ (٣٥)
ومن ذلك قراءة الحسن وعيسى الثقفى: «من نهار بلاغا» (^١).
قال أبو الفتح: هو على فعل مضمر، أى: بلغوا أو بلّغوا بلاغا، كما أن من رفع فقال: «بلاغ» فإنما رفع على إضمار المبتدأ، أى: ذلك بلاغ، أو هذا بلاغ.
قال أبو حاتم: قرأ: «بلّغ» (^٢)، على الأمر أبو-مجلز وأبو سراج الهذلى.
***
﴿فَهَلْ يُهْلَكُ﴾ (٣٥)
ومن ذلك قراءة ابن محيصن: «فهل يهلك» (^٣).
قال هارون: وبعض الناس يقول: «فهل يهلك» (^٤).
وقرأ الناس: ﴿يُهْلَكُ﴾.
قال أبو الفتح: «أما يهلك»، بكسر اللام فواضحة، وهى المعروفة.
وأما «يهلك»، بفتح الياء واللام جميعا فشاذة، ومرغوب عنها؛ لأن الماضى هلك، فعل مفتوحة العين، ولا يأتى يفعل، بفتح العين فيهما جميعا إلا الشاذ. وإنما هو أيضا لغات تداخلت، ولكنه يأتى مع حروف الحلق إذا كانت عينا أو لاما، نحو قرأ يقرأ، وسأل يسأل. وليس لك أن تحمل هلك يهلك على أبى يأبى، وتحتج بأن أول هلك حرف حلقى كأبى؛ لأن آخر أبى ألف، والألف قريبة المخرج من الهمزة، وإن كانت فى أبى منقلبة.
***
_________________
(١) وقراءة أبى عمر الهذلى، وزيد بن على. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤١، الإتحاف ٣٩٣، الكشاف ٥٢٨/ ٣، البحر المحيط ٦٩/ ٨، القرطبى ٢٢٢/ ١٦).
(٢) انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤١، البحر المحيط ٦٩/ ٨، الكشاف ٥٢٨/ ٣، القرطبى ٢٢٢/ ١٦، العكبرى ١٢٦/ ٢).
(٣) وقراءة أبى مجلز. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤١، البحر المحيط ٦٩/ ٨، الإتحاف ٣٩٣، القرطبى ٢٢٢/ ١٦، الكشاف ٥٢٨/ ٣).
(٤) وقراءة ابن محيصن. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤١، البحر المحيط ٦٩/ ٨، الكشاف ٥٢٨/ ٣).
[ ٢ / ٣١٧ ]
﴿وَلَمْ يَعْيَ﴾ (٣٣)
ومن ذلك ما رواه عمرو عن الحسن: «ولم يعى»، بكسر العين، وسكون الياء (^١).
قال أبو الفتح: هذا مذهب ترغب العرب عنه، وهو إعلال عين الفعل وتصحيح لامه، وإنما جاء ذلك فى شئ من الأسماء، وهو غاية، وآية، وثاية، وطاية. وقياسها غياة، وأياة، وطياة، وثياة، أو ثواة. ولم يأت هذا فى الفعل إلا فى بيت شاذ. أنشده الفراء، وهو قول الشاعر:
وكأنّها بين النّساء سبيكة … تمشى بسدّة بيتها فتعىّ
فأعلّ العين، وصحح اللام، ورفع ما لم ترفعه العرب. وإنما تعلّه، نحو: يرمى ويقضى. وكذلك قوله: «ولم يعى بخلقهنّ» أجراه مجرى لم يبع، فحذف العين؛ لسكونها، وسكون الياء الثانية، ووزن لم يعى: لم يفل، مثل لم يبع، والعين محذوفة لالتقاء الساكنين.
***
_________________
(١) انظر: (البحر المحيط ٦٨/ ٨).
[ ٢ / ٣١٨ ]