﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ (٢٤)
قراءة يحيى بن يعمر وطلحة بن مصرف: «هذا ذكر من معى وذكر من قبلى» (^١)، بالتنوين فى «ذكر»، وكسر الميم من «من».
قال أبو الفتح: هذا أحد ما يدل على أن «مع» اسم، وهو دخول «من» عليها.
حكى صاحب الكتاب وأبو زيد ذلك عنهم: جئت من معهم، أى: من عندهم، فكأنه قال: هذا ذكر من عندى ومن قبلى، أى: جئت أنا به، كما جاء به الأنبياء من قبلى، كما قال الله تعالى: ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (^٢).
***
﴿الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٢٤)
ومن ذلك قراءة الحسن وابن محيصن: «الحقّ فهم معرضون» (^٣).
قال أبو الفتح: الوقف فى هذه القراءة على قوله تعالى: «لا يَعْلَمُونَ»، ثم يستأنف: «الحقّ»، أى هذا الحقّ، أو هو الحق، فيحذف المبتدأ، ثم يوقف على «الحقّ»، ثم يستأنف فيقال: فهم معرضون، أى: فهم معرضون، أى: أكثرهم لا يعلمون.
***
_________________
(١) انظر: (القرطبى ٢٨٠/ ١١، الكشاف ٥٦٩/ ٢، البحر المحيط ٣٠٦/ ٦، العكبرى ٧٢/ ٢، النحاس ٣٧٠/ ٢، الرازى ١٥٨/ ٢٢، مغنى اللبيب ٢١/ ٢، همع الهوامع ٢٢٧/ ٣، شرح التصريح ٤٨/ ٢).
(٢) سورة النساء الآية (١٦٣).
(٣) وقراءة حميد. انظر: (الإتحاف ٣٠٩، البحر المحيط ٣٠٦/ ٦، القرطبى ٢٨٠/ ١١، الكشاف ٥٦٩/ ٢، مجمع البيان ٤٣/ ٧، الرازى ١٥٩/ ٢٢، العكبرى ٧٢/ ٢، النحاس ٣٧٠/ ٢).
[ ٢ / ١٠٥ ]
﴿فَذلِكَ نَجْزِيهِ﴾ (٢٩)
ومن ذلك قراءة أبى عبد الرحمن عبد الله بن يزيد: «فذلك نجزيه» (^١)، برفع الهاء والنون.
قال ابن مجاهد: لا أدرى ما ضمّ النون؟ لا يقال إلا جزيت، كما قال: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا﴾ (^٢).
قال أبو الفتح: هو لعمرى غريب عن الاستعمال، إلا أن له وجها أنا أذكره.
وذلك أنه يقال: أجزأنى الشئ: كفانى، وهذا يجزئنى من كذا؛ أى: يكفينى منه، فكأنه فى الأصل نجزئ به جهنم، أى: نكفيها به، ومعناه: نمكنها منه، فتأتى عليه، كأنها تطلب باستيفائها إياه الاكتفاء بذلك، ثم حذف حرف الجر، فصار نجزئه جهنم؛ أى: نطعمه جهنم، كما حذف الحرف فى قوله تعالى: ﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ (^٣)؛ أى: من «قَوْمَهُ»، ثم أبدلت الهمزة من نجزئه ياء على حد أخطيت وقريت، فصارت ياء ساكنة: نجزيه، وأقرت الهاء على ضمتها وهو الأصل، كما قرأ أهل الحجاز: «فخسفنا بهو وبدار هو الأرض» (^٤).
وزاد فى حسن الضمة هنا أن الأصل الهمز، والهاء مع الهمزة هنا مضمومة، أى: نجزئه، فلما أبدلت الهمزة على غير قياس صارت الهاء كأن لا ياء قبلها؛ لأنه ليس هناك مسّوغ للهمز لولا حمله على قريت وبابه، فبقيت الهاء على ضمتها تنبيها على أن الهمز ياء فى الحكم، وأن ما عرض فيه من البدل لم يكن عن قوىّ عذر، فهذا طريق الصنعة فيه، وهو أمثل من أن يحمل على إعطاء اليد فى بابه بما لا طريق إلى تسهيل طريقه.
***
﴿رَتْقًا﴾ (٣٠)
ومن ذلك قراءة الحسن وعيسى الثقفى وأبى حيوة: «رتقا» (^٥)، بفتح التاء.
قال أبو الفتح: قد كثر عنهم مجئ المصدر على فعل ساكن العين. واسم المفعول منه
_________________
(١) انظر: (البحر المحيط ٣٠٧/ ٦).
(٢) سورة سبأ الآية (١٧).
(٣) سورة الأعراف الآية (١٥٠).
(٤) سورة القصص الآية (٨١).
(٥) وقراءة أزد بن على. انظر: (القرطبى ٢٨٣/ ١١، الكشاف ٥٧٠/ ٢، البحر المحيط ٣٠٩/ ٦، مجمع البيان ٤٣/ ٧).
[ ٢ / ١٠٦ ]
على فعل مفتوحها، وذلك قولهم: النفض للمصدر والنفض للمنفوض، والخبط المصدر والخبط الشئ المخبوط، والطّرد المصدر والطّرد المطرود. وإن كان قد يستعمل مصدرا، نحو الحلب والحلب. فقراءة الجماعة: ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ كأنه مما وضع من المصادر موضع اسم المفعول، كالصّيد فى معنى المصيد، والخلق بمعنى المخلوق.
وأما «رتقا»، بفتح التاء فهو المرتوق، أى: كانتا شيئا واحدا مرتوقا، فهو إذا كالنّفض والخبط، بمعنى المنفوض والمخبوط. ونحو من ذلك مجيئهم بالمصدر على فعل مفتوح الفاء، واسم المفعول على فعل بكسرها، نحو رعيت رعيا والرّعى: المرعىّ، وطحنت الشئ طحنا، والطحن: المطحون، ونقضت الشئ نقضا، والنّقض: التعب، فكأنه منقوض، وسوغ الانحراف عن المصدر تارة إلى فعل والأخرى إلى فعل-تعاقب فعل وفعل فى أماكن صالحة على المعنى الواحد، وهو المثل والمثل، والبذل والبدل، والشّبه والشّبه. ومن المعتل القيل والقال، والرّير والرّار، والكيح والكاح، والقير والقار.
وقالوا أيضا صغوه معك وصغاه معك، وكذلك عندى ما عدلوا بفعل تارة إلى فعل، وأخرى إلى فعل، وذلك قولهم: بنت على فعل وأخت على فعل. وأصل كل واحد منهما فعل: بنو، وأخو، فلما نالوا إلى التأنيث جاءوا «ببنات» على فعل، و«أخت» على فعل؛ فصارا فى التقدير بنو وأخو، ثم أبدلوا الواو تاء كتجاه وتراث، فصارتا بنتا وأختا.
وقد مالوا أيضا ببعضه إلى فعل، فقالوا: هنت، وأصله فعل: هنو، فأصاروه إلى هنو، ثم أبدلوا الواو تاء، فقالوا: هنت. وقابل ذلك أيضا من كلامهم ما كان فيه ثلاث لغات، نحو الشّرب والشّرب والشّرب، والزّعم والزّعم والزّعم. وقالوا شنئته شنئا وشنئا وشنئا. وقال أبو عبيدة: هو قطب الرحى وقطب وقطب، فهذا طريق مقابلة صنعة اللغة، ولفظة واحدة منه فى هذا الحد، وعلى هذا التّنبّه وتدارك الوضع-يقوم مقام كتاب لغة يحفظ، هكذا سردا، ولا تبلّ النفس بنحو ذلك من لطيف الصنعة فيه يدا.
***
﴿أَتَيْنا﴾ (٤٧)
ومن ذلك قراءة ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والعلاء بن سيابة وجعفر بن محمد وابن سريج الأصبهانى (^١): «آتينا بها»، بالمد (^٢).
&
_________________
(١) وقع فى البحر المحيط: «ابن شريح الأصبهانى».
(٢) وقراءة ابن أبى إسحاق، وعكرمة. انظر: (القرطبى ٢٩٤/ ١١، مجمع البيان ٥٠/ ٧، الكشف ٥٧٥/ ٢، البحر المحيط ٣١٦/ ٦، العكبرى ٧٣/ ٢، التبيان ٢٢٤/ ٧).
[ ٢ / ١٠٧ ]
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون «آتينا» هنا فاعلنا لا أفعلنا؛ لأنه لو كانت أفعلنا لما احتيج إلى الباء ولقيل: آتيناها، كما قال تعالى: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ (^١)، فآتينا إذا من قوله: «آتينا بها» فاعلنا، ومضارعها يواتى كيهاتى فى قول الجماعة إلا أبا علىّ فإنه كان يقول فى هات: غير ما يقول الناس فتصريف هذا الفعل آتينا نواتى مواتاة، وأنا موات، وهو مواتى. ومن قال: ضاربت ضرابا قال: إتاء، ومن قال: ضيرابا قال: إيتاء؛ فإيتاء على فيعال كضيراب، ومن قال (^٢):
أقاتل حتى لا أرى لى مقاتلا (^٣) …
قال: مواتى.
***
﴿الْفُرْقانَ وَضِياءً﴾ (٤٨)
ومن ذلك قراءة ابن عباس، وعكرمة والضحاك: «الفرقان ضياء» (^٤)، بغير واو.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون «ضياء» هنا حالا، كقولك: دفعت إليك زيدا مجمّلا لك ومسدّدا من أمرك، وأصحبتك القرآن دافعا عنك ومؤنسا لك. فأما فى قراءة الجماعة: ﴿وَضِياءً﴾ بالواو، فإنه عطف على الفرقان، فهو مفعول به على ذلك.
***
﴿فَجَعَلَهُمْ جُذاذًا﴾ (٥٨)
ومن ذلك قراءة ابن عباس وأبى نهيك وأبى السّمّال: «فجعلهم جذاذا» (^٥).
قال أبو الفتح: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد، عن أبى بكر محمد بن هارون، عن أبى حاتم قال: فيها لغات: جذاذا، وجذاذا، وجذاذا. قال: وأجودها الضم،
_________________
(١) سورة الإسراء الآية (٥٩).
(٢) من قول كعب بن مالك.
(٣) انظر: (لسان العرب «قتل»، الخصائص ٣٦٨/ ١،٣٠٦/ ٢).
(٤) انظر: (القرطبى ٢٩٥/ ١٢، البحر المحيط ٣١٧/ ٦، العكبرى ٣٧٥/ ٢، الرازى ١٧٨/ ٢٢).
(٥) انظر: (القرطبى ٢٩٨/ ١١، الكشاف ٥٧٦/ ٢، مجمع البيان ٥٢/ ٧، الرازى ١٨٣/ ٢٢، البحر المحيط ٣٢٢/ ٦).
[ ٢ / ١٠٨ ]
كالحطام والرفات، وكذلك روينا عن قطرب: جذّ الشئ يجذّه جذّا [١٠٢ ظ] وجذاذا وجذاذا وجذاذا.
***
﴿أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ (٩٢)
ومن ذلك قراءة الحسن وابن أبى إسحاق، والأشهب، ورويت عن أبى عمرو: «أمّتكم أمّة واحدة» (^١).
قال أبو الفتح: تكون «أمّة واحدة» بدلا من «أمّتكم»، كقولك: زيد أخوك رجل صالح، حتى كأنه قال: أخوك رجل صالح. ولو قرئ «أمتكم» بالنصب بدلا وتوضيحا «لهذه»، ورفع «أمة واحدة» لأنه خبر إن؛ لكان وجها جميلا حسنا.
***
﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ﴾ (٩٥)
ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن المسيب وعكرمة وقتادة: «وحرم على قرية» (^٢).
وقرأ: «وحرم» ابن عباس-بخلاف-وأبو العالية وعكرمة (^٣).
وقرأ: «وحرم على قرية» قتادة ومطر الوراق (^٤).
وقرأ: «وحرم»، بفتح الحاء، وكسر الراء، والتنوين فى الميم عكرمة، بخلاف.
وقرأ: «وحرم» بفتح الحاء، وسكون الراء، والتنوين (^٥) ابن عباس، بخلاف.
_________________
(١) وقراءة أبى حيوة، وابن أبى عبلة، والجعفى، وهارون، والزعفرانى، وعيسى بن عمر. انظر: (الإتحاف ٣١٢، الفراء ٢١٠/ ٢، الطبرى ٦٨/ ١٧، الكشاف ٥٨٣/ ٢، القرطبى ٣٣٨/ ١١، البحر المحيط ٣٣٧/ ٦).
(٢) وقراءة سعيد بن جبير. انظر: (القرطبى ٣٤٥/ ١١، الكشاف ٥٨٣/ ٢، مجمع البيان ٦١/ ٧، البحر المحيط ٣٣٨/ ٦، النحاس ٣٨٢/ ٢).
(٣) وقراءة زيد بن على. انظر: (النحاس ٣٨٢/ ٢، البحر المحيط ٣٣٨/ ٦، الكشاف ٨٣/ ٢).
(٤) وقراءة عكرمة، ومطر الوراق، وقتادة. انظر: (الكشاف ٥٨٣/ ٢، مجمع البيان ٦١/ ٧، البحر المحيط ٣٣٨/ ٦، القرطبى ٣٤٠/ ١١).
(٥) وقراءة أبى عمرو، وقتادة، ومطر الوراق. انظر: (الطبرى ٦٨/ ١٧، البحر المحيط ٣٣٨/ ٦، الكشاف ٥٨٣/ ٢، القرطبى ٣٤٠/ ١١).
[ ٢ / ١٠٩ ]
قال أبو الفتح: أما «حرم» فالماضى من حرم، كقلق من قلق، وبطر من بطر.
قالوا: حرم زيد، وهو حرم وحارم: إذا قمر ماله، وأحرمته: قمرته. قال زهير (^١):
وإن أتاه خليل يوم مسألة … يقول لا غائب مالى ولا حرم
وأما «حرم» فأمره فى الاستعمال ظاهر.
ومن جهة أحمد بن يحيى: «وحرم على قرية»، أى: واجب وحرام، معناه: حرّم ذلك عليها، فلا تبعث إلى يوم القيامة. وهذا على زيادة «لا»، وحرم الرجل: إذا لجّ فى شئ ومحك وأما «حرم» فمن حرمته الشئ: إذا منعته إياه، فقد عاد إذا إلى معنى: «وحرام على قرية».
وأما «حرم»، بفتح الحاء، وتسكين الراء فمخفف من حرم على لغة بنى تميم، فهو كبطر من بطر، وفخذ من فخذ، وكلمة من كلمة. وقال أبو وعلة:
لا تأمنن قوما ظلمتهم … وبدأتهم بالشّرّ والحرم
فكسر، فهذا يصلح أن يكون من معنى اللجاج والمحك، ويصلح أن يكون من معنى الحرمان، أى: ناصبتهم وحرمتهم إنصافك.
***
﴿حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ (٩٦)
ومن ذلك قراءة ابن مسعود: «من كلّ جدث ينسلون» (^٢).
قال أبو الفتح: هو القبر بلغة أهل الحجاز، والجدف بالفاء لبنى تميم. وقالوا: أجدثت له جدثا، ولم يقولوا: أجدفت، فهذا يريك أن الفاء فى «جدف» بدل من الثاء فى جدث. ألا ترى الثاء أذهب فى التصرف من الفاء؟ وقد يجوز أن يكونا أصلين، إلا أن أحدهما أوسع تصرفا من صاحبه، كما قالوا: وكّدت عهده وأكّدته، إلا أن الواو أوسع تصرفا من الهمزة. ألا تراهم قالوا: قد وكد وكده؛ أى: شغل به، ولم يقولوا: أكد أكده؟ فالواو إذا أوسع تصرفا، وعليه قالوا: مودّة وكيدة، ولم يقولوا: أكيدة.
_________________
(١) انظر: (ديوانه ١٥٣، أمالى أبى على القالى ١٩٦/ ١).
(٢) وقراءة ابن عباس، ومجاهد، وأبى الصهباء. انظر: (القرطبى ٣٤٢/ ١١، البحر المحيط ٣٣٩/ ٦، الكشاف ٥٨٤/ ٢، مجمع البيان ٤٣/ ٧).
[ ٢ / ١١٠ ]
وقالوا: وكّدت السّرج، والوكاد، ولم تستعمل هنا الهمزة، فهذا مذهب مقتاس على ما أريتك هنا.
***
﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (٩٨)
ومن ذلك قراءة ابن السّميفع: «حصب جهنّم»، ساكنة الصاد (^١).
وقرأ: «حضب»، بالضاد مفتوحة-ابن عباس (^٢).
وقرأ: «حضب»، ساكنة الضاد (^٣) كثيّر عزّة.
وقرأ: «حطب جهنّم» (^٤) علىّ بن أبى طالب وعائشة ﵉ وابن الزبير وأبىّ ابن كعب وعكرمة.
قال أبو الفتح: أما الحضب بالضاد مفتوحة، وكذلك بالصاد غير معجمة فكلاهما الحطب، ففيه ثلاث لغات: حطب، وحضب، وحصب، وإنما يقال: حصب إذا ألقى فى التنوّر والموقد. فأما ما لم يستعمل فلا يقال له: حصب. وقال أحمد بن يحيى: أصل الحصب الرمى، حطبا كان أو غيره، فهذا يؤكد ما ذكرناه من كونه المرمىّ فى النار. قال الأعشى (^٥):
فلا تك فى حربنا محضبا … لتجعل قومك شتّى شعوبا
فأما «الحصب» ساكنا بالصاد والضاد فالطرح، فقراءة من قرأ: «حضب جهنم» و«حصب جهنم» بإسكان الثانى منهما إنما هو على إيقاع المصدر موقع اسم المفعول، كالخلق فى معنى المخلوق والصيد فى معنى المصيد. وقد تقدم ذكر ذلك.
***
_________________
(١) وقراءة ابن كثير، وابن محيصن، ومحبوب، وابن أبى عبلة، وأبى حاتم، وابن عباس. انظر: (الإتحاف ٣١٢، الكشاف ٥٨٤/ ٢، مجمع البيان ٦٣/ ٧، البحر المحيط ٣٤٠/ ٦).
(٢) وقراءة الحسن. انظر: (الفراء ٢١٢/ ٢٠، الطبرى ٧٤/ ١٧، القرطبى ٣٢٣/ ١١، الكشاف ٥٨٤/ ٢، الرازى ٢٢٤/ ٢٢، التبيان ٢٤٨/ ٧، البحر المحيط ٣٤٠/ ٦).
(٣) وقراءة ابن عباس، واليمانى. انظر: (مختصر شواذ القراءات ٩٣، البحر المحيط ٣٤٠/ ٦، الكشاف ٥٨٤/ ٢، العكبرى ٧٥/ ٢، الرازى ٢٢٤/ ٢٢).
(٤) وقراءة زيد بن على. انظر: (الفراء ٢١٢/ ٢، الإتحاف ٣١٢، الطبرى ٧٤/ ١٧، القرطبى ٣٤٣/ ١١، الكشاف ٥٨٤/ ٢، مجمع البيان ٦٣/ ٧، البحر المحيط ٣٤٠/ ٦).
(٥) غير موجود فى ديوانه. انظر: (البحر المحيط ٣٤٠/ ٦، لسان العرب «خصب»).
[ ٢ / ١١١ ]
﴿السِّجِلِّ﴾ (١٠٤)
ومن ذلك قراءة أبى زرعة: «السجلّ» (^١) بضم السين والجيم، مشددة. وهذا أبو زرعة بن عمرو بن جرير، وكان قد قرأ على أبى هريرة.
وقرأ: «كطىّ السّجل» (^٢)، بكسر السين، ساكنة الجيم، خفيفة اللام-الحسن، وأجازه أبو عمرو، وحكاه عن أهل مكة.
وقرأ أبو السّمال: «السّجل» (^٣)، بفتح السين والجيم ساكنة، واللام خفيفة.
قال أبو الفتح: السّجلّ: الكتاب، ويقال: هو كتاب العهدة ونحوها. وقال قوم: هو فارسى معرب، وأنكر ذلك أصحابنا: أبو عبيدة وكافة أصحابنا، وقالوا: بل هو عربى، وهذه اللغات بعد مسموعة فيه. وقال قوم: هو ملك، وقال آخرون: هو كاتب كان للنبى ﷺ، وذلك مدفوع؛ لأن كتابه معروفون.
ويشبه أن يكون هذان القولان إنما قاد إليهما توهم من ظن أن السجلّ هنا فاعل فى المعنى، وإنما هو مفعول فى المعنى. وهو كقولك: كطىّ الكتاب للكتابة، وقوله: «للكتاب» كقولك: للكتابة، أى كطى الكتاب لأن يكتب فيه.
***
﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ﴾ الأنبياء: (١٠٩) ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ﴾ الأنبياء: (١١١)
ومن ذلك ما رواه أيوب عن يحيى عن ابن عامر أنه قرأ: «وإن أدرى لعلّه» (^٤)، «وإن أدرى أقريب»، بفتح الياء فيهما جميعا.
قال أبو الفتح: أنكر ابن مجاهد تحريك هاتين الياءين، وظاهر الأمر لعمرى كذلك؛ لأنها لام الفعل بمنزلة ياء أرمى وأقضى، إلا أن تحريكها بالفتح فى هذين الموضعين لشبهة عرضت هناك، وليس خطأ ساذجا بحتا.
_________________
(١) وقراءة أبى هريرة. انظر: (الكشاف ٥٨٥/ ٢، القرطبى ٣٤٧/ ١١، البحر المحيط ٣٤٣/ ٦، العكبرى ٧٥/ ٢).
(٢) وقراءة عيسى، وأبى زيد. انظر: (مختصر شواذ القراءات ٩٣، الفراء ٢١٣/ ٢، مجمع البيان ٦٥/ ٧، البحر المحيط ٣٤٣/ ٦، تهذيب اللغة «سجل»).
(٣) وقراءة الأعمش، وطلحة، وقراءة أهل مكة، وبعض الأعراب. انظر: (مختصر شواذ القراءات ٩٣، البحر المحيط ٢٤٣/ ٦، الآلوسى ٩٩/ ١٧، الكشاف ٥٨٥/ ٢، القرطبى ٣٤٧/ ١١، مجمع البيان ٦٥/ ٧).
(٤) انظر: (البحر المحيط ٣٣٤/ ٦، العكبرى ٧٥/ ٢).
[ ٢ / ١١٢ ]
وذلك أنك إذا قلت: أدرى فلك هناك ضمير وإن كان فاعلا، فأشبه آخره، آخر مالك فيه ضمير وإن كان مضافا إليه، كقولك: غلامى ودارى. فلما تشابه الآخران بكونهما ياءين، وهناك أيضا للمتكلم ضميران، وهما المرفوع فى «أدرى» والمجرور فى «دارى» و«غلامى» -أشبه آخر «أدرى» -لما ذكرنا-آخر «دارى» و«صاحبى»، ففتحت الياء فى «أدرى» كما تفتح فى نحو «دارى»، و«غلامى».
ولا تستبعد فى الشبه نحو هذا، فقد همزوا مصائب لمّا أشبه حرف اللين فى مصيبة- وإن كانت عينا-حرف اللين فى صحيفة وإن كان زائدا. وقالوا ما هو أعلى من هذا، وهو أنهم تركوا صرف أحمد وأصرم لمّا أشبها بالمثال نحو أركب وأذهب، وقالوا أيضا: مسيل، وهو من سال يسيل وياؤه عين، ثم عاملوها معاملة ياء فعيل الزائدة، فقالوا: أمسلة، كما قالوا: أجربة، قالوا: سالت معنانه، فحذفوا ياء معين، وهو من العيون، وأجروها مجرى ياء قفيز وقفزان الزائدة، هذا هو الظاهر. فأما قولهم: مسيل ومسل، وأمعن بحقه: إذا أجاب إليه وانقاد له-فقد يجوز أن يكون إنما ساغ ذلك لما سمعوهم يقولون: معنان وأمسلة، كما قال أبو بكر-فى قولهم. ضفن الرجل يضفن-: إذا جاء ضيفا مع الضيف-: لما قالوا: ضيفن، فأشبه فيعلا، فصارت النون فى ضيفن كالأصل، إلا أن فيعلا أكثر من فعلن، فاشتق منه على أقوى ما يجب فى مثله، فثبتت النون فى ضفن لا ما وإن كانت فى ضيفن زائدة، فكذلك شبهوا ياء «أدرى» بياء «غلامى» و«دارى» من حيث ذكرنا، فاعرفه كالعذر أو عذرا.
***
﴿قالَ رَبِّ اُحْكُمْ﴾ (١١٢)
ومن ذلك قراءة أبى جعفر: «قل ربّ احكم» (^١)، بضم الباء، والألف ساقطة على أنه نداء مفرد.
قال أبو الفتح: هذا عند أصحابنا ضعيف، أعنى حذف حرف النداء مع الاسم الذى يجوز أن يكون وصفا لأى، ألا تراك لا تقول: رجل أقبل، لأنه يمكنك أن تجعل الرجل وصفا لأىّ، فتقول: يأيها الرجل؟ ولهذا ضعف عندنا قول من قال فى قوله تعالى:
_________________
(١) وقراءة ابن محيصن. انظر: (العنوان ١٠٤، الإتحاف ٣١٢، الطبرى ٨٤/ ١٧، القرطبى ٣٥١/ ١١، الكشاف ٥٨٧/ ٢، النشر ٣٢٥/ ٢، البحر المحيط ٣٤٥/ ٦، التبيان ٢٥٣/ ٧، تحبير التيسير ١٢٦، همع الهوامع ٣٠٠/ ٤).
[ ٢ / ١١٣ ]
﴿هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ (^١): إنه أراد يا هؤلاء، وحذف حرف النداء من حيث كان «هؤلاء» من أسماء الإشارة، وهو جائز أن يكون وصفا فى نحو قوله (^٢):
ألا أيّها ذا المنزل الدّارس الّذى … كأنّك لم يعهد بك الحىّ عاهد (^٣)
و«ربّ» مما يجوز أن يكون وصفا لأىّ، ألا تراك تجيز يأيها الربّ؟ قال أصحابنا: فلم يكونوا ليجمعوا عليه حذف موصوفه وهو «أى»، وحذف حرف النداء جميعا.
وعلى أن هذا قد جاء فى المثل، وهو قولهم: افتد مخنوق، وأصبح ليل، وأطرق كرا. يريد يا مخنوق، ويا ليل، ويا كروان. وعلى أن الأمثال عندنا وإن كانت منثورة، فإنها تجرى فى تحمّل الضرورة لها مجرى المنظوم فى ذلك.
قال أبو على: لأن الغرض فى الأمثال إنما هو التسيير، كما أن الشعر كذلك؛ فجرى المثل مجرى الشعر فى تجوّز الضرورة فيه، ومن الشعر قوله:
عجبت لعطّار أتانا يسومنا … بدسكرة المرّان دهن البنفسج
فقلت له عطّار هلاّ أتيتنا … بنور الخزامى أو بخوصة عرفج
أراد يا عطار.
وقد ذكرنا هذا فى غير موضع من كتبنا، وإنما قال ابن مجاهد: والألف ساقطة لأجل قراءة ابن عباس وعكرمة ويحيى بن يعمر والجحدرى والضحاك وابن محيصن: «ربّى أحكم بالحقّ» (^٤)، بياء ثابتة، وفتح الألف والكاف، ورفع الميم.
***
_________________
(١) سورة هود الآية (٨٧).
(٢) البيت لذى الرمة. انظر: (ديوانه ١٢٢، الكتاب ١٩٣/ ٢، أمالى ابن الشجرى ١٥٢/ ٢، شرح المفصل ٧/ ٢).
(٣) يروى فى ديوانه (١٢٢): «ألا أيها الربع الذى غيره البلى». يقول: كأن هذا المنزل لدروسه وانطماس معالمه لم يقم فيه أحد ولا عهد به فيما مضى. والشاهد فيه نعت «أى» باسم الإشارة، وهو مثل «أى» فى إبهامها، فأجرى المنزل على هذا لأنه مفرد مثله. انظر: (هامش الكتاب ١٩٣/ ٢).
(٤) انظر: (الفراء ٢١٤/ ٢، النحاس ٣٨٧/ ٢، البحر المحيط ٣٤٥/ ٦، القرطبى ٣٥١/ ١١، الطبرى ٨٤/ ١٧).
[ ٢ / ١١٤ ]