﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ (٦١) من ذلك قراءة الأعرج: «وهم لا يفرطون».
قال أبو الفتح: يقال: أفرط فى الأمر إذا زاد فيه، وفرّط فيه: إذا قصّر، فكما أن قراءة العامة: ﴿لا يُفَرِّطُونَ﴾: لا يقصرون فيما يؤمرون به من توفىّ من تحضر منيته- فكذلك أيضا لا يزيدون، ولا يتوفّون إلا من أمروا بتوفّيه. ونظيره قوله جل وعز:
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾.
***
﴿لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ (٧٤) ومن ذلك قراءة أبىّ وابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك وابن يزيد المدنى ويعقوب، ورويت عن سليمان التيمى: «لأبيه آزر».
وقرأ ابن عباس بخلاف: «أأزرا نتخذ» بهمزتين، استفهام، وينصبهما، وينوّن.
وقرأ أبو إسماعيل رجل من أهل الشام: «أئزرا» -مكسورة الألف منونة- «تتّخذ».
[ ١ / ٣٣١ ]
قال أبو الفتح: أما «آزر» فنداء، وأما «أئزرا» فقيل: «إزرا» هو الصنم، وأزرا بالفتح أيضا.
***
﴿قِنْوانٌ﴾ (٩٩) ومن ذلك قراءة الأعرج: «قنوان»، بالفتح.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون قنوان هذا اسما للجمع غير مكسر، بمنزلة ركب عند سيبويه والجامل والباقر؛ وذلك أن فعلان ليس من أمثلة الجمع.
وقرأت على أبى علىّ فى بعض كتب أبى زيد قوله:
خلع الملوك وسار تحت لوائه … شجر العرا وعراعر الأقوام
وقال أبو زيد: عراعر جمع عرعرة، فقلت لأبى على: كيف يكون هذا وأوله مضموم؟.
فقال: يعنى أبو زيد إنه اسم للجمع يفيد مفاد التكسير.
***
﴿وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ﴾ (١٠٠) ومن ذلك قراءة ابن يعمر: «وخلقهم» بجزم اللام.
قال أبو الفتح: أى وخلق الجن، يعنى ما يخلقونه: ما يأفكون فيه ويتكذّبونه. يقول:
جعلوا له الجنّ شركاء، وأفعالهم شركاء أفعاله أو شركاء له إذا عنى بذلك الأصنام ونحوها.
[ ١ / ٣٣٢ ]
ومن ذلك قراءة عمر وابن عباس «﵄»: «وحرّفوا له»، بالحاء والفاء.
وقال أبو الفتح: هذا شاهد بكذبهم، ومثله ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾، وأصله من الانحراف، أى الانعدال عن القصد، وكلاهما من حرف الشئ؛ لأنه زائل عن المقابلة والمعادلة، وهو أيضا معنى قراءة الجماعة: «وَخَرَقُوا» بالخاء والقاف، ومعنى الجميع كذبوا.
***
﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ (١٠١) ومن ذلك قراءة إبراهيم: «ولم يكن له صاحبة»، بالياء.
قال أبو الفتح: يحتمل التذكير هنا ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون فى «يكن» ضمير اسم الله، أى لم يكن الله له صاحبة، وتكون الجملة التى هى «له صاحبة» خبر كان.
والثانى: أن يكون فى «يكن» ضمير الشأن والحديث على شريطة التفسير، وتكون الجملة بعده تفسيرا له وخبرا، كقولك: كان زيد قائم، أى كان الحديث والشأن زيد قائم.
والثالث: أن تكون «صاحبة» اسم كان، وجاز التذكير هنا للفصل بين الفاعل والفعل بالظرف الذى هو الخبر، كقولنا: كان فى الدار هند.
ومثله ما حكاه صاحب الكتاب من قولهم: حضر القاضى اليوم امرأة.
وأنا أرى أن تذكير «كان» مع تأنيث اسمها أسهل من تذكير الأفعال سواها وسوى أخواتها مع فاعليها.
وكان فى الدار هند أسوغ من قام فى الدار هند، وذلك أنه إنما احتيج إلى تأنيث الفعل عند تأنيث فاعله لأن الفعل انطبع بالفاعل حتى اكتسى لفظه من تأنيثه، فقيل:
قامت هند وانطلقت جمل، من حيث كان الفعل والفاعل يجريان مجرى الجزء الواحد،
[ ١ / ٣٣٣ ]
وإنما كان ذلك كذلك لأن كل واحد منهما لا يستغنى عن صاحبه، فأنث الفعل إيذانا بأن الفاعل الموقع بعده مؤنث، وليس كذلك حديث كان وأخواتها؛ لأنه ليست «كان» مع اسمها كالجزء الواحد، من قبل أنك لو حذفت «كان» لاستقل ما بعدها برأسه، فقلت فى قولك: كان أخوك جالسا: أخوك جالس، فلما أن قام ما بعدها برأسه، ولم يحتج إليها لم يتصل به اتصال الفاعل بفعله، نحو قام جعفر وجلس بشر.
ألا تراك لو حذفت الفعل هنا لانفرد الفاعل جزءا برأسه، فلم يستقل بنفسه استقلال الجملة بعد «كان» بنفسها؟ فلما لم تقو حاجته إلى «كان» قوة حاجة الفاعل إلى الفعل انحطت رتبته فى حاجته إلى «كان»، فامتاز منها امتيازا قد أحطنا به، فساغ لذلك ألا يلزم تأنيث «كان» لاسمها إذا كان مونثا-تأنيث الفعل لفاعله إذا كان مؤنثا، ولم يذكر أحد من أصحابنا هذا فافهمه؛ فإن هذه حاله.
***
﴿دَرَسْتَ﴾ (١٠٥) ومن ذلك قراءة ابن عباس بخلاف وقتادة، ورويت عن الحسن: «درست». ابن مسعود وأبى: «درس». ابن مسعود أيضا: «درسن».
قال أبو الفتح: أما «درست» ففيه ضمير الآيات، معناه وليقولوا درستها أنت يا محمد، كالقراءة العامة «دارست».
ويجوز أن يكون «درست» أى عفت وتنوسيت؛ لقراءة ابن مسعود: «درسن»، أى:
عفون، فيكون كقوله: ﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، ونحو ذلك.
[ ١ / ٣٣٤ ]
وأما «درس» ففيه ضمير النبى ﷺ، وشاهد هذا دارست، أى فإذا جئتهم بهذه القصص والأنباء قالوا: شئ قرأه أو قارأه فأتى به، وليس من عند الله، أى يفعل هذا بهم لتقوى أثرة التكليف عليهم زيادة فى الابتلاء لهم كالحج والغزو وتكليف المشاق المستحقّ عليها الثواب. وإن شئت كان معناه فإذا هم يقولون كذا، كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾، أى: فإذا هو عدو لهم.
***
﴿فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا﴾ (١٠٨) ومن ذلك قراءة الحسن وأبى رجاء وقتادة وسلاّم ويعقوب وعبد الله بن يزيد:
«فيسبّوا الله عدوّا».
وروى عنهم أيضا: «بَغْيًا وَعَدْوًا».
قال أبو الفتح: العدو والعدوّ جميعا: الظلم والتعدى للحق، ومثلهما العدوان والعداء، قال الراعى:
كتبوا الدّهيم على العداء لمسرف … عاد يريد خيانة وغلولا
ومثله الاعتداء قال أبو نخيلة:
ويعتدى ويعتدى ويعتدى … وهو بعين الأسد المسوّد
ومثل العدوّ والعدو من التعدى الرّكوب والرّكب. قال:
أو ركب البراذين
يريد ركوب.
***
[ ١ / ٣٣٥ ]
﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ (١١٠) ومن ذلك قراءة الحسن وأبى رجاء وقتادة وسلام ويعقوب وعبد الله بن يزيد والأعمش والهمدانى: «ويذرهم»، بالياء وجزم الراء.
قال أبو الفتح: قد تقدم ذكر إسكان المرفوع تخفيفا، وعليه قراءة من قرأ أيضا: «وما يشعركم» بإسكان الراء، وكأنّ «يشعركم» أعذر من «يذرهم»؛ لأن فيه خروجا من كسر إلى ضم، وهو فى «يذرهم» خروج من فتح إلى ضم.
***
﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ﴾ (١١٩) ومن ذلك قراءة عطية العوفى: «وقد فصل لكم»، خفيفة.
قال أبو الفتح: هو من قولك: قد فصل إليكم وخرج نحوكم.
***
﴿وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ (١١٣) ومن ذلك قراءة الحسن وابن شرف: «ولتصغى» -وليرضوه-وليقترفوا» بجزم اللام فى جميع ذلك.
قال أبو الفتح: هذه اللام هى الجارة، أعنى لام كى، وهى معطوفة على الغرور من قول الله تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، أى للغرور، «ولأن تصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، وليرضوه، وليقترفوا ما هم مقترفون»، إلا أن إسكان هذه اللام شاذ فى الاستعمال على قوته فى القياس، وذلك لأن هذا الإسكان إنما كثر عنهم فى لام الأمر نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا﴾
[ ١ / ٣٣٦ ]
﴿نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا﴾، وإنما أسكنت تخفيفا لثقل الكسرة فيها، وفرقوا بينها وبين لام كى بأن لم يسكنوها، فكأنهم إنما اختاروا السكون للام الأمر، والتحريك للام كى من حيث كانت لام كى نائبة فى أكثر الأمر عن أن، وهى أيضا فى جواب كان سيفعل إذا قلت: ما كان ليفعل-محذوفة مع اللام البتة، فلمّا نابت عنها قووها بإقرار حركتها فيها؛ لأن الحرف المتحرك أقوى من الساكن، والأقوى أشبه بأن ينوب عن غيره من الأضعف.
نعم، وقد رأيناهم إذا أسكنوا بعض الحروف أنابوه عن حركته وعاقبوا بينه وبينها، وذلك نحو الجوارى، والغواشى: صارت الياء فى موضع الرفع والجر معاقبة لضمتها وكسرتها فى قولك: هؤلاء الجوارى ومررت بالجوارى، فكأن لام كى على هذا إذا أسكنت معاقبة لأن، وكالمعاقبة أيضا لكسرتها؛ فلذلك أقروها على كسرتها، ولم يجمعوا عليها منابها فى أكثر الأمر عن أن، وقد ابتزّت حركة نفسها أيضا.
وأيضا فإن الأمر موضع إيجاز واستغناء، ألا تراهم قالوا: صه ومه، فأنابوهما عن الفعل المتصرف، وكذلك حاء وعاء وهاء.
***
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١١٧) ومن ذلك قراءة الحسن: «إنّ ربّك هو أعلم من يضلّ عن سبيله»، بضم الياء.
قال أبو الفتح: لا يجوز أن تكون من فى موضع جر بإضافة «أعلم» إليها، لا فيمن ضم ياء يضل، ولا فيمن فتحها؛ من حيث كانت «أعلم» أفعل، وأفعل هذه متى أضيفت إلى شئ فهو بعضه، كقولنا: زيد أفضل عشيرته؛ لأنه واحد منهم، ولا نقول: زيد أفضل إخوته؛ لأنه ليس منهم، ولا نقول أيضا: النبى ﷺ أفضل بنى تميم على هذا؛ لأنه ليس منهم، لكن تقول: محمد ﷺ أفضل بنى هاشم، لأنه منهم، والله يتعالى علوا عظيما أن يكون بعض المضلين أو بعض الضالين.
فأما قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ﴾ فليس من هذا، إنما تأويل ذلك-والله
[ ١ / ٣٣٧ ]
أعلم-وجده ضالا، كقوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾، وذلك مشروح فى موضعه، فقوله أيضا: «أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ»، أى يجيره عن الحق ويصدّ عنه.
كما أن قراءة من قرأ «أعلم من يضلّ عن سبيله»: من يجور عنه، ألا ترى إلى قوله قبل ذلك: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ فلا محالة أنه سبحانه أراد بمن يضل عن سبيله، فحذف الباء وأوصل «أعلم» هذه بنفسها، أو أضمر فعلا واصلا تدل هذه الظاهرة عليه، حتى كأنه قال: يعلم، أو علم من يضلّ عن سبيله.
يؤكد ذلك ظهور الباء بعده معه فى قوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، وقوله بعده: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾.
وقد يجوز أن تكون «من» هذه مرفوعة بالابتداء ويضل بعدها خبر عنها، و«أعلم» هذه معلقة عن الجملة، حتى كأنه قال: إن ربك هو أعلم أيّهم يضلّ عن سبيله، كقوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا﴾.
فأما الجر فمدفوع من حيث ذكرنا، وإذا كان ذلك كذلك علمت أن «من» فى قول الطائى:
غدوت بهم أمدّ ذوىّ ظلاّ … وأكثر من ورائى ماء وادى
لا يجوز أن تكون «من» فى موضع جر بإضافة أكثر إليه؛ إذ ليس واحدا ممن وراءه، فهو إذا منصوب الموضع لا محالة بأكثر أو بما دل عليه أكثر، أى كثرتهم: كنت أكثرهم ماء واد.
ولا يجوز فيه الرفع الذى جاز مع العلم، لأن كثرت ليس من الأفعال التى يجوز تعليقها، إنما تلك ما كان من الأفعال داخلا على المبتدأ وخبره، وأظننى قد ذكرت نحو هذا فى صدر هذا الكتاب.
***
﴿وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ﴾ (١٣٧) ومن ذلك قراءة أبى عبد الرحمن السّلمى: «وكذلك زيّن لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم».
[ ١ / ٣٣٨ ]
قال أبو الفتح: يحتمل رفع شركاء تأويلين:
أحدهما: وهو الوجه، أن يكون مرفوعا بفعل مضمر دل عليه قوله: «زَيَّنَ»، كأنه لما قال: زيّن لكثير من المشركين قتل أولادهم: قيل: من زينه لهم؟ فقيل: زينه لهم شركاؤهم فارتفع الشركاء بفعل مضمر دل عليه «زَيَّنَ» فهو إذا كقولك: أكل اللحم زيد، وركب الفرس جعفر، وترفع زيدا وجعفرا بفعل مضمر دل عليه هذا الظاهر.
وإياك وأن تقول: إنه ارتفع بهذا الظاهر لأنه هو الفاعل فى المعنى؛ لأمرين:
أحدهما: أن الفعل لا يرفع إلا الواحد فاعلا أو مفعولا أقيم مقام الفاعل، وقد رفع هذا الفعل ما أقيم مقام فاعله وهو «قَتْلَ أَوْلادِهِمْ»، فلا سبيل له إلى رفع آخر على أنه هو الفاعل فى المعنى؛ لأنّك إذ انصرفت بالفعل نحو إسنادك إياه إلى المفعول لم يجز أن تتراجع عنه فتسنده إلى الفاعل، إذ كان لكل واحد منهما فعل يخصه دون صاحبه، كقولك: ضرب وضرب، وقتل وقتل. وهذا واضح.
والآخر: أن الفاعل عندنا ليس المراد به أن يكون فاعلا فى المعنى دون ترتيب اللفظ، وأن يكون اسما ذكرته بعد فعل وأسندته ونسبته إلى الفاعل، كقام زيد وقعد عمرو.
ولو كان الفاعل الصناعى هو الفاعل المعنوى للزمك عليه أن تقول: مررت برجل يقرأ، فترفعه لأنه قد كان يفعل شيئا وهو القراءة، وأن تقول: رأيت رجل يحدّث، فترفعه بحديثه، وأن تقول فى رفع زيد من قولك. زيد قام: إنه مرفوع بفعله لأنه الفاعل فى المعنى، لكن طريق الرفع فى «شركاؤهم» هو ما أريتك من إضمار الفعل له لترفعه به.
ونحوه ما أنشده صاحب الكتاب من قول الشاعر:
ليبك يزيد ضارع لخصومة … ومختبط مما تطيح الطوائح
كأنه لما قال: ليبك يزيد قيل: من يبكيه؟ فقال: ليبكه ضارع لخصومة. والحمل على المعنى كثير جدا، وقد أفردنا له فصلا فى جملة شجاعة العربية من كتابنا الموسوم بالخصائص.
[ ١ / ٣٣٩ ]
فهذا هو الوجه المختار فى رفع الشركاء، وشاهده فى المعنى قراءة الكافة:
﴿وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾. ألا ترى أن الشركاء هم المزيّنون لا محالة؟.
وأما الوجه الآخر: فأجازه قطرب، وهو أن يكون الشركاء ارتفعوا فى صلة المصدر الذى هو القتل بفعلهم، وكأنه «وكذلك زيّن لكثير من المشركين أن قتل شركاؤهم أولادهم» وشبّهه بقوله: حبب إلى ركوب الفرس زيد، أى أن ركب الفرس زيد. هذا- لعمرى-ونحوه صحيح المعنى، فأما الآية فليست منه، بدلالة القراءة المجتمع عليها، وأن المعنى أن المزيّن هم الشركاء، وأن القاتل هم المشركون، وهذا واضح.
*** ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ (١٣٧) ومن ذلك قراءة إبراهيم: «وليلبسوا عليهم دينهم»، بفتح الباء.
قال أبو الفتح: المشهور فى هذا لبست الثوب ألبسه، ولبست عليهم الأمر ألبسه.
فإما أن تكون هذه لغة لم تتأدّ إلينا: لبست عليهم الأمر ألبسه، فى معنى لبسته ألبسه.
وإما أن تكون غير هذا، وهو أن يراد به شدة المخالطة لهم فى دينهم، فالاعتراض فيه بينه وبينهم ليشكّوا فيه ولا يتمكنوا من التفرد به، كما أن لابس الثوب شديد المماسة له والالتباس به، فيقول على هذا: لبست إليك طاعتك، واشتملت الثقة بك، أى خالطت هذه الأشياء وماسستها؛ تحققا بها وملابسة لها، وعليه قول القلاخ السعدى:
نكسوهم مخشونة لباسا
يعنى السيوف. وقد مر به لفظا البتة شاعرنا فقال:
[ ١ / ٣٤٠ ]
وإنا إذا ما الموت صرّح فى الوغى … لبسنا إلى حاجاتنا الضرب والطعنا
فإما أن يكون هذا الشاعر نظر إلى هذه القراءة، وإما أن يكون أراد المراد بها فسلك سنة قارئها، فاعرف ذلك ولا تقل ما يقوله من ضعفت نجيزته، وركت طريقته: هذا شاعر محدث، وبالأمس كان معنا، فكيف يجوز أن يحتج به فى كتاب الله جل وعز؟ فإن المعانى لا يرفعها تقدّم، ولا يزرى بها تأخّر. فأما الألفاظ فلعمرى إن هذا الوضع معتبر فيها، وأما المعانى ففائتة بأنفسها إلى مغرسها، وإذا جاز لأبى العباس أن يحتج بأبى تمام فى اللغة كان الاحتجاج فى المعانى بالمولّد الآخر أشبه.
***
﴿وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ (١٣٨) ومن ذلك قراءة أبىّ بن كعب وابن مسعود وابن عباس وابن الزبير والأعمش وعكرمة وعمرو بن دينار: «حرث حرج»، وقراءة الناس: ﴿حِجْرٌ﴾.
قال أبو الفتح: قد قدمنا فى كتابنا الخصائص صدرا صالحا من تقلب الأصل الواحد والمادة الواحدة إلى صور مختلفة يخطمها كلها معنى واحد، ووسمناه بباب الاشتقاق الأكبر، نحو: «ك ل م»، «ك م ل»، «م ل ك»، «م ك ل»، «ل ك م»، «ل م ك».
وإنها مع التأمل لها ولين معطف الفكر إليها آئلة إلى موضع واحد ومترامية نحو غرض غير مختلف، كذلك أيضا يقال: «ح ج ر»، «ج ر ح»، «ح ر ج»، «ر ج ح»، «ج ح ر».
وأما «ر ح ج» فمهمل فيما علمنا، فالتقاء معانيها كلّها إلى الشدة والضيق والاجتماع.
من ذلك الحجر وما تصرف منه، نحو: انحجر، واستحجر الطين، والحجرة وبقيته، وكله إلى التماسك فى الضيق. ومنه الحرج: الضيق والجرح مثله، والحرجة: ما التفّ من الشجر فلم يمكن دخوله، ومنه الجحر وبابه لضيقه، ومنه الجرح لمخالطة الحديد للّحم وتلاحمه عليه، ومنه رجح الميزان، لأنه مال أحد شقيه نحو الأرض؛ فقرب منها، وضاق ما كان واسعا بينه وبينها.
[ ١ / ٣٤١ ]
فإن قلت: فإنه إذا مال أحدهما إلى الأرض فقد بعد الآخر منها، قيل: كلامنا على الراجح، والراجح هو الدانى إلى الأرض. فأما الآخر فلا يقال له: راجح فيلزم ما ألزمته، وإذا ثبت ذلك-وقد ثبت-فكذلك قوله تعالى: «حرث حرج» فى معنى حجر، معناه عندهم أنها ممنوعة محجورة أن يطعمها إلا من يشاءون أن يطعموه إيّاها بزعمهم.
***
﴿خالِصَةٌ﴾ (١٣٩) ومن ذلك قراءة ابن عباس بخلاف والأعرج وقتادة وسفيان بن حسين: خالصة وقرأ «خالصا» سعيد بن جبير.
وقرأ «خالصه» ابن عباس بخلاف والزهرى والأعمش وأبو طالوت.
وقرأ «خالص» ابن عباس وابن مسعود والأعمش بخلاف.
قال أبو الفتح: أما قراءة العامة: «خالِصَةٌ» فتقديره: ما فى بطون هذه الأنعام خالصة لنا، أى خالص لنا، فأنث للمبالغة فى الخلوص، كقولك: زيد خالصتى، كقولك صفيّى وثقتى، أى المبالغ فى الصفاء والثقة عندى. ومنه قولهم: فلان خاصّتى من بين الجماعة، أى خاصّى الذى يخصنى، والتاء فيه للمبالغة وليكون أيضا بلفظ المصدر، نحو العاقبة والعافية، والمصدر إلى الجنسية، فهى أعم وأوكد.
ويدلك على إرادة اسم الفاعل هنا، أى خالص-قراءة سعيد بن جبير «خالصا»، وعليه القراءة الأخرى: «خالص لذكورنا»، والقراءة الأخرى «خالصه لذكورنا». ألا تراه اسم فاعل وإن كان مضافا؟ لكن الكلام فى نصب خالصا وخالصة، وفيه جوابان:
[ ١ / ٣٤٢ ]
أحدهما: أن يكون حالا من الضمير فى الظرف الجارى صلة على «ما» كقولنا:
الذى فى الدار قائما زيد.
والآخر: أن يكون حالا من «ما» على مذهب أبى الحسن فى إجازته تقديم الحال على العامل فيها إذا كان معنى بعد أن يتقدم صاحب الحال عليها كقولنا: زيد قائما فى الدار.
واحتج فى ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾، فيجوز على هذا فى العربية لا فى القراءة؛ لأنها سنة لا تخالف ﴿وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾.
فإن قلت: فهل يجوز أن يكون «خالصا» و«خالصة» حالا من الضمير فى لنا؟ قيل:
هذا غير جائز؛ وذلك أنه تقدّم على العامل فيه وهو معنى وعلى صاحب الحال، وهذا ليس على ما بيّنا.
ولا يجوز أن يكون «خالصة» حالا من الأنعام؛ لأن المعنى ليس عليه، ولعزّة الحال من المضاف إليه.
***
﴿خُطُواتِ﴾ (١٤٢) ومن ذلك قراءة علىّ ﵇ والأعرج وعمرو بن عبيد «خطؤات» بالهمز مثقلا، وقرأ «خطوات» أبو السّمال.
قال أبو الفتح: أما «خطؤات» بالهمز فواحدها خطأة، بمعنى الخطأ. أثبت ذلك أحمد ابن يحيى.
وأما «خطوات» فجمع خطوة، وهى الفعلة الواحدة من خطوت، كغزوت غزوة، ودعوت دعوة. والمعنى لا تتبعوا خطوات الشيطان، أى آثاره، لا تقتدوا به. وتقديره على هذا حذف المضاف، أى لا تتبعوا مواضع خطوات الشيطان.
[ ١ / ٣٤٣ ]
وإن شئت أجريته على ظاهره من غير تقدير حذف كقولك: لا تتبع أفعال المشركين، ولا تأتم بأديان الكافرين. ومن قرأ «خطوات» بلا همز فأمره واضح، وهو جمع خطوة، وهى ذرع ما بين القدمين. وهذا واضح.
***
﴿الضَّأْنِ﴾ (١٤٣) ومن ذلك قراءة طلحة: «الضّأن»، بفتح الهمزة.
قال أبو الفتح: الضّأن جمع، واحدته ضائن وضائنة، وصرّفوا فعله فقالوا: ضئنت العنز ضأنا، إذا أشبهت الضأن. وأما الضّأن بفتح الهمزة فى هذه القراءة فمذهب أصحابنا فيه وفى مثله مما جاء على فعل وفعل وثانيه حرف حلق، كالنّهر والنّهر، والصّخر والصّخر، والنّعل والنّعل، وجميع الباب-أنها لغات كغيرها مما ليس الثانى فيه حرفا حلقيا، كالنّشز والنشز، والقصّ والقصص.
ومذهب البغداديين أن التحريك فى الثانى من هذا النحو إنما هو لأجل حرف الحلق، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى من هذا الكتاب وغيره، ويؤنسنى بصحة ما قالوه أنى أسمع ذلك فاشيا فى لغة عقيل، حتى لسمعت بعضهم يوما قال: نحوه، يريد نحوه.
فلو كانت الفتحة فى الحاء هنا أصلا معتزمة غير إتباع لكونها حرفا حلقيا لوجب إعلال اللام التى هى واو ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، كغضاة وشجاة، فكان يقال:
نحاة، وهذا واضح، غير أن لأصحابنا ألا يقبلوا من اللغة إلا ما روى عن فصيح موثوق بعربيته، ولست أثبت هذه الفصاحة المشروطة لمن سمعت منه هذه اللفظة، أعنى نحوه.
***
﴿تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ (١٥٤) ومن ذلك قراءة ابن يعمر: «تماما على الّذى أحسن».
قال أبو الفتح: هذا مستضعف الإعراب عندنا؛ لحذفك المبتدأ العائد على الذى؛ لأنّ
[ ١ / ٣٤٤ ]
تقديره: تماما على الذى هو أحسن، وحذف «هو» من هنا ضعيف؛ وذلك أنه إنما يحذف من صلة الذى-الهاء المنصوبة بالفعل الذى هو صلتها، نحو مررت بالذى ضربت أى ضربته، وأكرمت الذى أهنت أى أهنته، فالهاء ضمير المفعول، ومن المفعول بدّ، وطال الاسم بصلته، فحذفت الهاء لذلك. وليس المبتدأ بنيف ولا فضلة فيحذف تخفيفا، لا سيما وهو عائد الموصول، وأن هذا قد جاء نحوه عنهم. حكى سيبويه عن الخليل: «ما أنا بالذى قائل لك شيئا وسواءا»، أى بالذى هو قائل، قال:
لم أر مثل الفتيان فى غبن ال … أيام ينسون ما عواقبها
أى ينسون الذى هو عواقبها.
ويجوز أن يكون «ينسون» معلّقة كما علقوا نقيضتها التى هى يعلمون، وتكون «ما» استفهاما وعواقبها خبر «ما»، كقولك: قد علمت من أبوك وعرفت أيّهم أخوك؟، وعلى الوجه الأول حمله أصحابنا.
***
﴿مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ﴾ (١٥٧) ومن ذلك قراءة يحيى وإبراهيم: «ممّن كذب بآيات الله»، خفيفة الذال.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون دخول الباء هنا حملا على المعنى، وذلك لأنه فى معنى مكر بها، وكفر بها. وما أكثر هذا النحو فى هذه اللغة، وقد ذكرناه فيما مضى. ومنه قوله:
ألم يأتيك والأنباء تنمى … بما لاقت لبون بنى زياد
زاد الباء فى بما لاقت لما كان معناه ألم تسمع بما لاقت لبونهم، وفيه ما أنشدناه أبو على:
[ ١ / ٣٤٥ ]
أم كيف ينفع ما تعطى العلوق به … رئمان أنف إذا ما ضمنّ باللبن
ألحق الباء فى به لّما كان تعطى فى معنى تسمح به، ألا تراه قال فى آخر البيت: إذا ما ضنّ باللبن؟ فالضن نقيض السماحة والبذل.
***
﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ (١٥٨) ومن ذلك قراءة زهير الفرقبى: «يوم يأتى بعض آيات ربّك»، بالرفع.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون ارتفاع اليوم بالابتداء، والجملة التى هى قوله تعالى:
﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا﴾ خبر عنه، والعائد من الجملة محذوف لطول الكلام والعلم به، وإذا كانوا قد قالوا: السمن منوان بدرهم، فحذفوا وهم يريدون «منه» مع قصر الكلام كان حذف العائد هنا لطول الكلام أسوغ، وتقديره لا ينفع فيه نفسا إيمانها. ومثله قولهم: البرّ الكرّ بستين، أى الكرّ منه.
وفى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يكون على حذف العائد، أى إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم، وله نظائر كثيرة، لكنا نحذف الإطالة إذ كان هذا كتابا مختصرا ليقرب على القراء ولا يلطف عنهم، وقد كان شيخنا أبو على عمل كتاب الحجة فى قراءة السبعة، فأغمضه وأطاله حتى منع كثيرا ممن يدعى العربية فضلا على القرأة-منه، وأجفاهم عنه.
***
﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها﴾ (١٥٨) ومن ذلك قراءة أبى العالية: «لا تنفع نفسا إيمانها»، بالتاء فيما يروى عنه. قال ابن مجاهد: وهذا غلط.
[ ١ / ٣٤٦ ]
قال أبو الفتح: ليس ينبغى أن يطلق على شئ له وجه من العربية قائم وإن كان غيره أقوى منه-أنه غلط. وعلى الجملة فقد كثر عنهم تأنيث فعل المضاف المذكر إذا كانت إضافته إلى مؤنث، وكان المضاف بعض المضاف إليه أو منه أو به. وأنشدنا أبو على لابن مقبل:
قد صرّح السير عن كتمان وابتذلت … وقع المحاجن بالمهرية الذّقن
فأنث «الوقع» وإن كان مذكرا لّما كان مضافا إلى «المحاجن»، وهى مؤنثة، إذ كان الوقع منها. وكذلك قول ذى الرمة:
مشين كما اهتزّت رماح تسفهت … أعاليها مرّ الرياح النواسم
فأنث «المر» لإضافته إلى الرياح وهى مؤنثة، إذ كان المر من الرياح، ونظائر ذلك كثيرة جدا ولا وجه للإطالة بذكرها. فهذا وجه يشهد لتأنيث الإيمان إذ كان من النفس وبها.
وإن شئت حملته على تأنيث المذكر لّما كان يعبّر عنه بالمؤنث، ألا ترى إلى قول الله سبحانه: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ فتأنيث المثل لأنه فى المعنى حسنة.
فإن قلت: فهلا حملته على حذف الموصوف، فكأنه قال: فله عشر حسنات أمثالها.
قيل: حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه قبل ليس بمستحسن فى القياس، وأكثر مأتاه إنما هو فى الشعر، ولذلك ضعف حمل «دانية» من قوله تعالى: ﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ على أنه وصف جنة، أى وجنة دانية عليهم ظلالها عطفا على جنة من قوله: ﴿وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ وجنّة دانية عليهم ظلالها: لما فيه من حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه حتى عطفوها على قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ﴾ ودانية عليهم ظلالها، فكانت حالا معطوفة على حال قبلها، فلهذا يضعف أن يكون تقدير الآية على: فله عشر حسنات أمثالها، بل تكون أمثالها غير صفة: لكنه محمول على المعنى؛ إذ كن حسنات كما ترى.
[ ١ / ٣٤٧ ]
وعليه أيضا قوله تعالى: تلتقطه ﴿بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾، لّما كان ذلك البعض سيارة فى المعنى.
وحكى الأصمعى عن أبى عمرو قال: سمعت رجلا من اليمن يقول: فلان لغوب، جاءته كتابى فاحتقرها، قال: فقلت له: أتقول جاءته كتابى؟ فقال: نعم، أليس بصحيفة؟ فلا تعجب إلا من هذا الأعرابى الجافى وهو يعلل هذا التعليل فى تأنيث المذكر، وليس فى شعر منظوم فيحتمل ذلك له، إنما هو فى كلام منثور، فكذلك يكون تأنيث الإيمان. ألا تراه طاعة فى المعنى؟ فكأنه قال: لا تنفع نفسا طاعتها. والشواهد كثيرة، لكن الطريق التى نحن عليها مختصرة قليلة قصيرة.
***
﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ (١٥٩) ومن ذلك قراءة النخعى وأبى صالح مولى ابن هانئ، ويروى أيضا عن الأعمش ويحيى: «الّذين فرقوا دينهم»، بالتخفيف.
قال أبو الفتح: أما «فرقوا» بالتخفيف فتأويله أنهم مازوه عن غيره من سائر الأديان، هذا ظاهر «فرقوا» بالتخفيف. وقد يحتمل أن يكون معناه معنى القراءة بالتثقيل، أى فرّقوه وعضّوه أعضاء، فخالفوا بين بعضه وبعض، وذلك أن فعل بالتخفيف يكون فيها معنى التثقيل.
ووجه هذا أن الفعل عندنا موضوع على اغتراق جنسه، ألا ترى أنّ معنى «قام زيد»:
كان منه القيام، و«قعد»: كان منه القعود؟ والقيام-كما نعلم-والقعود جنسان، فالفعل إذا على اغتراق جنسه، يدل على ذلك عمله فى جميع أجزاء ذلك الجنس من مفرده ومثناه ومجموعه، ونكرته ومعرفته، وما كان فى معناه. وذلك قوله: قمت قومة وقومتين وألف قومة، وقمت قياما وقياما طويلا، وجلست جلوسا وجلوسا قصيرا، وقمت القيام الذى تعلم. وقال:
لعمرى لقد أحببتك الحبّ كلّه …
[ ١ / ٣٤٨ ]
وقالوا: قعد القرفصاء، وعدا البشكى، ووثب الحجزى. فعمل الفعل فى جميع أجزاء المصادر من لفظه ومن غير لفظه كما كان معناه-يدل على أن وضعه لاغتراق جنسه؛ إذ الفعل لا يعمل من المصادر إلا فيما كان عليه دليل. ألا تراك لا تقول: قمت قعودا، ولا خرجت دخولا؛ لأنه لا دليل فى الفعل على ذلك؟ وهذا واضح متناه فى البيان.
وإذا كان كذلك علم منه وبه أن جميع الأفعال ماضيها وحاضرها ومتلقاها مجاز لا حقيقة. ألا تراك تقول: قمت قومة؟ وقمت على ما مضى دال على الجنس، فوضعك القومة الواحدة موضع جنس القيام، وهو فيما مضى وما هو حاضر وفيما هو متلقى مستقبل-من أذهب شئ فى كونه مجازا. ولذلك ما كان شيخنا أبو على يقول: إن قولنا قام زيد فى كونه مجازا بمنزلة قول القائل: خرجت فإذا الأسد، يريد بذلك أن الأسد هنا لاغتراق الجنس، وإنما وجد ببابه أسدا واحدا، فأطلقه على جميع جنسه الذى لا يحيط به إلا خالقه، جل وعز.
فهذا كقولك: قام زيد فى وضعه إياه على البعض وإن كان مفاد «قام» الاغتراق للكل، إذ كان قيام زيد جزءا مما لا يحاط به، ولا يحاط الوهم إلا على كلا ولا على قصوره.
وهذا موضع يسمعه الناس منى ويتناقلونه دائما عنى، فيكبرونه ويكثرون العجب به، فإذا أوضحته لم يسأل عنه استحياء، وكان يستغفر الله لاستيحاشة كان منه.
وكشفت هذا الموضع يوما لبعض من كان له مذهب فى المشاغبة عفا الله عنا وعنه، فتوقف فيه، ثم قال: أو كذلك أفعال القديم عندك؟ فقلت: هذا موضع لا تعلّق له بذكر القدم والحدوث، وإنما هو طريق مسلوكة يتعاقبها القديم والمحدث تعاقبا واحدا. ألا تراك تقول: خلق الله كذا؟ أفتظن أن هذا ينتظم كل خلق فى الوهم؟ فإن قلت: نعم، لزمك أن يكون هو الخالق لأفعال العباد، ومذهبك ناف لهذا عندك، فلما بلغ الموضع بنا إلى هذا أمسك، ثم مضى فقرأ شيئا من كلام شيخنا فعاد معترفا بما قلت له منه، غير أننا أعلمنا بذلك أن العلل عنده مروية غير مدرية، وليست بحقائق ولا عقلية.
***
[ ١ / ٣٤٩ ]