﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ﴾ (١) من ذلك قرأ ابن مسعود وسعد بن أبى وقاص وعلىّ بن الحسين وأبو جعفر محمد ابن على وزيد بن على وجعفر بن محمد وطلحة بن مصرف: «يسألونك الأنفال».
قال أبو الفتح: هذه القراءة بالنصب مؤدية عن السبب للقراءة الأخرى التى هى: «عن الأنفال»، وذلك أنهم إنما سألوه عنها تعرضا لطلبها، واستعلاما لحالها: هل يسوغ طلبها؟.
وهذه القراءة بالنصب إصراح بالتماس الأنفال وبيان عن الغرض فى السؤال عنها.
فإن قلت: فهل يحسن أن تحملها على حذف حرف الجر حتى كأنه قال: يسألونك عن الأنفال، فلما حذف عن نصب المفعول، كقوله:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به
قيل: هذا شاذ، إنما يحمله الشعر، فأما القرآن فيختار له أفصح اللغات وإن كان قد جاء: ﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ ﴿وَاُقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ فإن الأظهر ما قدمناه.
***
[ ١ / ٣٨٦ ]
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ﴾ (٧) ومن ذلك قراءة ابن محيصن: «وإذ يعدكم الله احدى الطائفتين» يصل ضمة الهاء بالحاء ويسقط الهمزة.
قال أبو الفتح: هذا حذف على غير قياس، ومثله قراءة ابن كثير: «إنما لحدى الكبر»، وقد ذكرنا نحوه، وهو ضعيف القياس، والشعر أولى به من القرآن.
***
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ﴾ (٧) ومن ذلك قراءة مسلمة بن محارب: «وإذ يعدكم الله»، بإسكان الدال. قال أبو الفتح: أسكن ذلك لتوالى الحركات وثقل الضمة، وقد ذكرنا قبله مثله.
***
﴿مُرْدِفِينَ﴾ (٩) ومن ذلك قراءة رجل من أهل مكة، زعم الخليل أنه سمعه يقرأ: «مردّفين».
واختلفت الرواية عن الخليل فى هذا الحرف، فقال بعضهم: «مردّفين»، وقال آخر:
«مردّفين».
قال أبو الفتح: أصله «مرتدفين» مفتعلين من الرّدف، فآثر إدغام التاء فى الدال، فأسكنها وأدغمها فى الدال، فلما التقى ساكنان وهما الراء والدال حرك الراء لالتقاء الساكنين: فتارة ضمها إتباعا لضمة الميم، وأخرى كسرها إتباعا لكسرة الدال.
[ ١ / ٣٨٧ ]
ومثله: ﴿وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾. ومن كسر الراء فلالتقاء الساكنين، وعليه جاء:
﴿وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾. ويجوز فيهما أن تنقل حركة الحرف الساكن على الساكن قبله فيقول: «مردّفين»، «وجاء المعذّرون» مفعلين من الاعتذار، على قولهم: عذّر فى الحاجة:
أى قصر، وأعذر: تقدم.
***
﴿أَمَنَةً نُعاسًا﴾ [آل عمران:] (١٥٤)، وأما آية الأنفال: ﴿النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال] (١١) ومن ذلك قراءة ابن محيصن: «أمنة نعاسا» بسكون الميم.
قال أبو الفتح: لا يجوز أن يكون «أمنة» مخففا من «أمنة» كقراءة الجماعة، من قبل أن المفتوح فى نحو هذا لا يسكن كما يسكن المضموم فى المكسور لخفة الفتحة. وأما قوله:
وما كل مبتاع ولو سلف صفقه … براجع ما قد فاته برداد
قال أبو الفتح: فشاذ. على أننا قد ذكرنا وجه الصنعة فى كتابنا الموسوم بالمنصف.
***
﴿ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (١١) ومن ذلك قراءة الناس: ﴿ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ وقرأ الشعبى: «ما ليطهركم به» على معنى الذى به.
قال أبو الفتح: ما هاهنا موصولة، وصلها حرف الجر بما جره، وكأنه قال: ما
[ ١ / ٣٨٨ ]
للطّهور، كقولك: كسوته الثوب الذى لدفع البرد، ودفعت إليه المال الذى للجهاد، واشتريت الغلام الذى للقتال.
ألا ترى أن تقديره وينزّل عليكم من السماء الماء الذى لأن يطهّركم به، أى الماء الذى لطهارتكم أو لتطهيركم به. وهذه اللام فى قراءة الجماعة: ﴿ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ هى لام المفعول له، كقوله: زرتك لتكرمنى، وهى متعلقة بزرتك، ولا ضمير فيها لتعلقها بالظاهر.
فهى كقوله تعالى: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ﴾، فهى كما ترى متعلقة بنفس «فَتَحْنا» تعلق حرف الجر بالفعل قبله.
وأما اللام فى قراءة من قرأ: «ما ليطهّركم به»، أى الذى للطهارة به، فمتعلقة بمحذوف، كقولك: دفعت إليه المال الذى له، أى استقر أو ثبت له، وفيها ضمير لتعلقها بالمحذوف.
وأما لام المفعول له فلا تكون إلا متعلقة بالظاهر نحو زرته ليكرمنى وأعطيته ليشكرنى، أو بظاهر يقوم مقام الفعل كقولك: المال لزيد لينتفع به، فاللام فى «لزيد» متعلقة بمحذوف على ما مضى، والتى فى قولك: لينتفع به هى لام المفعول له، وهى متعلقة بنفس قولك: لزيد تعلقها بالظرف النائب عن المحذوف فى نحو قولك: أزيد عندك لتنتفع بحضوره؟ وزيد بين يديك ليؤنسك.
فاللام هنا متعلقة بنفس الظرفين اللذين هما عندك وبين يديك.
وعلى كل حال فمعنى القراءة: ﴿ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾، والقراءة بقوله: «ما ليطهّركم به»، يرجعان إلى شئ واحد، إلا أن أشدّهما إفصاحا بأن الماء أنزل للتطهر به هى قراءة من قرأ: ﴿ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾؛ لأن فيه تصريحا بأن الماء أنزل للطهارة، وتلك القراءة الشاذة إنما يعلم أنه أنزل للطهارة به، فالقراءة الأخرى وبغيرها-مما فيه إصراح بذلك.
وعلى كل حال فلام المفعول له لا تتعلق بمحذوف أبدا، إنما تعلّقها بالظاهر، فعلا كان أو غيره مما يقام مقامه.
***
[ ١ / ٣٨٩ ]
﴿رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ (١١) ومن ذلك قراءة أبى العالية: «رجس الشيطان»، بالسين.
قال أبو الفتح: كل شئ يستقذر عندهم فهو رجس، كالخنزير ونحوه.
وفيما قرئ على أبى العباس أحمد بن يحيى قال: الرجس فى القرآن: العذاب، كالرجز. ورجس الشيطان: وسوسته وهمزه ونحو ذلك من أمره. والرجز: عبادة الأوثان، ويقال: هو إثم الشرك كله.
وقرئ: «والرّجز والرّجز»، جميعا «فاهجر». قال: وقال بعضهم: أراد به الصنم.
قال: وكل عذاب أنزل على قوم فهو رجز، ووسواس الشيطان رجز. وقد ترى إلى تزاحم السين والزاى فى هذا الموضع، فقراءة الجماعة: ﴿رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ معناه كمعنى رجس الشيطان. وقد نبهنا فى كتابنا المعروف بالخصائص من هذه الطريق فى تزاحم الحروف المتقاربة ما فى بعضه كل مقنع بمشيئة الله.
***
[ ١ / ٣٩٠ ]
﴿بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (٢٤) ومن ذلك قراءة الحسن والزهرى «بين المرّ وقلبه».
قال أبو الفتح: وجه الصنعة فى هذا أنه خفف الهمزة فى «المرء» وألقى حركتها على الراء قبلها، فصارت بين المر وقلبه، ثم نوى الوقف فأسكن وثقل الراء على لغة من قال فى الوقف: هذا خالدّ وهو يجعلّ، ثم أطلق ووصل على نية الوقف، فأقر التثقيل بحاله على إرادة الوقف.
وعليه قوله، أنشدناه أبو على:
ببازل وجناء أو عيهلّ …
[ ١ / ٣٩١ ]
يريد العيهل فنوى الوقف فثقّل، ثم أطلق وهو يريد الوقف. ومثله ما قرأناه على أبى بكر محمد بن الحسن عن أبى العباس أحمد بن يحيى:
ومقلتان جونتا المكحلّ
يريد المكحل. وأول هذه القصيدة:
ليت شبابى عاد للأوّلّ … وغضّ عيش قد خلا أرغلّ
وفيها أشياء من هذا الطراز كثيرة، فكذلك «المرّ» على هذا.
وقراءة الجماعة من بعد أقوى وأحسن، لأنّ هذا من أغراض الشعر لا القرآن.
***
﴿لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٢٥) ومن ذلك قراءة العامة: «لا تصيبن الذّين ظلموا»، وقراءة على وزيد بن ثابت وأبى جعفر محمد بن على والربيع بن أنس وأبى العالية وابن جمّاز: «لتصيبنّ».
قال أبو الفتح: معنيا هاتين القراءتين ضدان كما ترى؛ لأن إحداهما ﴿لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾، والأخرى: «لتصيبنّ» هؤلاء بأعيانهم خاصة. وإذا تباعد معنيا قراءتين هذا التباعد وأمكن أن يجمع بينهما كان ذلك جميلا وحسنا، ولا يجوز أن
[ ١ / ٣٩٢ ]
يراد زيادة «لا» من قبل أنه كان ويصير معناه: واتقوا فتنة تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، فليس هذا عندنا من مواضع دخول النون، ألا تراك لا تقول: ضربت رجلا يدخلنّ المسجد؟ هذا خطأ لا يقال، ولكن أقرب ما يصرف إليه الأمر فى تلافى معنيى القراءتين أن يكون يراد لا تصيبنّ، ثم يحذف الألف من «لا» تخفيفا واكتفاء بالفتحة منها، فقد فعلت العرب هذا فى أخت «لا» وهى «أما».
من ذلك ما حكاه محمد بن الحسن من قول بعضهم: أم والله ليكوننّ كذا، فحذف ألف أما تخفيفا، وأنشد أبو الحسن وابن الأعرابى وغيرهما:
فلست بمدرك ما فات منى … بلهف ولا بليت ولا لو انى
يريد بلهفا، فحذف الألف.
وذهب أبو عثمان فى قول الله سبحانه: «يا أَبَتِ»، فيمن فتح التاء أنه أراد يا أبتا، فحذف الألف تخفيفا. وأنشدوا:
قد وردت من أمكنه … من هاهنا ومن هنه
إن لم أروّها فمه …
يريد: إن لم أروها فما أصنع؟ أو فما مغناى؟ أو فما مقدارى؟ فحذف الألف. وألحق الهاء لبيان الحركة، وروينا عن قطرب.
[ ١ / ٣٩٣ ]
فعلى هذا يجوز أن يكون أراد بقوله: «لتصيبنّ»: لا تصيبنّ، فحذف ألف لا تخفيفا من حيث ذكرنا.
فإن قلت: فهل يجوز أن يحمله على أنه أراد: لتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، ثم أشبع الفتحة، فأنشأ عنها ألفا كالأبيات التى أنشدتها قبل هذا الموضع، نحو قوله:
ينباع من ذفرى غضوب جسرة …
وهو يريد ينبع؟.
قيل: يمنع من هذا المعنى، وهو قوله تعالى يليه: ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ فهذا الإغلاظ والإرهاب أشبه بقراءة من قرأ: ﴿لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ من أن يكون معناه إنما تصيب الذين ظلموا خاصة.
فتأمل ذلك فإنه يضح لك بمشيئة الله.
***
﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (٣٥) ومن ذلك ما روى عن عاصم أنه قرأ: «وما كان صلاتهم عند البيت» نصبا، «إلا مكاء وتصدية» رفعا. رواه عبيد الله عن سفيان عن الأعمش أن عاصما قرأ كذلك.
قال الأعمش: وإن لحن عاصم تلحن أنت؟! وقد روى هذا الحرف أيضا عن أبان ابن تغلب أنه قرأ كذلك.
قال أبو الفتح: لسنا ندفع أنّ جعل اسم كان نكرة وخبرها معرفة قبيح، فإنما جاءت منه أبيات شاذة، وهو فى ضرورة الشعر أعذر، والوجه اختيار الأفصح الأعرب، ولكن من وراء ذلك ما أذكره.
اعلم أن نكرة الجنس تفيد مفاد معرفته، ألا ترى أنك تقول: خرجت فإذا أسد
[ ١ / ٣٩٤ ]
بالباب فتجد معناه معنى قولك: خرجت فإذا الأسد بالباب لا فرق بينهما؟ وذلك أنك فى الموضعين لا تريد أسدا واحدا معينا، وإنما تريد خرجت فإذا بالباب واحد من هذا الجنس، وإذا كان كذلك جاز هنا الرفع فى ﴿مُكاءً وَتَصْدِيَةً﴾ جوازا قريبا، حتى كأنه قال: وما كان صلاتهم عند البيت إلا المكاء والتصدية، أى إلا هذا الجنس من الفعل.
وإذا كان كذلك لم يجر هذا مجرى قولك: كان قائم أخاك، وكان جالس أباك، لأنه ليس فى جالس وقائم من معنى الجنسية التى تلاقى معنيا نكرتها ومعرفتها على ما ذكرنا وقدمنا.
وأيضا فإنه يجوز مع النفى من جعل اسم كان وأخواتها نكرة ما لا يجوز مع الإيجاب. ألا تراك تقول: ما كان إنسان خيرا منك ولا تجيز كان إنسان خيرا منك؟ فكذلك هذه القراءة أيضا، لما دخلها النفى قوى وحسن جعل اسم كان نكرة. هذا إلى ما ذكرناه من مشابهة نكرة اسم الجنس لمعرفته، ولهذا ذهب بعضهم فى قول حسان:
كأنّ سبيئة من بيت رأس … يكون مزاجها عسل وماء
أنه إنما جاز ذلك من حيث كان عسل وماء هما جنسين، فكأنه قال: يكون مزاجها العسل والماء، فبهذا تسهل هذه القراءة، ولا يكون من القبح واللحن الذى ذهب إليه الأعمش على ما ظن.
***
﴿بِالْعُدْوَةِ﴾ (٤٢) ومن ذلك قراءة الناس ﴿بِالْعُدْوَةِ﴾ و«العدوة»، بالضم والكسر. وقرأ
[ ١ / ٣٩٥ ]
«بالعدوة» قتادة والحسن وعمرو، واختلف عنهم.
قال أبو الفتح: الذى فى هذا أنها لغة ثالثة، كقولهم: فى اللبن رغوة ورغوة ورغوة.
ولها نظائر مما جاءت فيها فعلة وفعله وفعله، منه قولهم: له صفوة مالى وصفوته وصفوته، روى ذلك أبو عبيدة. ومثله أو طأته عشوة وعشوة وعشوة، روى ذلك أبو عبيدة وابن الأعرابى.
وروى الكسائى: كلمته بحضرة فلان وحضرته، وحكى ابن الأعرابى: غشوة وغشوة وغشوة، وغلظة وغلظة وغلظة. وقالوا: شاة لجبة ولجبة ولجبة وربوة وربوة وربوة، فكذلك تكون أيضا العدوة والعدوة والعدوة. وروى ابن الأعرابى أيضا: المدية والمدية والمدية، بالفتح.
***
﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ (٥٧) ومن ذلك ما يروى عن الأعمش أنه قرأ: «فشرّذ بهم من خلفهم»، بالذال معجمة.
قال أبو الفتح: لم يمور بنا فى اللغة تركيب ش ر ذ، وأوجه ما يصرف إليه ذلك أن تكون الذال بدلا من الدال، كما قالوا: لحم خرادل وخراذل. والمعنى الجامع لهما أنهما مجهوران ومتقاربان.
***
﴿فَاجْنَحْ﴾ (٦١) ومن ذلك قراءة الأشهب العقيلىّ: «فاجنح»، لها بضم النون.
[ ١ / ٣٩٦ ]
قال أبو الفتح: حكى سيبويه جنح يجنح، وهى فى طريق ركد يركد، وقعد يقعد، وسفل يسفل فى قربها ومعناها. ويؤكد ذلك أيضا ضرب من القياس، وهو أن جنح غير متعد، وغير المتعدى الضم أقيس فيه من الكسر. فقعد يقعد أقيس من جلس يجلس؛ وذلك أن يفعل بابه لما ماضيه فعل نحو شرف يشرف، ثم ألحق به قعد. وباب يفعل بابه لما يتعدى نحو ضرب يضرب، فضرب يضرب إذا أقيس من قتل يقتل، كما أن قعد يقعد أقيس من جلس يجلس. وقد تقصيت هذه الطريق فى كتابى المنصف.
***
﴿وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (٦٧) ومن ذلك قراءة ابن جمّاز: «والله يريد الآخرة»، يحملها على عرض الآخرة.
قال أبو الفتح: وجه جواز ذلك على عزته وقلة نظيره-أنه لما قال: «تريدون عرض الدنيا»، فجرى ذكر العرض فصار كأنه أعاده ثانيا فقال: عرض الآخرة، ولا ينكر نحو ذلك.
ألا ترى إلى بيت الكتاب:
أكلّ امرئ تحسبين امرأ … ونار توقّد بالليل نارا
وأن تقديره: وكل نار؟ فناب ذكره كلاّ فى أول الكلام عن إعادتها فى الآخر حتى كأنه قال: وكلّ نار هربا من العطف على عاملين، وهما كل وتحسبين. وعليه بيته أيضا:
إنّ الكريم وأبيك يعتمل … إن لم يجد يوما على من يتكل
[ ١ / ٣٩٧ ]
أراد: من يتكل عليه، فحذف عليه من آخر الكلام استغناء عنها بزيادتها فى قوله:
«على من يتكل»، وإنما يريد إن لم يجد من يتكل عليه.
وعليه أيضا قول الآخر:
أتدفع عن نفس أتاها حمامها … فهلا التى عن بين جنبيك تدفع
أراد فهلا عن التى بين جنبيك تدفع، فزاد «عن» فى قوله: عن بين جنبيك، وجعلها عوضا من «عن» التى حذفها وهو يريدها فى قوله: فهلا التى، ومعناها فهلا عن التى.
وله نظائر، فعلى هذا جازت هذه القراءة، أعنى قوله: «تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة»، فى معنى عرض الآخرة وعلى تقديره. ولعمرى إنه إذا نصب فقال على قراءة الجماعة: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ فإنما يريد عرض الآخرة، إلا أنه يحذف المضاف ويقيم المضاف إليه مقامه، وإذا جرّ فقالا: يريد الآخرة صار كأن العرض فى اللفظ موجود لم يحذف، فاحتمل ضعف الإعراب تجريدا للمعنى وإزالة للشك أن يظن ظان أنه يريد الآخرة إرادة مرسلة هكذا. هذا إلى ما قدمناه من حذف لفظ لمجيئه فيما قبل أو بعد.
***
[ ١ / ٣٩٨ ]