بسم الله الرحمن الرحيم
﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٦) ومن ذلك قراءة «أنذرتهم»، بهمزة واحدة من غير مدّ.
قال أبو الفتح: هذا مما لا بد فيه أن يكون تقديره: «أأنذرتهم»، ثم حذف همزة الاستفهام تخفيفا لكراهة الهمزتين؛ ولأن قوله: «سَواءٌ عَلَيْهِمْ» لا بد أن يكون التسوية فيه بين شيئين أو أكثر من ذلك، ولمجئ أم من بعد ذلك أيضا، وقد حذفت هذه الهمزة فى غير موضع من هذا الضرب. قال:
فأصبحت فيهم آمنا لا كمعشر … أتونى فقالوا: من ربيعة أم مضر؟
فيمن قال: أم؛ أى: أمن ربيعة أم مضر؟.
ومن أبيات الكتاب:
لعمرك ما أدرى وإن كنت داريا … شيعث بن سهم أم شعيث بن منقر
وقال الكميت:
طربت وما شوقا إلى البيض أطرب … ولا لعبا منى وذو الشيب يلعب
[ ١ / ١٢٩ ]
قيل: أراد: أو ذو الشيب يلعب؟.
وقالوا فى قول الله سبحانه: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾؛ أراد: أو تلك نعمة؟. وقال:
لعمرك ما أدرى وإن كنت داريا … بسبع رمين الجمر أم بثمان؟
يريد: أبسبع؟.
وعلى كل حال فأخبرنا أبو علىّ. قال: قال أبو بكر: حذف الحرف ليس بقياس؛ وذلك أن الحرف نائب عن الفعل وفاعله. ألا ترى أنك إذا قلت: ما قام زيد، فقد نابت «ما» عن «أنفى»، كما نابت «إلا» عن «أستثنى»، وكما نابت الهمزة وهل عن أستفهم، وكما نابت حروف العطف عن أعطف، ونحو ذلك. فلو ذهبت تحذف الحرف لكان ذلك اختصارا، واختصار المختصر إجحاف به، إلا أنه إذا صح التوجه إليه جاز فى بعض الأحوال حذفه لقوة الدلالة عليه.
فإن قيل: فلعله حذف همزة «أنذرتهم» لمجئ همزة الاستفهام، فكان الحكم الطارئ على ما يشبه هذا من تعاقب ما لا يجمع بينه.
قيل: قد ثبت جواز حذف همزة الاستفهام على ما أرينا فى غير هذا، فيجب أن يحمل هذا عليه أيضا.
وأما همزة أفعل فى الماضى فما أبعد حذفها!، فليكن العمل على ما تقدم بإذن الله.
***
﴿وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ (٩) ومن ذلك قراءة: أبى طالوت عبد السلام بن شدّاد، والجارود بن أبى سبرة «وما»
[ ١ / ١٣٠ ]
يخدعون إلا أنفسهم»، بضم الياء وفتح الدال.
قال أبو الفتح: هذا على قولك: خدعت زيدا نفسه؛ ومعناه عن نفسه، فإن شئت قلت على هذا: حذف حرف الجر، فوصل الفعل. كقوله عز اسمه: ﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ أى: من قومه، وقوله:
أمرتك الخير …
أى: بالخير. وإن شئت قلت: حمله على المعنى؛ فأضمر له ما ينصبه، وذلك أن قولك: خدعت زيدا عن نفسه يدخله معنى: انتقصته نفسه، وملكت عليه نفسه، وهذا من أسدّ وأدمث مذاهب العربية، وذلك أنه موضع يملك فيه المعنى عنان الكلام فيأخذه إليه، ويصرّفه بحسب ما يؤثره عليه. وجملته: أنه متى كان فعل من الأفعال فى معنى فعل آخر فكثيرا ما يجرى أحدهما مجرى صاحبه، فيعدل فى الاستعمال به إليه، ويحتذى فى تصرفه حذو صاحبه، وإن كان طريق الاستعمال والعرف ضد مأخذه. ألا ترى إلى قول الله جل اسمه: ﴿هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى﴾؟ وأنت إنما تقول: هل لك فى كذا؟ لكنه لما دخله معنى: أجذبك إلى كذا وأدعوك إليه. قال: ﴿هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى﴾؟ وعليه قول الفرزدق:
كيف ترانى قاليا مجنّى … قد قتل الله زيادا عنّى
[ ١ / ١٣١ ]
فاستعمل «عن» هاهنا لما دخله من معنى قد صرفه الله عنى؛ لأنه إذا قتله فقد صرف عنه.
وعليه قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ﴾ وأنت لا تقول:
رفثت إلى المرأة، وإنما تقول: رفثت بها ومعها. لّما كان الرفث بمعنى الإفضاء عدى بإلى كما يعدّى أفضيت بإلى، نحو قولك: أفضيت إلى المرأة. وهو باب واسع ومنقاد، وقد تقصيناه فى كتابنا «الخصائص». فكذلك قوله ﷿: «وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ»، جاء على خدعته نفسه لما كان معناه معنى انتقصته نفسه، أو تخوّنته نفسه.
ورأيت أبا على ﵀ يذهب إلى استحسان مذهب الكسائى فى قوله:
إذا رضيت علىّ بنو قشير … لعمر الله أعجبنى رضاها
لأنه قال: عدى رضيت بعلى، كما يعدّى نقيضها وهى سخطت به، وكان قياسه:
رضيت عنى، وإذا جاز أن يجرى الشئ مجرى نقيضه فإجراؤه مجرى نظيره أسوغ. فهذا مذهب الكسائى وما أحسنه! وفيه غيره على سمت ما كنا بصدده، وذلك أنه إذا رضى عنه فقد أقبل عليه؛ فكأنه قال: إذا أقبلت على بنو قشير. وهو غور من أنحاء العربية طريف ولطيف ومصون وبطين.
***
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضًا﴾ (١٠) ومن ذلك قال ابن دريد عن أبى حاتم، عن الأصمعى، عن أبى عمرو: «فى قلوبهم مرض» ساكنة.
[ ١ / ١٣٢ ]
قال أبو الفتح: لا يجوز أن يكون «مرض» مخففا من مرض؛ لأن المفتوح لا يخفف، وإنما ذلك فى المكسور والمضموم كإبل وفخد، وطنب وعضد، وما جاء عنهم من ذلك فى المفتوح فشاذ لا يقاس عليه، نحو قوله:
وما كل مبتاع ولو سلف صفقه … يراجع ما قد فاته برداد
يريد: سلف، فأسكن مضطرا. وعلى أننا قد ذكرنا هذا فى كتابنا الموسوم «بالمنصف»، وهو شرح تصريف أبى عثمان، وهذا ونحوه قد جاء فى الضرورة، والقرآن يتخير له ولا يتخير عليه.
وينبغى أن يكون «مرض» هذا الساكن لغة فى مرض المتحرك، كالحلب والحلب، والطرد والطرد، والشل والشلل، والعيب والعاب، والذّيم والذّام. وقد دللنا فى كتابنا الخصائص على تقاود الفتح والسكون، ولأنهما يكادان يجريان مجرى واحدا فى عدة أماكن.
منها أن كل واحد منهما قد يفزع ويستروح إليه من الضمة والكسرة؛ ألا تراهم قالوا فى غرفات ونحوها: تارة غرفات بالفتح وأخرى غرفات بالسكون، كما قالوا فى
[ ١ / ١٣٣ ]
سدرات تارة: سدرات بالفتح، وأخرى: سدرات بالسكون.
وأجروا أيضا الياء المفتوحة فى اقتضائها الإمالة مجرى الياء الساكنة، فأمالوا نحو:
السّيال والصّياح، كما أمالوا نحو: شيبان وقيس عيلان، وقالوا: ضرب يدها، فأمالوا فتحة الدال للياء المفتوحة، وقالوا أيضا فى تكسير جواد: جياد، فأعلّوا العين كما أعلوها فى ثوب وثياب، فأجروا «واو» جواد مجرى «واو» ثوب. وقالوا: مرض مرضا فهو مارض، كما قالوا: حرد حردا فهو حارد، والفعل كالأصل فى مصادر الثلاثية لا سيما فى المتعدى منها، والمتعدى أكثر من غير المتعدى؛ فلذلك ساغ فيها فعل.
وإنما كان المتعدى أكثر من غيره من قبل أن الفعل قد يكون حديثا عن المفعول به نحو ضرب زيد، كما يكون حديثا عن الفاعل نحو قام زيد، فكما لا بد للفعل من الفاعل فكذلك كثر المتعدى؛ لأن فى ذلك تسبّبا إلى أن يكون الفعل حديثا عن المفعول.
***
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ (١٦) ومن ذلك قراءة يحيى بن يعمر وابن أبى إسحاق، وأبى السّمال: «اشتروا الضّلالة».
[ ١ / ١٣٤ ]
قال أبو الفتح، فى هذه الواو ثلاث لغات: الضم، والكسر، وحكى أبو الحسن فيها الفتح: «اشتروا الضلالة»، ورويناه أيضا عن قطرب، والحركة فى جميعها لسكون الواو وما بعدها، والضم أفشى، ثم الكسر، ثم الفتح.
وإنما كان الضم أقوى لأنها واو جمع، فأرادوا الفرق بينها وبين واو «أو»، و«لو»؛ لأن تلك مكسورة، نحو قول الله سبحانه: ﴿لَوِ اِطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ومنهم من يضمها، فيقول: «لو اطلعت» كما كسر أبو السّمّال وغيره من العرب واو الجمع تشبيها لها بواو «لو».
وأما الفتح فأقلها، والعذر فيه خفة الفتحة مع ثقل الواو، وأيضا فإن الغرض فى ذلك إنما هو التبلغ بالحركة لاضطرار الساكنين إليها، فإذا وقعت من أى أجناسها كانت-أقنعت فى ذلك كما روينا عن قطرب من قراءة بعضهم: «قم اللّيل» بالفتح، و«قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ» وبع الثوب.
قال: وقيس تقول: «اشترءوا الضلالة». قال: وقال بعض العرب: عصئوا الله مهموزة.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون ذلك على إجراء غير اللازم مجرى اللازم، وقد كتبنا فى هذا بابا كاملا فى الخصائص، وذلك أنه شبّه حركة التقاء الساكنين-وليست بلازمة-بالضمة اللازمة فى «أقتت» وأدؤر وأجوه، إلا أن همز نحو «اشتروا الضلالة» من ضعيف ذلك.
[ ١ / ١٣٥ ]
ولو وقفت مستذكرا وقد ضممت الواو-لقلت: اشترووا، ففصلت ضمة الواو فأنشأت بعدها واوا؛ كأنك تستذكر «الضلالة» أو نحوها فتمدّ الصوت إلى أن تذكر الحرف. ولو استذكرت وقد كسرت لقلت: اشتروى، فأنشأت بعد الكسرة ياء. ولو استذكرت وقد فتحت الواو لقلت: اشتروا، كما أنك لو استذكرت بعد من، وأنت تريد الرجل ونحوه لقلت: منا؛ لأنك أشبعت فتحة من الغلام، وفى منذ: منذو، وفى هؤلاء، هؤلائى.
وحكى صاحب الكتاب: أن بعضهم قال فى الوقف: قالا، وهو يريد قال.
وحكى أيضا: هذا سيفنى كأنه استذكر بعد التنوين، فاضطر إلى حركته فكسره، فأحدث بعده ياء. ولو استذكرت مع الهمز لقلت: اشترءوا، فالواو بعد الهمزة واو مطل الضمة، وليست كواو قولك: اجترءوا، وأنت تريد افتعلوا من الجرأة.
***
﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ (١٧) ومن ذلك قراءة الحسن وأبى السّمّال: «وتركهم فى ظلمات»، ساكنة اللام.
قال أبو الفتح: لك فى ظلمات وكسرات: ثلاث لغات: إتباع الضم الضم، والكسر الكسر، ومن استثقل اجتماع الثقيلين فتارة يعدل إلى الفتح فى الثانى يقول: ظلمات وكسرات، وأخرى يسكن فيقول: ظلمات وكسرات، وكل ذلك جائز حسن.
فأما فعلة بالفتح فلا بد فيه من التثقيل إتباعا، فتقول: ثمرة وثمرات، قال:
ولما رأونا باديا ركباتنا … على موطن لا نخلط الجدّ بالهزل
وقال النابغة:
[ ١ / ١٣٦ ]
ومقعد أيسار على ركباتهم … ومربط أفراس وناد وملعب
وعليه قراءة أبى جعفر: «من وراء الحجرات».
وقال بشر:
حتى سقيناهم بكأس مرة … مكروهة حسواتها كالعلقم
وقد أسكنوا المفتوح، وهو ضرورة، قال لبيد:
رحلن لشقة ونصبن نصبا … لوغرات الهواجر والسّموم
وقال ذو الرمة:
أبت ذكر عوّدن أحشاء قلبه … خفوفا ورفضات الهوى فى المفاصل
روينا ذلك كله، وروينا أيضا أن بعض قيس قال: ثلاث ظبيات، فأسكن موضع العين. وروينا عن أبى زيد أيضا عنهم: شرية وشريات وهو الحنظل، والتسكين عندى فى هذا أسوغ منه فى نحو رفضات ووغرات، من قبل أن قبل الألف ياء محركة مفتوحا ما قبلها، وهذا شرط اعتلالها بانقلابها ألفا، وتحتاج أن تعتذر من ذلك بأن تقول: لو قلبت ألفا لوجب حذفها لسكونها وسكون الألف بعدها، وليس فى نحو رفضات ما يوجب الاعتذار من الحركة، وكان رفضات أقرب مأخذا من ثمرات من قبل أن رفضة حدث ومصدر، والمصدر قوى الشبه باسم الفاعل الذى هو صفة، والصفة لا تحرّك فى نحو هذا، نحو: صعبة وصعبات، وخدلة وخدلات.
ويدلك على قوة شبه المصدر بالصفة وقوع كل واحد منهما موقع صاحبه، وذلك نحو قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا﴾ أى: غائرا، وقولهم: قم قائما؛ أى قياما، وعليه قول الفرزدق:
[ ١ / ١٣٧ ]
ألم ترنى عاهدت ربى وإننى … لبين رتاج قائما ومقام
على حلفة لا أشتم الدهر مسلما … ولا خارجا من فىّ زور كلام
أى ولا يخرج خروجا. وعليه أيضا كسّروا المصدر، وهو فعل على ما يكسر عليه فاعل فى الوصف وهو فواعل. أنشدنا أبو علىّ:
وإنك يا عام بن فارس قرزل … معيد على قيل الخنا والهواجر
يريد جمع هجر، فكأنّه كسّر هاجرا على هواجر.
وأنشدنا أيضا:
فليتك حال البحر دونك كلّه … وكنت لقى تجرى عليه السوائل
يريد السيول جمع سيل، وهو كثير جدا، فكذلك سهل شيئا إسكان نحو رفضة ووغرة، لكونهما حدثين ومصدرين لشبههما بالصفة.
ويزيد فى أنسك تسكين عين ما لامه حرف علة لما تعقب من الاعتذار من تحريك عينه-امتناعهم من تحريك العين فى فعلة إذا كانت حرف علة، وذلك نحو جوزات ولوزات وبيضات.
ألا ترى أنه لو حرّك فقال: جوزات وبيضات لوجب أن يعتذر من صحة العين مع حركتها وانفتاح ما قبلها بأن يقول: لو أعللت لوجب القلب، فأقول: جازات وباضات؛ فيلتبس ذلك بما عينه فى الواحد ألف منقلبة نحو قارة وقارات، وجارة وجارات.
وإذا جاز إسكان العين الصحيحة، نحو: تمرات وشعرات صار المعتل أحرى بالضمّة.
نعم، وربما جاء الفتح فى العين إذا كانت واوا أو ياء كما قال الهذلى:
[ ١ / ١٣٨ ]
أبو بيضات رائح متأوّب … رفيق بمسع المنكبين سبوح
وعذره فى ذلك: أن هذه الحركة إنما وجبت فى الجمع، وقد سبق العلم بكونها فى الواحد ساكنة، فصارت الحركة فى الجمع عارضة فلم تحفل. وفى هذا بعد هذا ضعف؛ ألا ترى أن هذه الألف والتاء تبنى الكلمة عليهما، وليستا فى حكم المنفصل؟ يدلك على ذلك صحة الواو فى خطوات وكسوات، ولو كانت الألف والتاء فى ذلك فى حكم المنفصل لوجب إعلال الواو؛ لأنها لام وقبلها ضمة، كما أنك لو بنيت فعلة على التذكير من غزوت لأعللت اللام فقلت: غزية، حتى كأنك نطقت بفعل منه فقلت: غز.
ولو بنيتها على التأنيث لصحت اللام فقلت: غزوة. فعليه قلت: خطوات لأنه مبنىّ على التأنيث، ولو كان على التذكير قلت: خطيات كما قلت: غز فى فعل من الغزو.
قال أبو على: يدلك على أن الكلمة مبنية على الألف والتاء اطراد إتباع الكسر للكسر فى سدرات وكسرات مع عزة فعل فى الواحد، وإنما حكى سيبويه منه: إبل لا غير، وهم كما ذكر، إلا أن مما يؤنس بكون حركة العين غير ملازمة ما رويناه عن قطرب فيما حكاه عن يونس: من قوله فى جروة: إذا قلت جروات فصحة الواو وهى لام بعد الكسرة تدلك على قلة الاعتداد بها، وعلى ذلك أن يقال: إن هذا شاذ، يدل على شذوذه امتناعهم أن يحركوا عين كلية ومدية، وأن يقولوا: كليات ومديات؛ لما كان يعقب ذلك من وجوب قلب الياء إلى الواو، فدلنا ذلك على أن نحو جروات شاذّ.
وبإزاء هذا أن يقال: هلا قلبوا، فقالوا: كلوات ومدوات، كما أنهم لو بنوا مثل فعلة من قضيت ورميت على التأنيث قلبوا فقالوا: رموة وقضوة، فهذه أشياء تراها متكافئة أو كذلك، وعلى كل حال فالاختيار خطوات بالإسكان؛ ألا ترى أن الألف والتاء وإن بنى الاسم عليهما فإن الجمع على كل حال خارج من الواحد الذى هو الأصل، فمعنى الفرعية موجود فى الجمع بتلفته إلى الواحد، وليست فعلة إذا بنيت على التأنيث مما خرج عن تذكيره فيراعى فيه حكمه، كما روعى فى الألف والتاء حكم الواحد، فاعرفه فصلا.
***
[ ١ / ١٣٩ ]
﴿يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ﴾ (٢٠) ومن ذلك ما حكاه الفراء عن بعض القراء فيما ذكر ابن مجاهد «يخطّف» بنصب الياء والخاء والتشديد.
قال ابن مجاهد: ولم يرو لنا عن أحد.
قال أبو الفتح: أصله يختطف، فآثر إدغام التاء فى الطاء؛ لأنهما من مخرج واحد؛ ولأن التاء مهموسة والطاء مجهورة، والمجهور أقوى صوتا من المهموس، ومتى كان الإدغام يقوّى الحرف المدغم حسن ذلك. وعلته أن الحرف إذا أدغم خفى فضعف، فإذا أدغم فى حرف أقوى منه استحال لفظ المدغم إلى لفظ المدغم فيه فقوى لقوته، فكان فى ذلك تدارك وتلاف لما جنى على الحرف المدغم فأسكن التاء لإدغامها والخاء قبلها ساكنة، فنقلت الحركة إليها، وقلبت التاء طاء وأدغمت فى الطاء، فصارت «يخطّف».
ومنهم من إذا أسكن التاء ليدغمها كسر الخاء لالتقاء الساكنين، فاستغنى بحركتها عن نقل الحركة إليها، فيقول: يخطّف.
ومنهم من يكسر حرف المضارعة إتباعا لكسرة فاء الفعل ما بعده فيقول: يخطّف، وأنا إخطّف، وأنشدوا لأبى النجم:
تدافع الشّيب ولم تقتّل …
أراد تقتتل فأسكن التاء الأولى للإدغام، وحرك القاف لالتقاء الساكنين بالكسر، فصار تقتّل، ثم أتبع أول الحرف ثانيه فصار تقتّل.
وعلى هذا قالوا فى ماضيه: خطّف، وأصلها اختطف، فأسكن التاء للإدغام فانكسرت الخاء لسكونها وسكون التاء فحذف همزة الوصل لتحرك الخاء بعدها، وأدغمت التاء فى الطاء فصار «خطّف».
[ ١ / ١٤٠ ]
ومنهم من يتبع الطاء كسرة الخاء فيقول: خطّف. وأنشدونا.
لا حطّب القوم ولا القوم سقى …
أراد: احتطب على ما مضى.
وحكى أبو الحسن عنهم: فتّحوا الأبواب؛ أى: افتتحوا، على ما تقدم.
وكذلك الكلام فى قوله: يهدّى ويهدّى ويهدّى، وجاء المعذّرون والمعذّرون والمعذّرون ومردّفين ومردّفين ومردّفين، تتبع الضم الضم، كما أتبعت الكسر الكسر.
وأصله كله: المعتذرون ومرتدفون، وهو باب منقاد، وهذه طريقه. ومن بعد فيسأل فيقال: ما مثال «يخطّف»؟.
قيل: إن أردت الأصل فيفتعل أى: يختطف، وإن أردت اللفظ ففيه الصنعة وعليه المسألة، فوزنه: يفطعل، وذلك أن التاء فى يفتعل زائدة، فكما أنها لو ظهرت لكانت زائدة، فكذلك إذا أبدلت فالبدل منها زائد؛ لأن البدل من الزائد زائد، ألا ترى أن الطاء من اصطبر بدل من التاء فى اصتبر الذى هو افتعل؟ فكما أن التاء زائدة فكذلك ما هو بدل منها-وهو الطاء-زائد. فوزن اصطبر على أصله افتعل، وعلى لفظه افطعل، فكذلك وزن يخطّف من الفعل على لفظه يفطعل. فإذا ثبت ذلك-وقد ثبت بحمد الله-فوزن خطّف: فطعل، ووزن خطّف: فطعل، ووزن تقتّل تفعتل، ووزن مردّفين مفدعلين؛ لأن الدال فيه بدل من التاء الزائدة، فهى زائدة من هذا الوجه، كما كانت الطاء فى خطّف زائدة من هذا الوجه.
وكذلك لو قال قائل: ما مثال «اِزَّيَّنَتْ» على أصله؟.
قلت: تفعلت، أى تزينت، وعلى لفظه ازفعّلت.
وكذلك قالوا: «اِطَّيَّرْنا» ووزنه اطفعّلنا، وكذلك قول العجلى:
[ ١ / ١٤١ ]
من عبس الصيف قرون الإجّل …
يريد الإيّل فإن اعتقدت أنه فعول أو فعيل فى الأصل فوزنه بعد البدل: فعجل؛ لأن الجيم على هذا بدل من واو فعول أو ياء فعيل، وهما زائدتان فهى زائدة فاعرف ذلك وقسه.
قال ابن مجاهد: وحكى الفراء أن بعض أهل المدينة يسكن الخاء والطاء ويشدد فيجمع بين ساكنين.
قال ابن مجاهد: ولا نعلم أن هذه القراءة رويت عن أهل المدينة.
قال أبو الفتح هذا: الذى يجيزه الفراء من اجتماع ساكنين فى نحو هذا لا يثبته أصحابنا، وإنما هو اختلاس وإخفاء فيلطف عليهم فيرون أنه إدغام، وإنما هو إخفاء للحركة وإضعاف للصوت، وهذا كما يروى فى قوله:
ومسحه مرّ عقاب كاسر …
أن الحاء مدغمة فى الهاء، ويا ليت شعرى كيف يجوز لذى نظر أو من يخلد إلى أدنى تفكير أن يدّعى أن هنا إدغاما، أو أن تجمع بين ساكنين وقد قابل به جزء التفعيل، وإذا وقع التحاكم إلى بديهة الحس فقد سقطت كلفة إتعاب النفس؛ ألا ترى أن وزن
[ ١ / ١٤٢ ]
قوله: «ومسحهى» مفاعلن، فالحاء مقابل بها عين «علن»، والعين، أول الوتد، وهى كما ترى وتعلم محركة. أفيقابل فى الوزن الساكن بالمتحرك؟ وإذا أفضى الأمر فى السفور إلى هاهنا حسر شبهة اللبس والعناء، وقد قلنا فى كتابنا الموسوم «بسر الصناعة» فى هذا ما فيه كفاية وغناء.
قال ابن مجاهد: وقد روى عن مجاهد والحسن: «يخطف» ولم يبلغنا أن أحدا قرأ خطف بفتح الطاء فيقرأ هذا الحرف يخطف، وأحسب أن هذا غلط ممن رواه.
قال أبو الفتح: قد قلنا فى كتابنا الموسوم «بالمنصف» وهو شرح تصريف عثمان فى نحو هذا من قوله:
وما كل مبتاع ولو سلف صفقه … يراجع ما قد فاته برداد
فإذا تأملته أغنى عن إعادته إن شاء الله، وجملته أن يكون استغنى بخطف عن خطف فى الماضى، وجاء المضارع عليه كما أن قوله: «سلف» يكون مسكّنا من «سلف» وإن
[ ١ / ١٤٣ ]
لم يستعمل، استغناء بسلف عنه، وقد شرحناه هناك فتركناه هنا.
***
﴿فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ (٢٤) ومن ذلك قراءة الحسن بخلاف ومجاهد وطلحة بن مصرّف وعيسى الهمدانى:
«وقودها الناس».
قال أبو الفتح: هذا عندنا على حذف المضاف أى: ذو وقودها، أو أصحاب وقودها الناس؛ وذلك أن الوقود بالضم هو المصدر، والمصدر ليس بالناس. لكن قد جاء عنهم الوقود بالفتح فى المصدر، لقولهم: وقدت النار وقودا، ومثله: أولعت به ولوعا، وهو حسن القبول منك، كله شاذ، والباب هو الضم.
وكان أبو بكر يقول فى قولهم: توضأت وضوءا: إن هذا المفتوح ليس مصدرا، وإنما هو صفة مصدر محذوف.
قال: وتقديره: توضأت وضوءا وضوءا؛ لقولك: توضأت وضوءا حسنا؛ لأن الوضوء عنده صفة من الوضاءة.
وقرأت على أبى علىّ فى نوادر أبى زيد: رجل ساكوت بيّن الساكوتة. فقال: قياس مذهب أبى بكر فى الوضوء أن يكون هذا على أنه أراد رجل ساكوت بين السكتة الساكوتة.
وعليه قولهم فيما حكاه الأصمعى: رجل بيّن الضارورة؛ أى بين الضّرة، أو المضرة الضارورة.
[ ١ / ١٤٤ ]
وأما قولهم: لص بين اللّصوصية، وحرّ بيّن الحرورية، وخصصته بالشئ خصوصيّة، فإن شئت قلت: هو على مذهب أبى بكر لص بيّن اللّصة اللّصوصية، والخصّة الخصوصية، والحرّية الحرورية.
وإن شئت قلت غير هذا، وذلك أن ما لا يجئ من الأمثلة بنفسه قد يجئ إذا اتصلت ياء الإضافة به، وذلك كقول الأعشى:
وما أيبلىّ … على هيكل
بناه وصلّب فيه وصارا
فأيبلى كما ترى فيعلىّ، ولولا ياء الإضافة لم يجز ذلك؛ ألا ترى أنه لم يأت عنهم فيعل؟ وكذلك قولهم فى الإضافة إلى تحية: تحوىّ، ومثاله: تفلىّ. وليس فى كلامهم اسم على تفل، فكذلك جاز خصوصية وأختاها، هذا مع ما حكى عنهم من القبول والوضوء والولوع والوقود، فإذا جاء هذا المثال فى المصدر من غير أن تصحبه ياء الإضافة فهو بأن يأتى معهما أجدر.
***
﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ (٢٦) ومن ذلك قراءة رؤبة: «مثلا ما بعوضة»، بالرفع.
قال ابن مجاهد: حكاه أبو حاتم عن أبى عبيدة عن رؤبة.
وقال أبو الفتح: وجه ذلك: أن «ما» هاهنا اسم بمنزلة الذى؛ أى: لا يستحي أن يضرب الذى هو بعوضة مثلا، فحذف العائد على الموصول وهو مبتدأ.
ومثله قراءة بعضهم: «تماما على الذى أحسن»، أى: على الذى هو أحسن.
[ ١ / ١٤٥ ]
وحكى صاحب الكتاب عن الخليل: ما أنا بالذى قائل لك شيئا. أى الذى هو قائل لك شيئا. وعليه قوله:
لم أر مثل الفتيان فى غير ال … أيام ينسون ما عواقبها
أى ينسون الذى هو عواقبها، وحذف الضمير من هنا ضعيف؛ لأنه ليس فضلة كالهاء فى نحو قولك: ضربت الذى كلمت؛ أى: كلمته.
وإن شئت كان تقديره: ينسون أى شئ عواقبها، فتكون ما استفهاما، وعواقبها خبرا عنها، والجملة فى موضع نصب بينسون، وجاز فيها التعليق؛ لأنها ضد يذكرون ويعلمون، فيجرى مجرى قولك: لا تنس أيّنا أحق بكذا. وأتذكر أزيد أفضل أم عمرو.
***
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾ (٣١) ومن ذلك قراءة يزيد البربرى: «وعلّم آدم الأسماء كلّها».
قال أبو الفتح: ينبغى أن يعلم ما أذكره هنا، وذلك أن أصل وضع المفعول أن يكون فضلة وبعد الفاعل، كضرب زيد عمرا، فإذا عناهم ذكر المفعول قدموه على الفاعل، فقالوا: ضرب عمرا زيد. فإن ازدادت عنايتهم به قدموه على الفعل الناصبه، فقالوا:
عمرا ضرب زيد. فإن تظاهرت العناية به عقدوه على أنه ربّ الجملة، وتجاوزوا به حد كونه فضلة، فقالوا: عمرو ضربه زيد، فجاءوا به مجيئا ينافى كونه فضلة، ثم زادوه على هذه الرتبة فقالوا: عمرو ضرب زيد فحذفوا ضميره ونووه ولم ينصبوه على ظاهر أمره؛ رغبة به عن صورة الفضلة وتحاميا لنصبه الدالّ على كون غيره صاحب الجملة، ثم إنهم
[ ١ / ١٤٦ ]
لم يرضوا له بهذه المنزلة حتى صاغوا الفعل له، وبنوه على أنه مخصوص به، وألغوا ذكر الفاعل مظهرا أو مضمرا فقالوا: ضرب عمرو فاطّرح ذكر الفاعل البتة. نعم، وأسندوا بعض الأفعال إلى المفعول دون الفاعل البتة، وهو قولهم: أولعت بالشئ، ولا يقولون:
أولعنى به كذا. وقالوا: ثلج فؤاد الرجل ولم يقولوا: ثلجه كذا، وامتقع لونه ولم يقولوا:
امتقعه كذا. ولهذا نظائر، فرفض الفاعل هنا البتة واعتماد المفعول به البتة دليل على ما قلناه فاعرفه.
وأظننى سمعت: أولعنى به كذا، فإن كان كذلك فما أقله أيضا!.
وهذا كله يدل على شدة عنايتهم بالفضلة. وإنما كانت كذلك لأنها تجلو الجملة، وتجعلها تابعة المعنى لها. ألا ترى أنك إذا قلت: رغبت فى زيد أفيد منه إيثارك له، وعنايتك به، وإذا قلت: رغبت عن زيد، أفيد منه إطراحك له وإعراضك عنه، ورغبت فى الموضعين بلفظ واحد، والمعنى ما تراه من استحالة معنى رغبت إلى معنى زهدت، وهذا الذى دعاهم إلى تقديم الفضلات فى نحو قول الله سبحانه: «ولم يكن له كفرا أحد». وإنما موضع اللام التأخير؛ ولذلك قال سيبويه: إن الجفاة ممن لا يعلم كيف هى فى المصحف يقرؤها: «ولم يكن كفوا له أحد».
فإن قلت: فقد قالوا: زيدا ضربته فنصبوه، وإن كانوا قد أعادوا عليه ضميرا يشغل الفعل بعده عنه حتى أضمروا له فعلا ينصبه، ومع هذا فالرفع فيه أقوى وأعرب، وهذا ضد ما ذكرته من جعلهم إياه ربّ الجملة ومبتدأها فى قولهم: زيد ضربته.
قيل: هذا وإن كان على ما ذكرته فإنه فيه غرضا من موضع آخر، وذلك أنه إذا نصب على ما ذكرت فإنه لا يعدم دليل العناية به، وهو تقديمه فى اللفظ منصوبا، وهذه صورة انتصاب الفضلة مقدّمة لتدل على قوة العناية به، لا سيما والفعل الناصب له لا يظهر أبدا مع تفسيره، فصار كأن هذا الفعل الظاهر هو الذى نصبه، وكذلك يقول الكوفيون أيضا.
فإذا ثبت بهذا كله قوة عنايتهم بالفضلة حتى ألغوا حديث الفاعل معها، وبنوا الفعل
[ ١ / ١٤٧ ]
لمفعوله فقالوا: ضرب زيد-حسن. قوله تعالى: «وعلّم آدم الأسماء كلّها»؛ ولما كان الغرض فيه أنه قد عرفها وعلمها، وآنس أيضا علم المخاطبين بأن الله سبحانه هو الذى علّمه إياها بقراءة من قرأ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾. ونحوه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا﴾، هذا مع قوله:
﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾، وقال تبارك اسمه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ﴾.
فقد علم أن الغرض بذلك فى جميعه أن الإنسان مخلوق ومضعوف، وكذلك قولهم:
ضرب زيد إنما الغرض منه أن يعلم أنه منضرب وليس الغرض أن يعلم من الذى ضربه.
فإن أريد ذلك ولم يدل دليل عليه فلا بد أن يذكر الفاعل فيقال: ضرب فلان زيدا، فإن لم يفعل ذلك كلّف علم الغيب.
***
﴿قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ﴾ (٣٣) ومن ذلك قراءة الحسن ﵀: «أنبهم» بوزن أعطهم، وروى عنه: «أنبيهم» بلا همز، وروى عن ابن عامر «أنبئهم» بهمز وكسر الهاء. قال ابن مجاهد: وهذا لا يجوز.
قال أبو الفتح: أما قراءة الحسن: «أنبهم»، كأعطهم فعلى إبدال الهمزة ياء على أنه يقول: أنبيت كأعطيت، وهذا ضعيف فى اللغة؛ لأنه بدل لا تخفيف، والبدل عندنا لا يجوز إلا فى ضرورة الشعر.
[ ١ / ١٤٨ ]
وحدثنا أبو على: قال: لقى أبو زيد سيبويه فقال: سمعت العرب تقول: قريت وتوضيت فقال له سيبويه: فكيف تقول فى المضارع؟ قال: أقرأ. هذا آخر الحكاية عن أبى علىّ.
وزاد أبو العباس محمد بن يزيد فيها فقال له سيبويه: فقد تركت إذا مذهبك.
ونحوه قراءة: «أن تبوّيا».
ويجوز على هذه القراءة «أنبهم» على أصل حركة الهاء وهو الضم، كقراءة من قرأ:
«فخسفنا بهو وبدارهو الأرض».
وأما قراءته على الرواية الأخرى: «أنبيهم» فهو على قياس التخفيف الصريح، ولك فى هذه الهاء على هذه القراءة الضم والكسر.
أما الضم فمن وجهين:
أحدهما: وهو الأظهر إخراجها على الأصل فيه.
والآخر: وفيه الصنعة، وهو أن هذه الياء ليست بلازمة، وإنما اجتلبها تخفيف الهمزة، وذلك أن الهمزة إذا سكنت مكسورا ما قبلها فتخفيفها القياسى أن تخلصها فى اللفظ ياء، وذلك قولك فى ذئب: ذيب، وفى بئر: بير، فقوله: «أنبيهم» بياء ساكنة ينبغى أن يكون على التخفيف القياسى، لا على أنه أبدل الهمزة ياء إبدالا مستكرها على حد قولهم فى البدل: قريت كأعطيت، فإنما كان ذلك كذلك من قبل أنه لو أبدل لكان قد أخرج الهمزة على أصلها إلى ذوات الياء، ولو كان فعل ذلك لوجب حذفه كما تحذف لام أعطيت وأغزيت للوقف والجزم، كما حذفها فى القراءة الأخرى لما أبدل فقال:
«أنبهم»، ولو اعتقد أنه قد أبدل البتة لما جاز إثبات الياء فى موضع الوقف، كما لا يجوز أعطيهم ولا أغزيهم إلا أن يحمل ذلك على الضرورة، وإثبات الياء فى موضع الجزم والوقف، كقوله:
ألم يأتيك والأنباء تنمى … بما لاقت لبون بنى زياد
[ ١ / ١٤٩ ]
فإن فعل ذلك ففيه على هذا ضرورتان:
إحداهما: الإبدال، ولا ضرورة إليه.
والآخر: إثبات حرف العلة فى موضع الوقف، وذلك ضرورة أفحش من الأولى، لكثرة الإبدال على قبحه، وقلة إثبات حرف اللين فى موضع الوقف. لكن إذا اعتقد أنه خفف لم يكن فى هذه القراءة ضرورة البتة، وفى هذا كاف.
وإذا كان «أنبيهم» إنما هو على التخفيف القياسى، فكأن الهمزة حاضرة لأنها هى الأصل؛ إذ كان التخفيف له أحكام التحقيق. ألا ترى إلى صحة الواو والياء فى تخفيف ضوء وفئ، وذلك قولك: هذا ضو وفى ونو وشى، بضمة الواو والياء مع تحركهما وانفتاح ما قبلهما، وترك قبلهما ألفين لذلك يدل على أن الواو والياء لما تحركتا بحركة الهمزة المحذوفة للتخفيف كانتا لذلك فى حكم الساكنين، فكما تصحان هنا ساكنتين فى ضوء ونوء وفئ وشئ كذلك صحتا متحركتين فى ضو ونو وشى، وعلى ذلك صحت الواو والياء أيضا فى تخفيف نحو جيئل وحوءب إذا خفّفت فقلت: جيل وحوب، فكما تكون الياء مضمومة مع التحقيق فى قوله: «أنبئهم» فكذلك تكون مضمومة مع التخفيف فى قولك: «أنبيهم» لما بيناه من أن حكم الهمزة المخففة حكم المحققة.
وسألت أبا على ﵀ فقلت: من أجرى غير اللازم مجرى اللازم؟ فقال: فى تخفيف الأحمر: لحمر، أيجوز له على هذا أن يقلب الواو والياء فى حوب وجيل ألفا، فيقول: حاب وجال؟ فقال: لا، وأومأ إلى أن حكم القلب أقوى من حكم الاعتداد بالحركة فى لحمر؛ أى: فلا يبلغ فى الجواز ذلك لشناعته، وهو كما ذكر.
وقد يجوز عندى فى قراءة الحسن ﵀ هذه أن يكون أراد «أنبهم»، كقراءته فى الأخرى إلا أنه أشبع الكسرة فأنشأ عنها ياء، فقال: «أنبيهم»، كما قد يجوز ذلك فى قوله: «ألم يأتيك» فإنه أشبع الكسرة فمطها. فبلغت ياء، وعليه الرواية الأخرى التى ذكرها أبو الحسن وهى قوله: ألم يأتك، وعليه أيضا ما وجّه بعضهم قوله:
[ ١ / ١٥٠ ]
كأن لم ترا قبلى أسيرا يمانيا …
قال: أراد لم تر، ثم أشبع الفتحة فأنشأ عنها ألفا.
فإذا جاز ذلك ساغ الضم فى الهاء أيضا على أصل ضمتها.
فإن قلت: فهل يجوز أن تقول: إنه لم يعتدد بالياء لما كانت زائدة مجتلبة للإشباع، فجرت لذلك مجرى ما ليس موجودا، كما أن من مد «أوائل» إتباعا كما ترى، على حد قوله:
نفى الدنانير تنقاد الصياريف …
قال على هذا: أوائيل، أقر الهمزة بحالها بدلا من واو أواول لبعدها من الطرف بالياء الحاجزة؛ لأن هذه الياء لحق ونيّف مجتلبة للإشباع، وليست لها عصمة ولا مسكة، فجرت مجرى المنفردة البتة. كما يهمز فيقول: أوائل فكذلك يهمز فيقول: أوائيل، ولا يحفل بالياء حاجزا لما ذكرنا، ولا يجرى عندى مجرى ياء طواويس ونواويس إذ كانت الياء هناك ثابتة القدم؛ لكونها بدلا من واو ناووس وطاووس الثانية؟.
[ ١ / ١٥١ ]
فالجواب: أنه إن ذهب إلى هذا على ما رمته كسر الهاء أيضا؛ وذلك أن أقصى ما فى هذا: أن تكون الياء فى «أنبيهم» مدة إشباعا لا حكم لها فكأنها ليست هناك وإذا لم تكن هناك كسرة الياء-وهى تدعو إلى كسر الهاء-فعلى أى الوجهين حملته فكسر الهاء هو الكلام.
وأما حديث كسرها من القسمة الأولى-وأنت تنوى بأنبيهم التخفيف القياسى- فهو على معاملة اللفظ؛ وذلك أن الملفوظ به الآن وإن كان تخفيفا إنما هو الياء البتة فعومل لفظها معاملة نحوه ونظيره، فكسرت الهاء مع هذه الياء كما تكسر فى نحو عليهم وإليهم، كما أن قول الله ﷿: ﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ﴾ أصله لكن أنا، فخففت الهمزة وألقيت حركتها على النون فانفتحت، فصارت فى التقدير: «لكننا»، فلما التقى الحرفان المثلان متحركين كره ذلك، وإن كانت حركة النون الأولى غير لازمة من حيث كانت من أعراض التخفيف، وأجريت مجرى اللازمة، فأسكنت الأولى وأدغمت فى الثانية، حملا على حاضر الحال وإجراء غير اللازم مجرى اللازم.
وقد كتبنا فى الخصائص بابا مفردا فى إجراء العرب غير اللازم مجرى اللازم، وإجراء اللازم مجرى غير اللازم، فاكتفينا به عن إعادته لئلا يطول هذا الكتاب.
نعم، وإذا كانت العرب قد أجرت الحرف الصحيح فى نحو هذا مجرى ما لا يعتد به حتى لم يحفلوا بلفظ نحو قولهم: منهم واضربهم فأن يجروا الياء الساكنة مجرى ذلك لخفائها؛ ولأن لفظها نفسها داع إلى الكسر-أجدر.
وأما الرواية عن ابن عامر: «أنبئهم»، بالهمز وكسر الهاء فطريقه أن هذه الهمزة ساكنة، والساكن ليس بحاجز حصين عندهم، فكأنه لا همزة هناك أصلا، وكأن كسرة الباء على هذا مجاورة للهاء؛ فلذلك كسرت، فكأنه على هذا قال: «أنبهم».
ويدل على ما ذكرناه من ضعف الساكن أن يكون حاجزا حصينا قولهم: قنية وهى وهى من قنوت، وصبية وهى من صبوت، وعلية وهى من علوت، وعذى وهو من قولهم: أرضون عذوات، وبلى سفر لقولهم فى معناه: بلو، وهو من بلوت. ومنه ناقة عليان وهى من علوت، ودبّة مهيار وهو من تهور، وفلان قدية فى هذا الأمر وهو من
[ ١ / ١٥٢ ]
القدوة. وأصله كله قنو، وصبوة، وعلوة، وعذو، وبلو سفر، وناقة علوان، ودبة مهوار؛ فقلبت الواو فى ذلك كله للكسرة قبلها، ولم يعتدد الساكن بينهما حاجزا لضعفه، فكأن الكسرة تباشر الواو فتقلبها لذلك ياء، كما تقلبها لو لم تجد بينهما حاجزا.
فكذلك الهمزة فى «أنبئهم» لا تحجز على هذا النحو الذى ذكرناه.
وروينا عن أبى زيد فيما أخذناه عن أبى علىّ، وعن غير أبى زيد: منهم ومنه ومنكم وبكم، أجرى كاف المضمر مجرى هائه، وسترى هذا فيما بعد إن شاء الله.
فقد علمت بذلك أن قول ابن مجاهد: هذا لا يجوز لا وجه له، لما شرحناه من حاله.
ورحم الله أبا بكر، فإنه لم يأل فيما علمه نصحا، ولا يلزمه أن يرى غيره ما لم يره الله تعالى إياه. وسبحان قاسم الأرزاق بين عباده، وإياه نسأل عصمة وتوفيقا وسدادا بفضله.
***
﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ﴾ (٣٤) ومن ذلك قراءة أبى جعفر يزيد «للملائكة اسجدوا».
قال أبو الفتح: هذا ضعيف عندنا جدا؛ وذلك أن «الملائكة» فى موضع جر، فالتاء إذا مكسورة، ويجب أن تسقط ضمة الهمزة من «اسجدوا»، لسقوط الهمزة أصلا إذا كانت وصلا. وهذا إنما يجوز ونحوه إذا كان ما قبل الهمزة حرف ساكن صحيح، نحو قوله ﷿: ﴿وَقالَتِ اُخْرُجْ﴾، وادخل ادخل، فضم لالتقاء الساكنين لتخرج من ضمة إلى ضمة، كما كنت تخرج منها إليها فى قولك: اخرج. فأما ما قبل همزته هذه متحرك- ولا سيما حركة إعراب-فلا وجه لأن تحذف حركته ويحرك بالضم. ألا تراك لا تقول:
قل للرجل ادخل، ولا: قل للمرأة ادخلى؛ لأن حركة الإعراب لا تستهلك لحركة الإتباع إلا على لغية ضعيفة، وهى قراءة بعض البادية: «الحمد لله» بكسر الدال. ونحو منه ما حكاه لى أبو علىّ: أن أبا عبيدة حكاه من قول بعضهم: دعه فى حرمّه فحذف
[ ١ / ١٥٣ ]
كسرة راء «حر»، وألقى عليها ضمة همزة أمه، وهذا عندنا على شذوذه أعذر من قوله:
«للملائكة اسجدوا»، وذلك أنه خفف همزة تثبت فى الوصل وهو قولك: فى هن أمه، فإذا كانت تثبت فى الوصل جاز تخفيفها فيه، بل لا يكون التخفيف بإلقاء الهمزة ونقل الحركة إلا فى الوصل، وليس فيه إلا شئ واحد، وهو حذفه حركة الإعراب لحركة غير ملازمة، وإنما هى للهمزة.
وأما قوله: «للملائكة اسجدوا» فإن همزة اسجدوا يحذفها فى الوصل البتة، وإذا كانت محذوفة البتة لم يكن إلى تخفيفها سبيل؛ لأن الوصل يستهلكها أصلا. فحركة ماذا- يا ليت شعرى! -تنقل وقد حذف المتحرك بحركته أصلا فلم يبق إلا الإتباع، وحركة الإتباع لا تبلغ مبلغ حركة تخفيف الهمز، من حيث كانت حركة الهمزة موجودة فيها فى الابتداء والوصل جميعا، فعلمت بذلك قوتها، وحركة الإتباع تجرى مجرى الصدى الذى لا اعتداد به، ولا هو عندهم مما يعقد على مثله، فإذا ضعفت الحركة القوية فما ظنك بالحركة الضعيفة؟.
ونحو من هذه الحكاية عن أبى عبيدة: ما رواه أحمد بن يحيى: قال: كنا عند سعيد ابن سلم أنا وابن الأعرابى فخرجا لصلاة العصر، وتأخّرت لتجديد الطّهر بعدهما، فلما خرجت قال لى ابن الأعرابى: أين أنت؟ ألا تسمع لهذا؟ قلت: ما هو؟ وإذا أبو سرّار الغنو يتحدث، قال: كنت أحضر العراق فإذا أردت أهلى وقد اشتريت منها وتبتّتّ أجتاز بامرأة عجوز لها بنّيات، فإذا نزلت عليها بهشن إلى وأطفن بى، فأفرز لهن مما اشتريت شيئا أدفعه إليهن، فغبرت زمانا، ثم جئت العجوز فوجدتها غائبة عن بيتها، وإذا أولئك الجوارى قد صرن نساء، فبهشن إلى على عادتهن، وجاءت العجوز فوجدتنى خاليا معهن، فقالت: ما هذا؟ أفى السّوتنتنّه؟، أفى السّوتنتنّه؟، فقلت: وما فى هذا؟ أرادت: أفى السوءة أنتنه، فحذفت الهمزة من السوءة تخفيفا، وألقت حركتها على الواو فانفتحت الواو، وألقت حركة الهمزة فى أنتنه على كسرة التاء من السوءة فانفتحت، وحذفت همزة أنتنه فصارت: أفى السّوتنتنه.
هكذا قال أحمد بن يحيى على كسرة التاء، وله وجه إلا أنّه مع هذا ضعيف؛ وذلك أن هذه الهمزة إذا خففت فحذفت، وألقيت حركتها على ما قبلها-لم يكن ذلك الذى قبلها إلا ساكنا نحو قوله تعالى: فى قراءة ورش عن نافع- «قد افلح المؤمنون» «والأرض». وحكى أبو زيد فى خبأة: أنه سمع بعضهم يقرأ «ويمسك السّماء أن تقع»
[ ١ / ١٥٤ ]
علّرض» يريد على الأرض، فحذفت همزة أرض تخفيفا، وألقى حركتها على اللام وهى ساكنة كما ترى، فصارت عللرض، فكره اجتماع اللامين متحركتين، فأسكن اللام الأولى وأدغمها فى الثانية فصارت «علّرض»، كما أسكن أبو عمرو: «لكن نا» حتى صار لذلك «لكنّا». فهذا التخفيف مع النقل إنما يكون إذا كان الأول الملقى عليه ساكنا، فأما إذا كان متحركا فقد حمته حركته أن يقبل حركة أخرى غيرها.
والتّاء من السوءة محركة، فكيف يمكن إلقاء الحركة عليها مع وجود حركتها فيها؟ وعليه قراءة الكسائى فيما حدثنا به أبو على سنة إحدى وأربعين: «بما أنزلّيك» قياسا- فيما قال أبو علىّ-على لكنّا.
قال أبو على، ما نحن عليه ونعى هذه القراءة، وقال لحركة لام أنزل: فإذا قبح ذلك مع أن حركة اللام بناء فما الظن بما حركته إعراب، وحرمة الإعراب أقوى من حرمة البناء، فالجناية إذا عليها فوقها عليها.
وقول أحمد بن يحيى إنه ألقى فتحة أنتنه على كسرة الهاء-طريقه: أنه لما نقل فتحة همزة أنتن إلى ما قبلها صادفت كسرة السوءة على شناعة النقل مع ذلك، فهجمت الفتحة على الكسرة فابتزّتها موضعها، وكلا القولين خبيث وضعيف. وعلى أننا قد أفردنا فى كتاب الخصائص بابا لهجوم الحركات على الحركات، مختلفات كن أو متفقات، لكنه ليس على هذا الذى كرهناه واستضعفناه.
فهذا كله يشهد بضعف قوله: «قلنا للملائكة اسجدوا». وفيه أكثر من هذا، ولولا تحامى الإملال لجئنا به، وفيما أوردناه كاف مما حذفناه.
***
﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٣٥) ومن ذلك قال عباس: سألت أبا عمرو عن «الشّجرة» فكرهها، وقال: يقرأ بها برابر مكة وسودانها.
[ ١ / ١٥٥ ]
وقال هارون الأعور عن بعض العرب: تقول الشّجرة. وقال ابن أبى إسحاق: لغة بنى سليم الشّجرة.
قال أبو الفتح: حكى أبو الفضل الرياشى: قال: كنا عند أبى زيد وعندنا أعرابى فقلت له: إنه يقول الشّيرة، فسأله فقالها، فقلت له: سله عن تصغيرها فسأله فقال: شييرة.
وأنشد الأصمعى لبعض الرجاز فى أرجوزة طويلة:
تحسبه بين الإكام شيرة
وإذا كانت الياء فاشية فى هذا الحرف كما ترى فيجب أن تجعل أصلا يساوق الجيم، ولا تجعل بدلا من الجيم كما تجعل الجيم بدلا من الياء فى قولهم: رجل فقيمج أى فقيمى، وعربانج أى عربانى، وقوله:
حتى إذا ما أمسجت وأمسجا
يريد أمست وأمسى. قال أبو على: هذا يدلك على أن ما حذف لالتقاء الساكنين فى حكم الحاضر الملفوظ به. قال: ألا ترى أنه أبدل من لام أمسيت بعد أن قدرها ملفوظا بها، ولو كان الحذف ثابتا هنا لما جاز أن يبدل من اللام شئ؛ لأن البدل إنما هو من ملفوظ به كما أن البدل ملفوظ به.
قال: وليست كذلك لام عشيّة إذا حقرتها فقلت: عشيّة؛ لأن الياء الثانية من عشيية لم تحذف لالتقاء الساكنين لأنه لا ساكنين هناك، وإنما حذفت حذفا للتخفيف، فلذلك سقط قول أبى العباس فى تحقير العرب عشيّة على عشيشية؛ لأن الياء لم تثبت هنا فتبدل منها.
وقال أبو الحسن: إن قوما يقولون فى تحقير نحو فعيلة من الياء: إن المحذوف منها الياء الثانية، فعلى هذا قال أبو على ما قال.
[ ١ / ١٥٦ ]
ومما أبدلت فيه الجيم من الياء قوله، ورويناه من غير وجه:
خالى عويف وأبو علجّ … المطعمان اللحم بالعشجّ
وبالغداة فلق البرنجّ … يقلع بالودّ وبالصّيصجّ
وروينا أيضا قوله:
يا ربّ إن كنت قبلت حشجّتج … فلا يزال شاحج يأتيك بج
وقال أبو النجم:
كأن فى أذنابهن الشّوّل … من عبس الصيف قرون الإجّل
يريد: الإيّل.
فقد يجوز أن تكون الجيم فى شجرة بدلا من الياء فى شيرة لفشو شيرة، وقلة شجرة.
***
﴿قُلْنَا اِهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ (٣٨) ومن ذلك قراءة النبى ﷺ وأبى الطفيل، وعبد الله بن أبى إسحاق، وعاصم الجحدرى، وعيسى بن عمر الثقفى: «هدىّ».
[ ١ / ١٥٧ ]
قال أبو الفتح: هذه لغة فاشية فى هذيل وغيرهم؛ أن يقلبوا الألف من آخر المقصور إذا أضيف إلى ياء المتكلم ياء. قال الهذلى:
سبقوا هوىّ وأعنقوا لهواهم … فتخرّموا ولكل جنب مصرع
وروينا عن قطرب قول الشاعر:
يطوف بى عكب فى معدّ … ويطعن بالصملّة فى قفيّا
فإن لم تثأرا لى من عكبّ … فلا أرويتما أبدا صديّا
قال لى أبو على: وجه قلب هذه الألف لوقوع ياء ضمير المتكلم بعدها-أنه موضع ينكسر فيه الصحيح، نحو: هذا غلامى، ورأيت صاحبى؛ فلما لم يتمكنوا من كسر الألف قلبوها ياء، فقالوا: هذه عصى، وهذا فتىّ، أى: عصاى وفتاى، وشبهوا ذلك بقولك: مررت بالزّيدين، لما لم يتمكنوا من كسر الألف للجر قلبوها ياء، ولا يجوز على هذا أن تقلب ألف التثنية لهذه الياء، فتقول هذان غلامىّ؛ لما فيه من زوال علم الرفع، ولو كانت ألف عصا ونحوها علما للرفع لم يجز فيها عصىّ.
ومنهم من يبدل هذه الألفات فى الوقف ياءات، فيقول: هذه عصى، ورأيت حبلى، وهذه رجى، أى الناحية؛ يريد رجا.
ومنهم من يبدلها فى الوقف أيضا واوا فيقول: هذه عصو وأفعو وحبلو. ومنهم من يبدلها فى الوصل واوا أيضا، فيقول: هذه حبلو يا فتى.
ومن البدل فى الوقف ياء ما أنشده بعض أصحابنا، وهو محمد بن حبيب:
[ ١ / ١٥٨ ]
إن لطىّ نسوة تحت الفضى … يمنعهن الله ممن قد طغى
بالمشرفيّات وطعن بالقنى … يا حبذا جفانك ابن قحطبى
وحبذا قدورك المنصّبى … كأن صوت غليها إذا غلى
صوت جمال هدرى فقبقبى …
أراد: ابن قحطبة، فإما أن يكون حذف الهاء للترخيم فى غير النداء فبقيت الباء مفتوحة فأشبع الفتحة للقافية فصارت قحطبا، ثم أبدل الألف ياء على ما مضى؛ وإما أن يكون أبدل الهاء ألفا، فصارت قحطبة إلى قحطبا ثم أبدل الألف ياء على ما مضى.
وعلى ذلك يجوز أيضا أن يكون قوله.
كفعل الهرّ يحترش العظايا …
أراد: العظاية، ثم أبدل الهاء ألفا، فصار العظايا.
وإن شئت قلت: شبه ألف النصب بهاء التأنيث فقال: العظايا، كما تقول العظاية، وهذا قول أبى عثمان.
وفيه قول لى ثالث، وهو أن يكون العظايا جمع عظاية على التكسير، كما تقول فى حمامة حمائم؛ فعظايا على هذا كمطايا وحوايا جمع حويّة.
وأما قوله: المنصّبى فأراد المنصبّة، فأبدل الهاء ألفا، ثم أبدل الألف ياء على ما مضى،
[ ١ / ١٥٩ ]
ولا يجوز أن يكون أراد هنا الترخيم؛ لأن فيه لام التعريف، وما فيه هذه اللام فلا يجوز نداؤه أصلا، فهو من الترخيم أبعد. وهذا يفسد قول من قال فى قول العجاج:
أوالفا مكة من ورق الحمى …
إنه أراد الحمام ثم رخم؛ لأن ما فيه لام التعريف لا ينادى أصلا فكيف يرخم؟ وأما قوله: هدرى فإنه أراد هدر ثم أشبع الفتحة على حد قوله:
ينباع من ذفرى غضوب جسرة …
فصار هدرا ثم أجرى الوصل مجرى الوقف فقال: هدرى.
[ ١ / ١٦٠ ]
وكذلك قوله: قبقبى أراد قبقب، ثم أشبع فصار قبقبا، وعلى هذا التخريج يسقط قول سيبويه عن يونس فى قوله محتجا عليه بقول الشاعر:
دعوت لما نابنى مسورا … فلبّى فلبّى يدى مسور
قال سيبويه: لو كان لبيك اسما واحدا كما يقول يونس، وإنما قلب فى لبيك لاتصاله بالمضمر كما يقلب فى إليك وعليك-لما قال فلبّى يدى مسور، ولقال فلبّى يدى مسور على حد قولك: على يدى فلان، وإلى يدى جعفر، فثبات الياء مع المظهر يدلك على أنه لم يقلب فى لبيك على حد ما قلب فى إليك وعليك، وفى ذلك رد لقول يونس: إن لبيك مفرد كإليك وعليك.
قال أبو علىّ: يمكن يونس أن يقول: إنه أجرى الوصل مجرى الوقف، فكما تقول فى الوقف: عصى وفتى كذلك قال: فلبّى، ثم وصل على ذلك، هذا ما قاله أبو على.
وعليه أن يقال: كيف يحسن تقدير الوقف على المضاف دون المضاف إليه؟.
وجوابه: أن ذلك قد جاء؛ ألا ترى إلى ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر:
ضخم نجارى طيّب عنصرّى …
أراد عنصرى فثقّل الراء لنية الوقف، ثم أطلق بالإضافة من بعد.
نعم، وإذا جاز هذا التوهم مع أن المضاف إليه مضمر، والمضمر المجرور لا يجوز تصور انفصاله فأن يجوز ذلك مع المظهر الذى هو «يدى» أولى وأجدر، من حيث كان المظهر أقوى من المضمر.
ومثله قوله:
يا ليتها قد خرجت من فمّه …
أراد من فمه، ثم نوى الوقف على الميم فثقلها على حد قوله فى الوقف: هذا خالدّ، وهو يجعلّ، ثم أضاف على ذلك فهذا كقولهم: عنصرى.
[ ١ / ١٦١ ]
ويروى من فمّه: بضم الفاء أيضا، وفيه أكثر من هذا.
***
﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ (٤٠) ومن ذلك قراءة الحسن والزهرى وابن أبى إسحاق، وعيسى الثقفى والأعمش «إسراييل» بلا همز.
قال أبو الفتح: إن لم يكن ذلك همزا مخففا فخفى بتخفيفه فعبّر عنه بترك الهمز، فذلك من تخليط العرب فى الاسم الأعجمى.
قال أبو على: العرب إذا نطقت بالأعجمى خلّطت فيه، أنشدنا:
هل تعرف الدار لأم الخزرج … منها فظلت اليوم كالمزرّج
قال: وقياسه كالمزرجن؛ لأنه من الزّرجون وهو الخمر، والنون فى زرجون ينبغى أن يكون أصلا بمنزلة السين من قربوس.
وأنشدنا لرؤبة:
فى خدر ميّاس الدّمى المعرجن
فهذا من العرجون، وكذا كان قياسه أن يقول: المزرجن. وإذا جاز للعرب أن تخلّط فى العربى وهو من لغتها، فكيف يكون-ليت شعرى-فيما ليس من لغتها؟.
ومما خلطت فيه من لغتها قول لبيد
درس المنا بمتالع فأبان …
[ ١ / ١٦٢ ]
يريد المنازل. وقال علقمة:
مفدّم بسبا الكتّان ملثوم
أراد بسبائب. وهو كثير، ونكره الاستكثار من الشواهد والنظائر؛ تحاميا لطول الكتاب.
*** ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ (٤٠) ومن ذلك قراءة الزهرى: «وأوفوا بعهدى أوفّ بعهدكم» مشددة.
قال أبو الفتح: ينبغى-والله أعلم-أن يكون قرأ بذلك لأن فعّلت أبلغ من أفعلت؛ فيكون على أوفوا بعهدى أبالغ فى توفيتكم؛ كأنه ضمان منه سبحانه أن يعطى الكثير عن القليل، فيكون ذلك كقوله سبحانه: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾، وهو كثير.
***
﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ (٤٩) ومن ذلك قراءة ابن محيصن: «يذبحون أبناءكم».
قال أبو الفتح: وجه ذلك أن فعلت بالتخفيف قد يكون فيه معنى التكثير؛ وذلك لدلالة الفعل على مصدره، والمصدر اسم الجنس، وحسبك بالجنس سعة وعموما؛ ألا ترى إلى قول عبد الرحمن بن حسان:
[ ١ / ١٦٣ ]
وكنت أذلّ من وتد بقاع … يشجّج رأسه بالفهرواجى
ولم يقل موجّئ، فكأنه قال: يشجّج رأسه بالفهر شاج؛ لأن واجئ فاعل كشاج.
وأنشد أبو الحسن:
أنت الفداء لقبلة هدّمتها … ونقرتها بيديك كلّ منقّر
كأنه قال: ونقرتها: لأن قوله: كل منقّر عليه جاء. وبعده قوله:
فطار كلّ مطيّر
فهذا على أنه كأنه قال: فطيّر كلّ مطيّر، ولما فى الفعل من معنى المصدر الدال على الجنس ما لم يجز تثنيته ولا جمعه؛ لاستحالة كل واحد من التثنية والجمع فى الجنس.
فأما التثنية والجمع فى نحو قولك: قمت قيامين، وانطلقت انطلاقين، وعند القوم أفهام، وعليهم أشغال. فلم يثن شئ من ذلك، ولا يجمع ولم يرد وهو مراد به الجنس؛ لكن المراد به النوع. وقد شرحنا ذلك فى غير موضع من كتبنا، وما خرج من التعليق عنا.
***
﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ (٥٠) ومن ذلك قراءة الزهرى أيضا: «وإذ فرّقنا بكم البحر»، مشددة.
قال أبو الفتح: معنى فرّقنا أى جعلناه فرقا، ومعنى فرقنا: شققنا بكم البحر، وفرّقنا أشد تبعيضا من فرقنا، وقوله تعالى: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾. يحتمل أن يكون فرقين، ويحتمل أن يكون أفراقا؛ ألا ترى أنك تقول: قسمت الثوب قسمين، فكان كل قسم واحد منهما عشرين ذراعا، كما تقول ذلك وهو جماعة أقسام.
ومن ذلك فرقت شعره أى: جعلته فرقين، وفرّقت شعره أى: جعلته فرقا. وجاز هنا لفظ الجمع؛ لأن كل رجل منهم قد خرق من البحر وفرق خرقا وفرقا.
[ ١ / ١٦٤ ]
وقد يكون أيضا فى فرقنا مخففة معنى فرّقنا مشددة على ما مضى آنفا فى: «يذبحون أبناءكم».
***
﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٥٤) ومن ذلك قال ابن مجاهد: حدثنى عبد الله بن محمد قال: حدثنا خالد بن مرداس قال: حدثنا الحكم بن عمر الرعينى قال: أرسلنى خالد بن عبد الله القسرى إلى قتادة أسأله عن حروف من القرآن، منها قوله: «فاقتلوا أنفسكم»، فقال قتادة: «فاقتالوا أنفسكم» من الاستقالة.
قال أبو الفتح: اقتال هذه افتعل، ويصلح أن يكون عينها واوا كاقتاد، وأن يكون ياء كاقتاس. وقول قتادة: إنها من الاستقالة-يقتضى أن يكون عينها ياء؛ لما حكاه أصحابنا عموما: من قلت الرجل فى البيع بمعنى أقلته، وليس فى قلت دليل على أنه من الياء، لقولهم: خفت ونمت وهما من الخوف والنوم، لكنه فى قولهم فى مضارعه: أقيله.
وليس يحسن أن يحمله على مذهب الخليل فى طحت أطيح وتهت أتيه: أنهما فعلت أفعل من الواو؛ لقلة ذلك. وعلى أن أبا زيد قد حكى: ماهت الركيّة تميه، ودامت السماء تديم؛ لقلة ماهت تميه؛ ولأن أبا زيد قد حكى فى دامت تديم المصدر وهو ديما- فقد يكون هذا على أن أصل عينه ياء.
وحدثنى أبو علىّ بحلب سنة ست وأربعين قال: قال بعضهم: إنّ قلت الرجل فى البيع ونحوه إنما هو من: قلت له افسخ هذا العقد، وقال لى: قد فعلت، فهى عند من ذهب إلى ذلك من الواو.
قال أبو على: ويفسد هذا ما حكوه فى مضارعه من قولهم: أقيله؛ فهذا دليل الياء.
قال: ولا ينبغى أن يحمل على أنه فعل يفعل من الواو-يريد مذهب الخليل-لقلة ذلك.
قال: لكنه من قولهم: تقيّل فلان أباه: إذا رجعت إليه أشباه منه. فمعنى أقلته على هذا: أنى رجعت له عما كنت عقدته معه، ورجع هو أيضا؛ فقد ثبت بذلك أن عين
[ ١ / ١٦٥ ]
استقال من الياء. ولا يعرف فى اللغة افتعلت من هذا اللفظ فى هذا المعنى ولا غيره، وإنما هو استفعلت استقلت.
وقد يجوز أن يكون: قتادة عرف هذا الحرف على هذا المثال، وعلى أنه لو كان بمعنى استقلت لوجب أن يستعمل باللام، فيقال: استقلت لنفسى أو على نفسى، كما يقال:
استعطفت فلانا لنفسى وعلى نفسى، وليس معناه أن يسأل نفسه أن تقيله. وإنما يريد:
أنه يسأل ربه ﷿ أن يعفو عن نفسه. وكان له حرّى-لو كان على ذاك-أن يقال: فاقتالوا لأنفسكم؛ أى: استقيلوا لها، واستصفحوا عنها.
فأما اقتال متعديا فإنما هو فى معنى ما يجتره الإنسان لنفسه من خير أو شر ويقترحه، وهو من القول. قال:
بما اقتال من حكم علىّ طبيب …
أى: بما أراده واقترحه واستامه، وليس معنى هذا معنى الآية، بل هو بضده؛ لأنه بمعنى استلينوا واستعطفوا. هذا ما يحضره طريق اللغة، ومذهب التصريف والصنعة. إلا أن قتادة ينبغى أن يحسن الظنّ به؛ فيقال: إنه لم يورد ذلك إلا بحجة عنده فيه من رواية أو دراية.
***
﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ (٥٥) ومن ذلك قراءة سهل بن شعيب النّهمى: «جهرة» «وزهرة»، كل شئ فى القرآن محرّكا.
قال أبو الفتح: مذهب أصحابنا فى كل شئ من هذا النحو مما فيه حرف حلقى ساكن بعد حرف مفتوح: أنه لا يحرك إلا على أنه لغة فيه، كالزّهرة والزهرة، والنّهر والنهر، والشّعر والشعر، فهذه لغات عندهم كالنشز والنشز، والحلب والحلب، والطّرد والطرد.
[ ١ / ١٦٦ ]
ومذهب الكوفيين فيه أنه يحرك الثانى لكونه حرفا حلقيا، فيجيزون فيه الفتح وإن لم يسمعوه؛ كالبحر والبحر والصّخر والصخر.
وما أرى القول من بعد إلا معهم، والحقّ فيه إلا فى أيديهم. وذلك أننى سمعت عامة عقيل تقول ذاك ولا تقف فيه سائغا غير مستكره، حتى لسمعت الشجرى يقول: أنا محموم بفتح الحاء، وليس أحد يدعى أن فى الكلام مفعول بفتح الفاء.
وسمعته مرة أخرى يقول: وقد قال له الطبيب: مصّ التفاح وارم بثفله-والله لقد كنت أبغى مصه وعليته تغذو بفتح الغين، ولا أحد يدعى أن فى الكلام يفعل، بفتح الفاء.
وسمعت جماعة منهم-وقد قيل لهم: قد أقيمت لكم أنزالكم من الخبز-قالوا:
فاللحم، يريدون اللحم، بفتح الحاء.
وسمعت بعضهم وهو يقول فى كلامه: ساروا نحوه بفتح الحاء، ولو كانت الحاء مبنية على الفتح أصلا لما صحت اللام لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ ألا تراك لا تقول:
هذه عصو ولا فتو؟ ولعمرى إنه هو الأصل لكن أصل مرفوض؛ للعلة التى ذكرنا، فعلى هذا يكون جهرة وزهرة-إن شئت-مبنيا فى الأصل على فعلة، وإن شئت كان إتباعا على ما شرحنا الآن.
***
﴿اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ (٦٠) ومن ذلك قراءة الأعمش: «اثنتا عشرة»، بفتح الشين.
قال أبو الفتح: القراءة فى ذلك «عشرة» و«عشرة»، فأما «عشرة» فشاذ، وهى قراءة الأعمش. وعلى الجملة فينبغى أن يعلم أن ألفاظ العدد قد كثر فيها الانحرافات والتخليطات، ونقضت فى كثير منها العادات، وذلك أن لغة أهل الحجاز فى غير العدد نظير عشرة: عشرة، وأهل الحجاز يكسرون الثانى، وبنو تميم يسكنونه. فيقول الحجازيون: نبقة وفخذ، وبنو تميم تقول: نبقه وفخذ، فلما ركب الاسمان استحال
[ ١ / ١٦٧ ]
الوضع فقال بنو تميم: إحدى عشرة وثنتا عشرة إلى تسع عشرة، بكسر الشين وقال أهل الحجاز: عشرة بسكونها. ومنه قولهم فى الواحد: واحد وأحد، فلما صاروا إلى العدد قالوا: إحدى عشرة، فبنوه على فعلى، ومنه قولهم: عشر وعشرة، فلما صاغوا منه اسما للعدد بمنزلة ثلاثون وأربعون قالوا: عشرون، فكسروا أوله. ومنه قولهم: ثلاثون وأربعون إلى التسعون، فجمعوا فيه بين لفظين ضدين، أحدهما يختص بالتذكير والآخر بالتأنيث، أما المختص بالتذكير فهو الواو والنون، وأما المختص بالتأنيث فهو قولهم:
ثلاث وأربع وتسع فى صدر ثلاثون وأربعون وتسعون. وكل واحد من ثلاث وأربع وخمس وست إلى تسع هكذا بغير هاء مختص بالتأنيث. ولما جمعوا فى هذه الأعداد- من عشرين إلى تسعين-بين لفظى التذكير والتأنيث صلحت لهما جميعا، فقيل: ثلاثون رجلا، وثلاثون امرأة، وخمسون جارية وخمسون غلاما، وكذلك إلى التسعين.
ومنه: أيضا اختصارهم من ثلاثمائة إلى تسعمائة على أن أضافوه إلى الواحد، ولم يقولوا: ثلاث مئين، ولا أربع مئات إلا مستكرها وشاذا. فكما ساغ هذا وغيره فى أسماء العدد قالوا أيضا: «اثنتا عشرة» فى قراءة الأعمش هذه، وينبغى أن يكون قد روى ذلك رواية، ولم يره رأيا لنفسه.
وعلى ذلك ما يروى: من أن أبا عمرو حضر عند الأعمش فروى الأعمش: أن النبى ﷺ كان يتخولنا بالموعظة. فقال أبو عمرو: إنما هو يتخوننا بالنون، فأقام الأعمش على اللام، فقال له أبو عمرو: إن شئت أعلمتك أن الله لم يعلمك من هذا الشأن حرفا فعلت، فسأل عنه الأعمش، فلما عرف أبا عمرو كبر عنده وأصغى إليه، وعلى أن هذا الذى أنكره أبو عمرو صحيح عندنا؛ وذلك أن معنى يتخولنا: يتعهدنا، فهو من قوله:
يساقط عنه روقه ضارياتها … سقاط حديد القين أخول أخولا
أى شيئا بعد شئ، ومنه قولهم: فلان يخول على أهله: أى يتفقّدهم، ويتعهّد أحوالهم. ومنه قولهم: خال مال، وخائل مال: إذا كان حسن الرّعية والتفقد للمال.
والتركيب مما تغير فيه أوضاع الكلم عن حالها فى موضع الإفراد، من ذلك حكاية أبى عمرو الشيبانى من قول بعضهم فى حضرموت: حضرموت بضم الميم، ليصير على وزن المفردات نحو عضر فوط ويستعور.
[ ١ / ١٦٨ ]
ومن تحريف ألفاظ العدد ما أنشده أبو زيد فى نوادره:
علام قتل مسلم تعمّدا … مذ سنة وخمسون عددا
بكسر الميم من خمسون، وعذره وعلته عندى أنه احتاج إلى حركة الميم لإقامة الوزن، فلم ير أن يفتحها فيقول: خمسون؛ لأنه كان يكون بين أمرين: إما أن يظنّ أنه كان الأصل فتحها ثم أسكنت، وهذا غير مألوف؛ لأن المفتوح لا يسكن لخفة الفتحة.
وإما أن يقال: إن الأصل السكون فاضطر ففتحها، وهذا ضرورة إنما جاء فى الشعر، نحو قوله:
مشتبه الأعلام لمّاع الخفق …
أى الخفق. ومنه قول زهير:
ثم استمروا وقالوا إن مشربكم … ماء بشرقىّ سلمى فيد أو ركك
قال أبو عثمان: قال الأصمعى: سألت أعرابيا-ونحن فى الموضع الذى ذكره زهير- يعنى هذا البيت؛ فقلت له: هل تعرف رككا؟ فقال: قد كان هاهنا ماء يسمى ركّا.
[ ١ / ١٦٩ ]
قال الأصمعى: فعلمت أن زهيرا احتاج إليه فحركه، فعدل عن الفتح؛ لئلا يعرف بأثر الضرورة فعدله إلى موضع آخر فكسر الميم، فكأنه راجع بذلك أصلا حتى كأنه كان خمسون ثم أسكن تخفيفا، فلما اضطر إلى الحركة كسر، فكان بذلك كمراجع أصلا لا مستكرها على أن يرى مضطرا.
وأنّسه أيضا بذلك: ما جاء عنهم من قولهم: إحدى عشرة وعشرة، فصار خمس من خمسون بمنزلة عشرة، وصار خمسون بمنزلة عشر.
***
﴿مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثّائِها﴾ (٦١) ومن ذلك قراءة يحيى بن وثاب والأشهب: «وقثّائها».
قال أبو الفتح: الضم فى القثّاء حسن الطريقة، وذلك أنه من النوابت، وقد كثر عنهم فى هذه النوابت الفعّال كالزّبّاد والقلاّم والعلاّم والثّفاء. ومن هاهنا كان أبو الحسن يقول فى رمان: إنه فعّال؛ لأنه من النبات وقد كثر فيه الفعال على ما مضى.
وأما قياس مذهب سيبويه: فأن يكون فعلان، بزيادة النون؛ لغلبة زيادة النون فى هذه المواضع بعد الألف.
وله أيضا وجه من القياس: أنه من معنى رممت الشئ: إذا جمعت أجزاءه، وهذه حال الرمان، وقد جاء بهذا الموضع نفسه بعض المولدين فقال:
ما يحسن الرّمان يجمع نفسه … فى قشره إلاّ كما نحن
ويدل على أنه من معنى الاجتماع والتضام: تسميتهم لرمّان البرّ: المظّ، وذلك لقوة اجتماعه، واتصال أجزائه، فهو من معنى المماظّة المعازّة، وهو إلى الشدة. ويدل على صحة مذهب سيبويه فى أن الألف والنون إذا جاءتا بعد المضاعف كانتا بحالهما وهما بعد غير المضاعف-ما ورد فى الخبر عن النبى ﷺ: أن قوما وردوا عليه فقال لهم: من أنتم؟ فقالوا: بنو غيّان، فقال ﵇: «بل أنتم بنو رشدان». أفلا تراه كيف اشتق الاسم من الغىّ والغواية حتى حكم بزيادة النون؛ لأنه قابله بضده وهو قوله: «رشدان»،
[ ١ / ١٧٠ ]
وترك أن يشتقه من الغين، وهو إلباس الغيم؟ ألا ترى إلى قوله:
كأنى بين خافيتى عقاب … أصاب حمامة فى يوم غين
فصار «غيّان» عنده مع التضعيف الذى فيه بمنزلة ما لا تضعيف فيه من نحو مرجان وسعدان، فكما يحكم بزيادة النون فى مثل هذا من غير التضعيف، كذلك حكم بزيادتها مع التضعيف.
*** ﴿وَفُومِها وَعَدَسِها﴾ (٦١) ومن ذلك قراءة ابن مسعود وابن عباس: «وثومها»، بالثاء.
قال أبو الفتح: يقال: الثّوم والفوم بمعنى واحد؛ كقولهم: جدث وجدف، وقام زيد ثم عمرو، ويقال أيضا فمّ عمرو. فالفاء بدل فيهما جميعا، ألا ترى إلى سعة تصرف الثاء فى جدث؛ لقولهم أجداث ولم يقولوا أجداف، وإلى كثرة ثمّ وقلة فمّ؟ ويقال: الفوم:
الحنطة قال:
قد كنت أحسبنى كأغنى واجد … ورد المدينة عن زراعة فوم
أى حنطة.
***
[ ١ / ١٧١ ]
﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (٦١) ومن ذلك قراءة زهير الفرقبى: «الذى هو أدنأ»، بالهمز.
قال أبو الفتح: أخبرنا أبو على عن أبى الحسن علىّ بن سليمان عن أبى العباس محمد ابن يزيد عن الرياشى عن أبى زيد قال: تقول: دنؤ الرجل يدنؤ دناءة، وقد دنأ يدنأ إذا:
كان دنيئا لا خير فيه، غير أن القراءة بترك الهمز: «أدنى». وينبغى أن يكون من دنا يدنو، أى: قريب.
ومنه قولهم فى المعنى: هذا شئ مقارب، للشئ ليس بفاخر ولا موصوف فى معناه. ومن هذه المادة قولهم: هذا شئ دون؛ أى: ليس بذاك، وقولهم: هذا دونك، فينتصب هذا على الظرف، أى هو فى المحل الأقرب. وينبغى أن يكون «دون» من قولك: هذا رجل دون-وصفا على فعل كحلو ومر، ورجل جدّ، أى: ذى جدّ.
وقد يجوز أن يكون فى الأصل ظرفا ثم وصف به، ويؤنّس هذا المذهب الثانى أنّا لا نعرف فعلا تصرف من هذا اللفظ كدان يدون ولا نحوه، ولو كان فى الأصل وصفا لكان حرى أن يستعملوا منه فعلا، كقولهم: قد حلا يحلو، ومر يمرّ وأمرّ يمرّ، وقد جددت يا رجل. قال الكميت:
وجدت الناس غير ابنى نزار … ولم أذممهم شرطا ودونا
*** ﴿فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ (٦١) ومن ذلك قراءة يحيى وإبراهيم: «ما سألتم»، بكسر السين.
قال أبو الفتح: فيه نظر، وذلك أن هذه الكسرة إنما تكون فى أول ما عينه معتلة كبعت وخفت، أو فى أول فعل إذا كانت عينه معتلة أيضا كقيل وبيع وحلّ وبلّ؛ أى:
حلّ وبلّ، وصعق الرجل نحوه. إلا أنه لا تكسر الفاء فى هذا الباب إلا والعين ساكنة أو مكسورة كنعم وبئس وصعق، فأما أن تكسر الفاء والعين مفتوحة فى الفعل فلا.
[ ١ / ١٧٢ ]
فإذا كان كذلك فقراءتهما «سألتم» مكسورة السين مهموزة غريب. والصنعة فى ذلك: أن فى سأل لغتين: سلت تسال كخفت تخاف، وسألت تسأل كسبحت تسبح.
فإذا أسندت الفعل إلى نفسك قلت على لغة الواو: سلت كخفت، وهى من الواو؛ لما حكاه أصحابنا من قولهم: هما يتساولان.
ومن همز قال: سألت. فأما قراءته: «سألتم» فعلى أنه كسر الفاء على قول من قال:
«سلتم» كخفتم، ثم تنبه بعد ذلك للهمزة، فهمز العين بعدما سبق الكسر فى الفاء فقال «سألتم»، فصار ذلك من تركيب اللغة.
ومثله ما رويناه عن أبى بكر محمد بن الحسن عن أبى العباس أحمد بن يحيى من قول بلال بن جرير:
إذا جئتم أو سآيلتهم … وجدت بهم علّة حاضره
وذلك أنه أراد فاعلتهم ساءلتهم.
ومن العادة أيضا أن تقلب الهمزة فى هذا الثانى، فيقال: سايلت زيدا، ثم إنه أراد الجمع بين العوض والمعوض منه فلم يمكنه أن يجمع بينهما فى موضع واحد كالعرف فى ذلك؛ لأنه لا يكون حرفان واقعين فى موضع واحد عينين كانا أو غيرهما، فأجاءه الوزن إلى تقديم الهمزة التى هى العين قبل ألف فاعلت، ثم جاء بالياء التى هى بدل منها بعدها فصار: سآيلتهم.
فإن قيل فما مثال: سآيلتهم؟.
قلت: هو فعاعلتهم؛ وذلك لأن الياء بدل من الهمزة التى هى عين والبدل من الشئ يوزن بميزانه، ألا ترى أن من اعتقد فى ياء أينق أنها عين أبدلت قال هى أعفل؛ لأن الياء بدل من الواو التى هى عين نوق، فالياء إذا عين فى موضع العين، كما كانت الواو لو ظهرت فى موضع العين. كما أن ياء ريح وعيد فى المثال عين فعل، كما كانت الواو التى الياء بدل منها عين فعل فى روح وعود، وهذا واضح.
وكذلك قوله أيضا: «سألتم» بكسر الفاء على حد كسرها فى سلتم، ثم استذكر الهمزة فى اللغة الأخرى فقال: سألتم. ويجوز أيضا أن يكون أراد سألتم فأبدل العين ياء كما أبدلها الآخر فى قوله:
[ ١ / ١٧٣ ]
سالت هذيل رسول الله فاحشة … ضلّت هذيل بما قالت ولم تصب
فصار تقديره على هذا إلى سلتم من هذا الوجه، أى من طريق البدل، لا على لغة من قال: هما يتساولان، فلما كسر السين استذكر الهمزة فراجعه هنا، كما راجعه فى القول الأول.
وقد أفردنا فى كتاب الخصائص بابا فى أن صاحب اللغة قد يعتبر لغة غيره ويراعيها فأغنى عن إعادته هنا.
***
﴿وَالَّذِينَ هادُوا﴾ (٦٢) ومن ذلك قراءة أبى السّمّال، رواها أبو زيد فيما رواه ابن مجاهد: «والذين هادوا» بفتح الدال.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون فاعلوا من الهداية؛ أى راموا أن يكونوا أهدى من غيرهم، كقولك راموا من رميت، وقاضوا من قضيت وساعوا من سعيت. فيقول فى مصدر هادوا: مهاداة، كقاضوا مقاضاة، وساعوا مساعاة. وقد هودى الرجل يهادى مهاداة، إذا كان حوله من يمسكه ويهديه الطريق. ومنه قولهم فى الحديث: مر بنا يهادى بين اثنين، ومنه قوله:
من أن يرى تهديه فت … يان المقامة بالعشيه
***
﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ﴾ [البقرة:٧٤] ومن ذلك قراءة قتادة: «وإن من الحجارة»، وكذلك قراءته: «وإن منها»، مخففة.
[ ١ / ١٧٤ ]
قال ابن مجاهد: أحسبه أراد بقوله مخففة-الميم؛ لأنى لا أعرف لتخفيف النون معنى.
قال أبو الفتح: هذا الذى أنكره ابن مجاهد صحيح؛ وذلك أن التخفيف فى إن المكسورة شائع عنهم؛ ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾، ﴿وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ﴾، أى: إنهم على هذه الحال. وهذه اللام لازمة مع تخفيف النون فرقا بين إن مخففة من الثقيلة، وبين إن التى للنفى بمنزله «ما» فى قوله سبحانه: ﴿إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ﴾ وقوله:
فما إن طبّنا جبن ولكن … منايانا ودولة آخرينا
وهذا واضح.
*** ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ (٧٤) ومن ذلك قراءة الأعمش: «لما يهبط»، بضم الباء.
قال أبو الفتح: قد بينا فى كتابنا «المنصف» وهو تفسير تصريف أبى عثمان أن باب فعل المتعدى أن يجئ على يفعل مكسور العين، كضرب يضرب وحبس يحبس.
وباب فعل غير المتعدى: أن يكون على يفعل مضموم العين، كقعد يقعد وخرج يخرج، وأنهما قد يتداخلان فيجئ هذا فى هذا، وهذا فى هذا، كقتل يقتل، وجلس يجلس، إلا أن الباب ومجرى القياس على ما قدمناه، هبط يهبط على هذا بضم العين أقوى قياسا من يهبط، فهو كسقط يسقط؛ لأن هبط غير متعد فى غالب الأمر كسقط.
وقد ذهب فى هذا الموضع إلى أن هبط هنا متعد؛ قالوا ومعناه: لما يهبط غيره من طاعة الله ﷿، أى إذا رآه الإنسان خشع لطاعة خالقه، إلا أنه حذف هنا المفعول تخفيفا، ولدلالة المكان عليه، ونسب الفعل إلى الحجر؛ لأن طاعة رائيه لخالقه إنما كانت مسببة عن النظر إليه، أى منها ما يهبط الناظر إليه؛ أى يخضعه ويخشعه،
[ ١ / ١٧٥ ]
وقد جاء هبطته متعديا كما ترى، قال:
ما راعنى إلا جناح هابطا … على البيوت قوطه العلابطا
وأعمله فى القوط، فعلى هذا تقول: هبط الشئ وهبطته، وهلك الشئ وهلكته.
قالوا فى قول العجاج:
ومهمه هالك من تعرّجا
قولين: أحدهما أنه كأنه قال: هالك المتعرجين، والآخر هالك من تعرجا، أى مهلك من تعرّج فتقول على هذا: أصبحت ذا مال مهلوك، وهلكه الله يهلكه هلكا.
وإذا كانت كذلك، وكانت هبط هنا قد تكون متعدية، فقراءة الجماعة: ﴿لَما يَهْبِطُ﴾ بكسر الباء أقوى قياسا من يهبط؛ لأن معناه لما يهبط مبصره ويحطّه من خشية الله.
ومن ذهب فيه إلى أن يهبط هنا غير متعد فكأنه قال: وإن منها لما لو هبط شئ غير ناطق من خشية الله لهبط هو، لا أنّ غير الناطق تصح منه الخشية، ألا ترى أن قوله:
لها حافر مثل قعب الولي … د تتخذ الفار فيه مغارا
أى: لو اتخذت فيه مغارا لغوره وتقعبه لوسعها وصلح لها، لا أنها هى تتخذ البتة.
ومثله مسألة الكتاب: أخذتنا بالجود وفوقه، أى: لو كان فوق الجود شئ من المطر لكانت قد أخذتنا به.
وكلام العرب لمن عرفه، ومن الذى يعرفه؟ ألطف من السحر، وأنقى ساحة من مشوف الفكر، وأشدّ تساقطا بعضا على بعض، وأمسّ تساندا نفلا إلى فرض.
***
﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾ (٧٥) ومن ذلك قراءة الأعمش: «يسمعون كلم الله».
[ ١ / ١٧٦ ]
الكلام كل ما استقل برأسه؛ أعنى: الجمل المركبة، نحو قام محمد، وأبوك منطلق.
وقد فصلنا فى أول باب من الخصائص بين الكلام والقول، وأن كل كلام قول، وليس كل قول كلاما.
فأما الكلم فلا يكون أقل من ثلاث، وذلك أنه جمع كلمة، كثفنة وثفن، ونبقة ونبق، وسلمة وسلم، ولذلك ما اختاره صاحب الكتاب على الكلام، فقال: هذا باب علم ما الكلم من العربية، ولم يقل: ما الكلام؛ وذلك لأن الكلام كما قد يكون فوق الاثنين فكذلك أيضا قد يكون اثنين. وسيبويه إنما أراد هنا ثلاثة أشياء:
الاسم والفعل والحرف، فترك اللفظ الذى قد يكون أقل من الجماعة إلى اللفظ الذى لا يكون إلا جماعة.
***
﴿إِلاّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ﴾ (٧٨) ومن ذلك قراءة أبى جعفر وشيبة والحسن بخلاف، والحكم بن الأعرج: «إلاّ أمانى وإن هم»، و«ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب»، الياء فيه كله خفيفة ساكنة.
قال أبو الفتح: أصل هذا كله التثقيل-أمانىّ جمع أمنيّة-والتخفيف فى هذا النحو كثير وفاش عندهم. قال أبو الحسن فى قولهم أثاف: لم يسمع من العرب بالتثقيل البتة.
[ ١ / ١٧٧ ]
وقال الكسائى: قد سمع فيها التثقيل، وأنشد:
أثافىّ سفعا فى معرّس مرجل …
والمحذوف من نحو هذا هو الياء الأولى التى هى نظيرة ياء المد مع غير الإدغام، نحو ياء قراطيس، وجراميق وأراجيح، وأعاجيب، جمع أرجوحة وأعجوبة، ألا تراها قد حذفت فى قوله:
والبكرات الفسّج العطامسا …
وقوله:
[ ١ / ١٧٨ ]
وغير سفع مثّل يحامم …
يريد: يحاميم وعطاميس.
وروينا لعبيد الله بن الحرّ قوله:
وبدّلت بعد الزّعفران وطيبه … صدا الدّرع من مستحكمات المسامر
وعلى أن حذف الياء مع الإدغام أسهل شيئا من حذفه ولا إدغام معه، وذلك أن هذه الياء لما أدغمت خفيت وكادت تستهلك، فإذا أنت حذفتها فكأنك إنما حذفت شيئا هو فى حال وجوده فى حكم المحذوف. نعم، وقد يحذف هذا الحرف ويؤتى بالعوض منه حرفا فى حال وجوده فى حكم ما ليس موجودا، وهو تاء التأنيث فى نحو قولهم: فرازنة وزنادقة وجحاجحة. فالتاء عوض من ياء فرازين وجحاجيح وزناديق، وكذلك قالوا مع الإدغام. وذلك قولهم فى أثانى وأناسى: أثانية، وأناسية. رواها أبو زيد. وإذا كانوا قد رضوا بالكسرة قبلها دليلا عليها، وعوضا منها فهم بأن يقنعوا بالتاء عوضا منها أجدر.
***
﴿وَآتَيْنا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (٨٧) ومن ذلك ما رواه ابن مجاهد عن أبى عمرو «وآيدناه». قال ابن مجاهد-على ما علمناه-ممدودة الألف خفيفة الياء. وقد روى عن مجاهد فى قوله: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ﴾ آيدتك. قال ابن مجاهد: على فاعلتك.
قال أبو الفتح: هذا الذى توهمه ابن مجاهد، أن آيدتك فاعلتك-لا وجه له، وإنما آيدتك أفعلتك، من الأيد، وهو القوة.
[ ١ / ١٧٩ ]
وقال أبو على: إنما كثر فيه أيّديك فعّلتك، لما يعرض فى آيدتك من تصحيح العين مخافة توالى إعلالين فى آيدتك. وأنشدنا قوله:
ينبى تجاليدى وأقتادها … ناو كرأس الفدن المويد
فهذا من آيدته، أى: قويته؛ لأنه مفعل كمكرم ومقتل ومؤدم-ولو كان آيدتك- كما ظن ابن مجاهد فاعلتك-لكان اسم المفعول منه مؤايد كمقاتل ومضارب، ولكن قراءة من قرأ: «آتينا بها» فاعلنا، ولو كان أفعلنا لما احتاج إلى حرف الجر؛ لأنه إنما يقال: أتيت زيدا بكذا وآتيته، كقولك: أعطيته كذا، فكذاك لو كان آتينا أفعلنا لكان آتيناها كقولك: أعطيناها، وأنت لا تقول: آتيته بكذا، كما لا تقول أعطيته بكذا.
فقوله فى تلك القراءة «آتيناها» كقولك حاضرنا بها، وشاهدنا بها، وهذا واضح.
ومعنى قول أبى على: لو جاء آيدتك على ما يجب فى مثله من إعلال عين أفعلت إذا كانت حرف علة كأقمت زيدا وأشرته وأبعته أى: عرضته للبيع-لتتابع فيه إعلالان؛ لأن أصل آيدت: أأيدت، كما أن أصل آمن: أأمن، فانقلبت الهمزة الثانية ألفا لاجتماع الهمزتين فى كلمة واحدة، والأولى منهما مفتوحة والثانية ساكنة، فهى كآمن وآلف، وفى الأسماء نحو آدم وآدر. فكان يجب أيضا أن تلقى حركة العين على الفاء وتحذف العين، فكان يجب على هذا أن تقلب الفاء هنا واو؛ لأنها قد تحركت وانفتح ما قبلها ولا بد من بدلها لوقوع الهمزة الأولى قبلها، كما قلبت فى تكسير آدم أو ادم، فكان يلزم على هذا أن تقول: أودته كأقمته وأدرته، فتحذف العين كما ترى، وتقلب الفاء التى هى فى الأصل همزة واوا فتعتل الفاء والعين جميعا، وإذا أدى القياس إلى هذا رفض. وكثر فيه فعّلت أيّدت ليؤمن ذانك الاعتلالان، فلما استعمل شئ منه جاء قليلا شاذا، أعنى: آيدت. وإذا كانوا قد أخرجوا عين أفعلت وهى حرف علة على الصحة نحو قوله:
صددت فأطولت الصدود …
وقولهم: أغليت المرأة، وأغيمت السماء، وأخوص الرّمث وأعوز القوم، وأليث الشجر، وأسوأ الرجل. ولو خرج على منهج إعلال مثله لم يخف فيه توالى إعلالين كان خروج آيدت على الصحة لما كان يعقب إعلال عينه من اجتماع إعلالها مع إعلال الفاء
[ ١ / ١٨٠ ]
قبلها-أولى وأجدر. فقد ثبت أن قراءة مجاهد «إذ آيدتك» إنما هو أفعلتك لا فاعلتك، كما ظن ابن مجاهد.
***
﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ (٩٧)
﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ﴾ (٩٨) ومن ذلك قراءة يحيى بن يعمر: «جبرئلّ»، مشددة اللام، بوزن جبرعل. وعنه أيضا، وعن فياض بن غزوان: «جبرائيل» بوزن جبراعيل، بهمزة بعد الألف، وبهذا الوزن من غير همز بياءين عن الأعمش، «وميكاييل» من غير همز أيضا ممدود، وقرأ: «ميكئل» بوزن ميكعل، ابن هرمز الأعرج وابن محيصن.
قال أبو الفتح: أما على الجملة فقد ذكرنا فى كتابنا هذا، وفى غيره من كتبنا: أن العرب إذا نطقت بالأعجمى خلّطت فيه، وأنشدنا فى ذلك ما أنشدناه أبو على من قول الراجز:
هل تعرف الدار لأم الخزرج … منها فظلت اليوم كالمزرّج
يريد الذى شرب الزّرجون وهى الخمر، وأنه كان قياسه المزرجن؛ من حيث كانت النون فى الزّرجون أصلية. نعم، وذكرنا أنهم قد يحرّفون ما هو من كلامهم، فكيف ما هو من كلام غيرهم؟ إلا أن جبرئل قد قيل فيه: إن معناه عبد الله، وذلك أن الجبر بمنزلة الرجل، والرجل عبد الله، ولم يسمع الجبر بمعنى الرجل إلا فى شعر ابن أحمر، وهو قوله:
اشرب براووق حبيت به … وانعم صباحا أيها الجبر
[ ١ / ١٨١ ]
قالوا: وإلّ بالنبطية: اسم الله تعالى: ومن ألفاظهم فى ذلك أن يقولوا: كوريال، الكاف بين القاف والكاف. فغالب هذا أن تكون هذه اللغات كلها فى هذا الاسم إنما يراد بها جبريال الذى هو كوريال، ثم لحقها من التحريف على طول الاستعمال ما أصارها إلى هذا التفاوت، وإن كانت على كل أحوالها متجاذبة يتشبث بعضها ببعض.
واستدل أبو الحسن على زيادة الهمزة فى «جبرئيل» بقراءة من قرأ «جبريل» ونحوه.
وهذا كالتعسف من أبى الحسن لما قدمناه من التخليط فى الأعجمى. ويلزم فيه زيادة النون فى زرجون؛ لقوله: كالمزرج. والقول ما قدمناه.
وأما «جبراييل وميكاييل»، بياءين بعد الألف والمد فيقوى فى نفسى أنها همزة مخففة وهى مكسورة، فخفيت وقربت من الياء فعبر القراء عنها بالياء، كما ترى فى قوله ﷿: ﴿آلاءِ﴾ عند تخفيف الهمز «آلاى» بالياء، وسبب ذلك ما ذكرناه من خفاء الهمزة المكسورة وقربها بذلك من لفظ الياء، كما قالوا فى ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ فى إدغام أبى عمرو: إن الراء من شهر مدغمة فى راء رمضان. وهيهات ذلك مذهبا، وعزّ مطلبا، حتى كأنا لم نعلم أن الهاء فى شهر ساكنة، وإذا أدغمت الراء فى راء رمضان التقى ساكنان ليس الأول منهما حرف مد كشابّة ودابّة، ولا يكون ذلك إلا أن تنقل حركة الراء الأولى إلى الهاء قبلها، ولو فعل ذلك لوجب أن يقال: شهرّ رمضان، بضم الهاء، وليس أحد من القراء يدّعى هذا فيه: من أدغم ومن لم يدغم.
وأيضا فإنه إذا كان هذا النقل فإنما يكون فى المتصل، نحو يستعدّ ويردّ ويفرّ، فأما فى المنفصل فإن ذلك لن يجئ فى شئ منه إلا فى حرف واحد شاذ اجتمع فيه شيئان، كل واحد منهما يحتمل التغيير له:
أحدهما: كونه علما، والأعلام فيما يكثر فيه ما لا يكون فى غيره، نحو معد يكرب وموهب وتهلل وحيوة.
والآخر: كثرة استعماله، وهم لما كثر استعماله أشد تغييرا. وذلك الحرف قولهم فى عبد شمس: هذه عبشمس بفتح السين، وأنت لا تقول فى نحو: هذا قوم موسى: هذا قو مّوسى؛ لما ذكرناه من أن المنفصل فى هذا النحو لم تنقله العرب كما نقلت المتصل.
فعلى هذا ينبغى أن نوجه قولهم فى «جبراييل وميكاييل» بياءين والمد؛ وذلك لأن المد إنما
[ ١ / ١٨٢ ]
كان فيه لبقاء نية الهمزة المخففة ولفظه فيه. هذا هو القول، كقولهم بالمد وإن كانت الألف والياء بعدها أتمّ صوتا وأبعد ندى منها وبعدها غيرها من الحروف الصحاح، نحو غرابيل وسرابيل وسراحين وميادين. وقد يجوز من بعد هذا أن تكون ياء صريحة من حيث كان الأعجمى يتلعّب فيه بالحروف تلعّبا، فاعرف ذلك.
***
﴿أَوَكُلَّما عاهَدُوا﴾ (١٠٠) ومن ذلك ما رواه ابن مجاهد عن روح عن أبى السّمّال: أنه قرأ «أو كلّما عهدوا» ساكنة الواو.
قال أبو الفتح: لا يجوز أن يكون سكون الواو فى «أو» هذه على أنّها فى الأصل حرف عطف كقراءة الكافة: ﴿أَوَكُلَّما﴾؛ من قبل أن واو العطف لم تسكن فى موضع علمناه، وإنما يسكن بعدها مما يخلط معها فيكونان كالحرف الواحد، نحو قول الله:
تعالى ﴿وَهُوَ اللهُ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ بسكون الهاء، فأما واو العطف فلا تسكن من موضعين:
أحدهما: أنها فى أول الكلمة والساكن لا يبتدأ به.
والآخر: أنها هنا وإن اعتمدت على همزة الاستفهام قبلها فإنها مفتوحة، والمفتوح لا يسكن استخفافا، وإنما ذلك فى المضموم والمكسور نحو: كرم زيد وعلم الله وقد مضى ذكر ذلك. فإذا كان كذلك كانت «أو» هذه حرفا واحدا، إلا أن معناها معنى بل للترك والتحول، بمنزلة أم المنقطعة، نحو قول العرب: إنها لأبل أم شاء؛ فكأنه قال:
بل أهى شاء؟ فكذلك معنى «أو» هاهنا، حتى كأنّه قال: «وما يكفر بها إلا الفاسقون بل كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم».
يؤكد ذلك قوله تعالى من بعده: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾، فكأنه قال: بل كلما عاهدوا عهدا، بل أكثرهم لا يؤمنون.
[ ١ / ١٨٣ ]
و«أو» هذه التى بمعنى أم المنقطعة-وكلتاهما بمعنى بل-موجودة فى الكلام كثيرا، يقول الرجل لمن يتهدده: والله لأفعلن بك كذا، فيقول له صاحبه: أو يحسن الله رأيك، أو يغير الله ما فى نفسك. معناه: بل يحسن الله رأيك، بل يغير الله ما فى نفسك. وإلى نحو هذا ذهب الفراء فى قول ذى الرمة.
بدت مثل فرن الشمس فى رونق الضّحى … وصورتها أو أنت فى العين أملح
قال: معناه بل أنت فى العين أملح، وكذلك قال فى قول الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. قال: معناه بل يزيدون. وإن كان مذهبنا نحن فى هذا غير هذا، فإن هذا طريق مذهوب فيه على هذا الوجه.
وقراءته هنا: «عهدوا عهدا كأنه أشبه بجريان المصدر على فعله؛ لأن عهدت عهدا أشبه فى العادة من عاهدت عهدا». ومن ذلك الحديث المأثور: «من وعد وعدا فكأنما عهد عهدا». وقراءة الكافة: «عاهدوا عهدا» على معنى أعطوا عهدا، فعهدا على مذهب الجماعة كأنه مفعول به. وعلى قراءة أبى السّمال هو منصوب نصب المصدر.
وقد يجوز أن ينتصب على قراءة الكافة على المصدر، إلا أنه مصدر محذوف الزيادة؛ أى عاهدوا معاهدة أو عهادا، كقاتلت مقاتلة وقتالا، إلا أنه جاء على حذف الزيادة كقوله:
عمرك الله ساعة حدّثينا … ودعينا من قول من يؤذينا
إنما هو: عمّرتك الله تعميرا-دعاء لها-فحذفت زيادة التاء والياء. وعليه: جاء زيد وحده؛ أى: أوحد بهذه الحال إيحادا. ومررت به وحده، أى: أوحدته بمرورى إيحادا. وقد يمكن أن يكون وحده مصدر هو يحد وحدا فهو واحد، والمصدر على حذف زيادته كثير جدا، إلا أنه ليس منه قولهم: سلّمت عليه سلاما وإن كان فى معنى تسليما؛ من قبل أنه لو أريد مجيئه على حذف الزيادة لما أقرّ عليه شئ من الزيادة، وفيه ألف سلام زائدة. ومثله: كلمته كلاما والسلام والكلام ليسا على حذف الزيادة، لكنهما اسمان على فعال بمعنى المصدر، فاعرف ذلك.
***
[ ١ / ١٨٤ ]
﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ (١٠٢) ومن ذلك قراءة الحسن وابن عباس، والضحاك بن مزاحم، وعبد الرحمن بن أبزى:
«وما أنزل على الملكين»، بكسر اللام. قيل: أراد «بالملكين» داود وسليمان ﵉.
قال أبو الفتح: إن قيل: كيف أطلق الله سبحانه على داود وسليمان اسم الملك، وإنما هما عبدان له تعالى كسائر عبيده من الأنبياء وغيرهم؟.
قيل: جاز ذلك؛ لأنه أطلق عليهما اللفظ الذى يعتاد حينئذ فيهما، ويطلقه الناس عليهما، فخوطب الإنسان على ذلك باللفظ الذى يعتاده أهل الوقت إذ ذاك، ونظيره قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ وإنما هو فى النار الذليل المهان، لكنه خوطب بما كان يخاطب به فى الدنيا، وفيه مع هذا ضرب من التبكيت له، والإذكار بسوء أفعاله، وقد مضى نحو هذا.
*** ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ (١٠٢) ومن ذلك قراءة الحسن وقتادة: «بين المر وزوجه»، بفتح الميم وكسر الراء خفيفة من غير همز.
وقراءة الزهرى «المرّ» بفتح الميم وتشديد الراء.
وقراءة ابن أبى إسحاق: «المرء» بضم الميم وسكون الراء والهمز.
وقراءة الأشهب: «المرء» بكسر الميم والهمز.
[ ١ / ١٨٥ ]
قال أبو الفتح: أما قراءة الحسن وقتادة: «بين المر»، بفتح الميم وخفة الراء من غير همز فواضح الطريق؛ وذلك أنه على التخفيف القياسى، كقولك فى الخبء: هذا الخب، ورأيت الخب ومررت بالخب، تحذف الهمزة وتلقى حركتها على الباء قبلها.
وتقول فى الجزء: هذا الجز، ورأيت الجز، ومررت بالجز. وعليه القراءة: «الّذى يخرج الخب فى السموات والأرض».
وأما قراءة الزهرى «المرّ» بتشديد الراء فقياسه: أن يكون أراد تخفيف المرء على قراءة الحسن وقتادة، إلا أنه نوى الوقف بعد التخفيف، فصار «المر» ثم ثقّل للوقف على قول من قال: هذا خالدّ، وهو يجعلّ، ومررت بفرجّ، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف فأقر التثقيل بحاله كما جاء عنهم قوله:
ببازل وجناء أو عيهلّ … كأن مهواها على الكلكلّ
يريد: العيهلّ، والكلكل، وكبيت الكتاب:
ضخما يحبّ الخلق الأضخمّا …
فيمن فتح الهمزة، يريد الأضخم فثقل ثم أطلق.
وفى هذا شذوذان: أحدهما التثقيل فى الوقت، والآخر إجراء الوصل مجرى الوقف؛ لأنه من باب ضرورة الشعر.
وأما قراءة ابن أبى إسحاق: المرء بضم الميم والهمز فلغة فيه، وكذلك من قرأ: المرء، بكسر الميم. ومنهم من يضم الميم فى الرفع ويفتحها فى النصب، ويكسرها فى الجر فيقول: هذا المرء، ورأيت المرء، ومررت بالمرء. وسبب صنعة هذه اللغة: أنه قد ألف الإتباع فى هذا الاسم فى نحو قولك: هذا امرؤ، ورأيت امرأ ومررت بامرئ، فيتبع
[ ١ / ١٨٦ ]
حركة الراء حركة الهمزة، فلما أن تحركت الميم وسكنت الراء لم يمكن الإتباع فى الساكن فنقل الإتباع من الراء إلى الميم؛ لأنها متحركة، فجرى على الميم لمجاورتها الراء ما كان يجرى على الراء، كما يقول ناس فى الوقف: هذا بكر، ومررت ببكر؛ لمّا جفا عليهم اجتماع الساكنين فى الوقف وشحّوا على حركة الإعراب أن يستهلكها الوقوف عليها نقلوها إلى الكاف. وكما قال من قال فى صوّم: صيّم، وفى قوّم: قيّم، لما جاورت العين اللام أجراها فى الاعتلال مجرى عات وعتى، وجاث وجثى، وقد ذكرنا فى تفسير ديوان المتنبى ما فى هذا الحرف أعنى: المرء والمرأة من اللغات.
*** ﴿وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ﴾ (١٠٢) ومن ذلك قراءة الأعمش: «وما هم بضارّى به من أحد».
قال أبو الفتح: هذا من أبعد الشاذ، أعنى حذف النون هاهنا. وأمثل ما يقال فيه: أن يكون أراد: وما هم بضارّى أحد، ثم فصل بين المضاف والمضاف إليه بحرف الجر.
وفيه شئ آخر وهو أن هناك أيضا «من» فى من أحد، غير أنه أجرى الجارّ مجرى جزء من المجرور، فكأنه قال: وما هم بضارى به أحد. وفيه ما ذكرنا.
*** ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاِتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ (١٠٣) ومن ذلك قراءة قتادة وابن بريدة وأبى السّمّال: «لمثوبة».
قال أبو الفتح: قد ذكرنا شذوذ صحتها عن القياس فيما مضى.
***
[ ١ / ١٨٧ ]
﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها﴾ (١٠٦) ومن ذلك قراءة أبى رجاء: «ما ننسخ من آية أو ننسّها» مشددة السين. وقرأ سعد بن أبى وقاص والحسن ويحيى بن يعمر: «أو تنسها» بتاء مفتوحة.
وقراءة سعيد بن المسيب والضحاك «تنسها» مضمومة التاء مفتوحة السين.
وفى حرف ابن مسعود: «ما ننسك» من آية أو ننسخها».
قال أبو الفتح: أما «ننسّها» فنفعّلها من النسيان، فيكون فعّلت فى هذا كأفعلت فى قراءة أكثر القراء: «ننسها». وهو فى الموضعين على حذف المفعول الأول؛ أى: أو ننس أحدا إياها، كقولك: ما نهب من قرية أو نقطعها أى: أو نقطع أحدا إياها.
ومن قرأ «تنسها» أراد أو تنسها أنت يا محمد.
ومن قرأ تنسها مرّ أيضا على تنسها أنت، إلا أن الفاعل فى المعنى هنا يحتمل أمرين:
أحدهما أن يكون المنسى لها هو الله تعالى.
والآخر أن يكون المنسى لها ما يعتاد بنى آدم من أعراض الدنيا غمّا أو همّا، أو عداوة من إنسان، أو وسوسة من شيطان.
فأما قوله عز اسمه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾: فقد يمكن أن يكون ما يحدثه من النسيان أعراض الدنيا مما شاء الله زيادة فى التكليف، وتعريضا بمقاساته ومقاومته للثواب.
ويدل على جواز كون المنسى هو الله تعالى-وإن كانت التلاوة أو تنسها-قوله
[ ١ / ١٨٨ ]
تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا﴾، وقوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ مع قوله:
﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ﴾، وقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾. ويؤكد هذا قراءة ابن مسعود: «ما ننسك من آية». وفيه بيان، وقد يقول الإنسان: ضرب زيد وإن كان القائل لذلك هو الضارب، وهذا يدل على أن الغرض هنا: أن يعلم أنه مضروب، وليس: الغرض أن يعلم من ضربه؛ ولذلك بنى هذا الفعل للمفعول، وألغى معه حديث الفاعل، فقام فى ذلك مقامه ورفع رفعه، فهذه طريق ما لم يسم فاعله.
***
﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ (١٢٦) ومن ذلك قراءة ابن عباس فيما رواه سليمان بن أرقم عن أبى يزيد المدنى عن ابن عباس «فأمتعه قليلا ثم اضطّرّه»، على الدعاء من إبراهيم ﷺ.
قال أبو الفتح: أما على قراءة الجماعة «فأمتعه ثم أضطره» فإن الفاعل فى «قال» هو اسم الله تعالى أى: لمّا قال إبراهيم: ﴿رَبِّ اِجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا وَاُرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ قال الله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ﴾.
وأما على قراءة ابن عباس: «فأمتعه قليلا ثم اضطرّه إلى عذاب النار».
فيحتمل أمرين:
أحدهما-وهو الظاهر-أن يكون الفاعل فى «قال» ضمير إبراهيم ﵇ أى: قال إبراهيم أيضا: ومن كفر فأمتعه ثم اضطرّه يا رب.
[ ١ / ١٨٩ ]
وحسن على هذا إعادة «قال» لأمرين:
أحدهما طول الكلام، فلما تباعد آخره من أوله أعيدت «قال» لبعدها كما قد يجوز مع طول الكلام ما لا يجوز مع قصره.
والآخر: أنه انتقل من الدعاء لقوم إلى الدعاء على آخرين، فكأن ذلك أخذ فى كلام آخر، فاستؤنف معه لفظ القول، فجرى ذلك مجرى استئناف التصريع فى القصيدة إذا خرج من معنى إلى معنى. ولهذا ما يقول الشاعر فى نحو ذلك:
فدع ذا ولكن هل ترى ضوء بارق …
ويقول:
دع ذا وبهج حسبا مبهّجا
فإذا جاز أن يصرّع وهو فى أثناء المعنى الواحد نحو قوله:
ألا ناد فى آثارهن الغوانيا … سقين سماما ما لهن وماليا؟!
كان التصريع مع الانتقال من حال إلى حال أحرى بالجواز. فهذا أحد الوجهين.
وأما الآخر فهو أن يكون الفاعل فى «قال» ضمير اسم الله تعالى؛ أى: فأمتعه يا خالق، أو فأمتعه يا قادر أو يا مالك أو يا إله، يخاطب بذلك نفسه ﷿، فجرى هذا على ما تعتاده العرب من أمر الإنسان لنفسه، كقراءة من قرأ: قال أعلم أنّ الله على كلّ شئ قدير أى: أعلم يا إنسان وكقول الأعشى:
[ ١ / ١٩٠ ]
وهل تطيق وداعا أيها الرجل
وهذا يتصل بباب من العربية غريب لطيف وهو باب التجريد، كأنه يجرّد نفسه منه ثم يخاطبها، وقد ذكرنا هذا الباب فى كتابنا الخصائص.
وهذا وإن كان مما لا ينبغى أن يجرى فى الحقيقة مثله على الله سبحانه؛ لأنه لا تجزؤ هناك فإنه يجرى على عادة القوم ومذهب خطابهم، وقد نطقوا بهذا نفسه معه «تقدست أسماؤه» أنشدنا أبو علىّ:
أفاءت بنو مروان ظلما دماءنا … وفى الله إن لم يعدلوا حكم عدل
فجرى اللفظ على أنه جرد منه شئ يسمى حكما عدلا، وهو مع التحصيل على حذف المضاف، أى: وفى عدل الله حكم عدل. فتفهّم هذه المواضع، فإنّ قدر الإعراب يضيع إلى معناها، وإن كان هو أول الطريق ونهجه إليها.
ويجوز فى العربية «ثمّ اضطرّ هى»، بكسر الراء لالتقاء الساكنين ثم تبيّن الهاء بياء بعدها.
ويجوز أيضا: «ثمّ اضطرّه»، تكسر الهاء ولا تتمّ الياء.
ويجوز «اضطرّه»، بكسر الراء وفتحها والهاء الساكنة.
ويجوز «ثمّ اضطرّهو»، بضم الراء كما روينا عن قطرب أن بعضهم يقول: شمّ يا رجل. ويجوز الضم بلا واو.
ويجوز مع ضم الراء وفتحها تسكين الهاء. وقد ذكرت ذلك كله فى أماكنه.
*** ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ (١٢٦) ومن ذلك قراءة ابن محيصن: ثم «أطّرّه» يدغم الضاد فى الطاء.
قال أبو الفتح: هذه لغة مرذولة، أعنى: إدغام الضاد فى الطاء؛ وذلك لما فيها من
[ ١ / ١٩١ ]
الامتداد والفشوّ، فإنها من الحروف الخمسة التى يدغم فيها ما يجاورها، ولا تدغم هى فيما يجاورها.
وهى الشين والضاد والراء والفاء والميم، ويجمعها فى اللفظ قولهم: ضمّ شفر، وقد أخرج بعضهم الضاد من ذلك وجمعها فى قولهم: مشفر.
قال: لأنه قد حكى إدغام الضاد فى الطاء فى قولهم فى «اضطجع»: اطّجع. وأنشدوا قوله:
يا ربّ أبّاز من العفر صدع … تقبّض الظلّ إليه واجتمع
لما رأى أن لا دعه ولا شبع … مال إلى أرطاة حقف فاطجع
ويروى: «فاضطجع» وهو الأكثر والأقيس.
ويروى أيضا: «فالطجع» يبدل أيضا اللام من الضاد.
فإن قيل: فقد أحطنا علما بأن أصل هذا الحرف اضتجع افتعل من الضجعة، فلما جاءت الضاد قبل تاء افتعل أبدلت لها التاء طاء. فهلا لما زالت الضاد فصارت بإبدالها إلى اللام ردت التاء فقيل: التجع، كما تقول: التجم والتجأ؟.
قيل هذا إبدال عرض للضاد فى بعض اللغات. فلما كان أمرا عارضا، وظلاّ فى أكثر اللغات خالصا-أقرّوا الطاء بحالها إيذانا بقلة الحفل بما عرض من البدل، ودلالة على الأصل المنحو المعتمد، وله غير نظير.
ألا ترى إلى قوله:
[ ١ / ١٩٢ ]
وكحل العينين بالعواور …
وكيف صحح الواو الثانية وإن كان قبلها الواو الأولى بينهما ألف وقد جاوزت الثانية الطرف، ولم يقلبها كما قلبها فى أوائل، وأصلها أواول لما ذكرنا، إذ كان الأصل هاهنا العواوير وإنما حذفت الياء تخفيفا وهى مرادة، فجعل تصحيح الواو فى العواور دليلا على إرادة الياء فى عواوير، وكما جعل حذف النون من قوله:
ارهن بنيك عنهم أرهن بنى …
أراد بنى، فحذف الياء الثانية لتخفيف القافية، وترك أن يرد النون من «بنين» لأنه لم بين الأمر على حذف الياء الثانية البتّة، وإنما حذفها للوقف على الحرف المشدد فى الروى المقيد. وكما أنشدنا أبو علىّ للفرزدق من قوله:
تنظرت نصرا والسّماكين أيهما … على من الغيث استهلّت مواطره
[ ١ / ١٩٣ ]
أراد: أيّهما، فاضطر إلى تخفيف الحروف فحذف الياء الثانية، وكان ينبغى أن يرد الياء الأولى إلى الواو، لأن أصلها الواو، وأن يكون قياسا واشتقاقا جميعا أولى. ولم يقل:
أو هما فيرد الواو الأصلية؛ لأنه لم يبن الكلمة على حذف الياء البتة، فيرد الواو، فيقول:
أو هما؛ لأنه إنما اضطر إلى التخفيف هناك وهو ينوى الحرف المحذوف كما ينوى الملفوظ به، ويأتى نظيره فى سورة القصص. وقد ذكرنا أخوات لهذا أكثر من عشر فى كتاب الخصائص فلذلك قال: فالطحجع، فترك الطاء بحالها كما قدمنا ذكره.
***
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا﴾ (١٢٧) ومن ذلك ما رواه ابن مجاهد عن ابن عباس فى مصحف ابن مسعود: «وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ويقولان ربّنا»، وفيه: «والّذين اتّخذوا من دونه أولياء قالوا ما نعبدهم»، وفيه: «والملائكة باسطو أيديهم يقولون أخرجوا».
قال أبو الفتح: فى هذا دليل على صحة ما يذهب إليه أصحابنا من أن القول مراد مقدر فى نحو هذه الأشياء، وأنه ليس كما يذهب إليه الكوفيون من أن الكلام محمول على معناه، دون أن يكون القول مقدرا معه. وذلك كقول الشاعر:
رجلان من ضبة أخبرانا … إنّا رأينا رجلا عريانا
فهو عندنا نحن-على قالا: إنا رأينا، وعلى قولهم لا إضمار قول هناك، لكنه لما كان أخبرانا فى معنى قالا لنا، صار كأنه: قالا لنا، فأما على إضمار قالا فى الحقيقة فلا. وقد رأيت إلى قراءة ابن مسعود كيف ظهر فيها ما نقدره من القول، فصار قاطعا على أنه مراد فيما يجرى مجراه.
[ ١ / ١٩٤ ]
وكذلك قوله:
يدعون عنتر والرماح كأنها …
فيمن ضم الراء من عنتر؛ أى: يقولون: يا عنتر. وكذلك من فتح الراء، وهو يريد يا عنترة.
وكذلك ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أى يقولون.
وقد كثر حذف القول من الكلام جدا.
ومن ذلك قال ابن مجاهد: قال عباس: سألت أبا عمرو عن ﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ﴾ فقال: أهل الحجاز يقولون: «يعلّمهم ويلعنهم» مثقلة، ولغة تميم يعلمهم ويلعنهم.
قال أبو الفتح: أما التثقيل فلا سؤال عنه ولا فيه؛ لأنه استيفاء واجب الإعراب، لكن من حذف فعنه السؤال، وعلته توالى الحركات مع الضمات، فيثقل ذلك عليهم فيخففون بإسكان حركة الإعراب. وعليه قراءة أبى عمرو. «فتوبوا إلى بارئكم»، فيمن رواه بسكون الهمزة. وحكى أبو زيد «بلى ورسلنا لديهم يكتبون»، بسكون
[ ١ / ١٩٥ ]
اللام. وأنشدنا أبو على لجرير:
سيروا بنى العمّ فالأهواز منزلكم … ونهر تيرى فلا تعرفكم العرب
يريد تعرفكم. ومن أبيات الكتاب:
فاليوم أشرب غير مستحقب … إثما من الله ولا واغل
أى: أشرب.
وأما اعتراض أبى العباس هنا على الكتاب فإنما هو على العرب لا على صاحب الكتاب؛ لأنه حكاه كما سمعه، ولا يمكن فى الوزن أيضا غيره.
وقول أبى العباس: إنما الرواية فاليوم فاشرب فكأنه قال لسيبويه: كذبت على العرب، ولم تسمع ما حكيته عنهم. وإذا بلغ الأمر هذا الحدّ من السرف فقد سقطت كلفة القول معه.
وكذلك إنكاره عليه أيضا قول الشاعر:
[ ١ / ١٩٦ ]
وقد بدا هنك من المئزر …
فقال: إنما الرواية:
وقد بدا ذاك من المئزر
وما أطيب العرس لولا النفقة!.
وكذلك الاعتراض عليه فى إنشاده قوله:
لا بارك الله فى الغوانى هل … يصبحن إلاّ لهن مطّلب
وقول الأصمعى: «فى الغوانى ما» يريد: فى الغوانى أما، ويخفف الهمزة. وقول غيره:
«فى الغوان أما». ولو كان إلى الناس تخير ما يحتمله الموضع والتسبب إليه لكان الرجل أقوم من الجماعة به وأوصل إلى المراد منه، وأنفى لشغب الزيغ والاضطراب عنه.
فأما قول لبيد:
تراك أمكنة إذا لم أرضها … أو يرتبط بعض النفوس حمامها
[ ١ / ١٩٧ ]
فحملوه على هذا، أى: أو يرتبط بعض النفوس حمامها، معناه: إلا أن يرتبط، فأسكن المفتوح لإقامة الوزن واتصال الحركات.
وقد يمكن عندى أن يكون يرتبط عطفا على أرضها، أى: أنا تراك أمكنة إذا لم أرضها ولم يرتبط نفسى حمامها، أى: ما دمت حيا فأنا متقلقل فى الأرض من هذه إلى هذه، ألا ترى إلى قوله:
قوّال محكمة جوّاب آفاق …
وهو كثير فى الشعر، فكذلك قول بنى تميم: يعلمهم ويلعنهم على ما ذكرنا.
***
﴿إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ (١٤٣) ومن ذلك قراءة الزهرى: «إلا ليعلم من يتّبع الرسول» بياء مضمومة وفتح اللام.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون يعلم هنا بمعنى يعرف، كقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ أى: عرفتم، وتكون «من» بمعنى الذى، أى: ليعرف الذى يتبع الرسول. ولا تكون «من» هاهنا استفهاما، لئلا يكون الكلام جملة، والجمل لا تقوم مقام الفاعل؛ ولذلك لم يجيزوا أن يكون قوله: «هذا باب علم ما الكلم» أى:
[ ١ / ١٩٨ ]
أى شئ الكلم، وعلم فى معنى: أن يعلم. وقد ذكرنا ذاك هناك.
***
﴿وَإِلهَ آبائِكَ﴾ (١٣٣) ومن ذلك قراءة ابن عباس والحسن ويحيى بن يعمر وعاصم الجحدرى وأبى رجاء بخلاف: «وإله أبيك» بالتوحيد.
قال أبو الفتح: قول ابن مجاهد بالتوحيد لا وجه له، وذلك أن أكثر القراءة «وإله آبائك» جمعا كما ترى، فإذا كان أبيك واحدا كان مخالفا لقراءة الجماعة؛ فتحتاج حينئذ إلى أن يكون أبيك هنا واحدا فى معنى الجماعة، فإذا أمكن أن يكون جمعا كان كقراءة الجماعة ولم يحتج فيه إلى التأول لوقوع الواحد موقع الجماعة. وطريق ذلك أن يكون «أبيك» جمع أب على الصحة، على قولك للجماعة: هؤلاء أبون أحرار، أى: آباء أحرار، وقد اتسع ذلك عنهم. ومن أبيات الكتاب:
فلما تبينّ أصواتنا … بكين وفدّيننا بالأبينا
وقال أبو طالب:
ألم تر أنى بعد همّ هممته … لفرقة حرّ من أبين كرام
وقال الآخر:
فهو يفدى بالأبين والخال
وقد أشبعنا هذا الموضع فى شرح ديوان المتنبى.
[ ١ / ١٩٩ ]
ويؤكد أن المراد به الجماعة ما جاء بعده من قوله: ﴿إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ﴾، فأبدل الجماعة من أبيك، فهو جماعة لا محالة؛ لاستحالة إبدال الأكثر من الأقل. فيصير قوله تعالى: «وإله أبيك» كقوله: وإله ذويك. هذا هو الوجه، وعليه فليكن العمل.
ومن ذلك ما حكاه ابن مجاهد عن ابن عباس: أنه قال: لا تقرأ «فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به» فإن الله ليس له مثل، ولكن اقرأ: «بما آمنتم به».
قال: وروى عنه أيضا أنه كان يقرأ: «بالّذى آمنتم به».
قال: وقال عباس فى مصحف أنس وأبى صالح وابن مسعود: «فإن آمنوا بما آمنتم به».
قال أبو الفتح: هذا الذى ذهب إليه ابن عباس حسن؛ لكن ليس لأن القراءة المشهورة مردودة. وصحة ذلك أنه إنما يراد فإن آمنوا بما آمنتم به كما أراده ابن عباس وغيره. غير أن العرب قد تأتى بمثل فى نحو هذا توكيدا وتسديدا. يقول الرجل إذا نفى عن نفسه القبيح: مثلى لا يفعل هذا، أى: أنا لا أفعله، ومثلك إذا سئل أعطى، أى:
أنت كذاك. قال:
مثلى لا يحسن قولا فع فع …
أى أنا لا أحسنه. وفى حديث سيف بن ذى يزن «أيها الملك مثلك من سرّ وبر» أى: أنت كذاك. وهو كثير فى الشعر القديم والمولد جميعا.
[ ١ / ٢٠٠ ]
وسبب توكيد هذه المواضع «بمثل»، أنه يراد أن يجعل من جماعة هذه أوصافهم تثبيتا للأمر وتمكينا له. ولو كان فيه وحده لقلق منه موضعه، ولم ترس فيه قدمه، ولم يؤمن عليه انتقاله إلى ضده.
ومثل ذلك أيضا قولهم فى مدح الإنسان: أنت من القوم الكرام، ومنزعك إلى السادة، أى لك فى هذا الفعل سابقة وأول، فأنت مقيم عليه ومحقوق به، ولست دخيلا فيه عن غير أول ولا أصل، فيخشى عليك نبوك عنه.
ولمّا أريد مثل هذا فى الثناء على الله تعالى، ولم يجز أن يكون تابعا لسلف، ولا موجودا له فيه نظير-عدلوا به إلى وجه ثالث غير الاثنين المذكورين، وهو أن جعل قديما فيه، راسخا عليه، فكان أثبت له من أن يكون عز وجهه مبتدئه أو مرتجله، وذلك قوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، و﴿كانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ونحو ذلك من الآى، فاعرف ذلك أولا ومبتكرا. فكذلك قوله ﷿: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ﴾، أى: كانوا ممن يؤمن بالحق هذا الجنس على سعته وانتشار جهاته فقد اهتدوا.
ورحم الله ابن عباس! فإن هذا القول وإن كان اعتراضا عليه فعنه أيضا أخذ وإليه ردّ. وغير ملوم من نصر الجماعة، وبالله الحول والاستطاعة.
***
﴿لَرَؤُفٌ﴾ (١٤٣) ومن ذلك قراءة الزهرى: «لرووف»، بلا همز، ويثقّل.
قال أبو الفتح: ينبغى أن تكون الهمزة فيه مخففة، فلما أخفاها التخفيف ظنت واوا للطف هذا الموضع أن تضبطه القراء؛ وذلك أنّا لا نعرف فى غير هذه اللفظة إلا الهمز.
يقال: رؤف به، ورأف به، ورئف، ولم نسمع فيه راف ولا رفت. والهمزة إذا خففت فى نحو هذا لم تبدل، وإنما تخفى، كقولك فى سئول، فعول من سألت: سوول، فاعرف ذلك.
***
[ ١ / ٢٠١ ]
﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (١٥٠) ومن ذلك قراءة زيد بن علىرضي الله عنه- «ألا الّذين ظلموا»، بفتح الهمزة خفيفة اللام، تنبيه.
قال أبو الفتح: وجهه أن الوقوف فى هذه القراءة على قوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ ثم استأنف منبّها فقال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاِخْشَوْنِي﴾، كقولك مبتدئا: إلا زيد فأعرض عنه وأقبل علىّ، وكأنه ﵇ إنما رأى لقول الله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾؛ فلو قال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ لم يقو معناه عنده؛ لأنه لا حجة للظالمين على المطيعين، والذى يقوّى قراءة الجماعة قوله تعالى: ﴿لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فهو معطوف على قوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾. وإذا كان عطفا عليه فأن يكون فى عقد واحد معه أولى من أن يتراخى عنه، ويكون قوله على هذا: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ استثناء منقطعا أى: لكن الذين ظلموا منهم يعتقدون أن لهم حجة عليكم، فأما فى الحقيقة وعند الله تعالى فلا.
فإن قلت: فقد فصل بقوله: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاِخْشَوْنِي﴾، ثم عطف بقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ وقد كرهت الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه.
قيل: لما كان الأمر للمسلمين بترك خشية الظالمين إنما هو مسبّب عن ظلمهم اتصل به اتصال المسبّب بسببه، فجرى مجرى الجزء من جملته، وليس كذلك استئناف التنبيه بألا ألا تراها إنما تقع أبدا فى أول الكلام ومرتجلة؟ فاعرف ذلك فرقا.
***
﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ (١٥٨) ومن ذلك قراءة علىّ وابن عباس كرم الله وجوههما بخلاف وسعيد بن جبير، وأنس ابن مالك ومحمد بن سيرين وأبىّ بن كعب وابن مسعود وميمون بن مهران: «ألاّ يطّوف بهما».
[ ١ / ٢٠٢ ]
قال أبو الفتح: أما قراءة الجماعة: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ تقرّبا بذاك، أى فلا جناح عليه أن يطوف بهما تقربا بذاك إلى الله تعالى؛ لأنهما من شعائر الحج والعمرة، ولو لم يكونا من شعائرهما لكان التطوف بهما بدعة؛ لأنه إيجاب أمر لم يتقدم إيجابه، وهذا بدعة، كما لو تطوف بالبصرة أو بالكوفة أو بغيرهما من الأماكن على وجه القربة والطاعة كما تطوّف بالحرم، لكان بذلك مبتدعا.
وأما قراءة من قرأ: «فلا جناح عليه ألاّ يطّوّف بهما» فظاهره أنه مفسوح له فى ترك ذلك، كما قد يفسح للإنسان فى بعض المنصوص عليه المأمور به؛ تخفيفا، كالقصر بالسفر، وترك الصوم، ونحو ذلك من الرّخص المسموح فيها.
وقد يمكن أيضا أن تكون «لا» على هذه القراءة زائدة. فيصير تأويله وتأويل قراءة الكافّة واحدا. حتى كأنه قال: فلا جناح عليه أن يطّوف بهما، وزاد «لا»، كما زيدت فى قوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ أن لا ﴿يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ أى: ليعلم.
وكقوله:
من غير لا عصف ولا اصطراف
أى: من غير عصف، وهو كثير.
***
﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١٦١) ومن ذلك قراءة الحسن: «أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعون».
[ ١ / ٢٠٣ ]
قال أبو الفتح: هذا عندنا مرفوع بفعل مضمر يدل عليه قوله سبحانه: ﴿لَعْنَةُ اللهِ﴾ أى: وتلعنهم الملائكة والناس أجمعون؛ لأنه إذا قال: عليهم لعنة الله، فكأنه قال: يلعنهم الله، كما أنه لما قال:
تذكّرت أرضا بها أهلها … أخوالها فيها وأعمامها
فقد علم أنها إذا تذكرت الأرض التى فيها أخوالها وأعمامها فقد دخلوا فى جميع ما وقع الذكر عليه، فقال بعد: تذكّرت أخوالها وأعمامها.
وكأنه لما قال:
أسقى الإله عدوات الوادى … وجوفه كلّ ملثّ غادى
كلّ أجشّ حالك السواد …
فقد سقى الأجش فرفعه بفعل مضمر، أى: سقاها كل أجش. وهو كثير جدا.
***
﴿خُطُواتِ﴾ (١٦٨) ومن ذلك قراءة على ﵇ والأعرج ورويت عن عمرو بن عبيد: «خطؤات» بضمتين وهمزة، وهى مرفوضة، وغلط.
[ ١ / ٢٠٤ ]
وقرأ أبو السّمّال «خطوات» بفتح الخاء والطاء.
قال أبو الفتح: أما الهمز فى هذا الموضع فمردود؛ لأنه من خطوات لا من أخطأت.
والذى يصرف هذا إليه أن يكون كما تهمزه العرب ولا حظّ له فى الهمز، نحو حلأت السويق، ورثأت روحى بأبيات، والذئب يستنشئ ريح الغنم. والحمل على هذا فيه ضعيف، إلا أن الذى فيه من طريق العذر أنه لما كان من فعل الشيطان غلب عليه معنى الخطأ، فلما تصوّر ذلك المعنى أطلعت الهمزة رأسها، وقيل: «خطؤات».
وأما خطوات فجمع خطوة، وهى الفعلة، والخطوة ما بين القدمين. والخطوات كقولك: طرائق الشيطان، والخطوات كقولك: أفعال الشيطان.
***
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١٧٧) ومن ذلك قراءة أبى وابن مسعود: «ليس البرّ بأن تولّوا وجوهكم». قال ابن مجاهد فإذا كان هكذا لم يجز أن ينصب البر.
قال أبو الفتح: الذى قاله ابن مجاهد هو الظاهر فى هذا، لكن قد يجوز أن ينصب مع الباء، وهو أن تجعل الباء زائدة، كقولهم: كفى بالله، أى كفى الله، وكقوله تعالى:
﴿كَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ أى كفينا، فكذلك ليس البر بأن تولوا بنصب البر كما فى قراءة السبعة.
فإن قلت: فإن «كفى» بالله شاذ قليل، فكيف قست عليه «ليس»، ولم نعلم الباء زيدت فى اسم ليس، إنما زيدت فى خبرها، نحو قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ﴾؟ قيل: لو
[ ١ / ٢٠٥ ]
لم يكن شاذا لما جوزنا قياسا عليه ما جوزناه، ولكنا نوجب فيه البتة واجبا، فاعرفه.
***
﴿يُطِيقُونَهُ﴾ (١٨٤) ومن ذلك قراءة ابن عباس بخلاف، وعائشة رحمهما الله، وسعيد بن المسيّب، وطاوس بخلاف، وسعيد بن جبير، ومجاهد بخلاف، وعكرمة، وأيوب السختيانى، وعطاء: «يطوّقونه».
وقرأ «يطّوّقونه» على معنى: يتطوقونه مجاهد.
ورويت عن ابن عباس، وعن عكرمة.
وقرأ «يطّيقونه» ابن عباس بخلاف، وكذلك مجاهد وعكرمة.
وقرأ «يطيّقونه» ابن عباس بخلاف.
قال أبو الفتح: أما عين الطاقة فواو؛ لقولهم: لا طاقة لى به ولا طوق لى به. وعليه من قرأ يطوّقونه، فهو يفعّلونه منه. فهو كقوله: يجشّمونه ويكلفونه، ويجعل لهم كالطوق فى أعناقهم.
وأما يطّوّقونه فيتفعّلونه منه، كقولك: يتكلفونه ويتجشمونه، وأصله: يتطوقونه فأبدلت، التاء طاء، وأدغمت فى الطاء بعدها كقولهم: اطّير يطّير؛ أى: يتطير.
وتجيز الصنعة أن يكون يتفوعلونه ويتفعولونه جميعا، إلا أن يتفعّلونه الوجه؛ لأنه الأكثر والأظهر.
[ ١ / ٢٠٦ ]
وأما يتطيّقونه فظاهره لفظا أن يكون يتفيعلونه كتحيّز أى تفيعل.
أنشدنا أبو على للهذلى:
فلما جلاها بالإيام تحيزت … ثبات عليها ذلّها واكتئابها
فهذا تفيعلت من حاز يحوز، ومثله تفيهق.
وقد يمكن أن يكون أيضا يتطيّقونه يتفعّلون، إلا أن العينين أبدلتا ياءين، كما قالوا فى تهوّر الجرف: تهيّر، وعلى أن أبا الحسن قد حكى هار يهير.
وقد يمكن أيضا أن يكون هار يهير من الواو، فعل يفعل، كرأى الخليل فى طاح يطيح، وتاه يتيه.
وليس يقوى أن يكون يتطوّقونه يتفوعلونه ولا يتفعولونه، وإن كان اللفظ هنا كاللفظ بيتفعّل، لقلتهما وكثرته.
ويؤنّس بكون يتطيقونه يتفعلونه قراءة من قرأ: «يتطوّقونه»، وكذلك يؤنّس بكون يطيّقونه يفعّلونه قراءة من قرأ «يطوّقونه»، والظاهر من بعد هذا أن يكون يفيعلونه.
***
﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ﴾ (١٩٩) ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير: «ثم أفيضوا من حيث أفاض الناسى»، يعنى آدم ﵇؛ لقوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.
[ ١ / ٢٠٧ ]
قال أبو الفتح: فى هذه القراءة دلالة على فساد قول من قال: إن لام التعريف إنما تدخل الأعلام للمدح والتعظيم، وذلك نحو: العباس، والمظفّر، وما جرى مجراهما.
ووجه الدلالة من ذلك: أن قوله «الناسى» إنما يعنى به آدم ﵇، فصارت صفة غالبة كالنابغة والصّعق، وكذلك الحارث والعباس والحسن والحسين، وهى وإن كانت أعلاما فإنها تجرى مجرى الصفات، ولذلك قال الخليل: إنهم جعلوه الشئ بعينه، أى الذى حرث وعبس، فمحمول هذا أنّ فى هذه الأسماء الأعلام التى أصلها الصفات معانى الأفعال، ولذلك لحقتها لام المعرفة كما تعرف الصفات، وإذا كان فيها معانى الأفعال، وكانت الأفعال كما تكون مدحا فكذلك ما تكون ذما، فهى تحقّق فى العلم معنى الصفة، مدحا كانت الصفة أو ذما.
فالمدح ما ذكرناه من نحو الحارث والمظفّر والحسين والحسن، والذم ما جاء من نحو قولهم: فلان بن الصّعق؛ لأن ذلك داء ناله، فهى بلوى، وأن يكون ذما أولى من أن يكون مدحا، ألا ترى أن المدح ليس من مقاوم ذكر الأمراض والبلاوى، وإنما يقال فيه:
إنه كالأسد، وإنه كالسيف؟ ومنه عمرو بن الحمق فهذا ذم له لا مدح، وعلى أنهم قد قالوا فى الحمق: إنه الصغير اللحية. والمعنى الآخر أشبع فيه. ألا ترى إلى قوله:
فأمّا كيّس فنجا ولكن … عسى يغتر بى حمق لئيم
ومنه قولهم: فلان بن الثعلب فدخلته اللام، وهو علم لما فيه من معنى الخبّ والخبث، وذلك عيب فيه لا ثناء عليه. والباب فيه فاش واسع. فقد صح إذا أن ما جاء من الأعلام وفيه لام التعريف فإنما ذلك لما فيه من معنى الفعل والوصفية، ثناء عليه كان ذلك أو ذمّا له. وإنما دعا الكتّاب ونحوهم إلى أن قالوا: إن دخول اللام هنا إنما هو لمعنى المدح أن كان أكثره كذلك؛ لأنه إنما العرف فيه أن يسمى من الأسماء الحاملة لمعانى الأفعال ممّا كان فيه معنى المدح، لا أن هذا مقصور على المدح دون الذمّ عندنا لما ذكرنا.
***
﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٢٠٣) ومن ذلك ما روى ابن مجاهد عن الزّمل بن جرول قال: سألت سالم بن عبد الله بن عمر عن النّفر فقرأ: «فمن تعجّل فى يومين فلثم عليه ومن تأخّر فلثم عليه».
[ ١ / ٢٠٨ ]
قال أبو الفتح: أصله قراءة الجماعة ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، إلا أنه حذف الهمزة البتة، فالتقت ألف «لا» وثاء «الاثم» ساكنين، فحذف الألف من اللفظ لالتقاء الساكنين؛ فصارت: «فلثم عليه».
وقد مرّ بنا من حذف الهمزة اعتباطا وتعجرفا من نحو هذا أشياء كثيرة، من ذلك قراءة ابن كثير: «إنّها لحدى الكبر».
فهذا فى الحذف كقوله: «فلثم عليه» إلا أن بينهما من حيث أذكر فرقا، وذلك أن قوله: «لحدى الكبر» إنما فيه حذف الهمزة لا غير. وقوله: «فلثم عليه» أصله فلا إثم، فلما حذف الهمزة تخفيفا-وإن لم يكن قياسا-التقت الألف مع ثاء إثم وهى ساكنة، فحذفت الألف من «لا» لالتقاء الساكنين، فصار «فلثم عليه». ومثل ذلك سواء مذهب الخليل فى «لن». ألا ترى أن أصلها عنده لا أن، فلما حذفت الهمزة التقت ألف «لا» مع نون «أن» فحذفت الألف من «لا»؛ لالتقاء الساكنين. وقد جاء نظيرا لهذا من حذف الهمزة شئ صالح الكيرة، منه قوله:
إن لم أقاتل فالبسونى برقعا
أراد فألبسونى، ثم حذف الهمزة.
وأنشد أبو الحسن:
تضبّ لثات الخيل فى حجراتها … وتسمع من تحت العجاج لهزملا
أراد: لها أزملا فحذف الهمزة. نعم، ثم حذف ألف «ها» لفظا لسكونها وسكون الزاى من بعدها، وعليه القراءة: «أريتك هذا الّذى كرّمت علىّ». يريد: أرأيتك.
وأنشد أحمد بن يحيى:
أريتك إن شطّت بك العام نيّة … وغالك مصطاف الحمى ومرابعه
[ ١ / ٢٠٩ ]
وجاء عنهم: سايسو، وجا يجى، بحذف الهمزة فيهما. وقد أثبتنا من هذا حروفا جماعة فى كتابنا الخصائص. وعلى كل حال فحذف الهمزة هكذا اعتباطا ساذجا ضعيف فى القياس، وإن فشا فى بعضه الاستعمال.
***
﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ (٢٠٥) ومن ذلك ما رواه هارون عن الحسن وابن أبى إسحاق وابن محيصن «ويهلك» بفتح الياء واللام ورفع الكاف- «الحرث والنّسل» رفع فيهما.
قال ابن مجاهد: وهو غلط.
قال أبو الفتح: لعمرى إن ذلك ترك لما عليه اللغة، ولكن قد جاء له نظير، أعنى قولنا: هلك يهلك، فعل يفعل، وهو ما حكاه صاحب الكتاب من قولنا: أبى يأبى.
وحكى غيره قنط يقنط، وسلا يسلى، وجبا الماء يجباه، وركن يركن، وقلا يقلى، وغسا الليل يغسى. وكان أبو بكر يذهب فى هذا إلى أنها لغات تداخلت؛ وذلك أنه قد يقال: قنط وقنط، وركن وركن، وسلا وسلى، فتداخلت مضارعاتها. وأيضا فإن فى آخرها ألفا، وهى ألف سلا وقلا وغسا وأبى؛ فضارعت الهمزة نحو قرأ وهدأ.
وبعد، فإذا كان الحسن وابن أبى إسحاق إمامين فى الثقة وفى اللغة فلا وجه لدفع ما قرأ به، لا سيما وله نظير فى السماع.
وقد يجوز أن يكون يهلك جاء على هلك بمنزلة عطب، غير أنه استغنى عن ماضيه بهلك، وقد ذكرنا نحو هذا فى كتابنا المنصف.
[ ١ / ٢١٠ ]
ومن ذلك قراءة أبى السّمّال: «فإن زللتم»، بكسر اللام.
قال أبو الفتح: هما لغتان: زللت وزللت، بمنزلة ضللت وضللت، إلا أن الفتح فيهما أعلى اللغتين، واسم الفاعل منهما ضالّ، ولو جاء ضليل لكان قياسا على ما جاء عنهم من فعيل فى فعل من المضاعف، نحو خفّ فهو خفيف، وعزّ فهو عزيز، وقلّ فهو قليل، وجدّ فهو جديد. وذلك أنه قد جاء فعيل فى فعل من غير المضاعف، وذلك كسد البيع فهو كسيد، وفسد فهو فسيد. فلما جاء ذلك فى غير المضاعف كان المضاعف أولى به؛ لثقل الإدغام فى ضالّ وفارّ. وقد ذكرنا ذلك مشروحا فى غير هذا الموضع من كلامنا.
***
﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ﴾ (٢١٠) ومن ذلك ما روى عن قتادة فى قول الله سبحانه: «فى ظلال من الغمام».
قال ابن مجاهد: هو جمع ظل.
قال أبو الفتح: الوجه أن يكون جمع ظلة، كجلّة وجلال، وقلّة وقلال؛ وذلك أن الظل ليس بالغيم، وإنما الظّلة الغيم، فأما الظّل فهو عدم الشمس فى أول النهار، وهو عرض والغيم جسم.
***
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ (٢٢٠) ومن ذلك ما رواه ابن طاوس عن أبيه أنه قرأ: «ويسألونك عن اليتامى قل أصلح إليهم خير».
قال أبو الفتح: خير مرفوع؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف؛ أى أصلح إليهم فذلك خير.
[ ١ / ٢١١ ]
وإذا جاز حذف هذه الفاء مع مبتدئها فى الشرط الصحيح نحو قوله:
بنى ثعل لا تنكعوا العنز شربها … بنى ثعل من ينكع العنز ظالم
أى: فهو ظالم-كان حذف الفاء هنا، وإنما الكلام بمعنى الشرط لا بصريح لفظه، أجدر وأحرى بالجواز.
وقال «إليهم» لمّا دخله معنى الإحسان إليهم. وقد ذكرنا نحو ذلك كثيرا مما هو محمول على المعنى.
***
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (٢٢٨) ومن ذلك قراءة مسلمة بن محارب: «وبعولتهن أحقّ»، ساكنة التاء.
قال أبو الفتح: قد سبق نحو هذا فى قراءة أبى عمرو: «يأمركم»، وأنشدنا فيه الأبيات التى أحدها قول جرير:
سيروا بنى العم فالأهواز منزلكم … ونهر تيرى ولا تعرفكم العرب
أراد: لا تعرفكم، فأسكن الفاء استخفافا لثقل الضمة مع كثرة الحركات.
***
﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ﴾ (٢٣٣) ومن ذلك ما رواه هارون عن أسيد عن الأعرج: أنه قرأ: «لا تضار والدة» جزم، كذا قال، جزم.
[ ١ / ٢١٢ ]
قال أبو الفتح: إذا صح سكون الراء فى «تضار» فينبغى أن يكون أراد: لا تضارر، كقراءة أبى عمرو، إلا أنه حذف إحدى الراءين تخفيفا. وينبغى أن تكون المحذوفة الثانية؛ لأنها أضعف، وبتكريرها وقع الاستثقال. فأما قول الله تعالى: ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ فإن المحذوف هى الأولى، وذلك أنهم شبهوا المضعف بالمعتل العين، فكما قالوا: لست، قالوا: ظلت. ومثله مست فى مسست، وأحست فى أحسست. قال أبو زبيد:
خلا أن العتاق من المطايا … أحسن به فهنّ إليه شوس
فإن قلت: فهلا كانت الأولى هى المحذوفة من تضارر كما حذفت الأولى من ظللت ومسست وأحسست؟.
قيل: هذه الأحرف إنما حذفن لأنهن شبهن بحروف اللين، وحروف اللين تصح بعد هذه الألف نحو عاود وطاول وبايع وساير، والثانية فى موضع اللام المحذوفة، نحو لا ترام.
فإن قيل: فكان يجب على هذا «لا تضار» لأن الأولى مكسورة فى الأصل فيجب أن تقر على كسرها.
قيل: لا، بل لما حذفت الثانية وقد كانت الأولى ساكنة؛ لأنها كانت مدغمة فى الثانية أقرّت على سكونها ليكون ذلك دليلا على أنها قد كانت مدغمة قبل الحذف، ولذلك نظائر منها قوله:
وكحل العينين بالعواور …
صحح الواو الثانية وإن كانت تلى الطرف، وقبل الألف التى قبلها واو؛ لأنه جعل
[ ١ / ٢١٣ ]
الصّحة فى الواو دليلا على أنه أراد العواوير، ولو لم يرد لذلك لوجب أن يهمز فيقول:
العوائر، كما همزوا فى أوائل وأصلها أواول، وكما جعلوا صحة العين فى حول وعور دليلا على كون المثال فى معنى ما لا بد من صحته، وهو احولّ واعورّ، وكما جعلوا ترك رد النون فى قوله:
ارهن بنيك عنهم أرهن بنى …
دليلا على أنه أراد بنىّ، فلما حذف الياء الثانية التى هى ضمير المتكلم لم يرجع النون من بنين؛ لأن جعله دليلا على إرادة الياء فى بنىّ، وأنه إنما حذفها للقافية، وهى فى نفسه مرادة. وكما قال:
مال إلى أرطاة حقف فاضطجع …
ثم أبدل الضاد لاما فقال: الطجع، وقد كان يجب إذا زالت الضاد أن ترجع تاء افتعل إلى اللفظ، وذلك أن أصله اضتجع افتعل من الضجعة، فيظهر التاء كما يقال:
التجأ إليه والتفت والتقم، لكنه ترك الطاء بحالها تنبيها على أنه يريد الضاد، وأنه لما أبدلها لا ما اعتدها مع ذلك اعتداد الثابت.
ولذلك نظائر كثيرة، فكذلك ترك الراء من «تضار» ساكنة كما كانت تكون ساكنة لو خرجت على الإدغام المراد فيها. نعم، وإذا كان نافع قد قرأ: «ومحياى ومماتى» ساكن الياء من «محياى»، ولا تقدير إدغام هناك كان سكون الراء من لا تضار-وهو يريد تضارّ-أجدر.
وبعد هذا كله ففيه ضعف، ألا ترى أنك لو رحمت قاصا-اسم رجل-على قولك: يا حار لقلت: يا قاص، فرددت عين الفعل إلى الكسر لأنه فاعل، وأصله قاصص، فمن هنا ضعفت هذه القراءة وإن كان فيها من الاعتذار والاعتلال ما قدمنا ذكره.
[ ١ / ٢١٤ ]
وقد روى فيها تشديد الراء مع السكون، ويجب أن يكون هذا على نية الوقف عليها، روى ذلك عن أبى جعفر يزيد بن القعقاع.
***
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ (٢٣٤) ومن ذلك ما رواه أبو عبد الرحمن السّلمى عن على بن أبى طالب ﵇:
«والّذين يتوفّون منكم» بفتح الياء.
قال ابن مجاهد: ولا يقرأ بها.
قال أبو الفتح: هذا الذى أنكره ابن مجاهد عندى مستقيم جائز؛ وذلك أنه على حذف المفعول، أى: والذين يتوفون أيامهم أو أعمارهم أو آجالهم، كما قال سبحانه:
﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ﴾ و﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾.
وحذف المفعول كثير فى القرآن وفصيح الكلام، وذلك إذا كان هناك دليل عليه.
قال الله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أى: شيئا.
وأنشدنا أبو علىّ للحطيئة:
[ ١ / ٢١٥ ]
منعمّة تصون إليك منها … كصونك من رداء شرعبىّ
أى: تصون الكلام منها، وهو كثير جدا.
***
﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي﴾ (٢٣٧) ومن ذلك قراءة الحسن: «أو يعفو الّذى»، ساكنة الواو.
قال أبو الفتح: سكون الواو من المضارع فى موضع النصب قليل، وسكون الياء فيه أكثر. وأصل السكون فى هذا إنما هو للألف؛ لأنها لا تحرّك أبدا، وذلك كقولك: أريد أن تحيا، وأحبّ أن تسعى، ثم شبهت الياء بالألف لقربها، فجاء عنهم مجيئا كالمنستمر، نحو قوله:
كأن أيديهن بالموماة … أيدى جوار بتن ناعمات
وقال الآخر:
كأن أيديهن بالقاع القرق … أيدى جوار يتعاطين الورق
[ ١ / ٢١٦ ]
وقال الأعشى:
إذا كان هادى الفتى فى البلا … د صدر القناة أطاع الأميرا
فيمن رواه برفع الصدر.
وقال الآخر:
حدبا حدابير من الوخشنّ … تركن راعيهن مثل الشّنّ
وقال الآخر:
يا دار هند عفت إلا أثافيها …
وقال رؤبة:
سوّى مساحيهنّ تقطيط الحقق … تفليل ما قارعن من سمر الطّرق
وكان أبو العباس يذهب إلى أن إسكان هذه الياء فى موضع النصب من أحسن الضرورات؛ وذلك لأن الألف ساكنة فى الأحوال كلها، فكذلك جعلت هذه، ثم شبّهت الواو فى ذلك بالياء، فقال الأخطل:
إذا شئت أن تلهو ببعض حديثها … رفعن وأنزلن القطين المولّدا
[ ١ / ٢١٧ ]
وقال الآخر:
فما سوّدتنى عامر عن وراثة … أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب
فعلى ذلك ينبغى أن تحمل قراءة الحسن: «أو يعفو الّذى»، فقال ابن مجاهد: وهذا إنما يكون فى الوقف، فأما فى الوصل فلا يكون، وقد ذكرنا ما فيه. وعلى كل حال فالفتح أعرب: «أو يعفو الذى».
***
﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (٢٣٧) ومن ذلك قراءة على ﵇ وأبى رجاء وجؤيّة بن عائذ: «ولا تناسوا الفضل بينكم».
قال أبو الفتح: الفرق بين تنسوا وتناسوا أن تنسوا نهى عن النسيان على الإطلاق:
أنسوه، أو تناسوه.
فأما تناسوا فإنه نهى عن فعلهم الذى اختاروه، كقولك: قد تغافل وتصامّ وتناسى:
إذا أظهره من فعله وتعاطاه وتظاهر به، وأما تفعّل فإنه تعمّل الأمر وتكلّفه، كقوله:
ولن تستطيع الحلم حتى تحلما …
أى: حتى تكلّفه.
[ ١ / ٢١٨ ]
ومثل الأول قوله:
إذا تخازرت وما بى من خزر
فإن قيل: ومن ذا الذى يتظاهر بنسيان الفضل؟.
قيل: معناه-والله أعلم-إنكم إذا استكثرتم من هجر الفضل وتثاقلتم عنه صرتم كأنكم متعاطون لتركه، متظاهرون بنسيانه. وهذا كقولك للرجل يكثر خطؤه: أنت تتحايد الصواب توقّى عارف به، وأنت معتمل لما لا يحسن، وإن لم يقصد هو لذلك.
ويحسّن هذه القراءة: أنك إنما تنهى الإنسان عن فعله هو، والتناسى من فعله، فأما النسيان فظاهره أنه من فعل غيره به، فكأنه أنسى فنسى. قال الله سبحانه: ﴿وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ﴾.
وزاد فى حسنه شئ آخر، وهو أن المأمور هنا جماعة، وتفاعل لائق بالجماعة، كتقاطعوا وتواصلوا وتقاربوا وتباعدوا. فأما قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ فلاق به فعل «نسى»؛ لأن المأمور هنا واحد؛ ولأن العرف والعادة أن الإنسان لا يكاد يحضّ على ما هو حلال له، بل الغالب المعتاد أن يكفّ عما ليس له تناوله، وعليه وضع التكليف لما يستحق عن الطاعة فيه من الثواب. قال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾، وقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾. والآى فى ذلك كثيرة. فقوله إذا: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ أى:
لك فيها حظ وحلال فتناوله، فلا بأس بتناول الحلال.
ولو قيل: ولا تناس نصيبك لكان فائدته: لا تظهر سهوك عنه، وتتظاهر بنسيانك إياه، وذلك إذا ترك الحلال وهو فى صورة الساهى عنه لم تكن له فى النفوس منزلة الذى يتركه وهو عالم بحلّه له، وإباحته إياه، هذا هو العادة والعرف فيما يتعاطاه أهل الدنيا بينهم.
***
[ ١ / ٢١٩ ]
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ﴾ (٢٤٦) ومن ذلك قراءة أبى عبد الرحمن السّلمى: «ألم تر إلى الملإ» ساكنة الراء.
قال أبو الفتح: هذا لعمرى هو أصل الحرف: رأى يرأى كرعى يرعى، إلا أن أكثر لغات العرب فيه تخفيف همزته: بحذفها وإلقاء حركتها على الراء قبلها على عبرة التخفيف فى نحو ذلك، وصار حرف المضارعة كأنه بدل من الهمزة، وهو قولهم: أنت ترى وهو يرى ونحن نرى، وكذلك أفعل منه، كقول الله سبحانه: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ﴾ وأصله أرآك الله. وحكاها صاحب الكتاب عن أبى الخطاب. ثم إنه قد جامع هذا تحقيق هذه الهمزة وإخراجها على أصلها، وذلك كقول سراقة البارقى:
أرى عينىّ ما لم ترأياه … كلانا عالم بالتّرّهات
فخفف أرى، وحقق ترأياه كقولك ترعياه، ورواه أبو الحسن ترياه على زحاف الوافر، وأصله «ترأياه» على أن مفاعلتن لحقها العصب بسكون لامها؛ فنقلت إلى مفاعى لن، ورواية أبى الحسن: «بما لم ت» مفاعيل، فصار الجزء بعد العصب إلى النقص.
وقرأت على أبى علىّ فى نوادر أبى زيد:
ألم ترء ما لاقيت والدهر أعصر … ومن يتملّ العيش يرء ويسمع
فأخرجه على أصله. وقرأت عليه عنه أيضا:
هل ترجعنّ ليال قد مضين لنا … والعيش منقلب إذ ذاك أفنانا
إذ نحن فى غرّة الدنيا وبهجتها … والدار جامعة أزمان أزمانا
ثم استمرّ بها شيحان مبتجح … بالبين عنك بما يرآك شنآنا
وقال آخر، وقرأته على أبى بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى فيما أظن:
ألا تلك جارتنا بالغضا … تقول أترأينه لن يضيعا
وله نظائر مما خرج من هذا الأصل على أولية حاله.
[ ١ / ٢٢٠ ]
﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ﴾ (٢٤٨) ومن ذلك قال أبو بكر بن مجاهد: ﴿التّابُوتُ﴾ بالتاء قراءة الناس جميعا، ولغة للأنصار «التابوه» بالهاء.
قال أبو الفتح: أما ظاهر الأمر فأن يكون هذان الحرفان من أصلين: أحدهما «ت ب ت»، والآخر «ت ب هـ»، ثم من بعد هذا فالقول أن الهاء فى «التابوه» بدل من التاء فى «التابوت».
وجاز ذلك لما أذكره: وهو أن كلّ واحد من التاء والهاء حرف مهموس، ومن حروف الزيادة فى غير هذا الموضع. وأيضا فقد أبدلوا الهاء من التاء التى للتأنيث فى الوقف، فقالوا: حمزه، وطلحه، وقائمه، وجالسه. وذلك منقاد مطرد فى هذه التاء عند الوقف، ويؤكد هذا أن عامة عقيل فيما لا نزال نتلقاه من أفواهها تقول فى الفرات:
الفراه، بالهاء فى الوصل والوقف.
وزاد فى الأنس بذلك أنك ترى التاء فى الفرات تشبه فى اللفظ تاء فتاة وحصاة وقطاة، فلما وقف وقد أشبه الآخر الآخر أبدل التاء هاء، ثم جرى على ذلك فى الوصل، لأنه لم يكن البدل عن استحكام العلّة علّة فيراعى حال الوقف من حال الوصل ويفصل بينهما، فأشبه ذلك قولهم فى صبيان وصبية: صبيان وصبية؛ وذلك أن الأصل صبوان وصبوة، ثم قلب الواو ياء؛ استخفافا للكسرة قبلها، ولم يعتد بالساكن بينهما حاجزا لضعفه، ثم لما ضموا وزال الكسر أقروا الياء بحالها؛ جنوحا إليها لخفّتها، ولعلمهم أيضا أن البدل من الواو لم يكن عن استحكام علة فيعاودوا الأصل لزوالها، فلما تصوروا ضعف سبب القلب قنّعوا أنفسهم بالعدول إلى جهة الياء، فقالوا: صبيان وصبية، حتى كأن قائلا قال لهم: هلا لما زالت الكسرة راجعتم الواو فقالوا: أو كان القلب إنما كان عن وجوب أحدثته الكسرة حتى إذا فارقناها عاودنا الواو؟ إنما كان استحسانا، وكذلك فليكن مع الضمة أيضا استحسانا.
***
[ ١ / ٢٢١ ]
﴿وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما﴾ (٢٥٥) ومن ذلك ما روى عن الزّهرى والأعرج وأبى جعفر بخلاف عنهم: «ولا يووده حفظهما» بلا همز، ولم يقل: كيف قالوا؟.
قال ابن مجاهد: من لم يهمز قال: «يووده» فخلف الهمزة بواو ساكنة، فجمع بينها وبين الواو، فيجتمع ساكنان، فإن شاء ضمها فقال: «يووده». ومن ترك الهمز أصلا قال: «يوده».
قال أبو الفتح: خلّط ابن مجاهد فى هذا التفسير تخليطا ظاهرا غير لائق بمن يعتد إماما فى روايته، وإن كان مضعوفا فى فقاهته؛ وذلك أن قوله تعالى: ﴿يَؤُدُهُ﴾، لك فيه التحقيق والتخفيف، فمن حقّق أخلصها همزة، قال: «يئوده» كيعوده، ومن خفّف جعل الهمزة بين بين؛ أى بين الهمزة والواو؛ لأنها مضمومة، فجرى مجرى قولك فى تخفيف لؤم: لوم، وفى مئونة: موونة، ولا يخلصها واوا لأنها مضمومة، فقوله: بلا همز، أى يخففها، كذا أحسن الظن بهؤلاء المشيخة.
فأما ترك الهمز أصلا فشاذ، وينبغى لمن هو دونهم أن يصان عن أن يظن ذلك به.
فقول ابن مجاهد: إنه يخلف من الهمزة واو ساكنة فيجتمع ساكنان شديد الاضطراب، وذلك أنه قد سبق أن سبيل هذا أن يخفّف ولا يبدل، وإذا كان مخفّفا، فالواو متحركة لا ساكنة؛ فلا ساكنين هناك أصلا. نعم، ثم لما قال: إنه يجتمع ساكنان لم يذكر ماذا يعمل فيهما؟ قال: وإن شاء ضمها فقال: «يووده». وهذا هو الذى ينبغى أن يعمل عليه، ولكن ينبغى أن يعلم أنه لا يضم الواو، بل الضمة على الهمزة، إلا أنها مخففة فقربت بذلك من الواو لضعفها مع ضمها.
وقوله فيما بعد: ومن ترك الهمز أصلا قال: «يوده» يؤكد ما كنا قدمناه من أن قوله:
لا يهمز إنما يريد به التخفيف لا البدل والحذف، ولولا ذلك لم يقل: ومن ترك الهمز أصلا، فقوله: «أصلا» يدل على أنه لا يريد التخفيف الذى كان قدّمه.
وبعد، فمن ترك الهمزة أصلا؛ أى: حذفها البتة كما يحذفها من قولهم: لاب لك، أى: لا أب لك، ومن قولهم: ويلمّه، وأصلها: ويل لأمه، ومن قولهم: ناس وأصلها أناس، والله فى أحد قولى سيبويه الذى أصله فيه إله، وغير ذلك، فإنه إذا هو حذفها بقيت بعدها الواو التى هى عين الفعل ساكنة فصارت: «يوده». ومثاله على هذا اللفظ
[ ١ / ٢٢٢ ]
يعله، وأصل هذا كله يأوده كيعوده، يفعله كيقتله ونعبده، ثم نقلت الضمة من الواو التى هى عين الفعل إلى الهمزة التى هى فاء فعله، كما نقلت فى يعود من الواو إلى العين فصارت «يئوده» كيعوده، ووزنه الآن يفعله. هكذا محصول لفظه، فإذا هو حذف الهمزة البتة-وهى فاء الفعل-بقى يوده فى وزن يعله، والفاء على ما مضى محذوفة.
وعلى أن هذا الحذف لا يقدم أحد عليه قياسا لنكارته وضيق العذر فى اقتباسه، اللهم أن يسمع شئ منه فيودّى على ما فيه، ويشرح حديثه بواجب مثله، ولا يحمل سواه على مثل حاله.
***
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ (٢٥٧) ومن ذلك ما رواه جويرية بن بشير، قال: سمعت الحسن قرأها: «أولياؤهم الطّواغيت».
قال أبو الفتح: ينبغى أن يفهم هذا الموضع، فإن فيه صنعة، وذلك أن الطاغوت وزنها فى الأصل فعلوت. وهى مصدر بمنزلة الرغبوت والرهبوت والرحموت. وقد يقال فيها:
الرّغبوتى والرهبوتى والرحموتى. ويدل على أنها فى الأصل مصدر وقوع الطاغوت على الواحد والجماعة بلفظ واحد، فجرى لذلك مجرى قوم عدل ورضا، ورجل عدل ورضا، ورجلان عدل ورضا. فأما أصلها فهو طغيوت؛ لأنها من الياء، يدل على ذلك قوله ﷿: ﴿فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ هذا أقوى اللغة فيها؛ لأن التنزيل ورد به.
وروينا عن قطرب وغيره فيها الواو، طغا يطغو طغوّا. وقد يجوز على هذا أن يكون أصله: طغووت، كفعلوت من غزوت: غزووت. وأنا آنس بالواو فى هذه اللفظة لما أذكره لك بعد.
ثم إن اللام قدمت إلى موضع العين، فصارت بعد القلب طيغوت أو طوغوت، فلما تحركت الياء أو الواو وانفتح ما قبلها قلبت فى اللفظ ألفا؛ فصارت طاغوت كما ترى.
ووزنها الآن بعد القلب فلعوت. ومثالها من ضربت: ضربوت، ومن قتلت قتلوت. هذا إلى هنا بلا خلاف.
[ ١ / ٢٢٣ ]
وإذا جمع فصار طواغيت احتاج إلى نظر. فأما على أن يكون من طغوت فلا سؤال فيه، وذلك أن الألف على هذا كانت بدلا من لام طغوت، فلما احتاج إلى تحريك الألف المنقلبة عنها ردها إلى أصلها وهو الواو، فقال: طواغيت، ووزنها الآن فلاعيت.
ولو جاءت على واجب أصلها لكان طغاويت أو طغاييت، كقولك فى ملكوت-لو كسّرتها-: ملاكيت، ولو قبلت الواحد على حد قلب الطاغوت لقلت: مكلوت، وإن جمعت على هذا أعنى مقلوبا قلت: مكاليت. هذا على أن لام طاغوت واو- ماض منقاد على ما تراه.
لكن من ذهب إلى أن لام طاغوت ياء وجب عليه أن يجيب عن قلب الألف من طاغوت واوا فى قولهم: طواغيت، وكان قياسه على الطغيان أن يكون طياغيت.
والجواب: أن طاغوتا وإن كان من «ط غ ى» فإنه بعد نقله وقلبه قد صار كأنه فاعول، فلما كسر قلبت ألفه واوا، كما تقلب فى نحو تكسير عاقول وعواقيل، وراقود وروافيد. وهذا الشبه اللفظى كثير عنهم فاش متعالم بينهم؛ ألا تراهم قالوا:
مررت بمالك فأمالوا لشبهها بألف مالك. وقالوا طلبتا وعتتا، فأمالوا لشبه آخره بألف سكرى وبشرى؟ فكذلك شبهوا ألف طاغوت بألف جاموس وعاقول.
وحكى يونس فى تحقير الناب نويب؛ وذلك أنه حمل الألف هنا إذا كانت عينا على أحكام ما يكثر؛ وهو قلب العين عن الواو فى غالب الأمر، وهو: باب ودار وساق ونار، فقال: نويب وإن كان من الياء حملا على الباب الأكثر، وهو قولك فى مال:
مويل، وفى ساق: سويقة، وفى دار: دويرة.
وروينا عن قطرب فى كتابه الكبير طغى يطغى ويطغو، وطغيت وطغيت وطغوت طغيانا وطغوانا وطغوا وطغوّا وطغوى، فاعلم.
وألقى علينا أبو علىّ بحلب سنة ست وأربعين الكلام فى طغيان، واعتزم فى اللام الياء، فقال له فتى كان هناك من أهل منبج: فقد قالوا الطّغوى. فقال أبو على: خذ الآن إليك، هذا تصريفى، ينكر عليه احتجاجه بذلك، أى: ألا تعلم أن طغوى اسم،
[ ١ / ٢٢٤ ]
وأن فعلى إذا كانت اسما وكانت لامها ياء فإنها تقلب إلى الواو نحو: التّقوى والبقوى والفتوى والرّعوى والثّنوى والعوّى. وبعد؛ فإن كانت طغوى من طغوت فواوها أصلية كواو العدوى والدعوى، وإن كانت من طغيت فإنها بدل من الواو كالفتوى وبابها.
وأما الطواغى فجمع طاغية. قال الله سبحانه: ﴿فَأَمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾، فهو يحتمل أمرين:
أحدهما أن يكون أهلكوا بطغيانهم، كقولك: أهلكوا بالبلية الطاغية؛ أى: التى لا قبل لهم بها.
والآخر أن يكون: أهلكوا بطغيانهم، أى بكفرهم.
ومثل الطاغية وكونها مصدرا على فاعلة قوله تعالى: «لا﴾ يسمع ﴿فِيها لاغِيَةً» أى:
لغو، وتكسير اللاغية لواغ، كعافية وعواف، وعاقبة وعواقب. ومثل الطاغوت الحانوت، وهى فعلوت من حنوت؛ وذلك أن الحانوت يشتمل على من فيه، فكأنه يحنو عليه، فهى من الواو، وقلبت لامها إلى موضع العين فصار حونوت، ثم قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت حانوت.
وقول علقمة:
حانيّة حوم
منسوب إلى حانية فاعلة من هذا اللفظ والمعنى، ألا ترى إلى قول عمارة:
وكيف لنا بالشّرب فيها وما لنا … دوانيق عند الحانوىّ ولا نقد
فأما الحانة فمحذوفة من الحانية، ومثالها فاعة، ومثلها البالة من قولهم ما باليت بهم بالة، أصلها بالية فاعلة من هذا الموضع، ثم حذفت اللام تخفيفا. وإلى مثل ذلك ذهب الكسائى فى «آية» أنها محذوفة من فاعلة: آيية.
***
﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ (٢٥٨) ومن ذلك قراءة ابن السّميفع: «فبهت الذى كفر»، بفتح الباء والهاء والتاء،
[ ١ / ٢٢٥ ]
وكذلك قرأ أيضا نعيم بن ميسرة، وقرأ أبو حيوة شريح بن يزيد: «فبهت»»، بفتح الباء وضم الهاء. والقراءة العامة: ﴿فَبُهِتَ﴾.
قال أبو الفتح: زاد أبو الحسن الأخفش قراءة أخرى لا يحضرنى الآن ذكر قارئها، لم يسندها أبو الحسن: «فبهت»، بوزن علم. فتلك أربع قراءات.
فأما «بهت» قراءة الجماعة فلا نظر فيها.
وأما «بهت» فبمنزلة خرق وفرق وبرق، وأما «بهت» فأقوى معنى من بهت؛ وذلك أن فعل تأتى للمبالغة كقولهم: قضو الرجل إذا جاد قضاؤه، وفقه إذا قوى فى فقهه، وشعر إذا جاد شعره. وروينا عن أبى بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى: أن العرب تقول: ضربت اليد: إذا جاد ضربها. وكذلك بهت: إذا تناهى فى الخرق والبرق والحيرة والدّهشن.
وأما «بهت» فقد يمكن أن يكون من معنى ما قبله، إلا أنه جاء على فعل كذهل ونكل وعجز وكلّ ولغب، فيكون على هذا غير متعد كهذه الأفعال.
وقد يمكن أن يكون متعديا ويكون مفعوله محذوفا، أى: فبهت الذى كفر إبراهيم ﵇.
فإن قيل: فكيف يجوز على هذا أن يجتمع معنى القراءتين؟ ألا ترى أن بهت قد عرف منه أنه كان مبهوتا لا باهتا، وأنت على هذا القول تجعله الباهت لا المبهوت.
قيل: قد يمكن أن يكون معنى قوله: بهت أى رام أن يبهت إبراهيم ﵇ إلا أنه لم يستو له ذلك، وكانت الغلبة فيه لإبراهيم ﵇.
وجاز أن يقول: بهت، وإنما كانت منه الإرادة، كما قال جلّ وعزّ: ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، أى: إذا أردتم القيام إليها. كقوله: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ﴾
[ ١ / ٢٢٦ ]
﴿الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾، أى: إذا أردت قراءته، فاكتفى بالمسبب الذى هو القيام والقراءة من السبب الذى هو الإرادة.
وقد أفردنا لهذا الموضع بابا فى كتابنا الخصائص.
ويجوز جوازا حسنا أن يكون فاعل «بهت» إبراهيم، أى: فبهت إبراهيم الكافر؛ ليلتقى معنى هذه القراءة مع معنى الأخرى التى هى: «فبهت الذى كفر». وعليه قطع أبو الحسن.
فإن قيل: فما معنى هذا التطاول والإبعاد فى اللفظ ولم يقل: «بهت» وإبراهيم ﵇ هو الباهت.
قيل: إن الفعل إذا بنى للمفعول لم يلزم أن يكون ذلك للجهل بالفاعل، بل ليعلم أن الفعل قد وقع به، فيكون المعنى هذا لا ذكر الفاعل. ألا ترى إلى قول الله تعالى:
﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا﴾، وقوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾، وهذا مع قوله ﷿: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾، وقال سبحانه:
﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ﴾. فالغرض فى نحو هذا المعروف الفاعل إذا بنى للمفعول إنما هو الإخبار عن وقوع الفعل به حسب، وليس الغرض فيه ذكر من أوقعه به، فاعرف ذلك.
***
﴿فَصُرْهُنَّ﴾ (٢٦٠) ومن ذلك قراءة ابن عباس: «فصرّهنّ»، مكسورة الصاد مشددة الراء وهى
[ ١ / ٢٢٧ ]
مفتوحة، وقراءة عكرمة: «فصرّهنّ إليك»»، بفتح الصاد، وقال: قطّعهن. وعن عكرمة أيضا: «فصرّهنّ»، ضم الصاد وشدد الراء، ولم يقل مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة.
قال: وهو يحتمل الثلاثة، كمدّ ومدّ ومدّ.
قال أبو الفتح: أما «فصرّهنّ»، بكسر الصاد وتشديد الراء فغريب؛ وذلك أنّ يفعل فى المضاعف المتعدى شاذ قليل، وإنما بابه فيه يفعل، كصبّ الماء يصبّه، وشد الحبل يشده وفرّ الدابّة يفرّها، ثم إنه قد مرّ بى مع هذا من يفعل فى المتعدى حروف صالحة، وهى: نم الحديث ينمه وينمه، وعلّه بالماء يعلّه ويعلّه، وهرّ الحرب يهرّها ويهرّها، وغذّ العرق الدم يغذّه ويغذّه. وقالوا: حبّه ويحبّه بالكسر لا غير. وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن أن بعضهم قرأ: «لن يضرّوا الله شيئا» بكسر الضاد فى أحرف سوى هذه، ولمجئ المتعدى من هذا مضموما-وبابه وقياسه الكسر-نظر ليس هذا موضعه.
فيكون صرّهن من هذا الباب على صرّه يصرّه.
وأما «صرّهن» بضم الصاد فعلى الباب؛ أعنى: ضم عين يفعل فى مضاعف المتعدى.
والوجه ضم الراء لضمه الهاء من بعدها، والفتح والكسر من بعد.
وأما «فصرّهنّ» فهذا فعّلهنّ من صرّى يصرّى: إذا حبس وقطع. قال:
ربّ غلام قد صرى فى فقرته … ماء الشباب عنفوان سنبته
[ ١ / ٢٢٨ ]
أى حبسه وقطعه. ومنه الشاة المصرّاة أى المحبوسة اللبن المقطوعته فى ضرعها عن الخروج وماء صرى وصرى: إذا طال حبسه فى موضعه، ومنه الصّرّاء للملاح، وذلك أنه يمسك السفينة ويحفظها ويصريها عما يدعو إلى هلاكها.
***
﴿جُزْءًا﴾ (٢٦٠) ومن ذلك قراءة أبى جعفر والزهرى: «جزّا».
قال أبو الفتح: أصله الهمز جزءا، ثم خففت همزته على قولك فى تخفيف الخبء:
الخب، ثم إنك إذا خففت نحو ذلك ووقفت عليه كان لك فيه السكون على العبرة، وإن شئت الإشمام الجز، وإن شئت روم الحركة الجز، وإن شئت التشديد على خالدّ وهو يجعلّ، فيقول على هذا: الجزّ، ثم إنه وصل على وقفه، فقال: جزّا.
ومثله مما أجرى فى الوصل مجراه فى الوقف من التشديد، ما أنشدناه أبو على وقرأته على أبى بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى:
ببازل وجناء أو عيهلّ … كأن مهواها على الكلكلّ
يريد العيهل والكلكل.
وفيها ما قرأته على أبى بكر دون أبى على:
تعرضت لى بمجاز حل … تعرض المهرة فى الطول
وفيها:
ومقلتان جونتا المكحلّ
وقد كان ينبغى إذا كان إنما شدد عوضا من الإطلاق أن إذا أطلق عاد إلى التخفيف، إلا أن العرب قد تجرى الوصل مجرى الوقف تارة، وتارة الوقف مجرى الوصل، فعلى هذا وجه القراءة المذكورة «جزّا» فاعرفه.
***
[ ١ / ٢٢٩ ]
﴿كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ﴾ (٢٦٤) ومن ذلك قراءة سعيد بن المسيب والزهرى: «كمثل صفوان عليه تراب»»، بفتح الفاء.
قال أبو الفتح: أكثر ما جاء فعلان فى الأوصاف والمصادر. فالأوصاف كقولهم:
رجل شقذان للخفيف، وقالوا: أكذب من الأخيذ الصّبحان بفتح الباء كما ترى، وقد روى الصبحان بتسكينها. ويوم صخدان ولهبان لشدة الحر، وعير فلتان ورجل صميان: ماض منجرد.
وأما المصادر فنحو الوهجان والنّزوان والغليان والغثيان والقفزان والنّقران. والمعنى- فى الوصف والمصدر جميعا من هذا المثال-الحركة والخفّة والإسراع، وهو فى الأسماء غير الصفات والمصادر قليل، غير أنهم قد قالوا: الورشان والكروان والشّبهان لضرب من النبت وقيل: الشّبهان، بضم الباء وقالوا: العنبان للتيس من الظباء النشيط، فإذا كان كذلك كان الصفوان أيضا مما جاء من غير الأوصاف والمصادر على فعلان.
***
﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ (٢٦٧) ومن ذلك قراءة الزهرى ومسلم بن جندب «ولا تيمّموا الخبيث» بضم التاء وكسر الميم.
قال أبو الفتح: فيها لغات: أممت الشى ويممته وأمّمته ويمّمته وتيمّمته، وكلّه قصدته.
قال الأعشى:
تؤم سنانا وكم دونه … من الأرض محدودبا غارها
وقال الآخر:
[ ١ / ٢٣٠ ]
يممت بها أبا صخر بن عمرو
وقال:
تيممت العين التى عند ضارج … يفئ عليها الظل عرمضها طام
والأمّ: القصد، ومثله الأمت. ومنه الإمام لأنه المقصود المعتمد، والإمام أيضا: خيط البنّاء؛ لأنه يمده ويعتمد بالبناء عليه، والأمّة: الطريقة لأنها معتمدة. قال الله سبحانه:
﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾، أى على طريقة مقصودة.
*** ﴿إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ (٢٦٧) ومن ذلك قراءة الزهرى: «إلاّ أن تغمضوا فيه»» بفتح التاء، من غمض. وروى أيضا: «تغمّضوا فيه»»، مشددة الميم. وقرأ قتادة: «إلا أن تغمضوا فيه»»، بضم التاء وفتح الميم.
قال أبو الفتح أما قراءة العامة، وهى: ﴿إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ فوجهها أن تأتوا غامضا من الأمر لتطلبوا بذلك التأوّل على أخذه، فأغمض على هذا: أتى غامضا من الأمر، كقولهم: أعمن الرجل: أتى عمّان، وأعرق: أتى العراق، وأنجد: أتى نجدا، وأغار:
أتى الغور. واختيار الأصمعى هنا غار، وليس هذا على قول الأصمعى أتى الغور، وإنما
[ ١ / ٢٣١ ]
هو غار، أى: غمض وانشام هناك، كقولك: ساخ وسرب. ولو أراد معنى صار إلى هناك لكان أغار، كما قال:
نبى يرى ما لا ترون وذكره … أغار لعمرى فى البلاد وأنجدا
ورواية الأصمعى: غار، على ما مضى، وليس المعنى ما قدمنا واحدا.
وأما «تغمضوا فيه» فيكون منقولا من غمض هو وأغمضه غيره، كقولك: خفى وأخفاه غيره، فهو كقراءة من قرأ «أن تغمضوا فيه». ولم يذكر ابن مجاهد هل الميم مع فتح التاء مكسورة أو مضمومة، والمحفوظ فى هذا غمض الشئ يغمض، كغار يغور، ودخل يدخل، وكمن يكمن، وغرب يغرب.
والمعنى: أن غيرهم يغمضهم فيه من موضعين:
أحدهما: أن الناس يجدونهم قد غمضوا فيه، فيكون من أفعلت الشئ وجدته كذلك، كأحمدت الرجل وجدته محمودا، وأذممته: وجدته مذموما. ومنه قوله:
وقوم كرام قد نقلنا قراهم … إليهم فأتلفنا المنايا وأتلفوا
أى وجدناها متلفة.
وقوله:
فمضى وأخلف من قتيلة موعدا …
[ ١ / ٢٣٢ ]
أى: صادفه مخلفا.
وقول رؤبة:
وأهيج الخلصاء من ذات البرق …
أى صادفها مهتاجة النبت.
ومنه قول الله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾، أى صادفناه غافلا. ولو كان أغفلنا هنا منقولا من غفل، أى منعناه وصددناه، لكان معطوفا عليه بالفاء «فاتّبع هواه». وذلك أنه كان يكون مطاوعا، وفعل المطاوعة إنما يكون معطوفا بالفاء دون الواو، وذلك كقوله: أعطيته فأخذ، ودعوته فأجاب. ولا تقول هنا: أعطيته وأخذ، ولا دعوته وأجاب، كما لا تقول: كسرته وانكسر، ولا جذبته وانجذب. إنما تقول: كسرته فانكسر، وجذبته فانجذب وهذا شديد الوضوح والإنارة على ما تراه.
وكذلك لو كان معنى أغفلنا فى الآية منعنا وصددنا لكان معطوفا عليه بالفاء، وأن يقال: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه. وإذ لم يكن هكذا، وكان إنما هو «واتبع» فطريقه أنه لما قال أغفلنا قلبه عن ذكرنا فكأنه قال: وجدناه غافلا، وإذا وجد غافلا فقد غفل لا محالة، فكأنه قال إذا: ولا تطع من غفل قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا، أى لا تطع من فعل كذا، يعدد أفعاله التى توجب ترك طاعة الله سبحانه. ونسأل الله توفيقا من عنده ودنوّا من مرضاته بمنّه ومشيئته. فهذا أحد وجهى «تغمضوا فيه»، أى: إلا أن توجدوا مغمضين متغاضين عنه.
والآخر: أن يكون «تغمضوا فيه»، أى: إلا أن تدخلوا فيه وتجذبوا إليه، وذلك
[ ١ / ٢٣٣ ]
الشئ الذى يدعوهم إليه، ويحملهم عليه هو: رغبتهم فى أخذه ومحبتهم لتناوله. فكأنه- والله أعلم-إلا أن تسوّل لكم أنفسكم أخذه فتحسّن ذلك لكم، وتعترض بشكه على يقينكم حتى تكاد الرغبة فيه تكرهكم عليه.
ويزيد فى وضوح هذا المعنى لك ما روى عن الزهرى أيضا من قراءته: «إلاّ أن تغمّضوا فيه»، أى: إلا أن تغمّضوا بصائركم وأعين علمكم عنه؛ فيكون نحوا من قوله:
إذا تخازرت وما بى من خزر …
وهو معنى مطروق، منه قول الله تعالى: «فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ». وجاء به بعض المولدين فقال:
خالد اللّؤم أمغض … أنت؟ لا بل متغاضى
وآخر ذلك قول شاعرنا:
تصفو الحياة لجاهل أو غافل … عما مضى منها وما يتوقّع
ولمن يغالط فى الحقائق نفسه … ويسومها طلب المحال فتتبع
وما أظرف الأول وأدمثه فى قوله:
[ ١ / ٢٣٤ ]
أبكى إلى الشرق ما كانت منازلها … مما يلى الغرب خوف القيل والقال
وأذكر الخال فى الخد اليمين لها … خوف الوشاة وما بالخد من خال
***
﴿اِتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ (٢٧٨) ومن ذلك قراءة الحسن: «اتّقوا الله وذروا ما بقى من الرّبا»، بكسر القاف وسكون الياء.
قال أبو الفتح: قد سبق ما فى سكون هذه الياء المكسور ما قبلها فى موضع النصب والفتح بشواهده. ومنه قول جرير:
هو الخليفة فارضوا ما رضى لكم … ماضى العزيمة ما فى حكمه جنف
[ ١ / ٢٣٥ ]
ومن ذلك ما رواه ابن مجاهد عن أبى زيد عن أبى السّمّال: أنه كان يقرأ: «ما بقى من الرّبو»، مضمومة الباء ساكنة الواو.
قال أبو الفتح: فى هذا الحرف ضربان من الشذوذ.
أحدهما: الخروج من الكسر إلى الضم بناء لازما.
والآخر: وقوع الواو بعد الضمة فى آخر الاسم، وهذا شئ لم يأت إلا فى الفعل نحو يغزو ويدعو ويخلو، فأما «ذو» الطائية التى بمعنى الذى نحو قوله:
لأنتحيا للعظم ذو أنا عارقه …
فشاذ، وعلى أن منهم من يغير هذه الواو إذا فارق الرفع. فيقول: رأيت ذا قام أخوه، ومررت بذى قام أخوه.
وسألت أبا على عن حكاية أبى زيد «فعلته من ذى إلينا». فقال: أراد من الذى إلينا.
فقلت: فهذا يوجب عليه أن يقول من ذو إلينا.
فقال-وهو كما قال-: قد تغير هذه الواو فى النصب والجر، وعلى أن ذو هذه لما كانت موصولة وقعت واوها حشوا فأشبهت واو طومار، كما أشبهت عند صاحب الكتاب ياء معد يكرب ياء دردبيس.
والذى ينبغى أن يتعلّل به فى الرّبو بالواو هو أنه فخّم الألف انتحاء بها إلى الواو التى الألف بدل منها على حد قولهم: الصلاة والزكاة، وكمشكاة، وكقولهم: عالم وسالم وسالف وآنف. وكأنه بيّن التفخيم فقوى الصوت فكان الواو أو كاد، إلا أن الراوى أبو زيد، وما أبعده مع علمه وفقهه باللغة من أن تتطرق ظنّة عليه فى تحصيل ما يسمعه.
فإن قلت فلعله شبه ذوات العلة بذوات الهمز فوقف على الواو، كما قالوا: هو الرّدو والبطو. قيل: هذه الواو إنما تكون مع الهمزة فى هذا الكلو ومررت بالكلى فى موضع
[ ١ / ٢٣٦ ]
الرفع، وموضع الرّبو جر بمن فى قوله: «من الرّبو». وعلى أن الكلو مفتوح ما قبل الواو، والباء من الرّبو مضمومة: وعلى أى الأمر حملته فهو شاذ.
***
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ﴾ (٢٦٩) ومن ذلك قراءة الزهرى ويعقوب: «ومن يوت الحكمة»»، بكسر التاء.
قال أبو الفتح: وجهه على أن الفاعل فيه اسم الله تعالى، أى: ومن يوت الله الحكمة، من منصوبة على أنها المفعول الأول والحكمة المفعول الثانى، كقولك: أيّهم تعط درهما يشكرك.
***
﴿فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢٨٠) ومن ذلك قراءة الحسن بخلاف، وأبى رجاء ومجاهد فيما روى عنه: «فنظرة إلى ميسرة»، وقراءة عطاء بن أبى رباح: «فناظره» بالألف، والهاء كناية. وروى أيضا عن عطاء: «فناظره إلى ميسره»، أمر.
قال أبو الفتح: أما «فنظرة» بسكون الظاء فمسكّنة للتخفيف من «نظرة»، كقولهم فى كلمة: كلمة، وفى كبد كبد، لغة تميمية. وهم الذين يقولون فى كرم: كرم، وفى كتب: كتب.
[ ١ / ٢٣٧ ]
وأما فناظره فكقولك: فياسره فسامحه وليس أمرا من المناظرة؛ أى المحاجة والمجادلة، لكنها من المساناة والمسامحة، فيقول على هذا: قد تناظر القوم بينهم الحقوق، كقولك:
قد تسامحوا فيها ولم يضايق بعضهم بعضا.
ويقول عليه: لله متبايعان رأيتهما، فقد تناظرا، أى: تسامحا ولم يتحاجا.
وأما «إلى ميسره». فغريب؛ وذلك أنه ليس فى الأسماء شئ على مفعل بغير تاء، لكنه بالهاء، نحو المقدرة والمقبرة والمشرقة والمقنوة. وأما قوله:
أبلغ النعمان عنى مألكا … أنه قد طال حبسى وانتظار
فطريقه عندنا أنه أراد مألكة، وهى الرسالة، غير أنه حذف الهاء وهو يريدها، كما قال كثير:
خليلى إن أمّ الحكيم تحملت … وأخلت لخيمات العذيب ظلالها
يريد العذيبة. وكما قال ملك بن جبّار الطائى:
إنا بنو عمكم لا أن نباعلكم … ولا نصالحكم إلا على ناح
يريد ناحية. وكذلك قول الآخر:
بثين الزمى لا إنّ لا إن لزمته … على كثرة الواشين أىّ معون
يريد معونة فحذف. وقيل: أراد جمع معونة. وكذلك قول الآخر:
[ ١ / ٢٣٨ ]
ليوم روع أو فعال مكرم …
يريد مكرمة ثم حذف. وقيل: أراد جمع مكرمة، وكذلك أراد هنا إلى ميسرته، فحذف الهاء. وحسن ذلك شيئا أن ضمير المضاف إليه كاد يكون عوضا من علم التأنيث. وإليه ذهب الكوفيون فى قوله تعالى: ﴿وَإِقامَ الصَّلاةِ﴾ أنه أراد إقامة، وصار المضاف إليه كأنه عوض من التاء.
ويشهد لهذا قراءة من قرأ «فنظرة إلى ميسرة»». قرأ بها نافع فى جماعة من الصحابة، فاعرف.
***
﴿وَاِتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى﴾ (٢٨١) ومن ذلك قراءة الحسن: «واتقوا يوما يرجعون فيه» بياء مضمومة.
قال أبو الفتح: فيه أنه ترك الخطاب إلى لفظ الغيبة كقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾، غير أنه تصور فيه معنى مطروقا هنا فحمل الكلام عليه، وذلك أنه كأنه قال: واتقوا يوما يرجع فيه البشر إلى الله فأضمر على ذلك، فقال: يرجعون فيه إلى الله.
[ ١ / ٢٣٩ ]
وقد شاع واتسع عنهم حمل ظاهر اللفظ على معقود المعنى، وترك الظاهر إليه، وذلك كتذكير المؤنث وتأنيث المذكر وإفراد الجماعة وجمع المفرد. وهذا فاش عنهم، وقد أفردنا له بابا فى كتابنا فى الخصائص ووسمناه هناك بشجاعة العربية. وكأنه-والله أعلم-إنما عدل فيه عن الخطاب إلى الغيبة فقال: يرجعون بالياء رفقا من الله سبحانه بصالحى عباده المطيعين لأمره.
وذلك أن العود إلى الله للحساب أعظم ما يخوّفه ويتوعّد به العباد. فإذا قرئ ترجعون فيه إلى الله فقد خوطبوا بأمر عظيم يكاد يستهلك ذكره المطيعين العابدين، فكأنه تعالى انحرف عنهم بذكر الرجعة فقال: يرجعون فيه إلى الله. ومعلوم أن كل وارد هناك على أهول أمر وأشنع خطر، فقال: يرجعون فيه، فصار كأنه قال: يجازون أو يعاقبون أو يطالبون بجرائرهم فيه، فيصير محصوله من بعد، أى: فاتقوا أنتم يا مطيعون يوما يعذّب فيه العاصون.
ومن قرأ بالتاء «ترجعون» فإنه فضل تحذير للمؤمنين نظرا لهم واهتماما بما يعقب السلامة بحذرهم، وليس ينبغى أن يقتصر فى ذكر علة الانتقال من الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى الخطاب بما عادة توسط أهل النظر أن يفعلوه، وهو قولهم: إن فيه ضربا من الاتساع فى اللغة لانتقاله من لفظ إلى لفظ. هذا ينبغى أن يقال: إذا عرى الموضع من غرض معتمد، وسر على مثله تنعقد اليد.
فمنه قوله تعالى: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، هذا بعد قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾. فليس ترك الغيبة إلى الخطاب هنا اتساعا وتصرفا، بل هو لأمر أعلى ومهم من الغرض أعنى. وذلك أن الحمد معنى دون العبادة، ألا تراك قد تحمد نظيرك ولا تعبده؛ لأن العبادة غاية الطاعة والتقرب بها هو النهاية والغاية؟ فلما كان كذاك استعمل لفظ «الحمد» لتوسطه مع الغيبة، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾، ولم يقل لك، ولما صار إلى العبادة التى هى أقصى أمد الطاعة قال: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ﴾، فخاطب بالعبادة إصراحا بها، وتقربا منه عز اسمه بالانتهاء إلى محدوده منها.
وعلى نحو منه جاء آخر السورة، فقال: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فأصرح بالخطاب لمّا ذكر النعمة، ثم قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، ولم يقل غير الذين غضبت عليهم، وذلك أنه موضع تقرب من الله بذكر نعمه، فلما صار الكلام إلى ذكر
[ ١ / ٢٤٠ ]
الغضب قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، حتى كأنه قال: غير الذين غضب عليهم، فجاء اللفظ منحرفا به عن ذكر الغاضب، ولم يقل غير الذين غضبت عليهم كما قال:
﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فأسند النعمة إليه لفظا، وزوى عنه لفظ الغضب تحسنا ولطفا.
فانظر إلى هذه اللغة الكريمة وشرفها، وتلاقى هذه الأغراض اللطيفة وتعطفها، الأقدام تكاد تطؤها، والأفهام مع ثقوبها صافحة عنها، ويا ليت شعرى هل تكون سورة أكثر استعمالا من سورة الحمد، وهذا جزء من أجزاء ما فيها ولم توضع عليه يد؟ شرح الله لإعظام أوامره صدورنا، وأحسن الأخذ إلى طاعته بأيدينا بقدرته وماضى مشيئته.
ومما يتلقّاه عامة من يسأل عنه بأنه أخذ باللغتين، وسعة باختلاف اللفظين-قراءة أبى عمرو: «وتفقّد الطير فقال ما لى لا أرى الهدهد»، بسكون الياء من «لى»، وقراءته أيضا: «وما لى لا أعبد الذى فطرنى»، بتحريك الياء.
وعلة ذلك ليس الجمع بين اللغتين كما يفتى به جميع من تسأله عنه، لكنه لما جاز الوقف على قوله تعالى: «وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ»، وأن يستأنف فيقول: «لا أَرَى الْهُدْهُدَ» -سكن الياء من «لى»؛ أمارة لجواز الوقوف عليها. ولما لم يحسن الابتداء بقوله: «لا أعبد الذى فطرنى» -حرك الياء من «لى» قبلها؛ أمارة لإدراج الكلام ووصله، وذاك أن الحركة من أعراض الوصل، والسكون من أعراض الوقف. فهل يحسن مع وجود هذا الفرق الواضح الكريم أن يخلد دونه إلى التّعذّر بما يخلد إليه الموهون المضيم؟ اللهم انفعنا بما استودعتناه، واجعل بك اعتصامنا، وإلى طاعتك توجّهنا، إنك لطيف بنا وأنت حسبنا.
***
[ ١ / ٢٤١ ]
﴿وَاِمْرَأَتانِ﴾ (٢٨٢) ومن ذلك ما رواه متّ بن عبد الرحمن قال: كان أهل مكة يقرءون: «وامرأتان»، بسكون الهمزة.
قال أبو الفتح: وجه ذلك-والله أعلم-أنهم كانوا يخففون الهمزة هنا فيضعفون حركتها على المعتاد من أمرها، فتقرب من الساكن.
ويدلّ على أن الهمزة المحركة إذا خففت فى نحو هذا قريبة من الساكن-امتناع العرب من أن تبتدئ بها مخففة كما تمتنع من الابتداء بالساكن، فلما صارت إلى قولك:
«وامرأتان» بالغوا فى ذلك فأبدلوها ألفا، فصارت: «وامراتان» بألف ساكنة، كما قال:
يقولون جهلا ليس للشيخ عيّل … لعمرى لقد أعيلت وان رقوب
يريد وأنا، فخفف الهمزة فصار «وان»، ثم تجاوز ذلك إلى البدل فأخلصها فى اللفظ ألفا فقال: وان. فكذلك لما أبدل من همزة «وامرأتان» ألفا فصار تقديره: «وامراتان»، ثم أبدل الهمزة من الألف وإن كانت ساكنة على ما قدمنا ذكره فيما قبل. وعليه قراءة ابن كثير: «وكشفت عن سأقيها». ومنه البأز، والخأتم، والعألم، وتأبلت القدر، ونحو ذلك مما قدمنا ذكره. هذا طريق الصنعة فيه والتأتى له.
فأما أن يقدّر به مقدّر على أنه أسكن الهمزة المتحركة اعتباطا البتة هكذا فلا؛ لأنه لا نظير له. ألا ترى أن ما قبل تاء التأنيث لا يكون أبدا إلا مفتوحا، نحو جوزة ورطبة، إلا أن تكون الألف المدة نحو فتاة وقطاة؟ فأما الهمزة فحرف صحيح حامل للحركة فتجب فتحته البتة. فإن قلت: أسكن الهمزة تشبيها لها بالألف من حيث تساوتا فى
[ ١ / ٢٤٢ ]
الجهر، وفى الزيادة، وفى البدل، وفى الحرف، وفى قرب المخرج، وفى الخفاء-فقول ما، غير أنه مخشوب لا صنعة فيه ولا يكاد يقنع بمثله.
***
﴿وَلا يُضَارَّ﴾ (٢٨٢) ومن ذلك قراءة عمرو بن عبيد وأبى جعفر يزيد بن القعقاع: «ولا يضارّ»، بتشديد الراء وتسكينها.
قال أبو الفتح: أما تشديد الراء فلا سوال فيه؛ لأنه يريد يضارر، بفتح الراء الأولى أو بكسرها. وكلاهما قد قرئ به؛ أعنى: الفتح فى الراء الأولى والكسر. والإدغام لغة تميم، والإظهار لغة الحجازيين على ما مضى، لكن تسكين الراء مع التشديد فيه نظر.
وطريقه أنه أجرى الوصل مجرى الوقف كقوله: سبسبّا، وكلكلا. وقد ذكرنا هذا الوصل على نية الوقف فيما مضى. وقد كنا ذكرنا فيما قبل ما يروى عن الأعرج عن أبى جعفر من تسكين الراء على أنها مخففة، وأيّا كان ففيه ما مضى.
وقراءة ابن محيصن: «ولا يضارّ»، رفع. قال ابن مجاهد: لا أدرى ما هى؟. وهذا الذى أنكره ابن مجاهد معروف، وذلك على أن تجغل «لا» نفيا؛ أى: وليس ينبغى أن يضار، كقوله:
على الحكم المأتى يوما إذا قضى … قضيّته ألا يجور ويقصد
[ ١ / ٢٤٣ ]
فرفع «ويقصد» على أنه أراد: وينبغى له أن يقصد فرفع يقصد كما يرتفع ينبغى.
فكذا هذا؛ أى وينبغى ألا يضار. وإن شئت كان لفظ الخبر على معنى النهى حتى كأنه قال: ولا يضارر، كقولهم فى الدعاء: يرحمه الله، أى ليرحمه الله، ويغفر الله لك، أى ليغفر الله لك، ولا يرحم الله قاتلك، فرفع على لفظ الخبر وأنت تريد: لا يرحمه الله جزما فتأتى بلفظ الخبر وأنت تريد معنى الأمر والنهى على ما ذكرنا.
***
﴿يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ (٢٨٤) ومن ذلك ما رواه الأعمش قال: فى قراءة ابن مسعود: «يحاسبكم به الله يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء»، جزم بغير فاء.
قال أبو الفتح: جزم هذا على البدل من «يحاسبكم» على وجه التفصيل لجملة الحساب، ولا محالة أن التفصيل أوضح من المفصّل، فجرى مجرى بدل البعض أو الاشتمال. والبعض: كضربت زيدا رأسه، والاشتمال كأحبّ زيدا عقله. وهذا البدل ونحوه واقع فى الأفعال وقوعه فى الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان. فمن ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾. لأن مضاعفة العذاب هو لقىّ الأثام.
وعليه قوله:
رويدا بنى شيبان بعض وعيدكم … تلاقوا غدا خيلى على سفوان
تلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى … إذا ما غدت فى المأزق المتدانى
تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم … على ما جنت فيهم يدا الحدثان
[ ١ / ٢٤٤ ]
فأبدل تلاقوا جيادا من قوله: تلاقوا غدا خيلى، وجاز إبداله منه للبيان وإن كان من لفظه وعلى مثاله؛ لما اتصل بالثانى من قوله: جيادا لا تحيد عن الوغى، وأبدل تلاقوهم من تلاقوا جيادا لما اتصل به من المعطوف عليه وهو قوله: «فتعلموا كيف صبرهم».
وإذا حصلت فائدة البيان لم تبل أمن نفس المبدل كانت، أم ممّا اتصل به فضلة عليه، أم من معطوف مضموم إليه؛ فإن أكثر الفوائد إنما تجتنى من الألحاق والفضلات. نعم وما أكثر ما تصلح الجمل وتتمّمها، ولولا مكانها لوهت فلم تستمسك.
ألا تراك لو قلت: زيد قامت هند لم تتم الجملة؟ فلو وصلت بها فضلة ما لتمت، وذلك كأن تقول: زيد قامت هند فى داره، أو معه، أو بسببه، أو لتكرمه، أو فأكرمته، أو نحو ذلك-فصحت المسألة؛ لعود الضمير على المبتدأ من الجملة. وعليه قول كثير فيما أظن:
وإنسان عينى يحسر الماء تارة … فيبدو وتارت يجم فيغرق
فبالمعطوف على يحسر الماء ما تمت الجملة. وفى هذا بيان.
***
[ ١ / ٢٤٥ ]