﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ﴾ (١) من ذلك حكى أبو عمرو أن أهل نجران يقولون: «براءة من الله»؛ يجرّون الميم والنون.
قال أبو الفتح: حكاها سيبويه، وهى أول القياس، تكسرها لالتقاء الساكنين، غير أنه كثر استعمال «من» مع لام المعرفة فهربوا من توالى كسرتين إلى الفتح. وإذا كانوا قد قالوا: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾، ﴿وَقُلِ الْحَقُّ﴾، ففتحوا ولم تلتق هناك كسرتان فالفتح فى ﴿مِنَ اللهِ﴾ لتوالى الكسرتين أولى.
***
﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ (٤) ومن ذلك قراءة عكرمة: «ثم لم ينقضوكم شيئا»»، بالضاد معجمة. قال: أى لم ينقضوا أموركم، وهو كناية حسنة عن النقص؛ لأنه إذا نقصه شيئا من خاصّه فقد نقضه عما كان، فهذه طريقة.
***
﴿إِلاًّ وَلا ذِمَّةً﴾ (٨) ومن ذلك قراءة عكرمة أيضا: «إيلا ولا ذمّة»»، بياء بعد الكسرة خفيفة اللام.
[ ١ / ٣٩٩ ]
قال أبو الفتح: طريق الصنعة فيه أن يكون أراد «إلاّ» كقراءة الجماعة، إلا أنه أبدل اللام الأولى ياء لثقل الإدّغام، وانضاف إلى ذلك كسرة الهمزة وثقل الهمزة. وقد جاء نحو هذا أحرف صالحة كدينار، لقولهم: دنانير، وقيراط لقولهم: قراريط، وديماس فيمن قال: دماميس، وديباج فيمن قال: دبابيج، وشيراز فيمن قال: شراريز. وقد جاء مع الفتحة استثقالا للتضعيف وحده. قال سعد بن قرط يهجو أمّه:
يا ليتما أمّنا شالت نعامتها … أيما إلى جنة أيما إلى نار
وروينا عن قطرب:
لا تفسدوا آبالكم … أيما لنا أيما لكم
وقال عمر بن أبى ربيعة:
رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت … فيضحى وأيما بالعشى فيخصر
وقد قلبوا الثانى منهما فقالوا فى أمللت: أمليت، وفى أملّ: أملى أنا. وحدثنا أبو على أن أحمد بن يحيى حكى عنهم: لا وربيك لا أفعل، أى لا وربّك، فكذا تكون قراءة عكرمة «إيلا ولا ذمّة»، يريد إلاّ، وأبدل الحرف، الأول ياء لما ذكرناه.
وقد يجوز أن يكون فعلا من ألت الشئ إذا سسته أءوله إيالة. إلا أنه قلب الواو ياء لسكونها والكسرة قبلها.
***
﴿وَيَتُوبُ اللهُ﴾ (١٥) ومن ذلك قراءة الأعرج وابن أبى إسحاق وعيسى الثقفى وعمرو
[ ١ / ٤٠٠ ]
ابن عبيد ورويت عن أبى عمرو: «ويتوب الله»، بالنصب.
قال أبو الفتح: إذا نصب فالتوبة داخلة فى جواب الشرط معنى، وإذا رفع كقراءة الجماعة فقال: ﴿وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ فهو استئناف؛ وذلك أن قوله:
﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ فهو كقولك: إن تزرنى أحسن إليك وأعطى زيدا درهما، فتنصبه على إضمار أن، أى: إن تزرنى أجمع بين الإحسان إليك والإعطاء لزيد.
والوجه قراءة الجماعة على الاستئناف؛ لأنه تم الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾، ثم استأنف فقال: ﴿وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾، فالتوبة منه سبحانه على من يشاء ليست مسببة عن قتالهم، هذا هو الظاهر؛ لأن هذه حال موجودة من الله تعالى قاتلوهم أو لم يقاتلوهم، فلا وجه لتعليقها بقاتلوهم. فإن ذهبت تعلّق هذه التوبة بقتالهم إياهم كان فيه ضرب من التعسف بالمعنى.
***
﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ (١٩) ومن ذلك قراءة ابن الزّبير وأبى وجزة السعدى ومحمد بن على وأبى جعفر
[ ١ / ٤٠١ ]
القارى: «أجعلتم سقاة الحاجّ» وعمرة المسجد الحرام»، وقرأ «سقاية الحاجّ وعمرة المسجد»» الضحاك.
قال أبو الفتح: أما سقاة فجمع ساق، كقاض وقضاة وغاز وغزاة. وعمرة جمع عامر، ككافر وكفرة وبارّ وبررة.
وأما سقاية ففيه النظر، ووجهه أن يكون جمع ساق، إلا أنه جاء على فعال كعرق وعراق، ورخل ورخال، وتوءم وتؤام، وظئر وظآر، وإنسان وأناس، وثنى وثناء، وبرئ وبراء.
فكان قياسه إذ جاء به على فعال أن يكون سقاء، إلا أنه أنثه كما يؤنّث من الجمع أشياء غيره، نحو حجارة وعيارة وقصير وقصارة.
[ ١ / ٤٠٢ ]
وجاءت فى شعر الأعشى وعيورة وخيوطة، وقد جاء هذا التأنيث أيضا فى فعال هذا. ذهب أبو على فى قولهم: نقاوة المتاع إلى أنه جمع نقوة، فعلى هذا جاء سقاية الحاج، فهو كتأنيث ظؤار وتؤام ونحو ذلك.
وكأن الذى آنس من قرأ «سقاة» و«عمرة» و«سقاية» وعدل إليه عن قراءة الجماعة:
﴿سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ -هربه من أن يقابل الحدث بالجوهر، وذلك أن السّقاية والعمارة مصدران، ومن آمن بالله جوهر، فلا بد إذا من حذف المضاف، أى أجعلتم هذين الفعلين كفعل من آمن بالله؟ فلما رأى أنه لا بد من حذف المضاف قرأ: «سقاة» «عمرة» و«سقاية» على ما مضى.
ولست أدفع مع هذا أن يكون سقاية الحاجّ جمع ساق وعمارة المسجد الحرام جمع عامر، فيكون كقائم وقيام وصاحب وصحاب وراع ورعاء، إلا أنه أنث فعالا على ما مضى، فصار كحجارة وعيارة، وأن يكونا مصدرى سقيت وعمرت أقيس؛ لأن ذلك فى اللغة أفشى. وبنى سقاية وهو جمع ساق على التأنيث لا على أنه أنث سقاء؛ لأنه لو أراد ذلك لقال: سقاءة فهمز، كعظاءة إذا بنيت على العظاء، ويكون كل واحد منهما قائما برأسه.
***
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ (٢٨) ومن ذلك قراءة ابن مسعود: «وإن خفتم عائلة».
قال أبو الفتح: هذا من المصادر التى جاءت على فاعلة كالعاقبة والعافية، وذهب الخليل فى قولهم: ما باليت بالة أنها فى الأصل بالية، كالعاقبة والعافية، فحذفت لامها
[ ١ / ٤٠٣ ]
تخفيفا. ومنه قوله سبحانه: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾، أى لغوا. ومنه قولهم: مررت به خاصة أى خصوصا. وأما قوله تعالى: ﴿وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ فيجوز فيه أن يكون مصدرا أى خيانة منهم، ويجوز أن يكون على أن معناه على نية خائنة أو عقيدة خائنة، وكذلك أيضا يجوز أن يكون لا تسمع فيها كلمة لاغية، وكذلك الآخر على إن خفتم حالا عائلة. فالمصدر هنا أعذب وأعلى.
***
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ (٣٧) ومن ذلك قراءة جعفر بن محمد والزهرى والعلاء بن سيّابة والأشهب: «إنما النّسى» مخففا فى وزن الهدى بغير همز.
قال أبو الفتح: تحتمل هذه القراءة ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون أراد النّسء على ما يحكى عن ابن كثير بخلاف أنه قرأ به، ثم أبدلت الهمزة ياء، كما أبدلت منها فيما رويناه من قول الشاعر:
أهبى التراب فوقه إهبايا
يريد إهباء ونحو منه قوله:
[ ١ / ٤٠٤ ]
كفعل الهر يحترش العظايا …
يريد العظاءة، لا على قول أبى عثمان من أنه شبه ألف النصب بهاء التأنيث، ولا على ما رأيته من كونه تكسير العظاية كإدواة وأداوى.
والوجه الثانى أن يكون فعلا من نسيت، وذلك أن النسئ من نسأت: أى أخرت، والشئ إذا أخر ودوفع به فكأنه منسى.
والثالث وفيه الصنعة أنه أراد النسئ، على فعيل ثم خفف الهمزة وأبدلها ياء وأدغم فيها ياء فعيل فصارت النّسىّ، ثم قصر فعيلا بحذف يائه فصار نس ثم أسكن عين فعيل فصار نسى.
ومثله مما قصر من فعيل ثم أسكن بعد الحذف قولهم فى سميح: سمح، وفى رطيب رطب، وفى جديب جدب، ومما قصر ولم يسكن قولهم فى لبيق: لبق، وفى سميج سمج، وقد ذكرنا ذلك.
*** ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣٧) ومن ذلك قراءة أبى رجاء: «يضلّ به الذين كفروا»، بفتح الياء والضاد.
قال أبو الفتح: هذه لغة، أعنى ضللت أضلّ. واللغة الفصحى ضللت أضل.
وقراءة الحسن بخلاف وابن مسعود ومجاهد وأبى رجاء بخلاف وقتادة وعمرو بن
[ ١ / ٤٠٥ ]
ميمون ورواه عباس عن الأعمش: «يضلّ به».
وفيه تأويلان: إن شئت كان الفاعل اسم الله تعالى مضمرا، أى يضل الله الذين كفروا. وإن شئت كان تقديره يضل به الذين كفروا أولياءهم وأتباعهم.
***
﴿ثانِيَ اِثْنَيْنِ﴾ (٤٠) ومن ذلك قال عباس: سألت أبا عمرو وقرأ «ثانى اثنين»، قال أبو عمرو: وفيها قراءة أخرى لا ينصب الياء «ثانى اثنين».
قال أبو الفتح: الذى يعمل عليه فى هذا أن يكون أراد ثانى اثنين كقراءة الجماعة، إلا أنه أسكن الياء تشبيها لها بالألف. قال أبو العباس: هو من أحسن الضرورات، حتى لو جاء به إنسان فى النثر كان مصيبا.
فإن قيل: كيف تجيزه فى القرآن وهو موضع اختيار لا اضطرار؟ قيل: قد كثر عنهم جدا، ألا ترى إلى قوله:
[ ١ / ٤٠٦ ]
كأنّ أيديهن بالقاع القرق … أيدى عذارى يتعاطين الورق
وقول الآخر:
حدبا حدابير من الوخشنّ … تركن راعيهن مثل الشّنّ
وقال رؤبة، أنشدناه أبو على:
سوّى مساحيهن تقطيط الحقق … تفليل ما قارعن من سمر الطّرق
وقال الأعشى:
إذا كان هادى الفتى فى البلا … د صدر القناة أطاع الأميرا
وقد جاء عنهم فى النثر قولهم: لا أكلمك حيرى دهر، كذا يقول أصحابنا، ولى أنا فيه مذهب غير هذا، وهو أن يكون أراد حيرىّ دهر بالتشديد، ثم خفف الكلمة
[ ١ / ٤٠٧ ]
فحذف ياءها الثانية وقد كانت الأولى المدغمة فيها ساكنة، فأقرها على سكونها تلفتا إلى الياء المحذوفة الثانية؛ لأنها فى حكم الثبات كما صحح الآخر الواو فى العواور؛ لأنه إنما يريد العواوير، فلما حذف الياء وهى عنده فى حكم الثبات أقر الواو على صحتها دلالة على أنه يريد الياء.
ومثله أيضا ما جاء عنهم من تخفيف ياء لا سيّما، وذلك أن السّىّ فعل من سوّيت، وأصله سوى فقلبت الواو ياء لسكونها مكسورا ما قبلها، أو لوقوع الياء بعدها، أو لهما جميعا. فلما حذفت الياء التى هى لام وانفتحت الياء بالقاء فتحة اللام عليها كان يجب أن ترجع واوا لأنها عين أو تصح كما صحت فى عوض وحول، وأن تقول: لا سوما زيد. لكنه أقرها على قلبها دلالة على أنه يريد سكونها ووقوع الياء بعدها. وإن شئت لأنها الآن قد وقعت طرفا فضعفت. فهذا كله ونظائر له كثيرة ألغينا ذكرها لئلا يمتد الكتاب باقتصاصها تشهد بأن يكون قولهم: لا أكلمك حيرى دهر إنما أسكنت ياؤه لإراده التثقيل فى حيرىّ دهر، غير أن الجماعة تلقته على ظاهره.
وشواهد سكون هذه الياء فى موضع النصب فاش فى الشعر، فإذا كثر هذه الكثرة وتقبّله أبو العباس ذلك التقبل ساغ حمل تلك القراءة عليه.
يؤكد ذلك أيضا أنك لو رمت قطعه ورفعه على ابتداء، أى هو ثانى اثنين، لتقطّع الكلام، وفارقه مألوف السديد من النظام، وإنما المعنى إلا تنصروه فقد نصره الله ثانى اثنين إذ هما فى الغار. وقوله: ﴿إِذْ هُما فِي الْغارِ﴾ بدل من قوله جل وعز: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
فإن قلت: فإن وقت إخراج الذين كفروا له قبل حصوله ﷺ فى الغار، فكيف يبدل منه وليس هو هو، ولا هو أيضا بعضه، ولا هو أيضا من بدل الاشتمال، ومعاذ الله أن يكون من بدل الغلط؟ قيل: إذا تقارب الزمانان وضع أحدهما موضع صاحبه، ألا تراك تقول: شكرتك إذ أحسنت إلىّ، وإنما كان الشكر سببا عن الإحسان، فزمان الإحسان قبل زمان الشكر، فأعملت شكرت فى زمان لم يقع الشكر فيه.
ومن شرط الظرف العامل فيه الفعل أن يكون ذلك الفعل واقعا فى ذلك الزمان كزرتك فى يوم الجمعة وجلست عندك يوم السبت، لكنه لما تجاور الزمانان وتقاربا جاز عمل الفعل فى زمان لم يقع فيه لكنه قريب منه. وقد مرّ بنا هذا الحكم فى المواضع أيضا. قال زياد بن منقذ:
[ ١ / ٤٠٨ ]
وهم إذا الخيل جالوا فى كواثبها … فوارس الخيل لا ميل ولا قزم
وإنما مقعد الفارس فى صهوة الفرس لا فى كاثبته؛ لأن المكانين لما تجاورا استعمل أحدهما موضع الآخر. ألا ترى إلى قول النابغة:
إذا عرّضوا الخطىّ فوق الكواثب …
ومحال أن يجلس الفارس موضع عرض الرمح من أدنى معرفة الفرس، فافهم بما ذكرنا ما مضى.
***
﴿لَوِ اِسْتَطَعْنا﴾ (٤٢) ومن ذلك قراءة الأعمش: «لو استطعنا»» بضم الواو.
قال أبو الفتح: شبهت واو لو هذه بواو جماعة ضمير المذكرين، فضمت كما تلك مضمومة فى قول الله تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾. وكذلك شبهت واو الجمع هذه بواو لو فكسرت، وذلك على من قرأ: «فتمنّوا الموت»، و«الذين اشتروا الضلالة».
وهناك قراءة أخرى: «اشتروا» الضلالة، بفتح الواو ولالتقاء الساكنين. فلو قرأ قارئ متقدم «لو استطعنا» بفتح الواو لكان محمولا على قول من قال: «اشتروا الضلالة»، فأما الآن فلا عذر لأحد أن يرتجل قراءة وإن سوغتها العربية، من حيث كانت القراءة سنة متّبعة.
***
[ ١ / ٤٠٩ ]
﴿لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ (٤٦) ومن ذلك ما رواه ابن وهب عن حرملة بن عمران أنه سمع محمد بن عبد الملك يقرأ:
«لأعدّوا له عدّه».
قال أبو الفتح: المستعمل فى هذا المعنى العدّة بالتاء، ولم يمرر بنا فى هذا الموضع العدّ، إنما العدّ: البثر يخرج فى الوجه.
وطريقه أن يكون أراد: ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدّته: أى تأهبوا له، إلا أنه حذف تاء التأنيث وجعل هاء الضمير كالعوض منها. وهذا عندى أحسن مما ذهب إليه الفراء فى معناه، وذلك أنه ذهب فى قول الله تعالى: ﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ﴾ إلى أنه أراد إقامة الصلاة، إلا أنه حذف هاء الإقامة لإضافة الاسم إلى الصلاة.
وإنما صار ما ذهبت إليه أقوى لأنى أقمت الضمير المجرور مقام تاء التأنيث، والمضمر المجرور شديد الحاجة إلى ما جره من موضعين: أحدهما حاجة المجرور إلى ما جره، ألا تراه لا يفصل بينهما ولا يقدم المجرور على ما جره؟ والآخر أن المجرور فى «عدّه» مضمر، والمضمر المجرور أضعف من المظهر المجرور للطف الضمير عن قيامه بنفسه، وليست الصلاة بمضمرة فتضعف ضعف هاء عدّه، فبقدر ضعف الشئ وحاجته إلى ما قبله ما يكاد يعتد جزءا منه فيخلف جزءا محذوفا من جملته، فافهم ذلك.
وأما أصحابنا فعندهم أن الإقام مصدر أقمت كالإقامة، وليس مذهبنا فيه كما ظنه الفراء.
***
﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ (٤٧) ومن ذلك قراءة ابن الزبير: «ولأرقصوا خلالكم».
قال أبو الفتح: هذا هو معنى القراءة المشهورة التى هى: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾.
يقال: وضع البعير يضع وأوضعته أنا أى: أسرعت به، وكذلك الرقص، والرقص
[ ١ / ٤١٠ ]
والرقصان. يقال: رقص وأرقصته أنا. قال:
يا ليتنى فيها جذع … أخب فيها وأضع
كأننى شاة صدع …
وقال حسان:
بزجاجة رقصت بما فى دنّها … رقص القلوص براكب مستعجل
وفى الخبر: فإذا راكب يوضع، أى يحث راحلته. وقال جميل:
بماذا تردّين امرأ جاء لا يرى … كودّك ودّا قد أكلّ وأوضعا
ولا يقال رقص إلا للاعب أو للإبل، وشبهت الخمر بذلك.
***
﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاّ ما كَتَبَ اللهُ لَنا﴾ (٥١) ومن ذلك قراءة الناس: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا﴾، وقرأ طلحة وأعين قاضى الرى: «قل لن يصيّبنا»، مشددا.
قال أبو الفتح: ظاهر أمر عين أصاب يصيب أنها واو، ولذلك قالوا فى جمع مصيبة:
مصاوب بالواو، وهى القوية القياسية. فأما مصائب بالهمز فغلط من العرب، كهمزهم حلأت السويق ورثأت زوجى ونحو ذلك مما همز ولا أصل له فى الهمز. وواحد المصايب مصيبة ومصوبة ومصاب ومصابة.
[ ١ / ٤١١ ]
وأنا أرى أن تكون مصايب جمع مصاب. لأن الألف هنا وإن كانت بدلا من العين فإنها أشبه بألف رسالة التى يقال فى تكسيرها رسايل، وذلك أن الألف لا تكون أصلا فى الأسماء المتمكنة ولا فى الأفعال، إنما تكون زائدة أو بدلا، وليست كذلك والياء والواو لأنهما قد تكونان أصلين فى القبيلين جميعا كما يكونان بدلين وزائدتين، فألف مصاب ومصابة أشبه بالزائد من ياء مصيبة وواو مصوبة، فافهم ذلك فإن أحدا من إخواننا لم يذكره.
وبعد فقد مر بنا فى تركيب ص ى ب فى هذا المعنى، فإنهم قد قالوا أصاب السهم الهدف يصيبه كباعه يبيعه، ومنه قول الكميت:
أسهمها الصائدات والصّيب
فعلى هذا ومن هذا الأصل تكون قراءة طلحة يصيّبنا بالياء، فيكون يفعّلنا منه، فيصيّب على هذا كيسيّر ويبيّع. وقد يجوز أيضا أن يكون يصيّبنا من لفظ ص وب، إلا أنه بناه على فيعل يفيعل، وأصله على هذا يصيوبنا فاجتمعت الياء والواو وسبقت الياء بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء فصارت يصيّبنا. ومثله قوله: تحيّز، هو تفعيل من حاز يحوز، والوجه ما قدمناه لأن فعل فى الكلام أكثر من فيعل.
ويجوز وجه آخر، وهو أن يكون من الواو، إلا أنه لما كثر يصيب والمصيبة-أنس بالياء لكثرة الاستعمال ولخفتها عن الواو كما قالوا: ديمة وديم، فلما كثر ذلك وكانت الياء أخف من الواو مروا عليها فقالوا: دامت السماء تديم.
ولا يحسن أن يذهب فى هذا إلى قول الخليل فى طاح يطيح وتاه يتيه: إنه فعل يفعل؛ لقلة ذلك ووجود المندوحة عنه فى قولهم: هذا أتيه منه وأطيح منه، فاعرف ذلك.
***
﴿إِلاّ إِحْدَى﴾ (٥٢) ومن ذلك قراءة الناس: ﴿إِلاّ إِحْدَى﴾ غير ابن محيصن، فإنه كان يصلها ويسقط الهمزة.
[ ١ / ٤١٢ ]
قال أبو الفتح: قد ذكرنا ذلك فيما مضى فى قراءة ابن محيصن أيضا فى سورة الأعراف.
***
﴿مَغاراتٍ﴾ (٥٧) ومن ذلك قراءة الناس ﴿مَغاراتٍ﴾، وقرأ سعد بن عبد الرحمن بن عوف «مغارات».
قال أبو الفتح: أما مغارات على قراءة الناس فجمع مغارة أو مغار، وجاز أن يجمع مغار بالتاء وإن كان مذكرا لأنه لا يعقل، ومثله إوان وإوانات وجمل سبطر وجمال سبطرات وحمّام وحمامات، وقد ذكرنا هذا ونحوه فى تفسير ديوان المتنبى عند قوله:
ففى الناس بوقات لها وطبول …
ومغار مفعل من غار الشئ يغور. وأما مغارات فجمع مغار، وليس من أغرت على العدو، ولكنه من غار الشئ ويغور، وأغرته أنا أغيره، كقولك: غاب يغيب وأغبته، فكأنه: لو يجدون ملجأ أو أمكنة يغيرون فيها أشخاصهم ويسترون أنفسهم، وهذا واضح.
ويؤكد ذلك قراءة مسلمة بن محارب: «مدخلا»، أى مكانا يدخلون فيه أنفسهم.
[ ١ / ٤١٣ ]
ورويت عن أبىّ بن كعب أو «مندخلا»، وهو من قول الشاعر:
ولا يدى فى حميت السكن تندخل …
ومنفعل فى هذا شاذ؛ لأن ثلاثيه غير متعد عندنا.
***
﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ (٥٧) ومن ذلك ما رواه الأعمش قال: سمعت أنسا يقرأ: «لولّوا إليه وهم يجمزون»، قيل له: وما يجمزون؟ إنما هى يجمحون. فقال: يجمحون ويجمزون ويشتدون واحد.
قال أبو الفتح: ظاهر هذا أن السلف كانوا يقرءون الحرف مكان نظيره من غير أن
[ ١ / ٤١٤ ]
تتقدم القراءة بذلك، لكنه لموافقته صاحبه فى المعنى. وهذا موضع يجد الطاعن به إذا كان هكذا على القراءة مطعنا، فيقول: ليست هذه الحروف كلها عن النبى ﷺ، ولو كانت عنه لما ساغ إبدال لفظ مكان لفظ إذ لم يثبت التخيير فى ذلك عنه، ولما أنكر أيضا عليه: «يجمزون»، إلا أن حسن الظن بأنس يدعو إلى اعتقاد تقدّم القراءة بهذه الأحرف الثلاثة التى هى «يجمحون» و«يجمزون» و«يشتدون»، فيقول: اقرأ بأيها شئت، فجميعها قراءة مسموعة عن النبى ﷺ؛ لقوله ﵇: «نزل القرآن بسبعة أحرف كلها شاف كاف».
فإن قيل: لو كانت هذه الأحرف مقروءا بجميعها لكان النقل بذلك قد وصل إلينا، قيل: أو لا يكفيك أنس موصّلا لها إلينا؟ فإن قيل: إن أنسا لم يحكها قراءة وإنما جمع بينها فى المعنى، واعتل فى جواز القراءة بذلك لا بأنه رواها قراءة متقدمة، قيل: قد سبق من ذكر حسن الظن ما هو جواب عن هذا.
ونحو من هذه الحكاية ما يروى عن أبى مهدية من أنه كان إذا أراد الأذان قال: الله أكبر مرتين، أشهد أن لا إله إلا الله مرتين كذلك إلى آخر الأذان، ينطق من ذلك بالمرة الواحدة، ويقول فى إثرها: مرتين كما ترى، فيقال له: ليس هكذا الأذان، إنما هو كذا، فيقول: المعنى واحد، وقد علمتم أن التكرار عىّ. وهذا لعمرى مسموع من أبى مهدية إلا أنه كان مدخولا. ألا ترى أن أبا محمد يحيى بن المبارك اليزيدى وخلفا
[ ١ / ٤١٥ ]
الأحمر لما أنفذهما إليه أبو عمرو ليسألاه عن شئ من اللغة لخلاف جرى بينه وبين عيسى بن عمر أتياه وهو يخاطب الشياطين فى صلاته: اخسأنانّ عنى، اخسأنان عنى.
وكذلك قول ذى الرمة:
وظاهر لها من يابس الشخت
فقيل له: أنشدتنا بائس فقال: يابس بائس واحد. وهذا شعر ليست عليه مضايقة الشرع.
وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أبى العباس أحمد بن يحيى قال: كان يحضر ابن الأعرابى شيخ من أهل مجلسه يوما ينشد:
وموضع زبن لا أريد براحه … كأنى به من شدة الروع آنس
فقال له الشيخ: ليس هكذا أنشدتنا يا أبا عبيد الله. فقال: كيف أنشدتك؟ فقال له:
وموضع ضيق، فقال: سبحان الله! تصحبنا منذ كذا وكذا سنة ولا تعلم أن الزبن والضيق شئ واحد؟ فهذا لعمرى شائع لأنه شعر وتحريفه جائز، لأنه ليس دينا ولا عملا مسنونا.
***
[ ١ / ٤١٦ ]
﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾ (٥٧) ومن ذلك ما حكاه ابن أبى عبيدة بن معاوية بن قرمل عن أبيه عن جده-وكانت له صحبة-أنه قرأ: «لوالوا إليه»، بالألف وفتحة اللام الثانية.
قال أبو الفتح: هذا مما اعتقب عليه فاعل وفعّل، أعنى والوا وولّوا. ومثله ضعّفت وضاعفت الشئ، ووصّلت الحديث وواصلته، وسوّفت الرجل وساوفته. ومن أبيات الكتاب:
لو ساوفتنا بسوف من تحيتها … سوف العيوف لراح الركب قد قنعوا
سوف العيوف: مصدر محذوف الزيادة، أى مساوفة العيوف.
***
﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ (٦٦) ومن ذلك ما روى عن مجاهد: «إن تعف عن طائفة منكم»، بالتاء المضمومة «تعذّب طائفة».
قال أبو الفتح: الوجه يعف بالياء لتذكير الظروف، كقولك: سيرت الدابة وسير بالدابة، وقصدت هند وقصد إلى هند. لكنه حمله على المعنى فأنث «تعف»، حتى كأنه قال: إن تسامح طائفة أو إن ترحم طائفة. وزاد فى الأنس بذلك مجئ التأنيث يليه، وهو قوله: «تعذّب طائفة»، والحمل على المعنى أوسع وأفشى: منه ما مضى، ومنه ما سترى.
***
[ ١ / ٤١٧ ]
﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ﴾ (٨٣) ومن ذلك ما يروى عن مالك بن دينار: «فاقعدوا مع الخلفين»، بغير ألف. قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون مقصورا من الخالفين كقراءة الجماعة، وقد جاء نحو هذا، قال الراجز:
أصبح قلبى صردا … لا يشتهى أن يردا
إلا عرادا عردا … وصلّيانا بردا
وعنكثا ملتبدا …
يريد: عاردا وباردا، كما قال أبو النجم:
كأن فى الفرش القتاد العاردا
وقد حذفت الألف حشوا فى غير موضع. قال:
مثل النّقا لبده ضرب الطّلل …
يريد الطّلال، كقول القحيف:
ديار الحى تضربها الطّلال … بها أنس من الخافى ومال
وروينا عن قطرب:
ألا لا بارك الله فى سهيل … إذا ما الله بارك فى الرّجال
يريد: لا بارك الله، فحذف الألف قبل الهاء، وينبغى أن يكون ألف فعال لأنها زائدة، كقوله تعالى: ﴿إِلهِ النّاسِ﴾، ولا تكون الألف التى هى عين فعل فى أحد قولى سيبويه: إن أصله لاه كناب؛ لأن الزائد أولى بالحذف من الأصلى، وقد حذفوا الواو حشوا أيضا قالوا:
إن الفقير بيننا قاض حكم … أن ترد الماء إذا غاب النجم
يريد النجوم.
وقال الأخطل:
[ ١ / ٤١٨ ]
كلمع أيدى مثاكيل مسّلبة … يندبن ضرس بنات الدهر والخطب
يريد الخطوب. وقد حذفت الياء أيضا نحو قول عبيد الله بن الحرّ:
وبدّلت بعد الزعفران وطيبه … صدا الدّرع من مستحكمات المسامر
يريد المسامير. وقال الآخر:
والبكرات الفسّج العطامسا …
يريد العطاميس.
فكما حذفت حروف اللين من هذا ونحوه مما تركناه إجماما بحذفه فكذلك تحذف الألف من الخالفين، فيصير الخلفين.
***
﴿مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ﴾ (١٠٠) ومن ذلك قراءة عمر بن الخطاب والحسن وقتادة وسلام وسعيد بن أسعد ويعقوب ابن طلحة وعيسى الكوفى: «من المهاجرين والأنصار».
قال أبو الفتح: الأنصار معطوف على قوله: ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ﴾.
فأما قوله: ﴿وَالَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ﴾ فيجوز أن يكون معطوفا على ﴿الْأَنْصارِ﴾
[ ١ / ٤١٩ ]
فى رفعه وجره، ويجوز أن يكون معطوفا على السابقين، وأن يكون معطوفا على الأنصار لقربه منه.
***
﴿صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ (١٠٣) ومن ذلك قراءة الحسن: «صدقة تطهرهم»، خفيفة.
قال أبو الفتح: هذا منقول من طهر وأطهرته كظهر وأظهرته، وقراءة الجماعة أشبه بالمعنى لكثرة المؤمنين؛ فلذلك قرأت: «تطهّرهم»، من حيث كان تشديد العين هنا إنما هو للكثير.
وقد يؤدّى فعلت وأفعلت عن الكثرة من حيث كانت الأفعال تفيد أجناسها، والجنس غاية الجموع. ألا ترى إلى ما أنشده الحسن من قوله:
أنت الفداء لقبلة هدّمتها … ونقرتها بيديك كل منقّر
ولم يقل كل نقر، وهذا واضح، وعليه قراءة من قرأ: «وأغلقت الأبواب»، وهو واضح.
***
﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ﴾ (١٠٨) ومن ذلك قراءة عبد الله بن يزيد: «أحق أن تقوم فيه فيه رجال»، بكسر هاء فيه الأولى، وضم هاء فيه الآخرة مختلستين.
قال أبو الفتح: أصل حركة هذه الهاء الضم، وإنما تكسر إذا وقع قبلها كسرة أو ياء ساكنة، كقولك: مررت به، ونزلت عليه. وقد يجوز الضم مع الكسرة والياء، وقد يجوز إشباع الكسرة والضمة ومطلعها إلى أن تحدث الواو والياء بعدهما، نحو مررت بهى وبهو ونزلت عليهى وعليهو، وهذا مشروح فى أماكنه، لكن القول فى كسر فيه الأولى وضم فيه الثانية.
[ ١ / ٤٢٠ ]
والجواب أنه لو كسرهما جميعا أو ضمهما جميعا لكان جميلا حسنا، غير أن الذى سوغ الخلاف بينهما عندى هو تكرير اللفظ بعينه؛ لأنه لو قال: «فيه فيه»، أو «فيه فيه» لتكرّر اللفظ عينه البتة.
وقد عرفنا ما عليهم فى استثقالهم تكرير اللفظ حتى أنهم لا يتعاطونه إلا فيما يتناهى عنايتهم به، فيجعلون ما ظهر من تجشمهم إياه دلالة على قوة مراعاتهم له، نحو قولهم:
ضربت زيدا ضربت، وضربت زيدا زيدا، وقولهم: قم قائما قم قائما، وقولهم فيما لا محالة فى توكيده، أعنى الأذان: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر.
ومما يدلك على قوة الكلفة عليهم فى التكرير أنهم لما صاغوا ألفاظ التوكيد لم يرددوها بأعيانها، وذلك كقولهم: جاءنى القوم أجمعون أكتعون أبصعون، فخالفوا بين الحروف، لكن أعادوا حرفا واحدا منها تنبيها على عنايتهم وإعلانهم أنه موضع يختارون تجشم التكرير من أجله، وجعلوا الحرف المعاد منه لامه لأنه مقطع، والعناية بالمقاطع أقوى منها بمدرج الألفاظ.
ألا تراهم يتسمحون بحشو البيت فى اختلافه، فإذا وصلوا إلى القافية راعوها ووفقوا بين أحكامها، أعنى فى الروى والوصل والخروج والردف والتأسيس والحركات؟ وسبب ذلك أنه مقطع، والمعول فى أكثر الأمر عليه.
ومنه إجماع الناس فى الدعاء على أن يقولوا: اختم بخير، ومنه قول الله سبحانه:
﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ أى طعم مقطعه فى طيب رائحة المسك، وهذا ألطف معنى من أن يكون المراد به أن هناك خاتما عليه، وأنه من مسك.
ومن تجنب التكرير قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا﴾ ولم يقل: من بعد الفتح تجنبا للتكرير، ولهذا-فى التكرير وكراهيتهم إياه إلا فيما يدلون بتجشمهم تكريره على قوة اهتمامهم بما هم بسبيله-نظائر.
وفيما ذكرنا كاف، فعلى هذا تكون هذه القراءة التى هى: «فيه فيه»، اختيرت لوقوع الخلاف بين الحرفين على ما ذكرنا.
[ ١ / ٤٢١ ]
فإن قيل: فلم كسر الأول وضم الآخر وهلا عكس الأمر؟ ففيه قولان: أحدهما أن الكسر فى نحو هذا أفشى فى اللغة فقدّم، والضم أقل استعمالا فأخر. والثانى-وهو أغمض-وهو أن «فِيهِ» الأولى ليست فى موضع رفع، بل هى منصوبة الموضع بقوله تعالى: ﴿تَقُومَ﴾، من قوله: أحقّ أن تقوم فيه. و«فِيهِ» من قوله: ﴿فِيهِ رِجالٌ﴾ فى موضع الرفع؛ لأنه خبر مبتدأ مقدم عليه، والمبتدأ رجال، و«فِيهِ» خبر عنه، فهو مرفوع الموضع.
فلما كان كذلك سبقت الضمة لتصور معنى الظرف.
ومعاذ الله أن نقول: إن ضمة الهاء من «فِيهِ» علم رفع، كيف ذلك والهاء مجرورة الموضع ب «فى»؟ نعم وهى اسم مضمر، والمضمر لا إعراب فى شئ منه، وهى أيضا مكسورة فى أكثر اللغة. هل يجوز أن يظن أحد أن الضمة فيها علم رفع؟ لكن الكلمة مرفوعة الموضع، وتصور معنى الرفع فيها أسبق إلى اللفظ كما ذهب بعضهم فى ضمة تاء المتكلم فى نحو قمت وذهبت إلى أنها إنما بنيت على الضم لمحا لموضعها من الإعراب، إذ هى مرفوعة، وكانت أقوى من تاء المذكر والمؤنث فى نحو قمت وقمت، فكانت لذلك أحق بذلك.
وليس الظرف هنا وصفا لمسجد، بل هو على الاستئناف. والوقف عندنا على قوله:
﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾، ثم استؤنف الكلام فقيل: ﴿فِيهِ رِجالٌ﴾. وهذا أولى من أن يجعل الظرف وصفا لمسجد، لما فيه من الفصل بين النكرة وصفتها بالخبر الذى هو «أحق»، ولأنك إذا استأنفت صار هناك كلامان، فكان أفخر من الوصف من حيث كانت الصفة مع موصوفها كالجزء الواحد.
***
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ (١٠٩) ومن ذلك قراءة نصر بن عاصم بخلاف: «أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله»
[ ١ / ٤٢٢ ]
«ورضوان خير أم من أسس بنيانه» فى وزن فعل. وقرأ: «أساس بنيانه» بفتح الألف وألف بين السينين نصر بن على بخلاف، وروى عنه أيضا: «أسّ بنيانه» برفع الألف وخفض النون فى بنيانه، والسين مشددة.
قال أبو الفتح: يقال هو أس الحائط وأساسه، فعل وفعال. وقد قالوا: له أسّ بفتح الألف، وقد أسّ البناء يؤسه أسّا: إذا بناه على أساس. وقالوا فى جمع أس: آساس كقفل وأقفال، وقالوا فى جمع أساس إساس وأسس. ونظير أساس وإساس ناقة هجان ونوق هجان، ودرع دلاص وأدرع دلاص، وإن كان هذا مكسور الأول، فإن فعالا وفعالا تجريان مجرى المثال الواحد. ألا ترى كل واحد منهما ثلاثيا وفيه الألف زائدة ثالثة؟ وقد اعتقبا أيضا على المعنى الواحد فقالوا: أوان وإوان، ودواء، ودواء وحصاد وحصاد، وجزاز وجزاز وجرام وجرام.
وقد يجوز أن يكون إساس جمع أسّ كبرد وبراد، وقد يجوز أن يكون جمع أس كفرخ وفراخ. وأما أسس فجمع أساس، كقذل وقذال. قال كذّاب بنى الحرماز:
وأس مجد ثابت وطيد … نال السماء فرعه المديد
*** ﴿عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ﴾ (١٠٩) ومن ذلك ما حكاه ابن سلام قال: قال سيبويه: كان عيسى بن عمر يقرأ: «على تقوى من الله» قلت: على أى شئ نوّن؟ قال: لا أدرى ولا أعرفه. قلت: فهل نوّن أحد غيره؟ قال: لا.
[ ١ / ٤٢٣ ]
قال أبو الفتح: أخبرنا بهذه الحكاية أبو بكر جعفر بن على بن الحجاج عن أبى خليفة الفضل بن الحباب عن محمد بن سلام.
فأما التنوين فإنه وإن كان غير مسموع إلا فى هذه القراءة فإن قياسه أن تكون ألفه للإلحاق لا للتأنيث، كتترى فيمن نون وجعلها ملحقة بجعفر.
وكان الأشبه بقدر سيبويه ألا يقف فى قياس ذلك وألا يقول: لا أدرى. ولولا أن هذه الحكاية رواها ابن مجاهد ورويناها عن شيخنا أبى بكر لتوقفت فيها. فأما أن يقول سيبويه: لم يقرأ بها أحد فجائز. يعنى فيما سمعه، لكن لا عذر له فى أن يقول: لا أدرى لأن قياس ذلك أخف وأسهل على ما شرحنا من كون ألفه للإلحاق.
***
﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ﴾ (١١٢) ومن ذلك قراءة الجماعة: ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ﴾ وفى قراءة أبى وعبد الله بن مسعود، ويروى أيضا عن الأعمش: «التائبين العابدين».
قال أبو الفتح: أما رفع ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ﴾ فعلى قطع واستئناف، أى هم التائبون العابدون. وأما «التائبين العابدين» فيحتمل أن يكون جرّا وأن يكون نصبا: أما الجر فعلى أن يكون وصفا للمؤمنين فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ «التائبين العابدين». وأما النصب فعلى إضمار فعل لمعنى المدح، كأنه قال: أعنى أو أمدح «التائبين العابدين»، كما أنك مع الرفع أضمرت الرافع لمعنى المدح.
***
﴿وَما كانَ اِسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ (١١٤) ومن ذلك قراءة طلحة: «وما يستغفر إبراهيم لأبيه»»، ورويت عنه أيضا: «وما استغفر إبراهيم لأبيه».
[ ١ / ٤٢٤ ]
قال أبو الفتح: أما «يستغفر» فعلى حكاية الحال، كقولك: كان زيد سيقوم، إن كان متوقعا منه القيام. وحكاية الحال فاشية فى اللغة، منها قول الله ﷿: ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ولم يقل: أحدهما من شيعته، والآخر من عدوه.
وذلك أنه تعالى لما حكى الحال الماضية صار النبى ﷺ ومن يسمع من بعد كالحاضرين للحال، فقال: هذا، وهذا. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾، وهذه اللام إنما تدخل على فعل الحال الحاضرة، فحكى الحال المستأنفة كما حكى السالفة.
***
﴿الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ (١١٨) ومن ذلك قراءة الناس ﴿الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾، وقرأ: «خلفوا»، بفتح الخاء واللام خفيفة-عكرمة وزرّ بن حبيش وعمرو بن عبيد، ورويت عن أبى عمرو.
وقرأ: «خالفوا» أبو جعفر محمد بن على وعلى بن الحسين وجعفر بن
[ ١ / ٤٢٥ ]
محمد وأبو عبد الرحمن السلمى.
قال أبو الفتح: من قرأ «خلفوا» فتأويله: أقاموا ولم يبرحوا، ومن قرأ «خالفوا» فمعناه عائد إلى ذلك؛ وذلك أنهم إذا خالفوهم فأقاموا فقد خلفوا هناك.
***
﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (١٢٨) ومن ذلك قراءه عبد الله بن قسيط المكى: «لقد جاءكم رسول من أنفسكم».
قال أبو الفتح: معناه من خياركم، ومنه قولهم: هذا أنفس المتاع، أى أجوده وخياره، واشتقه من النفس، وهى أشرف ما فى الإنسان.
***
[ ١ / ٤٢٦ ]