﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى﴾ (٢)
ومن ذلك قراءة الأعرج والحسن، بخلاف: «وترى النّاس سكرى وما هم بسكرى» (^١). وروينا عن أبى زرعة أنه قرأها أيضا: «سكرى» بضم السين والكاف ساكنة، كما رواه ابن مجاهد عن الحسن والأعرج.
قال أبو الفتح: يقال رجل سكران وامرأة سكرى، كغضبان وغضبى. وقد قال بعضهم: سكرانة، كما قال بعضهم: غضبانة، والأول أقوى وأفصح. فأما فى الجميع فيقال: سكارى بفتح السين، وسكارى بضمها، وسكرى كصرعى وجرحى؛ وذلك لأن السكر علّة لحقت عقولهم، كما أن الصّرع والجرح علة لحقت أجسامهم. وفعلى فى التكسير مما يختص به المبتلون، كالمرضى، والسّقمى، والموتى، والهلكى. وبكلّ قد قرأ الناس. فأما «سكارى»، بفتح السين فتكسير لا محالة، وكأنه منحرف به عن سكارين، كما قالوا: ندمان وندامى، وكان أصله ندامين، وكما قالوا فى الاسم: حومانة وحوامين، ثم إنهم أبدلوا النون ياء، فصار فى التقدير سكارىّ، كما قالوا: إنسان وأناسىّ، وأصله أناسين، فأبدلوا النون ياء، وأدغموا فيها ياء فعاليل. فلما صار سكارىّ حذفوا إحدى الياءين تخفيفا. فصار سكارى، ثم أبدلوا من الكسرة فتحة ومن الياء ألفا، فصار سكارى، كما قالوا فى مدار وصحار ومعاى: مدارى وصحارى ومعايا.
ويدل على أنه قد كان فى الأصل أن يقال فى تكسير سكران: سكارين بالنون ما أنشده الفراء:
إن يهبط الضّبّ أرض النّون ينصره … يهلك ويعل عليه الماء والطّين
&
_________________
(١) وقراءة الأعمش، وابن جبير. انظر: (مختصر شواذ القراءات ٩٤، الكشاف ٤/ ٣، البحر المحيط ٣٥٠/ ٦، الرازى ٤/ ٢٣).
[ ٢ / ١١٥ ]
أو يهبط النّون أرض الضّبّ ينصره … يهلك ويأكله قوم غراثين
فهذا تكسير غرثان، ومؤنثه غرثى. أخبرنا أبو على عن الفراء بقول الشاعر:
ممكورة غرثى الوشاح السّالس … تضحك عن ذى أشر عضارس
وأما «سكارى» بالضم فى السين فظاهره أن يكون اسما مفردا غير مكسّر كجمادى وحمادى وسمانى وسلامى.
وقد يجوز أن يكون مكسّرا مما جاء على فعال: كالظؤار، والعراق، والرخال، والثناء، والتؤام، والرّباب، إلا أنه أنث بالألف كما أنث بالهاء فى قولهم: النّقاوة. قال أبو علىّ: وهو جمع نقوة، وأنّث كما أنّث فعال فى نحو: حجارة وذكارة وعيارة.
وأما «سكرى»، بضم السين فاسم مفرد على فعلى، كالحبلى؛ والبشرى. وبهذا أفتانى أبو على، وقد سألته عن هذا.
***
﴿وَرَبَتْ﴾ (٥)
ومن ذلك قراءة أبى جعفر: «وربأت» بالهمز (^١)، ورويت عن أبى عمرو بن العلاء.
قال أبو الفتح: المسموع فى هذا المعنى ربت؛ لأنه من ربا يربو: إذا ذهب فى جهاته زائدا، وهذه حال الأرض إذا ربت. وأما الهمز فمن ربأت القوم: إذا أشرفت مكانا عاليا لتنظر لهم وتحفظهم. وهذا إنما فيه الشخوص والانتصاب، وليس له دلالة على الوفور والانبساط، إلا أنه يجوز أن يكون ذهبه إلى علوّ الأرض؛ لما فيه من إفراط الرّبوّ، فإذا وصف علوّها دل على أن الزيادة قد شاعت فى جميع جهاتها؛ فلذلك همز، وأخذه من ربأت القوم؛ أى: كنت لهم طليعة. وهذا مما يذكر أحد أوصافه، فيدل على بقية ذلك وما يصحبه. ألا ترى إلى قوله:
كأنّ أيديهنّ بالموماة … أيدى جوار بتن ناعمات (^٢)
ولم يرد الشاعر أنّ أيدى الإبل ناعمة، وكيف يريد؟، ذلك وإنما المعتاد المألوف فى
_________________
(١) وقراءة عبد الله بن جعفر، وخالد بن إلياس. انظر: (الإتحاف ٣١٣، البحر المحيط ٣٥٣/ ٦، التبيان ٢٥٨/ ٧، الكشاف ٦/ ٣، الفراء ٢١٦/ ٢، القرطبى ١٣/ ١٢، النشر ٣٢٥/ ٢، تحبير التيسير ١٤٤).
(٢) سبق الاستشهاد به فى (٢١٦/ ١).
[ ٢ / ١١٦ ]
ذلك وصف الأيدى بالشدة والسلاطة ألا ترى إلى قوله (^١):
ترمى الأماعيز بمجمرات … بأرجل روح محنّبات (^٢)
وقوله:
ترمى الحصا بمناسم … صمّ صلادمة صلاب
والأمر فى ذلك أشهر، وإنما أراد أن أيديها اختضبن بالدم فاحمررن، فذكر نعمة اليد؛ لأنها مما يصحبها الخضاب.
وعليه قال الآخر:
كأنّ أيديهنّ بالقاع القرق … أيدى عذار يتعاطين الورق (^٣)
فذكر العذارى؛ لأنهن مما يصحبهنّ الخضاب، فأراد انخضاب أيدى الإبل بالدم. وهذا ونحوه من لمحات العرب، وإيماءاتها التى تكتفى بأيسرها مما وراءه. ألا ترى إلى قول الهذلى (^٤):
أمنك البرق أرقبه فهاجا … فبتّ أظنّه دهما خلاجا؟ (^٥)
أى: فإذا اختلجت عنها أولادها حنّت إليها، فشبه حنينهن بصوت الرعد، فقدّم ذكر البرق، وأودع الكلام ذكر حدث صوت الرعد؛ لأنه مما يصحبه-وهو كثير، فكذلك قراءته: «وربأت»، دل بذكر الشخوص والانتصاب على الوفور والانبساط الذى فى قراءة الجماعة: ﴿وَرَبَتْ﴾.
***
_________________
(١) هذا البيت مما أنشده أبو الحسن لابن جنى كما فى: (الخصائص ٣٥/ ١) وفيه: يحدو بها كل فتى فتيات وهن نحو البيت عامدات
(٢) الأماعيز واحدها أمعز: وهو ما غلظ من الأرض، والوجه فيها الأماعز، ولكنه زاد الياء للشعر، و«مجمرات» يريد خفافا صلبة، يقال: خف مجمر، وقوله: بأرجل إبدال من قوله: «بمجمرات». وأرجل روح: جمع أروح وروحاء، يقال: رجال روحاء إذا كان فى التقدم انبساط واتساع و«مجنبات» كذا وردت فى بعض نسخ الخصائص، ووردت فى بعضها مجبنات كرواية المحتسب. وتجنيب الرجل انحناء فيها وتوتير، وتجنيبها أيضا بهذا المعنى، وهذا فى وصف إبل. انظر: (شواهد العينى فى مبحث المعرب والمبنى، وهامش الخصائص ٣٥/ ١، «بتصرف»).
(٣) سبق الاستشهاد به فى (٢١٦/ ١).
(٤) لأبى ذويب الهذلى.
(٥) انظر: (ديوان الهذليين ١٦٤/ ١).
[ ٢ / ١١٧ ]
﴿خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ﴾ (١١)
ومن ذلك قراءة مجاهد وحميد بن قيس: «خاسر الدّنيا والآخرة» (^١).
قال أبو الفتح: هذا منصوب على الحال؛ أى: انقلب على وجهه خاسرا، وقراءة الجماعة: ﴿خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ﴾ تكون هذه الجملة بدلا من قوله: ﴿اِنْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ،﴾ فكأنه قال: وإن أصابته فتنة خسر الدنيا والآخرة، ومثله من الجمل التى تقع وهى من فعل وفاعل بدلا من جواب الشرط قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ﴾ (^٢)؛ وذلك لأن مضاعفة العذاب هى لقىّ الأثام، وعليه قول الآخر (^٣):
إن يجبنوا أو يغدروا … أو يبخلوا لا يحفلوا (^٤)
يغدوا عليك مرجّلي … ن كأنّهم لم يفعلوا (^٥)
فقوله: يغدوا عليك مرجّلين بدل من قوله: لا يحفلوا.
***
﴿وَالدَّوَابُّ﴾ (١٨)
ومن ذلك قراءة الزّهرى: «والدّواب» (^٦)، خفيفة الباء. ولا أعلم أحدا خففها سواه.
_________________
(١) وقراءة ابن مهران، وروح، والأعرج، وابن محيصن، والزعفرانى، وقعنب، والجحدرى، وابن مقسم، والزهرى، وزيد، وابن أبى إسحاق، ويعقوب. انظر: (الإتحاف ٣١٣، الكشاف ٧/ ٣، القرطبى ١٨/ ١٢، النشر ٣٢٥/ ٢،٣٢٦، الفراء ٢١٧/ ٢، البحر المحيط ٣٥٥/ ٦، النحاس ٣٩٢/ ٢).
(٢) سورة الفرقان الآيتان (٦٨،٦٩).
(٣) أنشدها سيبويه عن الأصمعى عن ابن عمرو لبعض بنى أسد. انظر: (الكتاب ٨٦/ ٣،٨٧، الحيوان ٤٧٧/ ٣، البيان والتبيين ٣٣٣/ ٣، كتاب البغال من رسائل الجاحظ ٣٣٨/ ٢، الإنصاف ٥٨٤، شرح المفصل ٣٦/ ١، عيون الأخبار ٢٩/ ٢، أمالى القالى ٨٣/ ٣، ديوان المعانى ١٨٢/ ١، خزانة الأدب ٦٦٠/ ٣، محاضرات الراغب ١٥٠/ ١، ذيل الأمالى ٨٤، شرح أدب الكاتب ٢٤٢،٢٤٣).
(٤) فى الكتاب ٨٧/ ٣: إن يبخلوا أو يجبنوا أو يغدوا لا يحفلوا لا يحفلوا: لا يبالوا، والترجيل: تمشيط الشعر وتليينه بالدهن، وعدوهم مرجلين دليل على أنهم لم يحفلوا بقبيح.
(٥) والشاهد فيه جزم «يغدوا» على البدل من قوله: «لا يحفلوا».
(٦) انظر: (البحر المحيط ٣٥٩/ ٦، العكبرى ٧٧/ ٢).
[ ٢ / ١١٨ ]
قال أبو الفتح: لعمرى إن تخفيفها قليل وضعيف قياسا وسماعا.
أما القياس؛ فلأن المدة الزائدة فى الألف عوض من اجتماع الساكنين حتى كأن الألف حرف متحرك، وإذا كان كذلك فكأنه لم يلتق ساكنان. ويدل على أن زيادة المد فى الألف جار مجرى تحريكها أنك لو أظهرت التضعيف فقلت: دوابب لقصرت الألف، وإذا أدغمت أتممت صدى الألف فقلت: دوابّ، فصارت تلك الزيادة فى الصوت عوضا من تحريك الألف.
وأما السماع فإنه لا يعرف فيه التخفيف، لكن له من بعد ذلك ضرب من العذر؛ وذلك أنهم إذا كرهوا تضعيف الحرف فقد يحذفون أحدهما، من ذلك قولهم: ظلت، ومست، وأحست. يريدون: ظللت، ومسست، وأحسست، قال أبو زبيد:
خلا أنّ العتاق من المطايا … أحسن به فهنّ إليه شوس (^١)
وقال (^٢):
قد كنت عندك حولا لا تروّعنى … فيه روائع من إنس ولا جان
يريد: جانّ، فحذف إحدى النونين. وأنشدنا أبو على:
حتّى إذا ما لم أجد غير الشّر … كنت امرأ من مالك بن جعفر
أراد: غير الشرّ، فحذف الراء الثانية. وإذا كانوا قد حذفوا بعض الكلمة من غير تضعيف فحذف ذلك مع التضعيف أحرى. ألا ترى إلى قول لبيد:
درس المنا بمتالع فأبان؟ (^٣) …
وقال علقمة بن عبدة:
كأنّ إبريقهم ظبى على شرف … مفدّم بسبا الكتّان ملثوم (^٤)
أراد بسبائب الكتّان.
وقد ذكرنا نحو ذلك، إلا أن هذا باب إنما يحمله الشعر، غير أن فيه لتخفيف الدواب عذرا ما، هو أولى من أن يتلقى بالردّ وقد وجدت له وجها.
***
_________________
(١) سبق الاستشهاد به فى (٢١٣/ ١).
(٢) هو عمران بن خطاب. انظر: لسان العرب «جن».
(٣) سبق الاستشهاد به فى (١٦٢/ ١).
(٤) سبق الاستشهاد به فى (١٦٣/ ١).
[ ٢ / ١١٩ ]
﴿يُحَلَّوْنَ﴾ (٢٣)
ومن ذلك قراءة ابن عباس: «يحلون» (^١)، بفتح الياء وتخفيف اللام، من حلى يحلى.
قال أبو الفتح: هذا من قولهم: لم أحل منه بطائل؛ أى: لم أظفر منه بطائل، فجعل ما يحلّون به هناك أمرا ظفروا به، وأوصلوا إليه. والحلية راجعة المعنى إليه؛ وذلك أن النفس تعتدها مظفورا به موصلا إليه. وليست الحلية من لفظ حلى الشئ بعينى؛ لأن الحلية من الحلى، فهى من الياء. وحلى بعينى من الواو لقولهم: حلى بعينى يحلى حلاوة، فهى كشقى يشقى شقاوة، وغبى يغبى غباوة. ولكن قولهم: امرأة حالية؛ أى: ذات حلى من الياء، فحالية إذا من قوله: «يحلون» على هذه القراءة، وهما من الياء، فكأنه أقوى عندى من قولهم: ما حليت منه بطائل؛ لأن ذلك لا يستعمل إلا فى غير الواجب. لا يقولون: حليت منه، ولا حليت بكذا. فأما المثل وهو قولهم: حلأت حالئة عن كوعها فهو مهموز، وأمره ظاهر.
***
﴿وَلُؤْلُؤًا﴾
ومن ذلك قراءة الحسن والجحدرىّ وسلاّم ويعقوب: «ولؤلؤا»، بالنصب.
قال أبو الفتح: هو محمول على فعل يدل عليه قوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ؛﴾ أى: ويؤتون لؤلؤا، ويلبسون لؤلؤا.
ومثله قراءة أبىّ: «وحورا عينا» (^٢)؛ أى: ويؤتون حورا عينا، ويزوّجون حورا عينا.
ومثله مما نصب على إضمار فعل يدل عليه ما قبله قوله (^٣):
جئنى بمثل بنى بدر لقومهم … أو مثل أسرة منظور بن سيّار (^٤)
_________________
(١) انظر: (مجمع البيان ٧٧/ ٧، النحاس ٣٩٥/ ٢، العكبرى ٧٧/ ٢، البحر المحيط ٣٦٠/ ٦).
(٢) سورة الواقعة الآية (٢٢).
(٣) لجرير من قصيدة مطلعها: حيوا المقام وحيوا الساكن الدار ما كدت تعرف إلا بعد إنكار انظر: (ديوانه ٢٤٠).
(٤) ديوانه ٢٤٢. انظر: (الكتاب ٩٤/ ١). وتقديره: أو هات مثل أسرة منظور، حملا على معنى جئنى، التى هى بمنزلة هاتنى يخاطب الفرزدق مفتخرا عليه بسادات قيس لأنهم أخواله. وبنو بدر من فزارة وهم بنو بدر بن عمرو بن جوية بن لوذان بن ثعلبة بن عدى بن فزارة، وهم بيت من-
[ ٢ / ١٢٠ ]
فكأنه قال: أو هات مثل أسرة. وعليه قول الآخر (^١):
بينا نحن نرقبه أتانا … معلّق وفضة وزناد راع (^٢)
فكأنه قال: وحاملا زناد راع، ومعلقا زناد راع، وهو كثير.
***
﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ﴾ (٢٧)
ومن ذلك قراءة الحسن وابن محيصن: «وأذن فى الناس» بالتخفيف.
قال أبو الفتح: «أذن» معطوف على «بوّأنا»، فكأنه قال: وإذ بوّأنا لإبراهيم مكان البيت، وأذن. فأما قوله على هذا: ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا﴾ فإنه انجزم؛ لأنه جواب قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ،﴾ وهو على قراءة الجماعة جواب قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ﴾.
***
﴿رِجالًا﴾ (٢٧)
ومن ذلك قراءة ابن عباس وأبى مجلز ومجاهد وعكرمة والحسن وأبى عبد الله جعفر ابن محمد: «رجّالا» (^٣).
وقرأ: «رجالا» (^٤)، بضم الراء، وتخفيف الجيم منونة-عكرمة وابن أبى إسحاق وأبو مجلز والحسن البصرى والزهرى.
_________________
(١) = فزارة، ومنظور بن زبان بن يسار بن عمرو، من فزارة أيضا انظر: (جمهرة ابن حزم ٢٥٦، ٢٥٨): وأسرة الرجل: رهطه الأدنون؛ لأنه يتقوى بهم، من الأسر وهو الشد.
(٢) لرجل من قيس عيلان كما فى الكتاب ١٧٠/ ١.
(٣) ورد فى الكتاب: «بينا نحن نطلبه أتانا». وورد فى: (شرح المفصل ٩٧/ ٤، وهمع الهوامع ٢١١/ ١)، وكذا ورد بالحزم عند ابن يعيش وفى الهمع: فبينا نحن فلا خرم فيه، والوفضة: الكنانة توضع فيها السهام. والشاهد: فيه نصب «زناد» حمل على موضع «وفضة»؛ لأن معناه يعلق وفضة وزناد راع.
(٤) وقراءة ابن أبى إسحاق. انظر: (القرطبى ٣٩/ ١٢، الكشاف ١١/ ٣، الرازى ٢٨/ ٢٣، البحر المحيط ٣٦٤/ ٦، مجمع البيان ٧٩/ ٧).
(٥) وقراءة مجاهد. انظر: (البحر المحيط ٣٦٤/ ٦، القرطبى ٣٩/ ١٢، الكشاف ١١/ ٣، الرازى ٢٨/ ٢٣، العكبرى ٧٨/ ٢).
[ ٢ / ١٢١ ]
وقرأ: «رجالى» (^١)، على فعال مخففة-عكرمة.
قال أبو الفتح: أما «رجّالا» فجمع راجل، ككاتب وكتّاب، وعالم وعلاّم، وعامل وعمّال.
وأما «رجالا»، مضمومة الراء، خفيفة الجيم، منونة، فغريب. وهو مما ذكرناه مما جاء من الجمع على فعال: كظؤار، وعراق، ورخال.
وأما «رجالى» فمثل: حبارى، وسكارى. ويقال: أراجل، وأراجيل، ورجالى، ورجالى، ورجلان. قال كثيّر (^٢):
له بجنوب القادسيّة فالشّبا … مواطن لا يمشى بهنّ الأراجل
وقال أبو الأسود:
كأنّ مصامات الأسود ببطنه … مراغ وآثار الملاعيب ملعب
وأنشد الأصمعى:
ومركب يخلطنى بالرّكبان … يقى به الله أذاة الرّجلان
وروينا عن ابن الأعرابى: رجل رجلان، ورجل أى: راجل.
وقراءة الكافة: ﴿رِجالًا﴾ جمع راجل أيضا، كصائم وصيام، وصاحب وصحاب.
***
﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ (٣٥)
ومن ذلك قراءة ابن أبى إسحاق والحسن، ورويت عن أبى عمرو: «والمقيمى الصلاة»، بالنصب.
قال أبو الفتح: أراد «المقيمين»، فحذف النون تخفيفا، لا لتعاقبها الإضافة، وشبّه ذلك بالّلذين والذين فى قوله:
فإنّ الّذى حانت بفلج دماؤهم … هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد (^٣)
_________________
(١) قراءة مجاهد. انظر: (البحر المحيط ٣٦٤/ ٦، القرطبى ٣٩/ ١٢، الكشاف ١١/ ٣، العكبرى ٧٨/ ٢).
(٢) انظر: (ديوانه ١١، لسان العرب «رجل»).
(٣) سبق الاستشهاد به فى (٢٨٦/ ١).
[ ٢ / ١٢٢ ]
حذف النون من الذين تخفيفا لطول الاسم، فأما الإضافة فساقطة هنا، وعليه قول الأخطل:
أبنى كليب إنّ عمّىّ اللّذا … قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا (^١)
حذف نون «اللذان» لما ذكرنا، لكنّ الغريب من ذلك ما حكاه أبو زيد عن أبى السّمال أو غيره أنه قرأ: «غير معجزى الله»، بالنصب. فهذا يكاد يكون لحنا؛ لأنه ليست معه لام التعريف المشابهة للذى ونحوه، غير أنه شبه «معجزى» بالمعجزى، وسوغ له ذلك علمه بأن «معجزى» هذه لا تتعرف بإضافتها إلى اسم الله تعالى، كما لا يتعرف بها ما فيه الألف واللام، وهو «المقيمى الصلاة» فكما جاز النصب فى «المقيمى الصلاة» كذلك شبه به «غير معجزى الله». ونحو «المقيمى الصلاة» بيت الكتاب (^٢):
الحافظو عورة العشيرة لا … يأتيهم من ورائهم نطف (^٣)
بنصب «العورة» على ما ذكرت لك. وقال آخر:
قتلنا ناجيا بقتيل عمرو … وخير الطّالبى التّرة الغشوم
ومثل قراءة من قرأ: «غير معجزى الله»، بالنصب قول سويد (^٤):
ومساميح بما ضنّ به … حابسو الأنفس عن سوء الطّمع (^٥)
وقرأ بعض الأعراب: «إنّكم لذائقو العذاب الأليم» (^٦)، بالنصب.
&
_________________
(١) سبق الاستشهاد به فى (٢٨٦/ ١).
(٢) نسبه فى الكتاب ١٨٥/ ١ لرجل من الأنصار، وهو عمرو بن امرئ القيس الخزرجى. انظر: (جمهرة أشعار العرب ١٢٧، الخزانة ١٨٨/ ٢)، وقال الشنتمرى: «يقال: هو قيس بن الخطيم». وليس فى ديوانه.
(٣) يقول: يحفظون عورة عشيرتهم إذا انهزموا، ويحمونها من عدوهم، ولا يخذلونهم فيكونوا نطفين فى فعلهم. وأصل العورة المكان الذى يخاف منه العدو. والعشيرة: القبيلة. والنطف: التلطخ بالعيب ويروى: «وكف» وهو العيب والإثم. وشاهده كالذى قبله فى إعمالها الحافظين مع حذف نونها على نية إثباتها لأنها لا تعاقب الألف واللام.
(٤) هو لسويد بن أبى كامل اليشكرى من قصيدة مطلعها: بسطت رابعة الحبل لنا فوصلنا الحبل منها ما اتسع انظر: (المفضليات ١٩٠ وما بعدها، شعراء الجاهلية ٤٢٦).
(٥) فى المفضليات ١٩٤: «حاسر الأنفس عن سود الطمع». مساميح: أجواد، حاسرو الأنفس: كاشفوها، أى مبعدوها من الطمع.
(٦) سورة الصافات الآية (٣٨).
[ ٢ / ١٢٣ ]
وأخبرنا أبو علىّ، عن أبى بكر، عن أبى العباس، قال: سمعت عمارة يقرأ: «ولا اللّيل سابق النهار» (^١)، فقلت له: ما أردت؟ فقال: أردت سابق النهار، فقلت له: فهلا قلته. فقال: لو قلته لكان أوزن، يريد: أقوى وأقيس. وقد ذكرنا هذا ونحوه فى كتابنا الخصائص وغيره من كتبنا.
***
﴿صَوافَّ﴾ (٣٦)
ومن ذلك قراءة ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وإبراهيم وأبى جعفر محمد بن على والأعمش، واختلف عنهما، وعطاء بن أبى رباح والضحاك والكلبى: «صوافن» (^٢).
وقرأ: «صوافى» (^٣) أبو موسى الأشعرى والحسن وشقيق وزيد بن أسلم وسليمان التيمى، ورويت عن الأعرج.
قال أبو الفتح: هى «الصافنات» فى قول الله تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصّافِناتُ الْجِيادُ﴾ (^٤)، إلاّ أنها استعملت هنا فى الإبل. والصافن: الرافع إحدى رجليه، واعتماده منها على سنبكها. قال عمرو بن كلثوم (^٥):
تركنا الخيل عاكفة عليه … مقلّدة أعنّتها صفونا (^٦)
_________________
(١) سورة يس الآية (٤٠) انظر: (الخصائص ١٢٦/ ١).
(٢) وقراءة قتادة، ومجاهد، وعطاء، والضحاك، والكلبى. انظر: (التبيان ٢٨٣/ ٧، الطبرى ١١٨/ ١٧، القرطبى ٦١/ ١٢، الفراء ٢٢٦/ ٢، النحاس ٤٠٣/ ٢، الكشاف ١٤/ ٣، البحر المحيط ٣٦٩/ ٦).
(٣) وقراءة مجاهد. انظر: (الإتحاف ٣١٥، الطبرى ١١٨/ ١٧، القرطبى ٦١/ ١٢، الكشاف ١٤/ ٣، الفراء ٢٢٦/ ٢، البحر المحيط ٣٣١/ ٦).
(٤) سورة ص الآية (٣).
(٥) من معلقته الشهيرة التى مطلعها: ألا هبى بصحنك فاصبحينا ولا تبقى خمور الأندرينا انظر: (شرح القصائد السبع الطوال ٣٧١، وما بعدها).
(٦) تركنا الخيل عاكفة عليه معناه: واقفة مقيمة عليه، وواحدة الصفون: صافن، قال الله ﷿: الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا [طه:٩٧] فمعناه مقيما. قال الشاعر: باتت تبيا موضها عكوفا مثل الصفوف لاقت الصفوفا (وهو للراجز أبو محمد الفقعس، اللسان «بيى». وقال الفراء: الصافن القائم على ثلاث، قرأ ابن عباس ﵄ فاذكروا الله عليها صوافن [الحج:٣٦]، أى قائمة على ثلاث. قال-
[ ٢ / ١٢٤ ]
و«صوافى» أى: خوالص لوجهه وطاعته. قال العجّاج (^١):
حتّى إذا ما آض ذا أعراف … كالكودن المشدود بالوكاف
قال الّذى عندك لى صوافى
***
﴿الْقانِعَ﴾ (٣٦)
ومن ذلك قراءة أبى رجاء: «القنع» (^٢).
قال أبو الفتح: يريد القانع، وهى قراءة العامة، إلا أنه حذف الألف تخفيفا وهو يريدها. وقد ذكرنا ذلك فيما مضى، وأنشدنا فيه قوله:
أصبح قلبى صردا … لا يشتهى أن يردا
إلاّ عرادا عردا … وصلّيانا بردا
وعنكثا ملتبدا (^٣) …
يريد عاردا وباردا. ونحوه ما رويناه عن قطرب من قول الشاعر:
ألا لا بارك الله فى سهيل … إذا ما الله بارك فى الرّجال (^٤)
أراد لا بارك الله، فحذف الألف تخفيفا. وعليه قول الآخر:
مثل النّقا لبّده ضرب الطّلل (^٥) …
يريد الطّلال، كما قال القحيف العقيلى:
ديار الحىّ تضربها الطّلال … بها أهل من الخافى ومال (^٦)
***
_________________
(١) = الشاعر: ألف الصفون فما يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسيرا انظر: اللسان «صفن»، وقال الأعشى: وكل كحيت كجذع السحوق يزين الفناء إذا صفن انظر: (شرح القصائد، السبع الطوال ٣٩٠).
(٢) انظر: (ديوانه ٤٠).
(٣) انظر: (البحر المحيط ٣٧٠/ ٦، الكشاف ١٥/ ٣، القرطبى ٦٤/ ١٢).
(٤) سبق الاستشهاد به أكثر من مرة.
(٥) سبق الاستشهاد به أكثر من مرة.
(٦) سبق الاستشهاد به أكثر من مرة.
(٧) سبق الاستشهاد به أكثر من مرة.
[ ٢ / ١٢٥ ]
﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾ (٣٦)
ومن ذلك قراءة أبى رجاء وعمرو بن عبيد: «والمعترى» (^١) خفيفة، من اعتريت.
قال أبو الفتح: يقال: عراه يعروه عروا فهو عار، والمفعول معروّ. واعتراه يعتريه اعتراء فهو معتر، والمفعول معترى. وعرّه يعرّه عرا فهو عارّ، والمفعول معرور. واعترّه يعترّه اعترارا فهو معترّ، والمفعول معترّ أيضا. لفظ الفاعل والمفعول به سواء، وكله: أتاه وقصده، والقانع: السائل، المعترّ: المتعرض لك من غير مسألة. قال ابن أحمر (^٢):
ثمّ تعرّ الماء فيمن يعر
وقال طرفة (^٣):
فى جفان تعترى نادينا … وسديف حين هاج الصّنّبر (^٤)
***
﴿وَصَلَواتٌ﴾ (٤٠)
ومن ذلك قراءة الجحدرى بخلاف: «وصلوت» (^٥)، بضم الصاد واللام، وإسكان الواو، والتاء.
وروى عنه: «وصلوات» (^٦)، بكسر الصاد، وجزم اللام بعد الواو، بالتاء.
_________________
(١) وقراءة الحسن. انظر: (الكشاف ١٥/ ٣، البحر المحيط ٣٧٠/ ٦، العكبرى ٧٩/ ٢، القرطبى ٦٥/ ١٢).
(٢) انظر: لسان العرب «عر»، «قفى».
(٣) من قصيدته التى مطلعها: أصحوت اليوم أم شاقتك هر ومن الحب جنون مستعر انظر: (ديوانه ٥٠).
(٤) فى ديوانه ٥٦: بجفان تعترى نادينا من سديف حين هاج الصنبر بجفان: بقصاع. تعترى: تأتى. السديف: قطع السنام. الصنبر: البرد الشديد. يريد أنهم يدعون الناس إلى طعامهم حينما يشتد البرد، ويشتد الضيق.
(٥) وقراءة الحجاج، وأبى العالية، والكلبى. انظر: (العكبرى ٧٩/ ٢، التبيان ٣٨٥/ ٧، الأخفش ٤١٥/ ٢، البحر المحيط ٣٧٥/ ٦).
(٦) وقراءة جعفر بن محمد. انظر: (العكبرى ٧٩/ ٢، القرطبى ٧١/ ١٢، البحر المحيط ٣٧٥/ ٦).
[ ٢ / ١٢٦ ]
وقرأ: «وصلوت» أبو العالية-بخلاف-والحجاج بن يوسف-بخلاف-والكلبى.
وقرأ: «وصلوب» الحجاج، ورويت عن الجحدرى.
وقرأ: «وصلوات» (^١) جعفر بن محمد.
وقرأ: «وصلوتا» مجاهد (^٢).
وقرأ: «وصلوات» الجحدرى والكلبىّ، بخلاف.
وقرأ: «وصلويتا» عكرمة (^٣).
قال أبو الفتح: اعلم أن أقوى القراءات فى هذا الحرف هو ما عليه العامة، وهو: «صلوات» ويلى ذلك «صلوات» و«صلوات» و«صلوات». فأما بقية القراءات فيه فتحريف وتشبث باللغة السريانية واليهودية.
وذلك أن الصلاة عندنا من الواو، يدلك على ذلك ما كان رآه أبو على فيها، وذلك أنها من الصّلوين وهما مكتنفا ذنب الفرس وغيره مما يجرى مجرى ذلك، قال واشتقاقه منه أن تحريك الصلوين أول ما يظهر من أفعال الصلاة. فأما الاستفتاح ونحوه من القراءة والقيام فأمر لا يظهر، ولا يخص ما ظهر منه الصلاة، لكن الركوع أول ما يظهر من أفعال المصلّى. وقولهم أيضا فى الجمع: صلوات، قاطع بكون اللام واوا، وإنما ذكرنا وجه اشتقاقها من الصلوين. فصلوات جمع صلاة، كقنوات من قناة.
وأما «صلوات» و«صلوات» فجمع صلوة، وإن كانت غير مستعملة. ونظيرها حجرة وحجرات وحجرات. وأما «صلوات» فكأنه جمع صلوة كرشوة ورشوات، وهى أيضا مقدّرة وغير مستعملة، كتقدير «صلوة». وقد تكون «صلوات» بفتح اللام أيضا جمع صلاة، كطلاة وطليات. وإنما بدأنا بقولنا إنها جمع صلوة كحجرات جمع حجرة، ولم نقدم ذكر صلاة المتقدرة؛ ليقل تقدير ما لم يخرج إلى الاستعمال.
ومعنى «صلوات» هنا: المساجد، وهى على حذف المضاف؛ أى: مواضع «الصلوات»، ومنه قولهم: صلّى المسجد؛ أى: أهله. وأذّن المسجد؛ أى: مؤذنه. وقال (^٤):
_________________
(١) انظر: (العكبرى ٧٩/ ٢، القرطبى ٧١/ ١٢، البحر المحيط ٣٧٥/ ٦، مجمع البيان ٨٥/ ٧).
(٢) انظر: (البحر المحيط ٣٧٧/ ٦).
(٣) وصلويتى وهى مصحفة هنا والصحيح ما أثبتناه. انظر: (القرطبى ٧١/ ١٢، البحر المحيط ٣٧٥/ ٦).
(٤) البيت للمهلهل بن ربيعة، كما فى أمالى ابن القالى ١٢٧/ ١.
[ ٢ / ١٢٧ ]
نبّئت أنّ النّار بعدك أوقدت … واستبّ بعدك يا كليب المجلس (^١)
قال أبو حاتم: ضاقت صدروهم لما سمعوا هدّمت صلوات، فعدلوا إلى بقية القراءات، وقال الكلبى: «صلوت»: مساجد اليهود، وقال الجحدرى: «صلوت»: مساجد النصارى، وعندنا من خارج باب الموصل بيوت يدفن فيها النصارى تعرف بالباصلوث، بثاء منقوطة بثلاث، وقال قطرب: صلوث بالثاء: بعض بيوت النصارى، قال: والصلوث: الصوامع الصغار لم يسمع لها بواحد، قال: وقال ابن عباس: «صلوات»: كنائس اليهود، وصوامع الرهبان، وبيع النصارى.
وقال أبو حاتم: قال الحسن: تهديمها: تعطيلها، وقول الله سبحانه: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى،﴾ ثم قال: ﴿وَلا جُنُبًا إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ (^٢)، فهذا يدل على أن المراد: لا تقربوا المسجد، فقال: «الصلاة».
***
﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ (٤٥)
ومن ذلك قراءة الجحدرىّ: «وبئر معطلة»، ساكنة العين (^٣).
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون ذلك على عطلت أو أعطلت أو فهى عاطل، وأعطلتها فهى معطلة، فيكون منقولا من ثلاثىّ على فعلت أو فعلت، والفتح أولى بالعين فيه من الكسر؛ لأن عطل يقال للمرأة إذا عطلت من الحلى، كما قال فى ضده: حليت فهى حالية، وقالوا: امرأة عاطل بلا هاء، كأخواتها من طاهر وطامث.
***
﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ﴾ (٦٧)
ومن ذلك قراءة لاحق بن حميد: «فلا ينزعنّك» (^٤).
قال أبو الفتح: ظاهر هذا فلا يستخفنّك عن دينك إلى أديانهم، فيكون بصورة
_________________
(١) قال الأصمعى: المجلس: الناس. انظر: (الأمالى ١٢٧/ ١).
(٢) سورة النساء الآية (٤٣).
(٣) وقراءة الحسن. انظر: (الكشاف ١٧/ ٣، الرازى ٤٤/ ٢٦، النحاس ٤٠٦/ ٢، البحر المحيط ٣٧٦/ ٦).
(٤) انظر: (القرطبى ٩٤/ ١٢، الكشاف ٢١/ ٣، الرازى ٦٤/ ٢٣، البحر المحيط ٣٨٨/ ٦).
[ ٢ / ١٢٨ ]
المنزوع عن شئ إلى غيره. ومنه قول الله: ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ (^١)، ونحوه قول يونس فى قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا﴾ (^٢)، ألا تراه كيف ذهب إلى تعليق ينزع فى هذا الموضع؟ ولو كان بمنزلة نزع الرّجل الرّجل من الخف أو المسمار من الجذع ونحوه لما جاز تعليقه.
قال أبو علىّ: فإنما هو إذا كقولك: لنميّزنّهم بالاعتقاد والعلم فنخصّهم باستحقاق الذم بما يجب اعتقاده فى مثلهم. هذا محصول ما كان يقوله أبو على فيه وإن لم يحضرنى الآن صورة لفظه. فكذلك إذا قوله: «لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ» أى: فاثبت على دينك ولا يمل بك هواك إلى اعتقاد دين غيرك.
وأما قراءة العامة: ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ أى: فاثبت على يقينك فى صحة دينك ولا تلتفت إلى فساد أقوالهم، حتى إذا رأوك كذلك أمسكوا عنك ولم ينازعوك، فلفظ النهى لهم ومعناه له ﷺ. ومثله قولهم: لا أرينك هاهنا، ألا ترى أن معناه: لا تكن هنا فأراك؟ فالنهى فى اللفظ لنفسه، ومحصول معناه للمخاطب. ومثله قول النابغة (^٣):
لا أعرفا ربربا حورا مدامعها … كأنّ أبكارها نعاج دوّار (^٤)
أى لا تدن منى كذلك فأعرفها، وكلام العرب كثير الانحرافات ولطيف المقاصد والجهات، وأعذب ما فيه تلفته وتثنيه.
***
_________________
(١) سورة الروم الآية (٦٠).
(٢) سورة مريم الآية (٦٩)، وهى قراءة غير الكسائى وحمزة، والأعمش، وحفص. انظر: (الإتحاف ١٨١).
(٣) من قصيدته التى مطلعها: لقد نهيت بنى ذبيان عن أقر وعن تربعهم فى كل أصفار انظر: (ديوانه ٥٥).
(٤) الربرب: القطيع من البقر شبه النساء به. حورا: واضحات البياض والسواد. الدوار: ما استدار من الرمل، أى: لا تكونوا بمكان تسبى فيه نساؤكم فأعرف ذلك فيكم.
[ ٢ / ١٢٩ ]