﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ (١٥)
قرأ الزّهرى-بخلاف-: «سكرت» (^١).
قال أبو الفتح: أى جرت مجرى السّكران فى عدم تحصيله، فلذلك قال: «سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون». والسّكر عندنا من: سكر العربة ونحوها. وذلك أنه يعترض على الماء، ويسد عليه مذهبه ومتسرّبه، وكذلك حال السكران فى وقوف فكره، والاعتراض عليه بما ينغصه ويحيره؛ فلا يجد مذهبا، وينكفئ مضطربا.
***
﴿صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٤١)
ومن ذلك قراءة أبى رجاء وابن سيرين وقيس بن عبادة وقتادة والضحاك ويعقوب وابن شرف ومجاهد وحميد وعمرو بن ميمون (^٢) وعمارة بن أبى حفصة: «صراط علىّ مستقيم» (^٣).
قال أبو الفتح: «علىّ» -هنا-كقولهم: كريم، وشريف. وليس المراد به علوّ الشخوص والنّصبة:
قال أبو الحسن فى قراءة الجماعة: ﴿قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ:﴾ هو كقولك:
_________________
(١) وقراءة أبى حيوة. انظر: (القرطبى ٨/ ١٠، مختصر شواذ القراءات ٧٠، التبيان ٣٢٤/ ٦، الكشاف ٣٨٩/ ٢، البحر المحيط ٤٤٨/ ٥).
(٢) عمرو بن ميمون بن حماد بن طلحة، أخذ القراءة عن حمزة. انظر: (طبقات القراء ٦٠٣/ ١).
(٣) وقراءة الحسن، وإبراهيم، وأبى عبد الله. انظر: (القرطبى ٢٨/ ١٠، الإتحاف ٢٧٤، الطبرى ٢٣/ ١٤، الفراء ٨٩/ ٢، النشر ٣٠١/ ٢٢، التبيان ٣٣٧/ ٦، البحر المحيط ٤٥٤/ ٥، مجمع البيان ٢٨/ ١٠، الكشاف ٣٩١/ ٢ تحبير التيسير ١٣٠).
[ ٢ / ٤٤ ]
الدلالة اليوم علىّ، أى: هذا صراط فى ذمتى وتحت ضمانى، كقولك: صحّة هذا المال علىّ، وتوفية عدّته علىّ. وليس معناه عنده أنه مستقيم علىّ، كقولنا: قد استقام علىّ الطريق، واستقر علىّ كذا. وما أحسن ما ذهب إليه أبو الحسن فيه.
***
﴿لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ (٤٤)
ومن ذلك قراءة الزّهرىّ: «لكلّ باب منهم جزّ مقسوم» (^١).
قال أبو الفتح: هذه لغة مصنوعة، وليست على أصل الوضع. وأصلها «جزء» فعل من جزأت الشئ، وهو قراءة الجماعة إلا أنه خفف الهمزة، فصارت «جز»؛ لأنه حذفها وألقى حركتها على الزاى قبلها، ثم نوى الوقف على لغة من شدّد نحو ذلك فى الوقف، فقال: هذا خالدّ وهو يجعلّ، فصارت فى الوقف «جزّ»، ثم أطلق وهو يريد نيّة الوقف وأقر التشديد بحاله فقال: «جزّ»، كما قالوا فى الوصل: سبسبّا، وكلكلاّ.
وقد أنشدنا شواهد نحو ذلك فيما مضى. ومثله الخبّ فيمن وقف عليه بالتشديد، يريد تخفيف الخبء (^٢)، وهو مشروح فى باب الهمز.
***
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ (٥٣)
ومن ذلك قراءة الحسن: «لا توجل» (^٣).
قال أبو الفتح: هذا منقول من وجل يوجل، وجل وأوجلته، كفزع وأفزعته، ورهب وأرهبته.
***
_________________
(١) وقراءة أبى جعفر بن يزيد بن القعقاع. انظر: (النشر ٤٠٦/ ١، الإتحاف ٢٧٥، الكشاف ٣٩٢/ ٢، البحر المحيط ٤٥٥/ ٥، الرازى ١٩/ ١٩).
(٢) الخبء: المدخر، والمخبوء، والخبء الذى فى الأرض: النبات، والخبء الذى فى السماء: المطر. انظر: المعجم الوسيط «خبأ».
(٣) انظر: (الإتحاف ٢٧٥، الرازى ١٩،١٩٦، الكشاف ٣٩٢/ ٢، القرطبى ٣٥/ ١٠، البحر المحيط ٤٥٨/ ٥).
[ ٢ / ٤٥ ]
﴿مِنَ الْقانِطِينَ﴾ (٥٥)
ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش وطلحة بن مصرّف، ورويت عن أبى عمرو: «من القنطين» (^١).
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون فى الأصل ﴿الْقانِطِينَ﴾ كقراءة الجماعة؛ إلا أن العرب قد تحذف ألف فاعل فى نحو هذا تخفيفا.
قال الراجز:
أصبح قلبى صردا … لا يشتهى أن يردا
إلا عرادا عردا … وصلّيانا بردا
وعنكثا ملتبدا (^٢) …
يريد عاردا وباردا، فحذف الألف تخفيفا. ألا ترى أن أبا النّجم قال:
كأنّ فى الفرش القتاد العاردا (^٣) …
أى القوىّ الخشن، وقد ذكرنا نحو هذا.
وقد يجوز فى «القنطين» غير هذا، وذلك أنهم قد قالوا: قنط يقنط، فقد يكون «القنطين» من قنط يقنط هذه، ويكون القانطون من قنط.
***
﴿وَمَنْ يَقْنَطُ﴾ (٥٦)
ومن ذلك قراءة الأشهب: «ومن يقنط» (^٤)، بضم النون.
قال أبو الفتح: فيه لغات: قنط يقنط، وقنط يقنط، وقنط يقنط. وقد حكيت أيضا:
_________________
(١) وقراءة الحسن. انظر: (مختصر الإتحاف ٢٧٥، الكشاف ٣٩٢/ ٢، القرطبى ٣٦/ ١٠، البحر المحيط ٤٥٩/ ٥، النحاس ١٩٨/ ٢، الطبرى ٢٨/ ١٤، لسان العرب (قنط).
(٢) سبق الاستشهاد به فى (٤١٨/ ١).
(٣) سبق الاستشهاد به فى (٢٧٠/ ١).
(٤) وقراءة زيد بن على. انظر: (القرطبى ٣٦/ ١٠، الكشاف ٣٩٣/ ٢، البحر المحيط ٤٥٩/ ٥، النحاس ١٩٨/ ٢).
[ ٢ / ٤٦ ]
قنط يقنط، ومثله من فعل يفعل: ركن يركن، وأبى يأبى، وغسا (^١) الليل يغسا، وجبا (^٢) يجبا، وقالوا: عضضت تعضّ. قال ابن يحيى: قد قالوا فى «شممت» وصببت ونحوه بفتح الثانى هربا من الكسر مع التضعيف.
***
﴿يَنْحِتُونَ﴾ (٨٢)
ومن ذلك قراءة الحسن «ينحتون»؛ بفتح الحاء. (^٣)
قال أبو الفتح: أجود اللغتين نحت ينحت، بكسر الحاء، وفتحها لأجل حرف الحلق الذى فيها، كسحر يسحر. وينبغى أن ينظر إلى ما أورده ليكون إلى نحوه طريقا وسلّما. أعلم أن العرب تقارب بين الألفاظ والمعانى إذ كانت عليها أدلة، وبها محيطة. فمن ذلك ما نحن عليه، وهو نحت ينحت، والتاء أخت الطاء، وقد قالوا: نحط ينحط، إذا زفر فى بكائه، فكأن ذلك الضغط الذى يصحب الصوت ينال من آلة النفس، ويحنّها ويسفنها (^٤)؛ فيكون كالنحت لما ينحت؛ لأنه تحيّف له وأخذ منه.
ونحو من ذلك قولهم فى تركيب «ع ص ر»: «ع س ر»: «ع ز ر». فالعصر شدة تلحق المعصور.
والعسر شدة الخلق والتعزير للضرب، وذلك شدة لا محالة؛ فالشدة جامعة للأحرف الثلاثة ومنه تركيب «ج ب ر»، «ج ب ل»، «ج ب ن»، المعنى الجامع لها اجتماع الأجزاء وتراجعها. من ذلك جبرت العظم؛ أى: وصلت ما تفرّق من أجزائه، ومنه الجبل لاجتماع أجزائه، ومنه جبن الإنسان؛ أى: تراجع بعضه إلى بعض واجتمع. وإنما نبذت هنا طرفا من هذا الأمر تنبيها على أمثاله، حتى إذا هى اجتازت بك أحسست بها، ولم تطوك غير حافل بمعانيها وأوضاعها.
***
_________________
(١) غسا الليل غسوّا: أقبل بظلامه. انظر: المعجم الوسيط «غسا».
(٢) جبا الخراج والمال جبؤا وجباؤه: جمعه، وجبا الماء: جمعه فى الحوض. انظر: المعجم الوسيط «جبا».
(٣) وقراءة الحسن. انظر: (الإتحاف ٢٧٦، البحر المحيط ٤٦٤/ ٥، النحاس ٢٠٢/ ٢).
(٤) سفن الشئ سفنا: قشره.
[ ٢ / ٤٧ ]
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاّقُ﴾ (٨٦)
ومن ذلك قراءة مالك بن دينار والجحدرى والأعمش: «إنّ ربّك هو الخالق» (^١).
قال أبو الفتح: فى هذه القراءة دليل على أن فعل الخفيفة فيها معنى الكثرة كفعّل الثقيلة، ألا ترى إلى قراءة الجماعة: ﴿الْخَلاّقُ؟﴾ وهذا للكثرة لا محالة. نعم، وقد قرن به العليم، وفعيل للكثرة. وكأن الخلاّق الموضوع للكثرة أشبه بعليم؛ لأنه موضوع لها، فلولا أدن فى خلق معنى الكثرة لما عبّر بخالق عن معنى خلاّق. ومنه قوله: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ﴾ (^٢) ألا تراها فى معنى غفار وقبّال؟ وعليه ما أنشده أبو الحسن:
أنت الفداء لقبلة هدّمتها … ونقرتها بيديك كلّ منقّر
فوضع «نقرت» موضع نقّرت، وعليه جاء بالمصدر، فقال: كل منقّر. وعلة هذا هو ما تعلم من وقوع المصدر دالا على الجنس، وإذا أفضت بك الحال إلى عموم الجنسية فقد اغترقت وتجاوزت حد الشّياع والكثرة.
***
_________________
(١) وقراءة أبىّ، والمطوعى، وعثمان، وزيد بن على. انظر: (الكشاف ٣٨٧/ ٢، البحر المحيط ٤٦٥/ ٥، الإتحاف ٢٧٦).
(٢) سورة غافر الآية (٣).
[ ٢ / ٤٨ ]