﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً﴾ (٧)
قرأ: «كى لا تكون دولة»، بالتاء مرفوعة الدال والهاء (^١) -أبو جعفر يزيد.
قال أبو الفتح: منهم من لا يفصل بين الدّولة والدّولة، ومنهم من يفصل فيقول: الدّولة فى الملك، والدّولة فى الملك. «وتكون» هنا هى التامة، ولا خبر لها، أى: كى لا تقع دولة أو تحدث دولة بين الأغنياء. وإن شئت كانت صفة ل «دولة»، وإن شئت كانت متعلقة بنفس «دولة»»، تداول بين الأغنياء، وإن شئت علقتها بنفس «تكون» أى: لا تحدث بين الأغنياء منكم، وإن شئت جعلتها «كان» الناقصة، وجعلت «بين» خبرها. والأول الوجه، ومعناه: كى لا تقع دولة فيه أو عليه، يعنى على المفاء من عند الله.
***
﴿جُدُرٍ﴾ (١٤)
ومن ذلك قراءة أبى رجاء وأبى حية: «جدر» (^٢)، بضم الجيم، وتسكين الدال.
قال أبو الفتح: هذه مخففة من جدر، جمع جدار. وأما من قرأ: «من وراء جدار» فيحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون واحدا وقع موقع الجماعة، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ (^٣)، أى: أطفالا.
_________________
(١) وقراءة ابن عامر، وأبى حيوة، والأعرج، والحلوانى، والأزرق. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٥٥، الإتحاف ٤١٣، القرطبى ١٦/ ١٨، النشر ٣٨٦/ ٢، غيث النفع ٣٦٦، البحر المحيط ٢٤٥/ ٨، التيسير ٢١٩ التبيان ٥٦٠/ ٩، الكشف ٣١٦/ ٢، مجمع البيان ٢٥٩/ ٩، الطبرى ٢٦/ ٢٨، تحبير التيسير ١٨٥ العنوان ١٧٩).
(٢) وقراءة الحسن، وابن كثير، والأعمش، وعاصم، وابن وثاب. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٥٥، الإتحاف ٤١٤، الكشاف ٨٥/ ٤، القرطبى ٣٥/ ١٨، البحر المحيط ٢٤٩/ ٨، مجمع البيان ٢٦٣/ ٩، الرازى ٢٩٠/ ٢٩).
(٣) سورة غافر الآية (٦٧).
[ ٢ / ٣٦٨ ]
وفيه وجه آخر لطيف، وفيه الصنعة، وهو: أن يكون «جدار» تكسير جدار أيضا، فتكون ألف جدار فى الواحد، كألف كتاب وحساب، وفى الجماعة كألف ظراف وكرام. ومثله مما كسّر من فعال على فعال قولهم: ناقة هجان ونوق هجان، ودرع دلاص وأدرع دلاص. ويدل على أن هجانا ليس لفظا واحدا يقع على الواحد فما فوقه كجنب وبابه-قولهم: هجانان، وهذا واضح.
وإنما جاز تكسير فعال على فعال من حيث كانت فعال أخت فعيل. ألا ترى كل واحد منهما ثلاثيا وقبل لامه حرف لين؟ فكما كسّر فعيل على فعال كشريف وشراف، وكريم وكرام-كذلك أيضا جاز تكسير فعال على فعال، وكما أن ألف جدار فى الواحد ليست ألف جدار فى الجمع-فكذلك كسرة الجيم فيه غير كسرته فيه، وفتحة الدال فيه غير فتحته فيه، كما أن كسرة الشين فى شراف غير فتحتها فى شريف، وكما أن فتحة الدال من جدار غير كسرة الراء من شريف.
فهذا الخلاف لفظا هو الذى سوّغ اعتقاد المتفقين لفظا مختلفين تقديرا ومعنى.
وهذا غور من العربية بطين، وله نظائر كثيرة، وفيه صنعة لطيفة. وقد أفردنا له بابا فى كتابنا الخصائص فيما اتفق لفظه واختلف معناه من الحروف والحركات والسكون (^١)، ومثله سواء قول الله تعالى: ﴿وَاِجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا﴾ (^٢)، يكون «إمام» جمع إمام، على ما شرحناه فى جدار. وذهب أبو الحسن إلى أنه جمع آمّ، كقائم وقيام.
***
﴿الْقُدُّوسُ﴾ (٢٣)
ومن ذلك قال ابن مجاهد وأبو حاتم عن يعقوب، قال: سمعت أعرابيا يكنى أبا الدينار عند الكسائى يقرأ: «القدّوس»، بفتح القاف (^٣).
قال أبو الفتح: فعّول فى الصفة قليل، وذكر سيبويه فى الصفة السّبّوح، والقدّوس.
_________________
(١) انظر: الخصائص ٩٥/ ٢ باب فى اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين فى الحروف والحركات والسكنات.
(٢) سورة الفرقان الآية (٧٤).
(٣) وقراءة أبى السمال. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٥٥، القرطبى ٤٥/ ١٨، الكشاف ٨٧/ ٤، البحر المحيط ٢٥١/ ٨، النحاس ٤٠٦/ ٣، الآلوسى ٦٢/ ٢٨،٦٣).
[ ٢ / ٣٦٩ ]
وحكى فى الصفة أيضا السّبّوح، والقدّوس، بالضم. وإثبات الفعّول الاسم كشبّوط، وسمّور، وتنّور، وسفّود، وهبّود-لجبل باليمامة-وعبّود.
***
﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ﴾ (١٠)
ومن ذلك قرأ الأعمش: «ولا تجعل فى قلوبنا غمرا» (^١).
قال أبو الفتح: هو راجع بالمعنى إلى أنه من قولهم: منديل الغمر؛ لأنه الدنس وفساد المعتقد. وكلام العرب لطيف المذهب، وكريم المضطرب لكن بقى من يشبّه، وينجلى بنظره أغماؤه وأشبه.
***
_________________
(١) انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٥٥، الكشاف ٨٥/ ٤).
[ ٢ / ٣٧٠ ]