﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الْحُبُكِ﴾ (٧)
قراءة الحسن: «الحبك» (^١)، مضمومة الحاء، ساكنة الباء. وروى عنه: «الحبك» (^٢)، بكسر الحاء، ووقف الباء.
وكذلك قرأ أبو مالك الغفارى: وروى عنه: «الحبك» (^٣)، بكسر الحاء، وضم الباء. وروى عنه: «الحبك» (^٤). وروى عنه: «الحبك» (^٥).
الوجه السادس قراءة الناس (^٦).
وروى عن عكرمة وجه سابع، وهو: «الحبك».
قال أبو الفتح: جميعه هو طرائق الغيم، وأثر حسن الصنعة فيه، وهو الحبيك فى البيض. قال:
الضّاربون حبيك البيض إذ لحقوا … لا ينكصون إذا ما استلحموا وحموا (^٧)
ويقال: حبيكة الرمل، وحبائك. فهذا كسفينة، وسفن، وسفائن. وكذلك أيضا حبك الماء لطرائقه.
_________________
(١) وقراءة ابن عباس، ونعيم، وأبى عمرو، وأبى مالك الغفارى، وابن أبى عبلة، وأبى السمال. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٦، القرطبى ٣/ ١٧، البحر المحيط ١٣٤/ ٨).
(٢) جاء فى مختصر شواذ القراءات ١٤٥ عن آخرين فذكرها، وروى عن ابن مجاهد أنها قراءة الحسن وهى قراءة: أبى حيوة، وأبى مالك الغفارى. انظر: (المختصر ١٤٦، القرطبى ٣٢/ ١٧، البحر المحيط ١٣٤/ ٨).
(٣) وقراءة أبى مالك الغفارى. انظر: (القرطبى ٣٢/ ١٧، البحر المحيط ١٣٤/ ٨).
(٤) وقراءة ابن عباس، وأبى مالك الغفارى، وعكرمة. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٥، البحر المحيط ١٣٤/ ٨).
(٥) جاء فى مختصر شواذ القراءات ١٤٥ عن بعضهم، وهى قراءة: أبى مالك الغفارى، وأبى عمرو. وانظر: (الإتحاف ٣٥٩، القرطبى ٣٢/ ١٧، الإتحاف ٣٩٩، الآلوسى ٥/ ٢٧).
(٦) وهى (الْحُبُكِ). الذاريات:٧.
(٧) انظر: لسان العرب «حبك».
[ ٢ / ٣٣٦ ]
قال زهير (^١):
مكلّل بأصول النّبت تنسجه … ريح خريق لضاحى مائه حبك (^٢)
فأمّا «الحبك» فمخفف من «الحبك»، وهى لغة بنى تميم، كرسل وعمد، فى رسل وعمد.
وأما «الحبك» ففعل، وذلك قليل، منه: إبل، وإطل، وامرأة بلز، وبأسنانه حبر.
وأما «الحبك» فمخفف منه، كإبل، وإطل.
وأما «الحبك»، بكسر الحاء، وضم الباء فأحسبه سهوا؛ وذلك أنه ليس فى كلامهم فعل أصلا، بكسر الفاء، وضم العين. وهو المثال الثانى عشر من تركيب الثلاثى، فإنه ليس فى اسم ولا فعل أصلا والبتة. أو لعلّ الذى قرأ به تداخلت عليه القراءتان: بالكسر، والضم.
فكأنه كسر الحاء يريد «الحبك»، وأدركه ضم الباء على صورة «الحبك». وقد يعرض هذا التداخل فى اللفظة الواحدة، قال بلال بن جرير:
إذا جئتهم أو سآيلتهم … وجدت بهم علّة حاضره (^٣)
أراد: أو سألتهم، أو ساءلتهم، أو لغة من قال: سايلتهم، فأبدلت، فتداخلت الثلاث عليه فخلّط، فقال: سآيلتهم، فوزنها إذا فعاعلتهم؛ لأن الياء فى سايلتهم بدل من الهمزة فى ساءلتهم. فجمع بين اللغتين فى موضعين على تلفّته إلى اللغتين. كذلك أيضا نظر فى «الحبك» إلى «الحبك»، و«الحبك»، فجمع بين أول اللفظة على هذه القراءة، وبين آخرها على القراءة الأخرى.
فأما «الحبك» فكأن واحدتها حبكة، كطرقة وطرق، وعقبة وعقب.
وأما «الحبك» فعلى حبكة، كطرقة وطرق، وبرقة وبرق. ولا يجوز أن يكون «حبك» معدولا إليها عن «حبك» تخفيفا، إنما ذلك شئ يستسهل فى المضاعف خاصة، كقولهم فى جدد: جدد، وفى سرر: سرر، وفى قلل: قلل.
***
_________________
(١) من قصيدته التى مطلعها: بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا وزودوك اشتياقا آية سلكوا انظر: (ديوانه ٤٧).
(٢) تنسجه: تمر عليه. الخريق: الشديدة. الضاحى: البارز الشمس. الحبك: الطرائق، الواحدة حبيك.
(٣) سبق الاستشهاد به.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
﴿أَيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ (١٢)
ومن ذلك قراءة السّلمى: «إيّان يوم القيامة» (^١).
قال أبو الفتح: هذه لغة فى «أيّان»، وينبغى أن يكون «أيّان» من لفظ أىّ، لا من لفظ أين؛ لأمرين:
أحدهما: أن أين مكان، و«أيّان» زمان.
والآخر: أن يكون قلّة فعّال فى الأسماء مع كثرة فعلان.
فلو سميت رجلا بأيان لم تصرفه كحمدان، ولسنا ندعى أن أين مما يحسن اشتقاقها والاشتقاق منها؛ لأنها مبنية كالحرف، إلا أنها مع هذا اسم، وهى أخت أنّى، وقد جاءت فيها الإمالة التى لا حظّ للإمالة فيها، وإنما الإمالة للأفعال والأسماء؛ إذ كانت ضربا من التصرف، والحروف لا تصرّف فيها.
ومعنى أى: أنها بعض من كل، فهى تصلح للأزمنة صلاحها لغيرها؛ إذ كان البعض شاملا لذلك كله. قال أمية:
والنّاس راث عليهم أمر يومهم … فكلّهم قائل أيّان أيّانا
فإن سميت بأيّان سقط الكلام فى حسن تصريفها، للحاقها-بالتسمية بها-ببقية الأسماء المنصرفة.
***
﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٥٨)
ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش: «ذو القوّة المتين» (^٢).
قال أبو الفتح: يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون وصفا للقوة، فذكّره على معنى الحبل، يريد: قوى الحبل؛ لقوله: ﴿فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا اِنْفِصامَ لَها﴾ (^٣).
_________________
(١) وقراءة الأعمش، والمطوعى. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٦، الإتحاف ٣٩٩، الكشاف ١٥/ ٤، البحر المحيط ١٣٥/ ٨).
(٢) انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٦، الفراء ٩٠/ ٣، الكشاف ٢١/ ٤، الطبرى ٩/ ٢٧، الإتحاف ٤٠٠، مجمع البيان ١٦٠/ ٩، النحاس ٢٤٦/ ٣، العكبرى ١٣٢/ ٢).
(٣) سورة البقرة الآية (٢٥٦).
[ ٢ / ٣٣٨ ]
والآخر: أن يكون أراد الرفع وصفا للرزّاق، إلا أنه جاء على لفظ القوة لجوارها إياه، على قولهم: هذا حجر ضبّ خرب، وعلى أن هذا فى النكرة-على ما فيه- أسهل منه فى المعرفة؛ وذلك أن النكرة أشد حاجة إلى الصفة، فبقدر قوة حاجتها إليها تتشبث بالأقرب إليها. فيجوز هذا حجر ضبّ خرب؛ لقوة حاجة النكرة إلى الصفة. فأما المعرفة فتقل حاجتها إلى الصفة، فبقدر ذلك لا يسوغ التشبث بما يقرب منها لاستغنائها فى غالب الأمر عنها. ألا ترى أنه قد كان يجب ألا توصف المعرفة، لكنه لما كثرت المعرفة تداخلت فيما بعد، فجاز وصفها، وليس كذلك النكرة: لأنها فى أول وضعها محتاجة-لإبهامها-إلى وصفها.
فإن قلت: إن القوة مؤنثة، والمتين مذكر، فكيف جاز أن تجريها عليها على الخلاف بينهما؟ أو لا ترى أن من قال: هذا حجر ضبّ خرب لا يقول: هذان حجرا ضب خربين لمخالفة الاثنين الواحد؟.
قيل: قد تقدم أن القوة هنا إنما المفهوم منها الحبل، على ما تقدم فكأنه قال: إن الله هو الرزاق ذو الحبل المتين، وهذا واضح.
وأيضا فإن المتين فعيل، وقد كثر مجئ فعيل مذكرا وصفا للمؤنث، كقولهم: حلّة خصيف، وملحفة جديد، وناقة حسير وسديس، وريح خريق.
***
&
[ ٢ / ٣٣٩ ]