﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿صِنْوانٌ﴾ (٤)
قراءة الناس: ﴿صِنْوانٌ﴾ إلا الحسن وقتادة، فإنهما قرءا: «صنوان» (^١).
قال أبو الفتح: الذى روينا فى هذا عن قطرب: «صنوان»، قال: وقرأ أبو عبد الرحمن السّلمىّ: «صنوان»، بضم الصاد (^٢)، ولم يحك الفتح.
فأما الواحد فصنو بكسر الصاد، وأما الجمع فصنوان بكسرها وصنوان بضمها. والصنو: النخلة لها رأسان وأصلها واحد. ومنه قول النبى ﷺ: العباس عمّى وصنو أبى، فكأنه قال: هما فرعان من أصل واحد. والصنوان بالضم لتميم وقيس، وبالكسر لأهل الحجاز.
فأمّا صنو وصنوان فإن نظيره ذئب وذؤبان، وقنو، وقنوان. وقد يكون مثله شيح وشيحان، لكن المسئول عنه من هذا صنو وصنوان: هل هو جمع تصحيح أو جمع تكسير؟ وليس جمعا مصححا وإن كان مثال الواحد موجودا فى الجمع. وذلك أن جمع التصحيح ضربان: بالواو والنون كالزيدون والعمرون، وبالألف والتاء كالزينبات والصالحات. وليس فعلان واحدا منهما، وإذا كان كذلك فينبغى أن تعلم أن المثالين وإن كانا وفقين فإن التقديرين مختلفان، فالكسرة فى صاد صنوان غير الكسرة فى صاد صنو، فيتفق اللفظان ويختلف التقديران. وإنما صنوان من صنو كخربان من خرب، فكما أن فتحة الخاء من خرب غير كسرتها من خربان لفظا فكذلك كسرة الصاد من صنوان غير كسرتها من صنو تقديرا.
_________________
(١) وقراءة الأعرج. انظر: (مختصر شواذ القراءات ٧٧، مجمع البيان ٢٧٥/ ٦، البحر المحيط ٣٦٣/ ٥).
(٢) وقراءة عاصم، وزيد بن على، ومجاهد، وحفص، وابن مصرف. انظر: (البحر المحيط ٣٦٣/ ٥، السبعة ٣٥٦، الرازى ٧/ ١٩، القرطبى ٢٨٢/ ٩، الكشاف ٣٤٩/ ٢، العكبرى ٣٤/ ٢، التبيان ٢١٦/ ٦).
[ ٢ / ٢٤ ]
وجاز تكسير فعل على فعلان، كما جاز تكسير فعل عليه، نحو خرب وخربان وشبث وشبثان وبرق وبرقان، وذلك أن فعلا وفعلا قد تعاقبا على المعنى الواحد فصارا فى ذلك أخوين نحو بدل وبدل وشبه وشبه ومثل ومثل، فكما كسروا فعلا على فعلان فيما ذكرنا فكذلك أيضا كسّروا فعلا عليه فى صنو وصنوان. وإذا كانت كسرة الصاد من صنوان غير كسرتها من صنو تقديرا فكذلك أيضا سكون النون من صنوان غير سكونها من صنو تقديرا، فكما جاز أن تكون الكسرة غير الكسرة تقديرا كذلك جاز أيضا أن يكون السكون فى الجمع غير السكون فى الواحد. وكما لا يشك فى أن فتحة خاء خرب غير كسرة خاء خربان فلا يشك أيضا فى أن فتحة راء خرب غير سكون راء خربان، فكذلك أيضا كسرة الصاد فى الواحد غير كسرة الصاد فى الجمع، وسكون النون فى صنو غير سكون النون فى صنوان؛ اعتبارا لحالى المتفقين بحالى المختلفين.
ونظير اتفاق اللفظين فى الحركات مع اختلاف التقديرات قولهم فى ترخيم منصور على من قال يا حار: يا منص، وكذلك تقول فى ترخيم منصور على يا حار: يا منص، فالكسرة على يا حار هى ضمة صاد منصور، وهى على يا حار ضمة مجتلبة للنداء غير تلك؛ اعتبارا بياحار، ويا حار. فكما أن الضمة فى يا حار غير الكسرة فى يا حار لفظا فكذلك ضمة صاد يا منص على يا حار غير ضمتها فى يا منص على يا حار تقديرا.
وكذلك الفلك-فى قول سيبويه-وأنت تريد الواحد، وكذلك إذا أردت الجمع، وذلك أنه يعتقد أنه كسّر فعلا على فعل، كما كسروا فعلا على فعل نحو أسد وأسد ووثن ووثن فيمن قرأ: «إن يدعون من دونه إلاّ أثنا» (^١)، جمع وثن، فكذلك كسر فعل على فعل، وذلك أن فعلا وفعلا قد اعتقبا على المعنى الواحد، كالشغل والشغل، والبخل والبخل، والحزن والحزن. فكما كسروا فعلا على فعل فيما ذكرنا كذلك كسروا فعلا على فعل فى الفلك، فالضمة إذا فى فاء الفلك وأنت تريد الواحد كالضمة فى قاف قفل وخاء خرج، وهى فى الفلك وأنت تريد الجميع كضمة حاء حمر وصاد صفر، فاللفظان واحد والتقديران اثنان. وقد أفردنا فى كتابنا الخصائص بابا لما اتفق فيه اللفظان واختلف فيه التقديران فى الحروف والحركات والسكون (^٢).
فسكون اللام إذا فى الفلك وهو واحد غير سكونها فيه وأنت تريد الجمع؛ اعتبارا
_________________
(١) سورة النساء الآية (١١٧) سبق الإشارة إليها.
(٢) انظر: (الخصائص ٩٥/ ٢ - ١٠٥).
[ ٢ / ٢٥ ]
بأسد وأسد ووثن ووثن. وقد قالوا فى جمع صنو: أصناء، فهذا كقنو وأقناء. ونظير صنو وصنوان فى اتفاق اللفظين واختلاف التقديرين مما جاء على فعل وفعلان قولهم: قنو وقنوان، وحسل وحسلان، ورئد ورئدان، وخشف وخشفان، وسيد وسيدان. هذا هو الظاهر ومثله كير الحداد وكيران، وشيح وشيحان، وخيط وخيطان من النعام، وخرص الرمح وخرصان، وشقد وشقدان، ونسوة ونسوان.
وأما «صنوان»، بفتح الصاد فليس من أمثلة التكسير، وإنما هو اسم للجمع بمنزلة الباقر والجامل والسامر والدابر. وعلى أن قطربا لم يحك فتح الصاد، وكذلك أبو حاتم فى كتابه الذى نرويه عنه فى القرآن. فإن صح فتح الصاد من «صنوان» فهو على ما ذكرناه من كونه اسما للجمع، لا مثالا من أمثلة التكسير. ومثله مما جاء اسما مفردا للجميع غير مكسر قولهم: السعدان والضّمران.
***
﴿الْمَثُلاتُ﴾ (٦)
ومن ذلك قراءة عيسى الثقفى وطلحة بن سليمان: «المثلات» (^١)، وقرأ: «المثلات» (^٢) يحيى بن وثاب، وقراءة الناس: ﴿الْمَثُلاتُ﴾.
قال أبو الفتح: روينا عن أبى حاتم قال روى: زائدة، عن الأعمش، عن يحيى: المثلات، بالفتح والإسكان. قال: وقال زائدة: وربما ثقّل سليمان-يعنى الأعمش- يقول: «المثلات».
وأصل هذا كله المثلات، بفتح الميم وضم الثاء، ويقال: أمثلت الرجل من صاحبه إمثالا، واقصصته منه إقصاصا بمعنى واحد، والاسم المثال كالقصاص.
فأما من قرأ «المثلات» فعلى أصله، كالسمرات جمع سمرة، والثمرات جمع ثمرة.
ومن قال: «المثلات»، بضم الميم وسكون الثاء احتمل عندنا أمرين: أحدهما: أن يكون أراد: المثلات، ثم آثر إسكان الثاء استثقالا للضمة ففعل ذلك، إلا أنه نقل الضمة إلى الميم فقال: المثلات، كما قالوا فى عضد: عضد، وفى عجز عجز.
&
_________________
(١) وقراءة الأعمش، وطلحة بن مصرف. انظر: (القرطبى ٢٨٥/ ٩، الكشاف ٣٥٠/ ٢، البحر المحيط ٣٣٦/ ٥، مجمع البيان ٣٥٠/ ٢، العكبرى ٣٤/ ٢، الرازى ١١/ ١٩).
(٢) وقراءة الأعمش. انظر: (الكشاف ٣٥٠/ ٢، الرازى ١١/ ١٩، القرطبى ٢٨٤/ ٩، العكبرى ٣٤/ ٢، البحر المحيط ٣٦٦/ ٥).
[ ٢ / ٢٦ ]
والآخر أن يكون خفف فى الواحد فصار مثلة إلى مثلة، ثم جمع على ذلك فقال: المثلات.
فإن قيل: فهلا أتبع الضمّ الضمّ فقيل: المثلات، كما تقول فى غرفة: غرفات، وفى حجرة حجرات-ففى ذلك جوابان.
أحدهما: أنه إنما كره المثلة مع فتح الميم أفيجمع فى المثلات بين ضمتين، فيصير إلى أثقل مما هرب منه؟.
والآخر: أنه لو جمع مثلة بعد أن غيرها عن مثلة على مثلات لكان كأنه جمع مثلة مرتجلة على فعلة، كحجرة وظلمة، فأقرها على سكون الثاء بحاله لذلك.
فإن قيل: هلا لم يجمع بين الضمتين لكن فتح الثاء، فقال: المثلات هربا إلى الخفة بالفتح كظلمات وغرفات-قيل: لو كان ممن يرى هذا لأقر المثال الأول بحاله، فقال: المثلات لأنه إذا فعل ذلك فإنما جمع بين ضمة وفتحة أيضا، فإذا انصرف عن ذلك البتة فلا وجه لمعاودة ما كأنه هو، فضمّ الميم وأسكن الثاء، فقال: المثلات واستغنى عن التعسف بالكلمة إلى هذه الغاية المستبعدة، ثم إنها مع ذلك غير مفيدة ولا مجدية فهذا هذا.
وروينا عن قطرب أن بعضهم قرأ: «المثلات» بضمتين، فهذا إما عامل الحاضر معه فثقّل عليه، وإما فيها لغة أخرى، وهى مثلة، كبسرة، فيمن ضم السين، وإما فيها لغة ثالثة وهى مثلة كغرفة.
وأما من قال: «المثلات» بفتح الميم وسكون الثاء فإنه أسكن عين المثلات استثقالا لها فأقر الميم المفتوحة. وإن شئت قلت: أسكن عين الواحد فقال: مثلة، ثم جمع وأقر السكون بحاله ولم يفتح الثاء كما قال فى جفنة وتمرة: جفنات وتمرات، لأنها ليست فى الأصل فعلة، وإنما هى مسكّنة من فعلة، ففصل بذلك بين فعلة مرتجلة وفعلة مصنوعة منقولة من فعلة على ما ترى.
وإن شئت قلت: قد أسكن الثاء تخفيفا، فلم يراجع تحريكها إلا بحركتها الأصلية لها. وقد يمكن أيضا أن يكون من قال: المثلات ممن يرى إسكان الواحد تخفيفا، فلما صار إلى الجمع وآثر التحريك فى الثاء عاود الضمة لأنها هى الأصل لها ولم يرتجل لها فتحة أجنبية عنها، كل ذلك جائز.
***
[ ٢ / ٢٧ ]
﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ (١١)
ومن ذلك قراءة عبيد الله بن زياد (^١): «له معاقيب من بين يديه» (^٢).
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون هذا تكسير معقّب أو معقّبة، إلا أنه لما حذف إحدى القافين عوض منها الياء، فقال: «معاقيب»، كما تقول فى تكسير مقدّم: مقاديم، ويجوز ألا تعوض فتقول: معاقب كمقادم.
***
﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ﴾ (١١)
ومن ذلك قراءة علىّ بن أبى طالب وابن عباس ﵄ وعكرمة وزيد ابن على وجعفر بن محمد: «يحفظونه بأمر الله» (^٣).
قال أبو الفتح: المفعول هنا محذوف، أى يحفظونه مما يحاذره بأمر الله. وأما قراءة الجماعة: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ فليس معناه أنهم يحفظونه من أمر الله أن ينزل به، لكن تقديره له معقّبات من أمر الله يحفظونه مما يخافه، ف «من» على هذا مرفوعة الموضع لأنها صفة للمرفوع الذى هو «معقبات»، ولو كانت-كما يظن-أنهم يحفظونه من أمر الله أن ينزل به لكانت منصوبة الموضع، كقولك: حفظت زيدا من الأسد، فقولك: من الأسد منصوب الموضع لأنه مفعول حفظت.
والذى ذكرناه فى هذا رأى أبى الحسن، وما أحسنه! فإن قلت: فهلا كان تقديره: يحفظونه من أمر الله، أى بأمر الله، ويستدل على إرادة الباء هنا بقراءة على ﵇: «يحفظونه بأمر الله». وجاز أن يحفظوه بأمر الله لأن هذه المصائب كلها فى علم الله وبإقداره فاعليها عليها، فيكون هذا كقول القائل: هربت من قضاء الله بقضاء الله -قيل: تأويل أبى الحسن أذهب فى الاعتداد عليهم، وذلك أنه سبحانه وكّل بهم من
_________________
(١) فى مختصر شواذ القراءات ٦٦: زياد بن أبى سفيان.
(٢) وقراءة أبى البرهسم. انظر: (القرطبى ٢٩١/ ٩، الكشاف ٣٥٢/ ٢، البحر المحيط ٣٧٢/ ٥، مجمع البيان ٢٧٩/ ٦، وفى الآلوسى ١١٢/ ١٣: قرأ أبى، وإبراهيم «معاقيب» وأبو البرهسم «كسفرجل»).
(٣) وقراءة أبى البرهسم. انظر: (مجمع البيان ٢٧٩/ ٦، الكشاف ٣٥٢/ ٢، البحر المحيط ٣٧٢/ ٥).
[ ٢ / ٢٨ ]
يحفظهم من حوادث الدهر ومخاوفه التى لا يعتدّ عليهم بتسليطها عليهم، وهذا أسهل طريقا، وأرسخ فى الاعتداد بالنعمة عليهم عروقا.
***
﴿شَدِيدُ الْمِحالِ﴾ (١٣)
ومن ذلك قراءة الأعرج-بخلاف-: «شديد المحال»، بفتح الميم (^١).
قال أبو الفتح: «المحال» هنا مفعل من الحيلة. قال أبو زيد: يقال: ما له حيلة ولا محالة، فيكون تقديره: شديد الحيلة عليهم، وتفسيره قوله سبحانه: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ (^٢)، وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ (^٣)، وقال: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (^٤)، والطريق هنا واضحة.
***
﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ (١٥)
ومن ذلك قراءة أبى مجلز: «بالغدوّ والإيصال» (^٥).
قال أبو الفتح: هو مصدر آصلنا: دخلنا فى وقت الأصيل، ونحن مؤصلون. وقد ذكرنا هذا فيما مضى من الكتاب.
***
﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ (٢٤)
ومن ذلك قراءة يحيى بن وثاب: «فنعم عقبى الدار» (^٦).
_________________
(١) وقراءة الضحاك. انظر: (الكشاف ٣٥٣/ ٢، القرطبى ٢٩٩/ ٩، مجمع البيان ٢٨٢/ ٦، البحر المحيط ٣٧٦/ ٥، لسان العرب «محل»).
(٢) سورة الأعراف الآية (١٨٢).
(٣) سورة آل عمران الآية (٥٤).
(٤) سورة الأنفال الآية (٢٤).
(٥) وقراءة عمران بن حدير. انظر: (مختصر شواذ القراءات ٦٦، الكشاف ٣٥٥/ ٢، مجمع البيان ٢٨٢/ ٦، البحر المحيط ٣٧٨/ ٥).
(٦) انظر: (مختصر شواذ القراءات ٦٦، الكشاف ٣٥٨/ ٢، البحر المحيط ٣٨٧/ ٥، شرح الكافية ٣١٢/ ٢).
[ ٢ / ٢٩ ]
قال أبو الفتح: أصل قولنا: نعم الرجل ونحوه نعم كعلم، وكل ما كان على فعل وثانيه حرف حلقى فلهم فيه أربع لغات، وذلك نحو فخذ، ومحك، ونغر، بفتح الأول وكسر الثانى على الأصل. وإن شئت أسكنت الثانى وأقررت الأول على فتحه فقلت: فخذ، ومحك ونغر. وإن شئت أسكنت ونقلت الكسرة إلى الأول فقلت: فخذ، ومحك، ونغر. وإن شئت أتبعت الكسر الكسر فقلت: فخذ، ومحك، ونغر. وكذلك الفعل نحو ضحك، وإن شئت ضحك، وإن شئت ضحك، وإن شئت ضحك. فعلى هذا تقول: نعم الرجل، وإن شئت نعم، وإن شئت نعم، وإن شئت نعم. فعليه جاء: «فنعم عقبى الدار». وأنشدنا أبو على لطرفة (^١):
ففداء لبنى قيس على … ما أصاب الناس من سر وضر
ما أقلّت قدمى إنهم … نعم الساعون فى الأمر المبر
وروينا عن قطرب: نعيم الرجل زيد، بإشباع كسرة العين وإنشاء ياء بعدها كالمطافيل والمساجيد. ولا بد من أن يكون الأمر على ما ذكرنا، لأنه ليس فى أمثلة الأفعال فعيل البتة.
***
﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ (٣١)
ومن ذلك قراءة على ﵇ وابن عباس وابن أبى مليكة (^٢) وعكرمة والجحدرى وعلى بن حسين وزيد بن على وجعفر بن محمد وأبى يزيد المدنى (^٣) وعلى ابن بديمة (^٤) وعبد الله بن يزيد «أفلم يتبيّن الذين» (^٥).
قال أبو الفتح: هذه القراءة فيها تفسير معنى قول الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ﴾
_________________
(١) سبق الاستشهاد به فى صفحة (١٣).
(٢) عبد الله بن عبيد الله بن أبى مليكة التيمى المكى (١١٧ هـ-٧٣٥ م): قاض، من رجال الحديث الثقات. ولاه ابن الزبير قضاء الطائف. انظر: (تهذيب التهذيب ٣٠٦/ ٥، المعارف ٢٠٩، الأعلام ١٠٢/ ٤).
(٣) فى غيره من المصادر: أبو زيد المزنى، وفى مجمع البيان: أبو يزيد المزنى.
(٤) فى غيره من المصادر: على بن نديمة.
(٥) انظر: (الكشاف ٣٦٠/ ٢، مجمع البيان ٢٩٢/ ٦، القرطبى ٣٢٠/ ٩، التبيان ٢٥٥/ ٦، البحر المحيط ٣٩٣/ ٥، لسان العرب «يأس»)، وفى الآلوسى (١٥٦/ ١٣): وهى قراءة مسندة إلى رسول الله ﷺ ليست مخالفة للسواء، إذ كتبوا بيئس بغير صورة الهمزة.
[ ٢ / ٣٠ ]
﴿آمَنُوا﴾. وروينا عن ابن عباس أنها لغة وهبيل: فخذ من النّخع، قال:
ألم ييئس الأقوام أنى أنا ابنه … وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا
وروينا لسحيم بن وثيل:
أقول لأهل الشّعب إذ يأسروننى … ألم تيئسوا أنى ابن فارس زهدم
أى: ألم تعلموا. ويشبه عندى أن يكون هذا راجعا أيضا إلى معنى اليأس؛ وذلك أن المتأمل للشئ المتطلب لعلمه ذاهب بفكره فى جهات تعرفه إياه، فإذا ثبت يقينه على شئ من أمره اعتقده وأضرب عما سواه، فلم ينصرف إليه كما ينصرف اليائس من الشئ عنه، ولا يلتفت إليه. وهذه اللغة هكذا طريق صنعتها وملاءمة أجزائها وضم نشرها وشتاتها، فإن لم تطبن لها وتلاق بين متهاجراتها بدّت فرقا، وكانت حريّة لو لاطفتها بالتعانق والالتقاء، فرفقا رفقا، لا عنفا ولا خرقا.
***
﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (٤٣)
ومن ذلك قراءة النبى ﷺ وعلى وابن عباس وأبى ﵃ وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد-بخلاف-والحسن-بخلاف-وعبد الرحمن بن أبى بكرة وابن أبى إسحاق والضّحّاك والحكم بن عتيبة، ورويت عن الأعمش: «ومن عنده علم الكتاب» (^١)، وقرأ: «ومن عنده» بكسر الميم والدال والهاء «علم الكتاب»، بضم العين، وفتح الميم (^٢) -على وابن السميفع والحسن. وقراءة الجماعة: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾.
قال أبو الفتح: من قرأ: «ومن عنده علم الكتاب» فتقديره ومعناه: من فضله ولطفه علم الكتاب، ومن قرأ: «ومن عنده علم الكتاب» فمعناه معنى الأول، إلا أن تقدير إعرابه مخالف له، لأن من قال: «ومن عنده علم الكتاب» ف «من» متعلقة بمحذوف،
_________________
(١) وقراءة المطوعى، وسالم بن عبد الله بن عمر. انظر: (الطبرى ١١٩/ ١٣، الكشاف ٣٦٤/ ٢، القرطبى ٣٣٦/ ٩، الفراء ٦٧/ ٢، البحر المحيط ٤٠٢/ ٥، الرازى ٦٩/ ١٩، الإتحاف ٢٧٠، العكبرى ٣٦/ ٢).
(٢) وقراءة ابن عباس، وإسماعيل بن محمد اليمانى، ومجاهد، وابن جبير. انظر: (الطبرى ١١٩/ ١٣، الكشاف ٣٦٤/ ٢، القرطبى ٣٣٦/ ٩، الرازى ٧٠/ ١٩، البحر المحيط ٤٠٢/ ٥، الإتحاف ٢٧٠، العكبرى ٣٦/ ٢، التبيان ٢٦٨/ ٦).
[ ٢ / ٣١ ]
«وعلم الكتاب» مرفوع بالابتداء، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ (^١). ومن قال: «ومن عنده علم الكتاب» ف «من» متعلقة بنفس «علم»، كقولك: من الدار أخرج زيد، أى أخرج زيد من الدار، ثم قدّمت حرف الجر. وقراءة الجماعة: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ فالعلم مرفوع بنفس الظرف، لأنه إذا جرى الظرف صلة رفع الظاهر لإيغاله فى قوة شبهه بالفعل، كقولك: مررت بالذى فى الدار أخوه.
***
_________________
(١) سورة البقرة الآية (٧٨).
[ ٢ / ٣٢ ]