﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها﴾ (٩)
روى الواقدى، عن سليمان، عن أبى جعفر: «وآثاروا الأرض» (^١)، ممدودة. قال ابن مجاهد: ليس هذا بشئ.
قال أبو الفتح: ظاهره لعمرى منكر إلا أن له وجها ما، وليس لحنا مقطوعا به؛ وذلك أنه أراد: وأثاروا الأرض، أى: شقّقوها للغرس والزراعة، وهو أفعلوا من قول الله سبحانه: ﴿لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ (^٢)، إلا أنه أشبع فتحة الهمزة، فأنشأ عنها ألفا، فصارت «آثاروا» وقد ذكرنا ذلك وشواهده فى نحو قول ابن هرمة:
فأنت من الغوائل حين ترمى … ومن ذمّ الرّجال بمنتزاح (^٣)
يريد: بمنتزح، منفعل من النازح، فأشبع فتحة الزاى، فأنشأ عنها ألفا. وهذا لعمرى مما تختصّ به ضرورة الشعر لا تخيّر القرآن.
***
﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (١٧)
ومن ذلك قراءة عكرمة «حينا تمسون» (^٤).
قال أبو الفتح: أراد حينا تمسون فيه، فحذف «فيه» تخفيفا. هذا مذهب صاحب
_________________
(١) انظر: (البحر المحيط ١٦٤/ ٧، العكبرى ١٠٠/ ٢، الآلوسى ٢٣/ ٢١).
(٢) سورة البقرة الآية (٧١).
(٣) سبق الاستشهاد به أكثر من مرة.
(٤) انظر: (الكشاف ٢١٦/ ٣، القرطبى ١٥/ ١٤، مجمع البيان ٢٩٧/ ٨، النحاس ٥٨٥/ ٢، مغنى اللبيب ١٠٨/ ٢، العكبرى ١٠٠/ ٢).
[ ٢ / ٢٠٦ ]
الكتاب فى نحوه، وهو قوله سبحانه: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (^١) أى: لا تجزى فيه، ثم حذف «فيه» معتبطا لحرف الجر والضمير لدلالة الفعل عليهما.
وقال أبو الحسن: حذف «فى» فبقى «تجزيه»؛ لأنه أوصل إليه الفعل، ثم حذف الضمير من بعد، ففيه. حذفان متتاليان شيئا على شئ، وهذا أرفق، والنفس به أبسأ من أن يعتبط الحرفان معا فى وقت واحد.
وقرأ أيضا: «وحينا تصبحون» (¬*١)، والطريق واحد.
***
﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣٤)
ومن ذلك قراءة أبى العالية: «فيمتّعوا (^٢)» فسوف يعلمون» (^٣).
قال أبو الفتح: «يمتّعوا» معطوف على قوله: «ليكفروا بما آتيناهم فيمتّعوا»، أى: فتطول أعمارهم على كفرهم فسوف يعلمون، تهدّدا على ذلك.
***
﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ (٤٨)
ومن ذلك قراءة علىّ ﵇: «من خلله» (^٤)، وكذا ابن عباس والضحاك والحسن، بخلاف.
قال أبو الفتح: يجوز أن يكون «خلل» واحد خلال، كجبل وجبال، ودار وديار. ويجوز أن يكون خلال واحدا عاقب خللا، كالغرا والغراء، والصلى والصّلاء. وسمى الرجل خليلا، كأنه يسد خلل خليله؛ فهذا إذا للسلب لا للإثبات، كالسّكاك للهواء بين الأرض والسماء، كأنه استلب معنى: «س ك ك»، وهو الضيق، وقد تقدم نحو هذا.
***
_________________
(١) سورة البقرة الآيتان (٤٨،١٢٣). (¬*١) انظر: (الكشاف ٢١٦/ ٣، القرطبى ١٥/ ١٤، مجمع البيان ٢٩٧/ ٨، النحاس ٥٨/ ١٢، مغنى اللبيب ١٠٨/ ٢، العكبرى ١٠٠/ ٢).
(٢) انظر: (مجمع البيان ٣٠٤/ ٨، البحر المحيط ١٧٣/ ٧).
(٣) انظر: (الأخفش ٤٣٣٨/ ٢، البحر المحيط ١٧٣/ ٧).
(٤) انظر: (مجمع البيان ٣٠٨/ ٨، النحاس ٥٩٤/ ٢).
[ ٢ / ٢٠٧ ]
﴿آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ﴾ (٥٠)
ومن ذلك قراءة الجحدرىّ وابن السميفع وأبى حيوة: «أثر رحمة الله» (^١) «كيف تحيى» (^٢).
قال أبو الفتح: ذهب بالتأنيث إلى لفظ «الرحمة» ولا تقول على هذا: أما ترى إلى غلام هند كيف تضرب زيدا؟ بالتاء وفرّق بينهما أن الرحمة قد يقوم مقامها أثرها، فإذا ذكرت أثرها فكأن الغرض فى ذلك إنما هو هى. تقول: رأيت عليك النعمة، ورأيت عليك أثر النعمة، ولا يعبر عن هند بغلامها.
ألا ترى أنك لا تقول رأيت غلام هند وأنت تعنى أنك رأيتها؟ وأثر النعمة كأنه هو النعمة، وقوله: «كيف تحيى» جملة منصوبة الموضع على الحال، حملا على المعنى لا على اللفظ؛ وذلك أن اللفظ استفهام، والحال ضرب من الخبر، والاستفهام والخبر معنيان متدافعان. وتلخيص كونها حالا أنه كأنه قال: فانظر إلى أثر رحمة الله محيية للأرض بعد موتها، كما أن قوله:
ما زلت أسعى معهم وأختبط … حتّى إذا جاء الظّلام المختلط
جاءوا بضيح هل رأيت الذّيب قط؟
فقوله: هل رأيت الذيب قط جملة استفهامية، إلا أنها فى موضع وصف «الضيح» حملا على معناها دون لفظها؛ لأن الصفة ضرب من الخبر، فكأنه قال: جاءوا بضيح يشبه لونه لون الذئب، والضيح: هو اللبن المخلوط بالماء، فهو يضرب إلى الخضرة والطّلسة، وعليه قول الآخر:
إلى الله أشكو بالمدينة حاجة … وبالشّام أخرى كيف تلتقيان؟
فقوله: كيف تلتقيان جملة فى موضع نصب بدلا من «حاجة» وحاجة، فكأنه قال: إلى الله أشكو هاتين الحالتين تعذّر التقائهما. هذا أحسن من أن تقتطع قوله: كيف
_________________
(١) وقراءة ابن كثير، ونافع، وأبى عمرو، وعاصم، وشعبة، وأبى جعفر، ويعقوب. انظر: (الفراء ٣٢٦/ ٢، الإتحاف ٣٤٩، الطبرى ٣٥/ ٢١، القرطبى ٤٥/ ١٤، السبعة ٥٠٨، النشر ٣٤٥/ ٢، الكشاف ٢٢٦/ ٣، غيث النفع ٣٢١، التيسير ١٧٥، تحبير التيسير ١٥٧، التبيان ٢٣٤/ ٨، العنوان ١٤٦، البحر المحيط ١٧٩/ ٧، العكبرى ١٠١/ ٢، الحجة المنسوب لابن خالوبه ٢٨٣، الحجة لأبى زرعة ٥٦١).
(٢) انظر: (القرطبى ٤٥/ ١٤، الكشاف ٢٢٦/ ٣، العكبرى ١٠١/ ٢، مجمع البيان ٣٠٨/ ٨، البحر المحيط ١٧٩/ ٧).
[ ٢ / ٢٠٨ ]
تلتقيان مستأنفا؛ لأن هذا ضرب من هجنة الإعراب؛ لأنه إنما يشكو تعذر التقائهما، ولا يريد استقبال الاستفهام عنهما.
***
﴿إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ (٥٦)
ومن ذلك قراءة الحسن: «إلى يوم البعث فهذا يوم البعث» (^١)، بفتح العين فيهما.
قال أبو الفتح: قد تقدم القول على حديث فتحة الحرف الحلقى إذا كان ساكن الأصل تاليا للفتح، وذكر الفرق بين قولنا وقول البغداديين فيه، وأننى أرى فيه رأيهم لا رأى أصحابنا. وذكرت ما سمعته من الشجرى وغيره من قولهم فيه: أنا محموم، وقوله: يغذو، وهو يريد: يغذو. فلا وجه لإعادته هنا، فكذلك يجوز أن يكون أراد «البعث» على قراءة الجماعة، ثم حرك بالفتح لأجل حرف الحلق.
***
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ (٦٠)
ومن ذلك قراءة ابن أبى إسحاق ويعقوب: «ولا يستحقّنّك» (^٢).
قال أبو الفتح: أى: لا يغلبنك، فيصيروا أحق بك منك بنفسك، هذا محصول هذه القراءة.
***
_________________
(١) انظر: (القرطبى ٤٨/ ١٤، النحاس ٥٩٧/ ٢، البحر المحيط ١٨٠/ ٧).
(٢) انظر: (الكشاف ٢٢٨/ ٣، البحر المحيط ١٨٢/ ٧).
[ ٢ / ٢٠٩ ]