﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ﴾ (٧)
قرأ الزهرى: «وبدا خلق الإنسان»، بغير همز (^١).
قال أبو الفتح: ترك الهمز فى هذا عندنا على البدل، لا على التخفيف القياسىّ، ومثله بيت الكتاب (^٢):
راحت بمسلمة البغال عشيّة … فارعى فزارة لا هناك المرتع (^٣)
ولو كان تخفيفا قياسيا لجعل الهمزة بين بين، فقال: «بدا»، ولو أسندت الفعل إلى نفسك على التخفيف القياسىّ قلت: بدات بألف لا همز فى لفظها، وعلى البدل: بديت، كما حكى عنهم: قريت، وأخطيت. وقد مضى ذلك.
***
﴿وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا﴾ (١٠)
ومن ذلك قراءة علىّ وابن عباس ﵄، وأبان بن سعيد بن العاص (^٤)
_________________
(١) انظر: (مجمع البيان ٣٢٦/ ٨، البحر المحيط ١٩٩/ ٧، الآلوسى ١٢٣/ ٢١).
(٢) للفرزدق، انظر: (ديوانه ٤٠٨/ ١، الكتاب ٥٥٤/ ٣، المقتضب ١٦٧/ ١، الخصائص ١٥٢/ ٣، أمالى ابن الشجرى ١٨٠/ ١،١٨٣/ ٢، شرح المفصل ١٢٢/ ٤،١١١/ ٩،١١٣، المقرب ١١١، شرح شواهد الشافية ٣٣٥/ ٤). وفى الديوان ٤٠٨/ ١: «ومضت لمسلمة الركاب مودعا»
(٣) قاله حين ولى العراق عمر بن هبيرة الفزارى بعد عزل مسلمة بن عبد الملك، هجاهم ودعا عليهم ألا يهنئوا بولايته، وأراد بالبغال بغال البريد التى قدمت بمسلمة عند عزله. والشاهد فيه: إبدال الألف من همزة «هنأك» ضرورة، وكان حقها أن تجعل بين بين لأنها متحركة.
(٤) أبان بن سعيد بن العاص الأموى، أبو الوليد: صحابى من ذوى الشرف، كان فى عصر النبوة شديد الخصومة للإسلام والمسلمين، ثم أسلم سنة ٧ هـ، وبعثه رسول الله ﷺ سنة ٩ هـ عاملا-
[ ٢ / ٢١٦ ]
والحسن بخلاف: «صللنا» (^١)، بالصاد، مكسورة اللام.
وقرأ أيضا بالصاد مفتوحة اللام-الحسن، بخلاف (^٢).
قال أبو الفتح: صلّ اللحم يصلّ: إذا أنتن، وصلّ أيضا يصلّ-بفتح الصاد- والكسر فى المضارع أقوى اللغتين. والمعنى: إذا دفنّا فى الأرض، وصلّت أجسامنا. يقال: صلّ اللحم وأصلّ صلولا وصلالا، قال:
هو الفتى كلّ الفتى فاعلمى … لا يفسد اللّحم لديه الصّلول (^٣)
وقال زهير (^٤):
تلجلج مضغة فيها أنيض … أصلّت فهى تحت الكشح داء (^٥)
***
﴿ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٧)
ومن ذلك قراءة النبى ﷺ وأبى هريرة وأبى الدرداء وابن مسعود وعون العقيلى «قرّات (^٦)» أعين».
_________________
(١) = على البحرين فخرج بلواء معقود أبيض وراية سوداء، وأقام فى البحرين إلى أن توفى رسول الله ﷺ. . . استشهد فى وقعة أجنادين، على الأرجح، وقيل: مات فى خلافة عثمان. انظر: (الإصابة ١٠/ ١، تاريخ الإسلام ٣٧٨/ ١، حسن الصحابة ٢٢٠، تهذيب ابن عساكر ١٢٤/ ٢، الأعلام ٢٧/ ١).
(٢) انظر: (الفراء ٣٣١/ ٢، الكشاف ٢٤٢/ ٣، البحر المحيط ٢٠٠/ ٧).
(٣) وقراءة على بن أبى طالب، وابن عباس، والأعمش، وأبان بن سعيد بن العاص. انظر: (الفراء ٣٣١/ ٢، الإتحاف ٣٥١، الطبرى ٦١/ ٢١، القرطبى ٩٢/ ١٤، التبيان ٢٦٩/ ٨، النحاس ٦١١/ ٢، مجمع البيان ٣٢٦/ ٨، البحر المحيط ٢٠٠/ ٧).
(٤) لسان العرب «صل» وهو للخطيئة.
(٥) من قصيدته التى مطلعها: عفا من آل فاطمة الجواد فيمن فالقوا دم فالحاء انظر: (ديوانه ٧).
(٦) ديوانه ١٤، تلجلج: تردد فى فمك. المضغة: البضعة من اللحم بقدر ما يمضغ. الأنيض: الذى لم ينضج. أصلت: أنتنت. الكشح: الجنب، الخصر.
(٧) وقراءة الأعمش، وأبى جعفر. انظر: (الفراء ٣٣٢/ ٢، مختصر شواذ الفراءات ١١٨، القرطبى ١٠٣/ ١٤، الكشاف ٣٤٣/ ٣، الإتحاف ٣٥٢، لسان العرب (قرر)، البحر المحيط ٢٠٢/ ٧، ٢٠٣).
[ ٢ / ٢١٧ ]
قال أبو الفتح: القرّة المصدر، وكان قياسه ألاّ يجمع؛ لأن المصدر اسم جنس، والأجناس أبعد شئ عن الجمعية لاستحالة المعنى فى ذلك، لكن جعلت القرّة هنا نوعا، فجاز جمعها، كما تقول: نحن فى أشغال، وبيننا حروب، وهناك أحزان وأمراض. وحسّن لفظ الجمع هنا أيضا إضافة «القرّات» إلى لفظ الجماعة، أعنى «الأعين». فقولنا إذا: أشغال القوم أشبه لفظا من أشغال زيد، وكلاهما صحيح، غير أن فيه ما ذكرته. وليس ينبغى أن يحتقر فى هذه اللغة الشريفة تجانس الألفاظ؛ فإن أكثرها دائر عليه فى أكثر الوقت.
***
﴿يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ (٢٦)
ومن ذلك قراءة ابن السّميفع: «يمشّون فى مساكنهم» (^١)، وقرأ أيضا: «إنّهم منتظرون» (^٢).
قال أبو الفتح: دفع أبو حاتم هذه القراءة بالفتح، واعتزم الكسر، واستدل على ذلك بقوله: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ (^٣).
و«يمشّون» للكثرة، قال:
يمشّى بيننا حانوت خمر … من الخرس الصّراصرة القطاط (^٤)
***
_________________
(١) وقراءة على، واليمانى، وعيسى. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١١٨، الكشاف ٢٤٦/ ٣، مجمع البيان ٣٣٣/ ٨).
(٢) وقراءة مجاهد، وابن محيصن. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١١٨، القرطبى ١١٢/ ١٤، الكشاف ٢٤٧/ ٣، مجمع البيان ٣٣٣/ ٨، البحر المحيط ٢٠٦/ ٧).
(٣) سورة الدخان الآية (٥٩).
(٤) سبق الاستشهاد به (١٦٣).
[ ٢ / ٢١٨ ]