﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ (١١)
قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد: «آتينا طائعين» (^٢).
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون «آتينا» هنا فاعلنا، كقولك: سارعنا وسابقنا، ولا يكون أفعلنا؛ لأن ذلك متعد إلى مفعولين، وفاعلنا متعدّ إلى مفعول واحد. وحذف الواحد أسهل من حذف الاثنين؛ لأنه كلما قلّ الحذف كان أمثل من كثرته. نعم، ولما فى سارعنا من معنى أسرعنا. ومثل «آتينا» فى أنه فاعلنا لا أفعلنا القراءة الأخرى: «وإن كان مثقال حبّة من خردل آتينا بها» (^٣)، أى: سارعنا بها، وقد تقدم ذكره.
***
﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ (٢٤)
ومن ذلك قراءة الحسن وعمرو بن عبيد وموسى الأسوارى: «وإن يستعتبوا»، بضم الياء- «فما هم من المعتبين»، بكسر التاء (^٤).
قال أبو الفتح: أى: لو استعتبوا لما أعتبوا، كقولك: لو استعطفوا لما عطفوا؛ لأنه لا غناء عندهم، ولا خير فيهم، فيجيبوا إلى جميل، أو يدعوا إلى حسن. وإذا جاز للشاعر أن يقول:
_________________
(١) هو اسم آخر لسورة «فصلت».
(٢) وقراءة عكرمة. انظر: (الكشاف ٤٤٦/ ٣، القرطبى ٣٤٤/ ١٥، البحر المحيط ٤٨٧/ ٧).
(٣) سورة الأنبياء الآية (٤٧)، وهى قراءة ابن عباس، وسعيد بن جبير، وابن أبى إسحاق، ومجاهد، والعلاء بن سيابة، وجعفر بن محمد، وعكرمة، وابن شريح. انظر: (القرطبى ٢٩٤/ ١١، الكشاف ٥٧٥/ ٢، مجمع البيان ٥٠/ ٧، الرازى ١٧٧/ ٢٢، التبيان ٢٢٤/ ٧، البحر المحيط ٣١٦/ ٦، العكبرى ٧٣/ ٢٧).
(٤) وقراءة عبيد بن عمير، وأبى العالية. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٣٤، مجمع البيان ٩/ ٩، القرطبى ٣٥٤/ ١٥، التبيان ١١٧/ ٩، البحر المحيط ٤٩٤/ ٧، الكشاف ٤٥١/ ٣، العكبرى ١١٩/ ٢).
[ ٢ / ٢٩٢ ]
لها حافر مثل قعب الوليد … تتّخذ الفار فيه مغارا (^١)
ومعناه: لو اتخذت فيه مغارا لوسعها-جاز أيضا أن يقال: «وإن يستعتبوا»؛ لأن الشرط ليس بصريح إيجاب، ولا بد فيه من معنى الشك. وتتخذ الغار فيه لفظ التصريح به، وهو مع ذلك لم يقع، ولا يقع، فهذا طريق قوله تعالى: «وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين»؛ لأن لفظه لفظ الشك، وإن لم يكن هناك استعتاب لهم أصلا، ألا ترى إلى قوله فى الآية الأخرى: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (^٢).
***
﴿وَاِلْغَوْا فِيهِ﴾ (٢٦)
ومن ذلك قراءة بكر بن حبيب السّهمىّ: «والغوا فيه»، بضم الغين (^٣).
قال أبو الفتح: اللّغو اختلاط القول فى تداخله، يقال منه: لغا يلغو، وهو لاغ. ومنه الحديث: «من قال فى الجمعة: صه فقد لغا» (^٤)، يراد بذلك توقيرها وتوفيتها حقها من الخشوع والإخبات فيها، أى: فهو بمنزلة من أطال الكلام وخلّط فيه. وفى الحديث أيضا: «إياكم وملغاة أول الليل»، أى: كثرة الحديث. فهذا كالحديث المرفوع: خرج علينا عمر، فجدب لنا السّمر، أى: عابه.
ونحو منه قول الله سبحانه: ﴿وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ (^٥)، وقوله: ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ (^٦)، أى: بالباطل، فهو راجع إلى هذا؛ لأن كثرة القول مدعاة إلى الباطل، وقوله تعالى: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ (^٧) يحتمل أمرين:
_________________
(١) سبق الاستشهاد به.
(٢) سورة الجاثية الآية (٣٥).
(٣) وقراءة عبد الله بن بكير السلمى، وابن أبى إسحاق، وعيسى بن عمر، وقتادة، وأبى حيوة، الزعفرانى. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٣٤، الأخفش ٤٦٦/ ٢، الكشاف ٤٥١/ ٣، القرطبى ٣٥٦/ ١٥، البحر المحيط ٤٩٤/ ٧، النحاس ٣٧/ ٣، العكبرى ١١٩/ ٢، الرازى ١١٩/ ٢٧).
(٤) أخرجه الترمذى عن أبى هريرة مرفوعا برقم ٤٧٠، وأخرجه أبو داود فى كتاب الصلاة برقم (١١٠٥١).
(٥) سورة الفرقان الآية (٧٢).
(٦) سورة القصص الآية (٥٥).
(٧) سورة الغاشية (١١).
[ ٢ / ٢٩٣ ]
أحدهما: كلمة لاغية.
والآخر: أن يكون مصدرا، كالعاقبة، والعافية، أى: لا يسمع فيها لغو، وهذا أقوى من الأول؛ لأن فى ذلك إقامة الصفة مقام الموصوف، وهذا غير مستحسن فى القرآن.
ويقال فيه أيضا: لغى يلغى لغا، قال:
عن اللّغا ورفث التّكلّم (^١) …
ويقال أيضا: لغى بالشئ يلغى به، كقولك: لزمه وأحبّه، فيكون كقوله: من أحب شيئا أكثر من ذكره. يقال: لغى به، وغرى به، وغره به، ولكى به، ولزم به، وسدك به، وعسق به: إذا واصله، وأقام عليه.
***
﴿وَرَبَتْ﴾ (٣٩)
ومن ذلك قراءة أبى جعفر يزيد: «وربأت» (^٢).
قال أبو الفتح: هذه القراءة راجعة بمعناها إلى معنى ما عليه قراءة الجماعة، وذلك أن الأرض إذا ربت ارتفعت، والرّابئ أيضا كذلك؛ لأنه هو المرتفع. ومنه الرّبيئة، وهو طليعة القوم وذلك لشخوصه على الموضع المرتفع. قال الهذلىّ (^٣).
فوردن والعيّوق مقعد رابئ الضّ … رباء خلف النّجم لا يتتلّع (^٤)
***
_________________
(١) انظر: (ديوان العجاج ٥٩).
(٢) وقراءة خالد. انظر: (الإتحاف ٣٨١، النشر ٣٢٥/ ٢، القرطبى ٣٦٥/ ١٥، الكشاف ٤٥٥/ ٣، التبيان ١٢٧/ ٩، البحر المحيط ٤٩٩/ ٧، النحاس ٤٢/ ٣، الآلوسى ١٢٦/ ٢٤).
(٣) البيت لأبى ذؤيب الهذلى من قصيدته التى مطلعها: آمن المنون وريبها تتوجع؟ والدهر ليس بمعتب من يجزع انظر: (ديوان الهذليين ٢/ ١).
(٤) ويروى: فوق النظم لا يتتلّع، وفوق النجم. انظر: (ديوان الهذليين ٦/ ١. فوق النظم، أى نجم الجوزاء، وفوق النجم؛ أى: نجم الثريا. وفى لسان العرب «عوق»: خلف النجم، يقول: إن هذه الحمر قد وردن الماء فى آخر الليل حين طلوع الكوكب العيوق فوق الجوزاء كأنه رابئ الضرباء، وهو الرجل الذى ينظر من يضربون بالقداح، وهذا الوقت تميل فيه الثريا للغروب والعيوق خلفها قريبا قرب هذا الرقيب.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
﴿ءَ أَعْجَمِيٌّ﴾ (٤٤)
ومن ذلك قراءة الحسن وأبى الأسود والجحدرى وسلاّم والضحاك وابن عامر؛ بخلاف: «أعجمىّ»، بهمزة واحدة مقصورة، والعين ساكنة (^١).
وقرأ بهمزة واحدة غير ممدودة وفتح العين-عمرو بن ميمون (^٢).
قال أبو الفتح: أما «أعجمى»، بقصر الهمزة، وسكون العين فعلى أنه خبر لا استفهام، أى: لقالوا: لولا فصّلت آياته، ثم أخبر فقال: الكلام الذى جاء به أعجمىّ، أى: قرآن، وكلام أعجمىّ. ولم يخرج مخرج الاستفهام على معنى التعجب والإنكار على قراءة الكافة، وهذا كقولك للآمر بالمعروف، التارك لاستعماله: أراك تأمر بشئ ولا تفعله. وعلى قراءة الكافة: أتأمر بالبرّ وتتركه؟.
وأما قراءة عمرو بن ميمون: «أعجمىّ» فهذه همزة استفهام، وهو منسوب إلى العجم.
وأما أعجمىّ بسكون العين فلفظه لفظ النسب، وليس هناك حقيقة نسب، وإنما هو لتوكيد معنى الصفة. ونظيره قولهم: رجل أحمر وأحمرىّ، وأشقر وأشقرىّ. وعليه قول العجاج:
غضف طواها الأمس كلاّبىّ (^٣) …
أى: كلاّب، يعنى صاحب كلاب، كبغّال وحمّار. وقوله أيضا:
والدّهر بالإنسان دوّارىّ (^٤) …
أى: دوّار. فكذلك أعجمىّ، معناه أعجم. ومنه قولهم: زياد الأعجم. رجل أعجم، وامرأة عجماء، وقوم عجم. فهذا كأحمر وحمراء وحمر.
فأما الأعاجم فتكسير أعجمىّ، وهو على حذف زيادة ياءى الإضافة. وجاز
_________________
(١) وقراءة ابن عباس «بخلاف عنه» وأبى العالية، ورويس، وهشام، وحفص، ونصر بن عاصم، والمغيرة، والقواس. انظر: (الإتحاف ٣٨١، الفراء ١٩/ ٣، النشر ٣٦٦/ ١، الطبرى ٨٠/ ٢٤، التبيان ١٢٨/ ٩، البحر المحيط ٥٠٢/ ٧، التيسير ١٩٣، الكشاف ٤٥٥/ ٣).
(٢) وقراءة الحسن. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٣٣، البحر المحيط ٥٠٢/ ٧، الفراء ١٩/ ٣، التبيان ١٣١/ ٣، العكبرى ١١٩/ ٢).
(٣) سبق الاستشهاد به.
(٤) سبق الاستشهاد به.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
تكسيره على أفاعل؛ لأنه بدخول ياءى الإضافة عليه فارق فى اللفظ باب أفعل وفعلاء، فكسّر تكسير الأسماء.
ووجه مفارقته إياه لحاق تاء التأنيث، فصار كظريف وظريفة، وقائم وقائمة. فلما فارق أحكام أفعل وفعلاء كسّر على الأفاعل، فجرى مجرى أحمد وأحامد. نعم، وصرفه عند لحاق التأنيث له يزيده بعدا عن حكم أحمر وبابه، وأنت أيضا تصرفه معرفة ونكرة، وأحمر لا ينصرف معرفة ونكرة. والحديث هنا طويل، وفيما مضى كاف على ما عقدنا عليه من الاقتصاد فى هذا الكتاب، على حد ما سئلنا فى معناه.
***
[ ٢ / ٢٩٦ ]