﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُورًا﴾ (٩)
قرأ: «من كلّ جانب دحورا» (^١) السّلمىّ.
قال أبو الفتح: فى فتح هذه الدال وجهان:
إن شئت كان على ما جاء من المصادر على فعول-بفتح الفاء-على ما فيه من خلاف أبى بكر فيه، وقد بيناه فيما مضى من هذا الكتاب وغيره.
وإن شئت أراد: ويقذفون من كلّ جانب بداحر، أو بما يدحر، وهذا كأنه الثانى من الوجهين؛ لما فيه من حذف حرف الجر وإرادته. وأكثر ما يأتى فى الشعر، كما قال (^٢):
نغالى اللّحم للأضياف نيئا … ونرخصه إذا نضج القدير
أى: باللحم، ومثله ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (^٣) أى: أعلم به، فيمن قدر ذلك.
***
﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ﴾ (٥٥)
ومن ذلك قراءة ابن عباس وأبى سرّاج وابن أبى عمّار عبد الرحمن-ويقال عمار بن أبى عمّار-وأبى عمرو-بخلاف-وابن محيصن: «هل أنتم مطلعون فأطلع» (^٤).
_________________
(١) وقراءة على، والطبرانى، وابن أبى عبلة، وأبى جعفر. ويعقوب الحضرمى. انظر: (الفراء ٢٨٣/ ٢، القرطبى ٦٥/ ١٥، البحر المحيط ٣٥٣/ ٧، النحاس ٧٤٠/ ٢، الرازى ١٢٣/ ٢٦).
(٢) انظر: لسان العرب «غلا».
(٣) سورة الأنعام الآية (١١٧).
(٤) وقراءة حسين الجعفى، وأبى البرهسم. انظر: (الفراء ٢١٩/ ٢، السبعة ٥٤٨، الإتحاف ٣٦٩، البحر المحيط ٣٦١/ ٧، القرطبى ٨٢/ ١٥).
[ ٢ / ٢٦٥ ]
قال أبو الفتح: يقال طلع: إذا بدا، وأطلع: أقبل. فهو على هذا: هل أنتم مقبللون فأقبل؟. فالفعل إذا الذى هو «أطلع» مسند إلى مصدره، أى: فأطلع الإطلاع، كقولك: قد قيم؛ أى: قيم القيام، وقد قعد، أى: قعد القعود.
قال أبو الفتح: قال أبو حاتم: لا يجوز إلا فتح النون من «مطّلعون»، مشددة الطاء كانت، أو مخففة. قال: وقد شكلها بعض الجهال بالحضرة مكسورة النون، قال: وهذا خطأ. لو كان كذلك لكان مطلعىّ، تقلب واو مطلعون ياء، يعنى لوقوع ياء المتكلم بعدها، والأمر على ما ذهب إليه أبو حاتم، إلا أن يكون على لغة ضعيفة، وهو أن يجرى اسم الفاعل مجرى الفعل المضارع؛ لقربه منه، فيجرى مطلعون مجرى يطلعون. وعليه قال بعضهم:
أريت إن جئت به أملودا … مرجّلا ويلبس البرودا
أقائلنّ أحضر الشّهودا (^١) …
فوكد اسم الفاعل بالنون، وإنما بابها الفعل، كقول الله تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ (^٣)، ونحو ذلك ومنه قول الآخر:
وما أدرى وظنّى كلّ ظنّ … أمسلمنى إلى قومى شراحى (^٤)
يريد: أمسلمىّ، وهذا شاذ كما ترى، فلا وجه للقياس عليه.
***
﴿لَشَوْبًا﴾ (٦٧)
ومن ذلك قراءة شيبان النحوى: «لشوبا» (^٥).
قال أبو الفتح: الشوب: الخلط، بفتح الشين. ولم يمرر بنا الضم، ولعله لغة فيه كالفقر والفقر، والضرّ والضّرّ، ونحو ذلك.
***
_________________
(١) سبق الاستشهاد به.
(٢) سورة التكاثر الآية (٦).
(٣) سورة الانشقاق (٩).
(٤) انظر: (البحر المحيط ٣٦١/ ٧).
(٥) انظر: (الكشاف ٣٤٢/ ٣، البحر المحيط ٣٦٣/ ٧).
[ ٢ / ٢٦٦ ]
﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ (٩٣)
ومن ذلك قراءة الحسن «فراغ عليهم سفقا باليمين» (^١).
قال أبو الفتح: قد قالوا: صفقت الباب، وسفقته، والصاد أعلى. وقالوا أيضا: أسفقته إسفاقا، وقالوا فى التّصفيق: التّصفاق، إذا كثر ذلك، كالتّضراب والتّلماح والتّمشاء.
وروى عن الحسن. أيضا: «صفقا».
***
﴿يَزِفُّونَ﴾ (٩٤)
ومن ذلك قراءة عبد الله بن يزيد: «يزفون» (^٢)، خفيفة.
قال أبو الفتح: المسموع فى هذا زفّ القوم يزفّون زفيفا، وقالوا أيضا: أزفّوا يزفّون، كما قالوا: زففت العروس، وقالوا: أزففتها أيضا. فأما «يزفون» بالتخفيف فذهب قطرب إلى أنها تخفيف يزفّون، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (^٣)، أى: اقررن.
قال الهذلى (^٤):
وزقّت الشّول من برد العشىّ كما … زفّ النّعام إلى حفّانه الرّوح (^٥)
&
_________________
(١) انظر: (مجمع البيان ٤٤٨/ ٨، الكشاف ٣٤٥/ ٣).
(٢) وقراءة مجاهد، والضحاك، ويحيى بن عبد الرحمن المقرى، وابن أبى عبلة. انظر: (القرطبى ٩٥/ ١٥، البحر المحيط ٣٦٦/ ٧، الفراء ٣٨٩/ ٢، النحاس ٧٥٨/ ٢،٧٥٩).
(٣) سورة الأحزاب الآية (٣٣).
(٤) من قصيدة لأبى ذؤيب الهذلى، مطلعها: نام الخلى وبت الليل مشتجرا كأن عينى فيها الصاب مذبوح انظر: (ديوان الهذليين ١٠٤/ ١).
(٥) ديوان الهذليين ١٠٦/ ١، لسان العرب (روح). قوله: وزفت، جاءت زفيفا عجلة مبادرة، والزفيف: خطو مقارب، وسرعة وضع الأخفاف ورفعها. وحفانه: صغاره، والروح: اللواتى بأرجلها روح، كل نعامة روحاء، وهو انفتاح يميل إلى شقّها الوحشى، ومنه قول الراعى: «فولت بروحاء مأطورة». والشول: جمع شائلة، وهى التى قد خلف لبنها وأتى على نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية، ومن هذا قولهم: شال الميزان؛ أى خفّ، وجمع شائل شول، وهى اللاقح.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
إلا أن ظاهر «يزفون» أن يكون من وزف، كيعدون من وعد. ويؤنّس بذلك قربه من لفظ الوفز، وهو واحد الأوفاز، من قولهم: أنا على أوفاز. وإذا كان كذلك فهو قريب من لفظ وزف، أى: أسرع، وقريب من معناه. ولم يثبت الكسائى ولا الفراء: «وزف»، إلا أن ظاهر اللفظ مقتض لها على ما مضى. وعلى أن أحمد بن يحيى قد أثبت وزف: إذا أسرع، وشاهده عنده هذه القراءة: «يزفون» أى: يسرعون.
***
﴿فَانْظُرْ ماذا تَرى﴾ (١٠٢)
ومن ذلك قراءة الأعمش والضحاك: «فانظر ماذا ترى»، بضم التاء (^١).
قال أبو الفتح: روينا عن قطرب: «ماذا ترى»، و«ترى» بفتح الراء وكسرها.
فترى، أى: يلقى إليك، ويوقع فى خاطرك.
وأما ترى فتشير به، وتدعو إلى العمل بحسبه.
وترى هذه ليست من معنى الرؤية بالبصر؛ لأن الرأى ليس مما تدركه حاسّة البصر، ولا هى من معنى العلم أيضا؛ لأنه ليس يكلّفه هنا أن يقطع له بصريح الحق وجليّة اليقين، وإنما يسأله عما يحضره إياه رأيه، فهى إذا من قولك: ما رأيك فى هذا؟ وما الذى يحضرك فى كذا؟.
ومنه قول الله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ﴾ (^٢)، أى: بما يحضرك إياه الرأى والخاطر. وفيه شاهد لجواز اجتهاد النبى ﷺ. ومنه قولهم: فلان يرى رأى الخوارج، ويرى رأى أبى حنيفة، أى: يذهب مذهبه ويعتقد اعتقاده، ليس أنه يبصر بصره، ولا يعلم يقينا علمه، وإنما هو أن يعتقد رأيه، صوابا كان، أو خطأ.
***
﴿فَلَمّا أَسْلَما﴾ (١٠٣)
ومن ذلك قراءة علىّ بن أبى طالب وابن عباس وابن مسعود ومجاهد والضحاك
_________________
(١) انظر: (الكشاف ٣٤٨/ ٣، البحر المحيط ٣٧٠/ ٧، مجمع البيان ٤٥١/ ٨).
(٢) سورة النساء الآية (١٠٥).
[ ٢ / ٢٦٨ ]
والأعمش والثورى وجعفر بن محمد: «فلمّا سلّما» (^١)، بغير ألف ولام مشددة.
قال أبو الفتح: أما ﴿أَسْلَما﴾ ففوّضا وأطاعا، وأما «سلّما» فمن التسليم، أى: سلّما أنفسهما وآراءهما كالتسليم باليد لما أمرا به، ولم يخالفا ما أريد منهما من إجماع إبراهيم ﵇ الذبح، وإسحاق الصبر.
﴿وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٢٣]، ﴿سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ﴾ [الصافات:١٣٠].
ومن ذلك قراءة ابن محيصن وعكرمة-بخلاف-والحسن-بخلاف-وأبى رجاء: «وإنّ الياس» (^٢)، بغير همز. «سلام على الياسين» (^٣)، بغير همز.
قال أبو الفتح: أما «الياس» موصول الألف فإن الاسم منه «ياس»، بمنزلة باب ودار، ثم لحقه لام التعريف، فصار «الياس»، بمنزلة الباب والدار.
و«الياسين» على هذا كأنه على إرادة ياء النسب، كأنه الياسيّين، كما حكى عنهم صاحب الكتاب: الأشعرون والنّميرون، يريد الأشعريّين والنّميريّين. وروينا عن قطرب عنهم: هؤلاء زيدون، منسوبون إلى زيد بغير ياء النسبة. وقال أبو عمرو: هلك اليزيدون، يريد ثلاثة يزيديّين.
وقد يجوز أن يكون جعل كل واحد من أهل «الياس» ياسا، فقال: «الياسين»، كقوله (^٤):
قدنى من نصر الخبيبين قدى (^٥)
_________________
(١) وقراءة الحسن المطوعى، وحميد. انظر: (الفراء ٣٩٠/ ٢، مختصر شواذ القراءات ١٢٨، الإتحاف ٣٧٠، القرطبى ١٠٤/ ١٥، الكشاف ٣٤٨/ ٢، البحر المحيط ٣٧٠/ ٧).
(٢) وقراءة ابن عامر، وابن ذكوان، وهشام، والأعرج، والمطوعى. انظر: (السبعة ٥٤٨، النشر ٣٥٩/ ٢،٣٦٠، الإتحاف ٣٧٠، البحر المحيط ٣٧٣/ ٧، الطبرى ٢٣،٦١، الكشاف ٣٥٢/ ٣، التيسير ٨٧، تحبير التيسير ١٦٧).
(٣) انظر: (القرطبى ١١٨/ ١٥، الكشاف ٣٥٢/ ٣، النحاس ٧٦٦/ ٢، مجمع البيان ٤٥٦/ ٨، البحر المحيط ٣٧٣/ ٧).
(٤) لأبى نخيلة، وقيل حميد الأرقط، أو أبى بجدلة. انظر: (النوادر ٢٠٥، أمالى ابن الشجرى ١٤/ ١،١٤٢/ ٢، الكتاب ٣٧١/ ٢، شرح المفصل ١٢٤/ ٣،١٤٣/ ٧، الإنصاف ١٣١، خزانة الأدب ٤٤٩/ ٢، همع الهوامع ٦٤/ ١ شرح شواهد المغنى ١٦٦، شرح الأشمونى ١٢٥/ ١، شرح التصريح ١١٢/ ١).
(٥) عجزه: «ليس الإمام بالشحيح الملحد».
[ ٢ / ٢٦٩ ]
يريد أبا خبيب وأصحابه، كأنه جعل كل واحد منهم خبيبا. ونحو منه قولهم: شابت مفارقه، جعل كل جزء من مفرقه مفرقا، ثم جمعه على ذلك، وكذلك امرأة واضحة اللبّات، جعل كلّ جزء يجاور اللبة لبة. وقال (^١):
يطفن بجمّاء المرافق مكسال (^٢) …
جمع مرفقيها بما حولهما، ومثله ما رويناه عن أبى علىّ من قوله:
مرّت بنا أوّل من أموس … تميس فينا مشية العروس (^٣)
فسمّى كل جزء من أمس أمسا، ثم جمع عليه. ويشهد لوصل ألف الياس قوله:
أمّهتى خندف والياس أبى (^٤) …
وتكون لام التعريف هنا-بمنزلتها فى اليسع-زائدة؛ لأن الاسم علم وليس بصفة، فيجرى مجرى العباس والحارث. قال أبو عثمان: سألت الأصمعى عن قول الشاعر:
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا … ولقد نهيتك عن بنات الأوبر (^٥)
_________________
(١) = يروى الخبيبين على التثنية الخبيبان، بهيئة التصغير، هما عبد الله بن الزبير، وكنيته أبو خبيب، ومصعب أخوه، غلبه عليه لشهرته، روايته على الجمع يقصد بها: أبا خبيب وشيعته. وقدنى، أى: حسبى وكفانى، وهو مبتدأ خبره الجار والمجرور، والمعنى: حسبى من نصرة هذين الرجلين، وقدى الثانية توكيد. وقد يكون النصر العطية، فيكون مضافا إلى فاعله. انظر: (هامش الكتاب ٣٧١/ ٢،٣٧٢).
(٢) امرؤ القيس، من قصيدة مطلعها: ألا عم صباحا أيها الطلل البالى وهل يعمن من كان فى العصر الخالى انظر: (ديوانه ١٣٩).
(٣) صدره: «وبيت عذارى يوم دجن ولجته». الدجن: ظل الغيم، جباء المرافق: التى عظم لحم مراقه.
(٤) انظر: لسان العرب «أمس».
(٥) شرح شواهد الشافية ٣٠١/ ٤،٣٠٧، وسر صناعة الإعراب، ونسبه فى شرح شواهد الشافية لقصى بن كلاب جد النبى ﷺ؛ قال: كذا فى شرح أمالى القالى لأبى عبيد البكرى، والروض الأنف للسهيلى. قوله: «أمهتى خندف» يريد أم جده مدركة بن إلياس بن مضر، وكذا يريد بقوله: «والياس أبى» جده إلياس بن مضر.
(٦) انظر: (الخصائص ٦٠/ ٣).
[ ٢ / ٢٧٠ ]
فقال: الألف واللام هنا زيادة؛ ولذلك نظائر كثيرة، ولو قيل: إنها لحقت هنا لأنه مصدر، فشبّه بالصفة، كالعلاء والفضل لكان وجها.
***
ومن ذلك قراءة ابن مسعود ويحيى والأعمش والمنهال بن عمرو والحكم بن عتيبة: «وإنّ إدريس» (^١)، «سلام على إدراسين» (^٢).
قال أبو الفتح: روينا عن قطرب عن ابن مسعود: «وإنّ إدراس»، و«سلام على إدراسين»: قال: وجاء عنه: «إدرسين»، وكذلك عن قتادة. وقال: وفى بعض القراءة: «إدريسين».
قال أبو الفتح: أما ما رواه ابن مجاهد عن ابن مسعود من «إدريس»، و«إدراسين» فيجب أن يكون من تحريف العرب الكلم الأعجمى؛ لأنه ليس من لغتها، فتقلّ الحفل به، وقد ذكرنا مثله.
وقياسه سلام على إدريسين، كما حكاه قطرب، إلا أنه حكاه: «وإن إدريسين»، كما ترى.
وأما ما رواه قطرب من «إدراس» و«إدراسين» فجمع الصحة، كالياس والياسين.
ولو كان جمع تكسير لقال: سلام على الأداريس، كقولك فى قرطاس: قراطيس، لكنه جمع صحة للتذكير، كالزيدين والقاسمين.
فأما «إدرسين» فيشبه أن يكون أراد «إدراسين»، إلا أنه استطال الاسم، وجفت عليه أيضا عجمته؛ فحذف الألف تخفيفا. وإذا كانوا قد حذفوها للتخفيف من نفس كلامهم وسرّ لغتهم فى قولهم فى اصفارّ، واحمارّ، واسوادّ، وابياضّ: اصفرّ، واحمرّ، واسودّ، وابيضّ، فهم بحذف هذه الألف فيما ليس من لغتهم، ولا ينصرف إليه محاماتهم عنه أجدر بجواز ذلك فيه. نعم، وقد يمكن مع هذا أن تكون هذه الألف فى نحو احمارّ واسوادّ إنما حذفت لالتقاء الساكنين، كما زيد فى مدّها فى أكثر اللغة لالتقائهما، وكما همزت فى نحو قولهم:
_________________
(١) وقراءة قتادة. انظر: (الكشاف ٣٥٢/ ٣، الفراء،٣٩٢/ ٢، البحر المحيط ٣٧٢/ ٧،٣٧٤، القرطبى ١١٥/ ١٥، التبيان ٤٨٠/ ٨).
(٢) وقراءة قتادة. انظر: (الفراء ٣٩٢/ ٢، الكشاف ٣٥٢/ ٣، الطبرى ٦٢/ ٢٣، البحر المحيط ٣٧٣/ ٧،٣٧٤، العكبرى ١١١/ ٢٧).
[ ٢ / ٢٧١ ]
إذا ما العوالى بالعبيط احمأرّت (^١) …
فتارة يستروح من اجتماعهما إلى إطالة المدّ، وأخرى إلى الحذف، وأخرى إلى الهمز. وكل هذا تفاد من التقاء الساكنين.
وحكى أبو حاتم عن أبىّ: «وإن إبليس» (^٢)، و«على إبيلسين».
قال: وقال خارجة: بلغنا أن اسمه كان إبليس، وإدريس.
***
﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (١٤٧)
ومن ذلك قراءة جعفر بن محمد: «وأرسلناه إلى مائة ألف ويزيدون» (^٣)، هكذا هى، ليس فيها «أو».
قال أبو الفتح: فى هذه الآية إعراب حسن، وصنعة صالحة؛ وذلك أن يقال: هل لقوله: «ويزيدون» موضع من الإعراب، أو هو مرفوع اللفظ لوقوعه موقع الاسم حسب، كقولك مبتدئا: يزيدون؟.
والجواب أن له موضعا من الإعراب، وهو الرفع؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف، أى: وهم يزيدون على المائة، والواو لعطف جملة على جملة، فهو كقولك: مررت برجل مثل الأسد، وهو والله أشجع، ولقيت رجلا جوادا، وهو والله فوق الجواد.
فإن قلت: فقد تقول: لقيت من زيد رجلا كالأسد وأشجع منه، فهل يجوز على هذا أن يكون تقديره: وأرسلناه إلى مائة ألف ويزيدون، فيعطف يزيدون على مائة؟ قيل: يفسد هذا؛ لأن «إلى» لا تعمل فى «يزيدون»، فلا يجوز أن يعطف على ما تعمل فيه «إلى»، فكما لا تقول: مررت بيزيدون على المائة فكذلك لا تقول ذلك.
فإن قلت: فقد يجوز فى المعطوف ما لا يجوز فى المعطوف عليه، كقولنا: رب رجل وأخيه، وكلّ شاة وسخلتها، ومررت برجل صالح أبواه لا طالحين، ومررت بزيد القائم أبواه لا القاعدين، ونحو ذلك. قيل قدر المتجوّز فى هذا ونحوه لا يبلغ ما رمته من تقدير حرف الجر مباشرا للفعل. ألا تراك لا تجيز مررت بقائم ويقعد وأنت تريد مررت بقائم وبقاعد؟.
_________________
(١) سبق الاستشهاد به.
(٢) انظر: (البحر المحيط ٣٧٢/ ٧).
(٣) انظر: (مجمع البيان ٤٥٧/ ٨، القرطبى ١٣٢/ ١٥، البحر المحيط ٣٧٦/ ٧، الكشاف ٣٥٤/ ٣).
[ ٢ / ٢٧٢ ]
فإن قيل: فقدّر هناك موصوفا محذوفا مجرورا ليكون تقديره: وأرسلناه إلى مائة ألف وجمع يزيدون، على قول الراجز:
جادت بكفّى كان من أرمى البشر (^١) …
أى: بكفّى إنسان كان من أرمى البشر، قيل: تقدير مباشرة حرف الجر للفعل أشد من تقدير الإضافة إليه. ألا ترى أنه على كل حال قد يضاف إلى الفعل ظروف الزمان وغيره، على كثرة ذلك فى أسماء الزمان؟ وينضاف إلى ذلك إفساد المعنى؛ وذلك أنه يصير معناه إلى أنه كأنه قال: وأرسلناه إلى جمعين: أحدهما مائة ألف، والآخر زائد على مائة ألف. وليس الغرض والمراد هنا هذا، وإنما الغرض-والله أعلم-وأرسلناه إلى جمع لو رأيتموهم لقلتم أنتم: هؤلاء مائة ألف، وهم أيضا يزيدون. فالجمع إذا واحد لا جمعان اثنان.
وكذلك قراءة الجماعة ﴿أَوْ يَزِيدُونَ،﴾ وتقديره: أو هم يزيدون، فحذف المبتدأ لدلالة الموضع عليه كما مضى مع الواو وأما قول الآخر (^٢):
ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث … إلى ذاكما ما غيّبتنى غيابيا
فقالوا: معناه: أو شهرين ونصف ثالث؛ وذلك أن قوله: أو نصف ثالث لا يكون ثالثا حتى يتقدمه شهران، إلا أنه هنا حذف المعطوف عليه مع حرف العطف جميعا.
وفى قوله سبحانه: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ وعلى قراءة جعفر بن محمد: «ويزيدون» إنما حذف اسم مفرد، وهو: هم، وعلى أنه قد جاء عنهم حذف الاسم ومعه حرف العطف، وذلك قولهم فيما رويناه عن أبى بكر محمد بن الحسن، عن أحمد بن يحيى: راكب الناقة طليحان، أى: راكب الناقة والناقة طليحان، فحذف الناقة وحرف العطف معهما. وعلى أنه قد يحتمل ذلك تأويلا آخر، وهو أن يكون أراد: راكب الناقة أحد طليحين، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه.
والذى عندى فى قوله:
ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث
أن يكون على حذف المضاف، أى: ألا فالبثا شهرين أو شهرى نصف ثالث، أى:
_________________
(١) انظر: (الخصائص ٣٦٩/ ٢).
(٢) هو ابن الأحمر. انظر: (الخصائص ٤٦٢/ ٢).
[ ٢ / ٢٧٣ ]
والشهرين اللذين يتبعهما نصف ثالثهما؛ لأنه ليس كل شهرين يؤمر بلبثهما لا بد أن يصحبهما نصف ثالثهما، لكن البثا أنتما شهرين، أو الشهرين اللذين يتبعهما فى اللّبث نصف ثالثهما.
وصحت الإضافة فيهما هذا القدر من الوصلة بينهما. وقد أضافت العرب الأول إلى الثانى لأقلّ وأخفض من هذه الشبكة بينهما. أنشدنا أبو على:
إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة … سهيل أذاعت غزلها فى الغرائب
قال: فأضاف سهيلا إليها لجدها فى عملها عند طلوعه، وقريب من هذا قول الرجلين يحملان الخشبة-أحدهما لصاحبه-: خذ أنت طرفك، ولآخذ أنا طرفى. وإنما الطرف للخشبة، لا لحاملها، فاعرف كلام القوم تر العجب منه والحكمة البالغة فيه بإذن الله تعالى.
***
﴿إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ﴾ (١٦٣)
ومن ذلك قراءة الحسن: «إلاّ من هو صال الجحيم» (^١)، بضم اللام.
قال أبو الفتح: كان شيخنا أبو على يحمله على أنه حذف لام «صال» تخفيفا، وأعرب اللام بالضم، كما حذفت لام البالة من قولهم: ما باليت به بالة، وهى البالية، كالعافية والعاقبة.
وذهب قطرب فيه إلى أنه أراد جمع «صال»، أى: صالون، فحذف النون للإضافة وبقّى الواو فى صالو، فحذفها من اللفظ لالتقاء الساكنين، وحمل على معنى «من» لأنه جمع، فهو كقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ (^٢)، وهذا حسن عندى، وقول أبى علىّ وجه مأخوذ به.
***
﴿فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ (١٧٧)
ومن ذلك قراءة ابن مسعود: «فإذا نزل بساحتهم» (^٣).
_________________
(١) وقراءة ابن أبى عبلة. انظر: (الفراء ٣٩٤/ ٢، الكشاف ٣٥٦/ ٣، البحر المحيط ٣٧٩/ ٧، الإتحاف ٣٧٩، النحاس ٧٧٦/ ٢، القرطبى ١٣٦/ ١٥، التبيان ٤٩٠/ ٨).
(٢) سورة يونس الآية (٤٢).
(٣) انظر: (الكشاف ٣٥٧/ ٣، البحر المحيط ٣٨٠/ ٧).
[ ٢ / ٢٧٤ ]
قال أبو الفتح: لفظ هذا الموضع على الاستفهام، ومعناه الوضوح والاختصاص؛ وذلك أن الغرض فيه إنما هو: فإذا نزل العذاب بساحتهم. يدل عليه قوله قبله معه ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ؟﴾ «فإذا قال: «فإذا نزل بساحتهم» فلا محالة أن معناه: فإذا نزل عذابنا بساحتهم، فأبهم الفاعل واعتمد ذكر المكان المنزول فيه.
ومثله فى المعنى قول الله سبحانه: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا﴾ (^١)، ونحن نعلم أن الله تعالى خالقه. وكذلك ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ (^٢)، ألا ترى إلى قوله: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (^٣)، وقوله عز اسمه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾ (^٤)، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (^٥)، ونظائره كثيرة.
فكذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ على ما شرحناه من حاله، وهذا أحد ما يدلك على أن إسناد الفعل إلى المفعول نحو: ضرب زيد، لم يكن لجهل المتكلم بالفاعل من هو ألبتة، لكن قد يسند إلى المفعول، ويطرح ذكر الفاعل؛ لأن الغرض إنما هو الإعلام بوقوع الضرب بزيد، ولا غرض معه فى إبانة الفاعل من هو، فاعرفه.
***
&
_________________
(١) سورة النساء الآية (٢٨).
(٢) سورة الأنبياء (٣٧).
(٣) سورة العلق الآيتان (١،٢).
(٤) سورة الرحمن (٣،٤).
(٥) سورة ق الآية (١٦).
[ ٢ / ٢٧٥ ]