﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الم (١) أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ (٢)
[وقراءة] ورش: «ألف لام ميم حسب» (^١)، بفتح الميم من غير همز بعدها.
قال أبو الفتح: هذا على تخفيف همزة: ﴿أَحَسِبَ،﴾ حذفها وألقى حركتها على الميم، وانفتحت.
وفيه ضعف؛ وذلك أن حروف التهجى مبنية على الوقف فى حال الوصل، كقراءة الجماعة: «ميم أحسب الناس». فإذا كانت فى الإدراج ساكنة لم يلق بها إلقاء الحركة عليها؛ وذلك أن إلقاء الحركة فى نحو هذا إنما يكون لما من عادته أن يحرّك فى الوصل لالتقاء الساكنين. وأنت تقول: «ميم» فتجمع بين الساكنين، وهما: الياء، والميم. فإذا كان الساكنان يجتمعان فى الوصل ضعف إلقاء حركة الهمزة عليها، وليس كذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (^٢)؛ لأن «قد» مما يحرك لالتقاء الساكنين، نحو قد انقطع، وقد استخرج. فكما حرك لالتقاء الساكنين، فكذلك حرك لإلقاء حركة الهمزة عليه.
فإن قلت: قد تقول: «ألف لام ميم الله»، فتحرك الميم من آخر «ميم» لسكونها وسكون اللام من بعدها، فهلا جاز على ذلك إلقاء حركة الهمزة عليها. قيل: أصل حركة التقاء الساكنين إنما هو فى المتصل، نحو: أين، وكيف، ومنذ، وسوف، وأمس، وهؤلاء. ثم شبه المنفصل فى ذلك بالمتصل، «وميم» و«نون» و«قاف» مما يجتمع فيه الساكنان فى الوصل، فعليه العمل لا على ما يحرك فى الوصل المنفصل لالتقاء الساكنين، إلا أن له أن يقول: شبهت سكونا بسكون، فحركت ميم «ميم» بإلقاء حركة الهمزة، كما حركت دال «قد افلح» كذلك.
***
_________________
(١) وقراءة حمزة. انظر: (الإتحاف ٣٤٤، غيث النفع ٣١٧).
(٢) سورة المؤمنون الآية (١). وهى قراءة ورش.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ (٣)
ومن ذلك قراءة علىّ بن أبى طالب كرم الله وجهه: «فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين» (^١)، برفع الياء فيهما، وكسر اللام.
وقرأ الزهرى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ﴾ مثل قراءة الناس، وقرأ: «وليعلمنّ الكاذبين» (^٢) كقراءة علىّ.
وقرأ جعفر بن محمد ومحمد بن عبد الله بن حسن، كقراءة علىّ ﵇.
وقرأ الزهرى: «وليعلمنّ الله الذين آمنوا» كقراءة الناس أيضا، «وليعلمنّ المنافقين.»
قال أبو الفتح: أما «فليعلمنّ»، بفتح الياء واللام فإنها على إقامة السبب مقام المسبب، والغرض فيه: فليكافئن الله الذين آمنوا؛ وذلك أن المكافأة على الشئ إنما هى مسببة عن علم، ولو لم يعلم لما صحت المكافأة. ومثله من إقامة السبب مقام المسبب قول الله سبحانه: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ (^٣)، فهذا سبب قضاء الحاجة المكنّى بذكره عنها. وقد أفردنا لهذا الفصل من إقامة كل واحد من السبب والمسبب مقام صاحبه بابا فى كتاب الخصائص (^٤).
وأما قوله: «وليعلمن» ف معناه: وليعرّفنّ الناس من هم؟ فحذفت المفعول الأول، كما قال الله تعالى: «يوم يدعى كل أناس بإمامهم» (^٥)، وكقوله: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ (^٦). جاء فى التفسير أنها زرقة العيون، وسواد الوجوه. ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ (^٧)، وقيل فى زرقا: أى: عطاشا، ومنه: سنان أزرق، أى: ظمآن إلى الدم.
&
_________________
(١) وقراءة جعفر بن محمد، ومحمد بن عبد الله بن الحسن، والزهرى. انظر: (الكشاف ١٩٦/ ٣، مجمع البيان ٢٧١/ ٨، البحر المحيط ١٤٠/ ٧، الآلوسى ٣٥/ ٢٠).
(٢) وقراءة على بن أبى طالب، وجعفر بن محمد، ومحمد بن عبد الله بن الحسن. انظر: (الكشاف ١٦٩/ ٣، مجمع البيان ٢٧١/ ٨، البحر المحيط ١٤٠/ ٧).
(٣) سورة المائدة الآية (٧٥).
(٤) انظر: (الخصائص ١٧٥/ ٣:١٧٩).
(٥) سورة الإسراء الآية (٧١). وهى قراءة الحسن.
(٦) سورة الرحمن الآية (٤١).
(٧) سورة طه الآية (١٠٢).
[ ٢ / ٢٠٣ ]
وإن شئت لم تحمله على حذف المفعول لكن على أنه من قولهم: ثوب معلم، ومن قولهم: فارس معلم، أى: أعلم نفسه فى الحرب بما يعرف به من ثوب أو غيره، فكأنه قال: وليشهرنّ الذين صدقوا، وليشهرن الكاذبين، فيرجع إلى المعنى الأول، إلا أنه ليس على تقدير حذف المفعول.
وإن شئت كان على حذف المفعول الثانى لا الأول، كأنه قال: فليعلمنّ الله الصادقين ثواب صدقهم، والكاذبين عقاب كذبهم.
ومثل: «ليعلمنّ»، بفتح الياء واللام جميعا-قراءة من قرأ: «عرف بعضه وأعرض عن بعض» (^١)، بتخفيف الراء من عرف، فأقام المعرفة مقام المعاتبة عنها. ومثل «وليعلمنّ»، بضم الياء، وكسر اللام-قراءة من قرأ: «عرّف بعضه»، بتشديد الراء.
وأعلمت فى القراءتين جميعا إذا لم تكن بمعنى أعلمت الثوب فهو بمعنى عرفت، وهى متعدية إلى مفعول واحد، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ؛﴾ (¬*١) أى: عرفتم. وأما «ليعلمنّ» و«ليعلمنّ» فكأنه قال: فليكافئن، وليشهرن بما كافأ به على ما مضى من التفسير.
***
﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ (١٧)
ومن ذلك قراءة السّلمى وزيد بن على: «وتخلّقون إفكا».
وقرأ فضيل بن مرزوق وابن الزبير: «وتخلقون أفكا»، بفتح الهمزة، وكسر الفاء.
قال أبو الفتح: أما «تخلّقون» فعلى وزن تكذّبون، ومعناه. وأما «أفكا» فإما أن يكون مصدرا كالكذب والضحك، وإما أن يكون صفة لمصدر محذوف، أى: تكذبون كذبا أفكا، ثم حذف المصدر، وأقيمت صفته مقامه، كقولك: قمت مثل ما قام زيد، أى: قياما مثل قيام زيد. وأذهب فى الحذف-على هذا الحد-منه قول الله تعالى: ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ (^٢) أى: شربا مثل شرب الهيم؛ لأنه حذف فيه مع الموصوف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. وأفك على هذا صفة، كبطر، وأشر. ويجوز أن يكون محذوفا من آفك، وهو اسم الفاعل من أفك يأفك إفكا: إذا كذب. وأفكته آفكه
_________________
(١) سورة التحريم الآية (٣). وهى قراءة الكسائى. (¬*١) سورة البقرة الآية (٦٥).
(٢) سورة الواقعة الآية (٥٥).
[ ٢ / ٢٠٤ ]
إفكا: إذا صرفته عن الشئ، وهو مأفوك. قال:
إن تك عن أحسن المروءة مأ … فوكا ففى آخرين قد أفكوا (^١)
إلا أن الألف حذفت، كما حذفت فى برد وعرد، يريد باردا وعاردا. وقد مضى ذكره.
***
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ (١٩)
ومن ذلك قراءة الزهرى: «أولم يروا كيف يبدا الله الخلق»، بغير همز.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون أراد بغير همزة محققة، بل هى مخففة، فقرّبت من الساكن إلا أنها مضمومة؛ لأنها مخففة فى وزن المحققة. ولو كان بدلا محضا لقال: «يبدا»، فقلبها ياء، ثم أبدل من الياء ألفا، وأجراها مجرى ألف يخشى، كما أنه لما أبدلها الشاعر فيما أنشدناه أبو علىّ عن أبى زيد:
إذا ملا بطنه ألبانها حلبا … باتت تغنّيه وضرى ذات أجراس (¬*١)
أراد: «ملأ»، فأبدله ألبتة، فصارت ياء، فأبدلها للفتحة قبلها ألفا، فصارت «ملا» كما ترى، بوزن قضى وسعى. وقد شرحنا هذا فى كتابنا سر الصناعة وبأخرة فى كتابنا الخصائص (^٢)، وبعده فى كتاب الخطيب، لما دعا إلى تكرير ذكره لقوة الحاجة إليه وتقاضى الوضع له.
***
_________________
(١) انظر: لسان العرب «أفك». (¬*١) انظر: لسان العرب «وضر».
(٢) انظر: (الخصائص ١٥٤/ ٣ وما بعدها).
[ ٢ / ٢٠٥ ]