﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى﴾ عبد (١)
قرأ ابن الزّبير: (^١) «نزّل الفرقان على عباده» (^٢).
قال أبو الفتح: وجه ذلك أنه وإن كان إنزاله على رسول الله ﷺ فإنه لما كان ﵇ موصلا له إلى العباد ومخاطبا به لهم صار كأنه منزّل عليهم؛ ولذلك كثر فيه خطاب العباد بالأمر والنهى لهم، والترغيب والترهيب المصروف اللفظ إليهم، ونحو ذلك مما يوجّه فيه الخطاب نحوهم.
***
﴿اِكْتَتَبَها﴾ (٥)
ومن ذلك قراءة طلحة بن مصرّف: «اكتتبها» (^٣)، بضم الألف والتاء الأولى وكسر الثانية.
قال أبو الفتح: قراءة العامة: ﴿اِكْتَتَبَها﴾ معناه استكتبها، ولا يكون معناه كتبها، أى: كتبها بيده؛ لأنه ﵇ كان أمّيا لا يكتب، وهو من تمام إعجازه، وأنه لم يكن يقرأ الكتب فيظن بما يورده من الأنباء المتقادمة الأزمان إنما كان عن قراءته الكتب.
ف «اكتتبها» معناه استكتبها؛ لأنه لم يكن أحد من المشركين يدّعى أنه يقرأ الكتب، وإذا كان كذلك فمعنى «اكتتبها» إنما هو استكتبها، وهو على القلب، أى: استكتبت له (^٤).
_________________
(١) هو عبد الله بن الزبير.
(٢) انظر: (القرطبى ٢/ ١٣، البحر المحيط ٤٨١/ ٦، العكبرى ٨٧/ ٢).
(٣) انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٠٢، الكشاف ٨٢/ ٣، البحر المحيط ٤٨٢/ ٦).
(٤) فى مختصر شواذ القراءات ١٠٢: كلفة كتابتها.
[ ٢ / ١٦٠ ]
ومثله فى القلب قراءة من قرأ «قدّروها تقديرا» (¬*١)، أى: قدّرت لهم، والقلب باب، وشواهده كثيرة، منها قولهم:
مثل القنافذ هدّاجون قد بلغت … نجران أو بلغت سوءاتهم هجر
أراد: وبلغت سوءاتهم هجرا، ومثله قولهم:
أسلموها فى دمشق كما … أسلمت وحشيّة وهقا (^١)
أى: كما أسلم وهق وحشية، ومنه قوله:
ما أمسك الحبل حافره
أى: ما أمسك الحبل حافره.
وليس ممتنعا أن يكون قوله: «اكتتبها» كتبها وإن لم يل ذلك بيده، إلا أنه لما كان عن رأيه أو أمره نسب ذلك إليه، كقولنا: ضرب الأمير اللص وإن لم يله بيده. وفى الحديث: «من اكتتب ضمنا كان له كذا»، أى: زمنا، يعنى كتب اسمه فى الفرض.
فعلى هذا يكون «اكتتبها» أى: اكتتبت له.
***
﴿وَيَجْعَلْ لَكَ﴾ (١٠)
ومن ذلك قراءة عبيد الله بن موسى وطلحة بن سليمان: «ويجعل لك»، بالنصب (^٢).
قال أبو الفتح: نصبه على أنه جواب الجزاء بالواو، كقولك: إن تأتنى آتك وأحسن إليك. وجازت إجابته بالنصب لما لم يكن واجبا إلا بوقوع الشرط من قبله، وليس قويا مع ذلك، ألا تراه بمعنى قولك أفعل كذا إن شاء الله؟.
***
﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ (١٧)
ومن ذلك قراءة الأعرج: «نحشرهم»، بكسر الشين (^٣).
_________________
(١) = سورة الإنسان الآية (١٦)، وهى قراءة على بن أبى طالب، وعبد الله بن عباس، والسلمى، والشعبى. انظر: (البحر المحيط ٣٩٧/ ٨).
(٢) انظر: (ديوان الحطيئة ١٨٧).
(٣) انظر: (الفراء ٢٦٣/ ٢، الكشاف ٨٣/ ٣، البحر المحيط ٤٨٤/ ٦).
(٤) انظر: (الكشاف ٨٤/ ٣، الرازى ٦١/ ٢٤، البحر المحيط ٤٨٨/ ٦).
[ ٢ / ١٦١ ]
قال أبو الفتح: هذا وإن كان قليلا فى الاستعمال فإنه قوىّ فى القياس؛ وذلك أن يفعل فى المتعدى أقيس من يفعل، فضرب يضرب إذا أقيس من قتل يقتل؛ وذلك أن يفعل إنما بابها الأقيس أن تأتى فى مضارع فعل، كظرف يظرف، وكرم، يكرم، ثم نقلت إلى مضارع فعل، نحو يقتل ويدخل؛ لتخالف حركة العين فى المضارع حركتها فى الماضى؛ إذ كان مبنى الأفعال على اختلاف مثلها، من حيث كان ذلك دليلا على اختلاف أزمنتها، فكلما خالف الماضى المضارع كان أقيس، وباب فعل إنما هو يفعل، كما أن باب فعل إنما هو يفعل. فكما انقاد علم يعلم فكذلك كان يجب أن ينقاد باب ضرب يضرب.
فأما يفعل فبابه-على ما تقدم-فعل، كشرف يشرف. وباب فعل غير متعدّ، فالأشبه ما أخرج إليه من باب فعل أن يكون مما ليس متعديا كقعد يقعد، فكما أن ضرب يضرب أقيس من قتل يقتل فكذلك قعد يقعد أقيس من جلس يجلس وقد شرحنا هذا فى كتابنا الموسوم بالمنصف.
***
﴿نَتَّخِذَ﴾ (١٨)
ومن ذلك قراءة زيد بن ثابت وأبى الدرداء وأبى جعفر ومجاهد-بخلاف-ونصر ابن علقمة ومكحول وزيد بن علىّ (^١) وأبى رجاء والحسن-واختلف عنهما- وحفص بن حميد وأبى عبد الله محمد بن علىّ: «نتّخذ» (^٢)، بضم النون.
_________________
(١) زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب: الإمام، أبو الحسين العلوى الهاشمى القرشى. ويقال له: «زيد الشهيد» عده الحافظ من خطباء بنى هاشم. وقال أبو حنيفة: ما رأيت فى زمانه أفقه منه ولا أسرع جوابا ولا أبين قولا، كانت إقامته بالكوفة. انظر: (مقاتل الطالبيين ١٢٧، تاريخ الكوفة ٣٢٧، الفرق بين الفرق ٢٥، فوات الوفيات ١٦٤/ ١، الطبرى ٢٦٠/ ٨،٢٧١، تهذيب ابن عساكر ١٥/ ٦، ابن الأثير ٨٤/ ٥، ابن خلدون ٩٨/ ٣، اليعقوبى ٦٦/ ٣، الأعلام ٥٩/ ٣).
(٢) وقراءة ابن عامر، والباقر، والنخعى، وحفص بن عبيد، والسلمى، وشيبة، والزعفرانى، وابن عبيد، وجعفر الصادق، ومكحول. انظر: (الفراء ٢٦٤/ ٢، الكشاف ٨٦/ ٣، النحاس ٤٦٠/ ٢، الإتحاف ٣٢٨، القرطبى ١٠/ ١٣، الطبرى ١٤٢/ ١٨، مجمع البيان ١٦٢/ ٧)، وينظر: (البحر المحيط ٤٨٩/ ٦، مغنى اللبيب ١٧/ ٢، حاشية يس ٣٦٦/ ١١، الآلوسى ٢٤٨/ ١٨).
[ ٢ / ١٦٢ ]
قال أبو الفتح: أما إذا ضمت النون فإن قوله: ﴿مِنْ أَوْلِياءَ﴾ فى موضع الحال؛ أى: ما كان ينبغى لنا أن نتّخذ من دونك أولياء، ودخلت «من» زائدة لمكان النفى، كقولك: اتخذت زيدا وكيلا، فإن نفيت قلت: ما اتخذت زيدا من وكيل. وكذلك أعطيته درهما، وما أعطيته من درهم، وهذا فى المفعول.
وأما فى قراءة الجماعة: ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ﴾ فإن قوله «من أولياء» فى موضع المفعول به؛ أى: أولياء. فهو كقولك: ضربت رجلا، فإن نفيت قلت: ما ضربت من رجل.
وقوله: «ما كان ينبغى لنا أن نتّخذ» أى: لسنا ندّعى استحقاق الولاء ولا العبادة لنا.
***
﴿وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ﴾ (٢٠)
ومن ذلك قراءة علىّ ﵇ وعبد الرحمن بن عبد الله: «ويمشّون فى الأسواق» (¬*١)، بضم الياء، وفتح الشين مشددة.
قال أبو الفتح: «يمشّون» كقولك: يدعون إلى المشى، ويحملهم حامل إلى المشى، وجاء على فعّل لتكثير فعلهم؛ إذ هم ﵇ جماعة. ولو كانت «يمشّون» بضم الشين لكانت أوفق لقوله تعالى: ﴿لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ،﴾ إلا أن معناه يكثرون المشى كما قال (^١):
يمشّى بيننا حانوت خمر … من الخرس الصّراصرة القطاط (^٢)
***
&
_________________
(١) = وقراءة ابن مسعود، وابن عوف. انظر: (الكشاف ٨٧/ ٣، الرازى ٦٥/ ٢٤، القرطبى ١٣/ ١٣، البحر المحيط ٤٩٠/ ٦).
(٢) من قصيدة للمتنخل الهذلى، مطلعها: عرفت بأجداث فنعاف عرق علامات كتجير النماط انظر: (ديوان الهذليين ١٨/ ٢).
(٣) ديوان الهذليين ٢١/ ٢، يقول: يمشى بيننا صاحب حانوت من خمر، وقوله: من الخرس الصراصرة يريد أعجم من نبط الشام يقال لهم الصراصرة. والقطاط: الجعاد، والواحد قطط وهو أشد الجعودة.
[ ٢ / ١٦٣ ]
﴿وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ﴾ (٢٥)
ومن ذلك ما روى عن ابن كثير وأهل مكة: «ونزّل الملائكة» (^١)، وكذلك روى خارجة عن أبى عمرو.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون محمولا على أنه أراد: وننزّل الملائكة، إلا أنه حذف النون الثانية التى هى فاء فعل نزّل؛ لالتقاء النونين استخفافا، وشبهها بما حذف من أحد المثلين الزائدين فى نحو قولهم: أنتم تفكرون وتطهّرون، وأنت تريد: تتفكرون وتتطهرون.
ونحوه قراءة من قرأ: «وكذلك نجّى المؤمنين» (^٢)، ألا تراه يريد: ننجّى، فحذف النون الثانية وإن كانت أصلا لما ذكرنا؟ وقد تقدم القول على ذلك فى سورة النور.
وروى عبد الوهاب عن أبى عمرو: «ونزل الملائكة»، خفيفة (^٣).
قال أبو الفتح: هذا غير معروف؛ لأن «نزل» لا يتعدى إلى مفعول به فيبنى هنا للملائكة؛ لأن هذا إنما يجئ على نزلت الملائكة، ونزل الملائكة. ونزلت غير متعدّ كما ترى.
فإن قلت: فقد جاء فعل مما لا يتعدى فعل منه، نحو زكم، ولا يقال زكمه الله. وجنّ، ولا يقال جنّه الله. وإنما يقال: أزكمه الله، وأجنّه الله-فإن هذا شاذ ومحفوظ، والقياس عليه مردود مرذول. فإما أن يكون ذلك لغة طارقة لم تقع إلينا، وإما أن يكون على حذف المضاف، يريد: ونزل نزول الملائكة، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه على ما مضى، فأقام «الملائكة» مقام المصدر الذى كان مضافا إليها، كما فعل ذلك الأعشى فى قوله (^٤):
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا
إنما يريد اغتماض ليلة أرمد، فنصب ليلة إذا إنما هو على المصدر لا على الظرف؛ لأنه لم يرد: ألم تغتمض عيناك فى ليلة أرمد، وإنما أراد: ألم تغتمض عيناك من الشّوق
_________________
(١) وقراءة أبى معاذ. انظر: (الكشاف ٨٩/ ٣، البحر المحيط ٤٩٤/ ٦، مغنى اللبيب ١٣٢/ ٢، الرازى ٧٤/ ٢٤، شرح الكافية ٨٥/ ١، شرح التصريح ٤٠١/ ٢).
(٢) سورة يونس الآية (١٠٣).
(٣) وقراءة الخفاف. انظر: (القرطبى ٢٤/ ١٣، البحر المحيط ٤٩٤/ ٦).
(٤) من قصيدة يمدح بها الرسول ﷺ. انظر: (ديوانه ١٣٥).
[ ٢ / ١٦٤ ]
والأسف اغتماضا مثل اغتماض ليلة رمد العين. ومثله قول العجاج (^١):
حتّى إذا صفّوا له جدارا
ف «جدارا» الآن منصوب نصب المصدر، وليس منصوبا على أنه مفعول به، كقولك: صففت قدمك، إنما يريد: اصطفوا له اصطفاف جدار، فحذف الاصطفاف، وأقام «الجدار» مقامه، فنصبه على المصدر، كما ينصب الاصطفاف لو ظهر، وكذلك ما رويناه عن محمد بن الحسن عن ابن الأعرابى من قوله (^٢):
وطعنة مستبسل ثائر (^٣) … يردّ الكتيبة نصف النّهار (^٤)
أى ردّ نصف النهار. ألا ترى أن ابن الأعرابى فسره فقال: يرد الكتيبة مقدار نصف يوم، فهذا يدلك على أنه أراد يردّ الكتيبة ردّ نصف النهار، أى: الرد الذى يمتد وقته بمقياس ما بين أول النهار إلى نصفه، وذلك نصف يوم. وليس يريد أنه يردها فى هذا الوقت ألبتة، وإنما يريد أنه يردها مقدار نصف النهار، كان ابتداء ذلك فى أول النهار أو غيره من نهار أو ليل، وكأنه قال: يرد الكتيبة ست ساعات، فهذا لا يخص نهارا من ليل، فبهذا يعلم أنه لا يريد: يردها فى وقت انتصاف النهار دون ما سواه من الأوقات.
وكذلك: «ونزل الملائكة» أى نزل نزول الملائكة. ولو سمى الفاعل على هذا التقدير لقيل: نزل النازل الملائكة، فنصب الملائكة انتصاب المصدر، كما نصب الجدار انتصاب المصدر؛ لأن كل مضاف إليه يحذف من قبله ما كان مضافا إليه فإنه يعرب إعرابه، لا زيادة عليه ولا نقص منه.
فإن قيل: فما معنى نزل نزول الملائكة حتى يصح لك تقديره مثبتا ثم تحذفه؟ فإنه على قولك: هذا نزول منزول، وهذا صعود مصعود، وهذا ضرب مضروب. وقريب منه قولهم: قد قيل فيه قول، وقد خيف منه خوف. فاعرف ذلك؛ فإنه أمثل ما يحتج به لقراءة من قرأ: «ونزل الملائكة»، بتخفيف الزاى، فاعرفه.
***
_________________
(١) انظر: (ديوانه ٢٤).
(٢) نسبه فى النوادر (١٥٥) لسبرة بن عمرو الفقعسى، وذكره فى الخصائص ٣٢٥/ ٣ دون نسبة ٣٢٥/ ٣.
(٣) وقد روى فى النوادر: «وطعنة مستبسل حاسر».
(٤) وفى الخصائص: «ترد الكتيبة نصف النهار».
[ ٢ / ١٦٥ ]
﴿فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيرًا﴾ (٣٦)
ومن ذلك قراءة علىّ بن أبى طالب كرم الله وجهه، ومسلمة بن محارب (¬*١): «فدمّرانّهم تدميرا» (¬*٢). حكى أبو عمرو عن على أنه قرأ: «فدمرناهم»، بكسر الميم مخففة، وحكى عنه أيضا: «فدمّرا بهم»، بالباء (¬*٣) على وجه الأمر.
قال أبو الفتح: الذى رويناه عن أبى حاتم أنه حكاها قراءة غير معزوّة إلى أحد: «فدمّرانّهم تدميرا»، وقال: كأنه أمر موسى وهارون ﵉ أن يدمّراهم.
قال أبو الفتح: ألحق نون التوكيد ألف التثنية، كما تقول: اضربانّ زيدا، ولا تقتلانّ جعفرا.
***
﴿مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾ (٤٣)
ومن ذلك قراءة الأعرج: «من اتخذ إلهة هواه» (^١).
قال أبو الفتح: ذكر أبو حاتم أنها قراءة لبعض أهل مكة، ولم ينصّ على أحد. والإلهة: الشمس، ويقال: إلهة بالضم غير مصروفة، روينا عن أبى على:
تروّحنا من اللّعباء قصرا … فأعجلنا الإلهة أن تئوبا (^٢)
ويروى فأعجلنا إلهة، فتكون إلهة هذه المقروءة منزوعا عنها حرف التعريف الذى فى الإلهة، فتنكرت، فانصرفت.
فأما قراءة من قرأ: «ويذرك وإلهتك» (^٣) فمعناه: وعبادتك، كذا قالوا عنه. وقد يجوز أن يكون أراد إلهة هذه المقروءة، فأضافها إليه لعبادته لها، فيكون كقوله: ويذرك وشمسك، أى الشمس التى تعبدها.
***
_________________
(١) =ورد فى مجمع البيان ١٦٨/ ٧: مسلم بن محارب. (¬*٢) انظر: (الكشاف ٩٢/ ٣، البحر المحيط ٤٩٨/ ٦، مجمع البيان ١٦٨/ ٧). (¬*٣) انظر: (البحر المحيط ٤٩٨/ ٦).
(٢) انظر: (مجمع البيان ١٧١/ ٧، البحر المحيط ٥٠١/ ٦).
(٣) انظر: لسان العرب «لعب».
(٤) سبق ذكر من قرأ بها فى: سورة الأعراف الآية (١٢٧).
[ ٢ / ١٦٦ ]
﴿الرِّياحَ بُشْرًا﴾ (٤٨)
ومن ذلك قراءة ابن السّميفع: «الرّياح بشرى» (^١)، مثل حبلى.
قال أبو الفتح: «بشرى»، مصدر وقع موقع الحال، أى: مبشّرة، فهو كقولهم: جاء زيد ركضا، أى: راكضا، وهلم جرّا، أى: جارّا أو منجرّا. ومنه قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ (^٢)، أى: ساعيات. ومثله قوله (^٣):
فأقبلت زحفا على الرّكبتين … فثوبا نسيت وثوبا أجر (^٤)
أى: أقبلت زاحفا، وما أكثر نظائره!.
***
﴿وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ (٥٣)
ومن ذلك قراءة طلحة بن مصرّف: «وهذا ملح أجاج».
قال أبو الفتح: قال أبو حاتم: هذا منكر فى القراءة، فقوله: هو منكر فى القراءة يجوز أن يريد به أنه لم يسمع فى اللغة، وإن كان سمع فقليل وخبيث، ويجوز أن يكون ذهب فيه إلى أنه أراد مالح، فحذف الألف تخفيفا كما ذكرنا قبل من قوله:
إلاّ عرادا عردا … وصلّيانا بردا (¬*١)
وهو يريد: عاردا وباردا، وقد تقدم القول على هذا. وعلى أن «مالحا» ليست فصيحة صريحة؛ لأن الأقوى فى ذلك ماء ملح. ومثله من الأوصاف على فعل: نضو، ونقض، وهرط، وحلف. وقد أجاز ابن الأعرابى «مالح»، وأنشد:
وأنّى لا أعيج بمالح
وأنشدوا أيضا فيه:
_________________
(١) انظر: (الكشاف ٩٥/ ٣، مجمع البيان ١٧١/ ٧).
(٢) سورة البقرة الآية (٢٦٠).
(٣) لامرئ القيس، من قصيدته التى مطلعها: أحار بن عمرو كأنى خمر ويعدو على المرء ما يأتمر انظر: (ديوانه ١٠٩).
(٤) فى الديوان ١١٠: «فلما دنوت تسديتها». ثوبا أجر: أى أجره وراءنا لتعفية الأثر. (¬*١) سبق الاستشهاد به أكثر من مرة.
[ ٢ / ١٦٧ ]
بصريّة تزوّجت بصريا … يطعمها المالح والطّريّا (^١)
وفيما قرئ على أحمد بن يحيى، فاعترف بصحته: سمك مالح، وماء مالح. وإنما يقال: سمك مملوح ومليح، هذا أفصح الكلام، والأول يقال.
***
﴿وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا﴾ (٦٧)
ومن ذلك قراءة حسان بن عبد الرحمن صاحب عائشة ﵂، وهو الذى يروى عنه قتادة: «وكان بين ذلك قواما» (^٢).
قال أبو الفتح: القوام، بفتح القاف: الاعتدال فى الأمر، ومنه قولهم: جارية حسنة القوام: إذا كانت معتدلة الطّول والخلق. وأما «القوام» بكسر القاف فإنه ملاك الأمر وعصامه، يقال: ملاك أمرك وقوامه أن تتقى الله فى سرك وعلانيتك، فكذلك قوله: «وكان بين ذلك قواما»، أى: ملاكا للأمر ونظاما وعصاما.
ولو اقتصر فيه على قوله: ﴿وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ﴾ لكان كافيا؛ لأنه إذا كان بين الإسراف والتقتير، فإنه قصد ونظام للأمر؛ «فقوام» إذا تأكيد وجار مجرى الصفة، أى: توسطا مقيما للحال وناظما. ومعلوم أنه إذا كان متوسطا فإنه قوام ومساك، وأقل ما فيه أن يكون صفة مؤكدة، كقوله: ﴿وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ (^٣) فالأخرى توكيد كما ترى.
***
﴿يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ﴾ (٦٩)
ومن ذلك قراءة طلحة بن سليمان: «نضعّف له» -بالنون- «العذاب» -نصب- «وتخلد فيه»، جزم (¬*١).
قال أبو الفتح: هو عندنا على ترك لفظ الغيبة إلى الخطاب، أى: وتخلد أيها
_________________
(١) انظر: لسان العرب «ملح».
(٢) انظر: (الكشاف ١٠٠/ ٣، القرطبى ٧٤/ ١٣، الرازى ١١٠/ ٢٤، البحر المحيط ٥١٤/ ٦).
(٣) سورة النجم الآية (٢٠). (¬*١) وقراءة أبى جعفر، وشيبة. انظر: (الكشاف ١٠١/ ٣، القرطبى ٧٦/ ١٣، البحر المحيط ٥١٥/ ٦، الحجة المنسوب لابن خالويه ٢٦٦).
[ ٢ / ١٦٨ ]
المضعّف له العذاب. وقد مضى القول على ترك الغيبة إلى الحضور، والحضور إلى الغيبة.
***
﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ (٧٧)
ومن ذلك قراءة ابن عباس وابن الزّبير: «فقد كذّب الكافرون» (^١).
قال أبو الفتح: وهذا أيضا مما ترك فيه لفظ الحضور إلى الغيبة، ألا ترى قبله: «قل ما يعبأ بكم ربى لولا دعاؤكم فقد كذب الكافرون»؟.
***
_________________
(١) وقراءة عبد الله بن مسعود. انظر: (القرطبى ٨٥/ ١٣، الكشاف ١٠٣/ ٣، النحاس ٤٧٨/ ٢، مجمع البيان ١٨٠/ ٧، البحر المحيط ٥١٨/ ٦).
[ ٢ / ١٦٩ ]