﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ (٧)
قرأ عمرو بن عبد الواحد: «أن ارضعيه» (^١)، بكسر النون، ولا همز بعدها.
قال أبو الفتح: هذا على حذف الهمزة اعتباطا لا تخفيفا، كما قرأ ابن محيصن «فجاءته أحداهما» (^٢) بحذف همزة «إحداهما» ألبتة، فلما حذف الهمزة على ما ذكرنا كسر النون من «أن»؛ لسكونها وسكون الراء من بعدها، كما قال الله سبحانه: ﴿أَنِ اِقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ﴾ (^٣). ولو كان على التخفيف القياسى لقال: «أن ارضعيه»، بفتح النون بحركة الهمزة من «ارضعيه» ومثله مما حذف منه الهمزة اعتباطا هكذا لا تخفيفا قياسيا ما أنشده أبو الحسن:
تضبّ لثات الخيل فى حجراتها … وتسمع من تحت العجاج لها ازملا (^٤)
يريد: لها أزملا.
***
﴿وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ (١٠)
ومن ذلك قراءة فضالة بن عبد الله (^٥) والحسن وأبى الهذيل وابن قطيب: «وأصبح فؤاد أمّ موسى فزعا» (^٦).
_________________
(١) وقراءة عمر بن عبد العزيز. انظر: (القرطبى ٢٥٠/ ١٣، البحر المحيط ١٠٥/ ٧).
(٢) سورة القصص الآية (٢٥). انظر القراءة فى: (غيث النفع ٣١٦، البحر المحيط ١١٤/ ٧، الآلوسى ٦٤/ ٢٠).
(٣) سورة طه الآية (٣٩).
(٤) سبق الاستشهاد به فى (٢٠٩/ ١).
(٥) فى بعض المصادر فضالة بن عبيد.
(٦) قراءة أبى العالية، وابن محيصن، ومحمد بن السميفع، وأبى زرعة بن عمرو بن جرير. انظر: (الفراء ٣٠٣/ ٢، القرطبى ٢٥٥/ ١٣، البحر المحيط ١٠٧/ ٧، مجمع البيان ٢٤٠/ ٧).
[ ٢ / ١٩٢ ]
وقرأ: «قرعا» (^١) بالقاف والراء-ابن عباس.
وحكى قطرب عن بعض أصحاب النبى ﷺ: «فرغا» (^٢).
وحكى فيها أيضا: «مؤسى»، بالهمز.
قال أبو الفتح: أما «فزعا» بالفاء والزاى فمعناه قلقا، يكاد يخرج من غلافه فينكشف ومنه قول الله تعالى: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ (^٣)، أى: كشف عنها.
وأما «قرعا» بالقاف والراء فراجع إلى معنى فارغا، وذلك أن الرأس الأقرع هو الخالى من الشعر، وإذا خلا من الشئ فقد انكشف منه وعنه.
وأما «فرغا» فكقولك: هدرا وباطلا، يؤكد ذلك كله قوله تعالى: ﴿إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ (¬*١). قال:
فإن تك أذواد أصبن ونسوة … فلن تذهبوا فرغا (¬*٢) بقتل حبال
ومعنى فارغا، أى: خاليا من الحزن؛ لعلمها أنه لا يغرق، وقال ابن عباس: فارغا أى: خاليا من كل شئ إلاّ من ذكر موسى.
وأما همز «موسى» ففيه صنعة تصريفية؛ وذلك أن الساكن إذا جاور المتحرك فكثيرا ما تقدّر العرب أن تلك الحركة كأنها فى الساكن، فكأن ضمة «موسى» فى الواو، والواو إذا انضمت ضما لازما فهمزها جائز، كأعد وأجوه. وكذلك أيضا قولهم فى المرأة والكمأة: المرأة والكماة، فقلبوا الهمزة ألفا؛ لأنهم قدّروا فتحة الهمزة فى الراء والميم قبلها، فصار كأنه المرأة والكمأة، فقيل فيه: مراة وكماة، كما يقال فى تخفيف رأس وكأس: راس وكاس، ومنه أيضا قول بعضهم فى الوقف: هذا بكر ومررت ببكر، فنقلوا الضمة والكسرة إلى الساكن قبل الراء، وهو الكاف. فكأن الراء محركة بحركة الكاف لأنها تجاورها، ففى ذلك شيئان:
أحدهما: الشح على حركة الإعراب أن يستهلكها الوقف.
والآخر: الاستراحة من اجتماع ساكنين، وهذا ونحوه-مما تركناه تحاميا للإطالة به-
_________________
(١) انظر: (القرطبى ٢٥٥/ ١٣، الكشاف ١٦٧/ ٣، مجمع البيان ٢٤٠/ ٧، البحر المحيط ١٠٧/ ٧).
(٢) انظر: (القرطبى ٢٥٥/ ١٣، الرازى ٢٣٠/ ٢٤، العكبرى ٩٥/ ٢،٩٦، مجمع البيان ٢٤٠/ ٧).
(٣) سورة سبأ الآية (٣٤). (¬*١) سورة القصص الآية (١٠). (¬*٢) انظر: لسان العرب «فرغ».
[ ٢ / ١٩٣ ]
يدلك على أن حركة الحرف تحدث معه وأن الحركة إذ جاورت الساكن صارت كأنها فيه، فعليه جاء همز مؤسى. أنشدنا شيخنا أبو على:
لحبّ المؤقدان إلىّ مؤسى (^١) …
***
﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ (١١)
ومن ذلك قراءة النعمان بن سالم: «عن جانب» (^٢).
وقرأ: «عن جنب» (^٣) -الأعرج وقتادة والحسن.
قال أبو الفتح: المعنى فيهما جميعا فبصرت به مزورّة مخايلة، فالباء والفاء يلتقيان فى هذا المعنى؛ لاجتماعهما فى كونهما من الشفة. فمن ذلك قولهم: تجانف عن الشئ أى: مال عنه، وفيه جنف، أى: ميل. ومنه قوله:
لم يركبوا الخيل إلاّ بعد ما هرموا … فهم ثقال على أعجازها جنف
ومن أبيات الكتاب: (¬*١)
تجانف عن جوّ اليمامة نافقتى … وما قصدت من أهلها لسوائكا (¬*٢)
وأنشد أبو زيد: (¬*٣)
تجانف رضوان عن ضيفه … ألم يأت رضوان عنّى النّذر؟
***
﴿فَجاءَتْهُ إِحْداهُما﴾ (٢٥)
ومن ذلك قراءة ابن محيصن: «فجاءته احداهما» (^٤)، بإسقاط الهمزة.
_________________
(١) سبق الاستشهاد به.
(٢) انظر: (القرطبى ٢٥٧/ ١٣، الكشاف ١٦٧/ ٣، الرازى ٢٣٠/ ٢٢، البحر المحيط ١٠٧/ ٧).
(٣) وقراءة زيد بن على. انظر: (القرطبى ٢٥٧/ ١٣، الرازى ٢٣٠/ ٢٤، البحر المحيط ١٠٧/ ٧). (¬*١) من قصيدة للأعمش فى مدح هؤذة بن على الحنفى، مطلعها: أتشفيك تيا أم تركت بدائكا وكانت قتولا للرجال كذلكا انظر: (ديوان الأعمش ١٩٨). (¬*٢) فى الديوان ٢٠٠: «تجانف عن جل اليمامة ناقتى». وانظر: (الكتاب ٤٠٨/ ١). (¬*٣) انظر: (النوادر ٧٣).
(٤) انظر: (البحر المحيط ١١٤/ ٧، غيث النفع ٣١٦، الآلوسى ٦٤/ ٢٠).
[ ٢ / ١٩٤ ]
قال أبو الفتح: قد قدمنا ذكر ضعف ذلك، وأنه إنما يجوز فى الشعر لا فى التنزيل.
***
﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ﴾ (٢٨)
ومن ذلك قراءة الحسن: «أيما الأجلين» (^١)، خفيفة الياء.
قال أبو الفتح: فى تخفيف هذه الياء طريقان يكادان يعذران:
أحدهما: تضعيف الحرف، وقد امتد عنهم حذف أحد المثلين إذا تجاورا، نحو أحست، ومست، وظلت. وحكى ابن الأعرابى: ظنت فى ظننت.
والآخر: أن الياء حرف ثقيل منفردة، فكيف بها إذا ضعّفت؟ غير أن فى واجب الصنعة شيئا أذكره لك، وذلك أن «أيّا» عندنا مما عينه واو ولامه ياء، وهذا من باب أويت، هكذا موجب القياس والاشتقاق جميعا.
أما القياس فلأن ما عينه واو ولامه ياء أضعاف ما لامه وعينه ياءان، ألا ترى إلى كثرة باب لويت وشويت وطويت وعويت يده وزويت جانبه، وإلى قلة باب عييت وحييت؟.
فأصل «أىّ» على هذا «أوى»، فاجتمع الواو والياء، وسبقت الواو بالسكون؛ فقلبت ياء، وأدغمت فى الياء؛ فصارت «أىّ»، كقولهم: طويت الثوب طيّا، وزوى وجهه زيّا.
وأما الاشتقاق فلأن «أيّا» أين وقعت غير متبلّغ بها؛ فإنها بعض من كل، كقولنا: أى الناس عندك؟ وأيّهم قام قمت معه، وأيّهم يقوم زيد وبعض الشئ آو إلى جميعه: ألا ترى إلى قول العجلى فى صفة البعير:
يأوى إلى ملط له وكلكل (¬*١) …
أى يتساند إليها، ويعتمد عليها. هذا فى المعنى كقول طفيل:
وآلت إلى أجوازها وتقلقلت … قلائد فى أعناقها لم تقضّب
وهذا واضح، فأصل «أىّ» على هذا أوى، ثم أدغمت الواو فى الياء على ما مضى؛
&
_________________
(١) وقراءة أبى عمرو. انظر: (الإتحاف ٣٤٢، القرطبى ٢٧٩/ ١٣، الكشاف ١٧٤/ ٣، مجمع البيان ٢٤٩/ ٧، البحر المحيط ١٢٥/ ٧). (¬*١) سبق الاستشهاد به فى (٣٨٢/ ١).
[ ٢ / ١٩٥ ]
فصارت «أىّ» فإذا حذفت الياء تخفيفا فإنها الثانية، فإذا زالت الثانية أوجب القياس أن تعود الأولى إلى أصلها وهى الواو، فيقال: أو ما الأجلين قضيت.
والذى حسّن عندى إظهار العين هنا ياء مع زوال الياء القالبة لها من بعدها-أنها إنما حذفت اللام تخفيفا وهى منوية مرادة معتقدة؛ فأقرّت العين مقلوبة ياء؛ دلالة على إرادة الياء التى هى لام، وإشادة بها، كما صحت الواو الثانية فى قوله:
وكحل العينين بالعواور (^١) …
دلالة على إرادة الياء فى عواوير، وأنها إنما حذفت استحسانا وتخفيفا، لا وجوبا وتصميما. وكما قالوا: اضتقطت النوى، فصحّت التاء، ولم تقلب طاء لوقوع الضاد قبلها، كما قلبت فى اضطراب واضطمر؛ دلالة على أن الضاد فيها بدل من شين اشتقطت، فقد قالوهما جميعا: اضتقطت، واشتقطت. وكما قالوا: كان من الأمر ذيت وكيت. فأقروا الياء بحالها دلالة على أن التاء فيها بدل من ياء ذيّة وكيّة؛ فتركت الياء دلالة على إرادة التثقيل. ويجب-على ما قدمنا-أن «ذيّة» من باب طويت على ما مضى، فكان يجب إذا حذفت اللام التى هى الياء أن تعاد الواو إلى أصلها، فيقال: ذوت، وكذلك القول فى كيت، والعلة فى الجميع واحدة. وأنشدنا أبو علىّ للفرزدق:
تنظّرت نصرا والسّماكين أيهما … علىّ من الغيث استهلّت مواطره (^٢)
فهذا كقراءة الحسن: «أيما الأجلين» سواء.
***
﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ (٣٥)
ومن ذلك قراءة الحسن: «عضدك» (^٣).
قال أبو الفتح: فيها خمس لغات: عضد، وعضد، وعضد، وعضد، وعضد. وأفصحها وأعلاها عضد بوزن رجل، وعضد مسكن من عضد، وعضد منقول الضمة من الضاد إلى العين، وعضد بالضمتين جميعا كأنه تثقيل عضد. وقد شاع عنهم نحو ذلك، كقولهم فى تكسير أحمر: حمر، قال طرفة:
_________________
(١) سبق الاستشهاد به (٢١٣/ ١).
(٢) سبق الاستشهاد به فى (١٩٣/ ١).
(٣) وقراءة زيد بن على. انظر: (البحر المحيط ١١٨/ ٧).
[ ٢ / ١٩٦ ]
ورادا وشقر (^١) …
يريد: شقرا.
وأما عضد فلغة صريحة غير مصنوعة، ونظيرها رجل وقل ووقل، ووظيف عجر وعجر. من العضد قولهم: عضدت فلانا إذا قويته؛ وذلك لأن العضد أقوى اليد، ومنه عضادتا الباب: جانباه؛ لأنهما كالعضدين له، وعليه بقية الباب.
***
﴿ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٥٧)
ومن ذلك قراءة أبان بن تغلب: «ثمرات»، بضمّتين.
قال أبو الفتح: الواحدة ثمرة، كخشبة، وثمر، كخشب، ومثله أكمة وأكم، ثم ضمت الميم إشباعا وتمكينا، كقولهم فى برد: برد وفى قفل قفل، ثم جمع ثمر على ثمرات جمع التأنيث؛ لأنه لمّا لم يعقل جرى مجرى المؤنث، وذلك عندنا لتخضّع ما لا عقل له، فلحق بذلك بضعفة التأنيث، فعليه قالوا: يا لثارات فلان: جمع ثار لما لم يكن من ذوى العلم. ونحوه قول أبى طالب:
أسد تهدّ بالزّئيرات الصّفا
جمع زئير، والعلة واحدة. وقد ذكرنا هذا مستقصى فى تفسير ديوان المتنبى عند قوله (^٢):
ففى النّاس بوقات لها وطبول (^٣) …
ومنه ما أنشده الأصمعىّ من قول الراجز:
واردد إلى حورات حور شقّه
فجمع حورا على حورات لما ذكرنا.
***
_________________
(١) سبق الاستشهاد به فى (٢٥٨/ ١).
(٢) من قصيدته التى مطلعها: ليالى بعد الظاعنين شكول طوال وليل العاشقين طويل انظر: (ديوانه ٢١٧/ ٣).
(٣) صدره: «إذا كان بعض الناس سيقا لدولة». انظر: (ديوانه ٢٢٩/ ٣). البوقات: جمع بوق، وهو ذاك الذى ينفخ فيه ويزمر.
[ ٢ / ١٩٧ ]
﴿ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ﴾ (٧٦)
ومن ذلك قراءة بديل بن ميسرة: «ما إنّ مفاتحه لينوء» (^١)، بالياء.
قال أبو الفتح: ذهب فى التذكير إلى ذلك القدر والمبلغ، فلاحظ معنى الواحد فحمل عليه، فقال: «لينوء». ونحوه قول الراجز:
مثل الفراخ نتفت حواصله
أى: حواصل ذلك، أو حواصل ما ذكرنا. وأخبرنا شيخنا أبو علىّ قال: قال أبو عبيدة لرؤبة فى قوله (^٢):
فيها خطوط من سواد وبلق … كأنّه فى الجلد توليع البهق
إن كنت أردت الخطوط فقل: كأنها، وإن كنت أردت السواد والبلق فقل: كأنهما، فقال رؤبة: أردت: كأن ذاك، ويلك! هذا مجموع الحكاية، وهى متلقّاة مقبولة، كما يجب فى «ذلك».
ولو قال قائل: إن الهاء فى «كأنه» عائدة على «البلق» وحده لكان مصيبا؛ لأن فى «البالق» ما يحتاج إليه من تشبيهه بالبهق، فلا ضرورة هناك إلى إدخال السواد معه. ونحو القراءة قول الآخر:
ألا إنّ جيرانى العشيّة رائح (^٣) …
فأخبر عنه بلفظ الواحد؛ لأنه أجراه مجراه. وتجاوزوا هذا إلى أن أضافوا إلى لفظ الجماعة، فقالوا: أنصارىّ؛ لأنه جعل الأنصار جاريا مجرى الأب، أو الأم، أو البلد.
وقال الآخر:
مشوّه الخلق كلابىّ الخلق (^٤) …
فنسب إلى جنس الكلاب، ولولا ذلك لقال: كلبىّ، وفى الأنصارى: ناصرىّ، كما تقول فى الإضافة إلى الفرائض: فرضى، وإلى السفائن: سفنىّ.
***
_________________
(١) انظر: (القرطبى ٣١٢/ ١٣، البحر المحيط ١٣٢/ ٧).
(٢) انظر: (ديوانه ١٠٤).
(٣) عجزه: «دعتهم دواع للهوى ومنادح». انظر: (الدرر اللوامع ٢٢٨/ ٢).
(٤) سبق الاستشهاد به.
[ ٢ / ١٩٨ ]
﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ (٨٢)
ومن ذلك قراءة يعقوب: «ويك»، يقف عليها، ثم يبتدئ (^١)، فيقول: «أنه»، وكذلك الحرف الآخر مثله.
قال أبو الفتح: فى «ويكأنّه» ثلاثة أقوال:
منهم من جعلها كلمة واحدة، فقال: «ويكأنّه»، فلم يقف على «وى».
ومنهم من يقف على «وى».
ويعقوب على ما مضى-يقول: «ويك»، وهو مذهب أبى الحسن.
والوجه فيه عندنا قول الخليل وسيبويه (¬*١)، وهو أنّ «وى» على قياس مذهبهما اسم سمى به الفعل فى الخبر، فكأنه اسم أعجب، ثم ابتدأ فقال: «كأنه لا يفلح الكافرون»، و«وى كأنّ الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده». ف «كأنّ» هنا إخبار عار من معنى التشبيه، ومعناه: أن الله يبسط الرزق لمن يشاء. و«وى» منفصلة من «كأنّ» وعليه بيت الكتاب (^٢):
وى كأن من يكن له نشب يح … بب ومن يفتقر يعش عيش ضر
ومما جاءت فيه «كأن» عارية من معنى التشبيه ما أنشدناه أبو على:
كأنّنى حين أمسى لا تكلّمنى … متيّم يشتهى ما ليس موجودا
أى: أنا حين أمسى «متيم» من حالى كذا وكذا.
ومن قال: إنها «ويك» فكأنه قال: أعجب لأنه لا يفلح الكافرون، وأعجب لأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده، وهو قول أبى الحسن. وينبغى أن تكون الكاف هنا حرف خطاب لا اسما، بل هى بمنزلة الكاف فى ذلك وأولئك؛ وذلك أنّ «وى» ليست مما يضاف.
_________________
(١) وقراءة أبى عمرو. انظر: (الإتحاف ٣٤٤، النشر ١٥١/ ٢، الكشف ١٧٦/ ٢، التبيان ١٦٠/ ٨، مجمع البيان ٢٦٤/ ٧، الآلوسى ١٢٤/ ٢٠). (¬*١) نص سيبويه فى الكتاب ١٥٠/ ٢: وسألت الخليل من قوله: وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ، وعن قوله تعالى جده: وَيْكَأَنَّ اللهَ، فزعم أن «وى» مفصولة من كأن، والمعنى وقع على أن القوم انتبهوا، فتكلموا على قدر علمهم، أو نبهوا، فقيل لهم: أما يشبه أن يكون هذا عندكم هكذا؟.
(٢) لزيد بن عمرو بن نفيل. انظر: (الكتاب ١٥٥/ ٢، مجالس ثعلب ٣٨٩، الخصائص ٤٣/ ٣،١٧١، شرح المفصل ٧٦/ ٤، همع الهوامع ١٠٦/ ٢، شرح شواهد الشافية ٣٣٩/ ٤، خزانة الأدب ٩٥/ ٣،٩٦، شرح الأشمونى ١٩٩/ ٣).
[ ٢ / ١٩٩ ]
ومن وقف على «ويك»، ثم استأنف فينبغى أن يكون أراد أن يعلم أن الكاف من جملة «وى»، وليست بالتى فى صدر «كأن»، فوقف شيئا لبيان هذا المعنى. ويشهد لهذا المذهب قول عنترة:
ولقد شفى نفسى وأبرأ سقمها … قيل الفوارس ويك عنتر أقدم (^١)
وقال الكسائى-فيما أظن-: أراد: ويلك، ثم حذف اللام، وهذا يحتاج إلى خبر نبىّ ليقبل.
وقول من قال: إن «ويكأنّه» كلمة واحدة إنما يريد به أنه لا يفصل بعضه من بعض.
***
﴿لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا﴾ (٨٢)
ومن ذلك الأعرج وشيبة ومجاهد وعاصم فى رواية أبان والحجاج بن أرطأة (¬*١) والحسن وأبى رجاء وسلام ويعقوب وحسن بن حى (^٢) وعطية بن سعد وعبد الله بن يزيد «لخسف بنا».
قال أبو الفتح: الفاعل اسم الله، والمفعول محذوف، أى: لخسف الله بنا الأرض، وقد كررنا ذكر حسن حذف المفعول به.
وقرأ: «لا نخسف بنا» (^٣) -الأعمش وطلحة، وكذلك فى قراءة ابن مسعود.
_________________
(١) ورد: «ولقد شفى نفسى وأذهب سقمها». انظر: (ديوانه ٣٠). يقول: ولقد شفى نفسى وأذهب سقمها قول الفوارس لى: ويلك يا عنترة أقدم نحو العدو واحمل عليه، يريد أن تعويل أصحابه عليه والتجاءهم إليه شفى نفسه ونفى غمه. (¬*١) حجاج بن أرطأة بن ثور النخعى (١٤٥ هـ-٧٦٢ م): قاض، من أهل الكوفة. كان من رواة الحديث وحفاظه، استفتى وهو ابن ست عشرة سنة. وولى قضاء البصرة. وتوفى بخراسان أو بالرى. وكان تياها معجبا يعاب بتغيير الألفاظ فى الحديث. انظر: (تهذيب التهذيب ١٩٦/ ٢، ميزان الإعتدال ٢١٣/ ١، تاريخ بغداد ٢٣٠/ ٨، الأعلام ١٦٨/ ٢).
(٢) الحسن بن صالح بن حى الهمدانى الثورى الكوفى، أبو عبد الله: من زعماء الفرقة البترية من الزيدية. كان فقيها مجتهدا متكلما. أصله من ثغور همدان وتوفى متخفيا فى الكوفة. له كتب منها «التوحيد»، و«إمامة ولد على من فاطمة» و«الجامع» فى الفقه. وهو من أقران سفيان الثورى، ومن رجال الحديث الثقات. انظر: (الفهرست ١٧٨/ ١، الفرق بين الفرق ٢٤، تهذيب التهذيب ٢٨٥/ ٢، ميزان الاعتدال ٢٣٠/ ١، ذيل المذيل ١٠٥، الأعلام ١٩٣/ ٢).
(٣) انظر: (الفراء ٣١٣/ ٢، القرطبى ٣١٩/ ١٣، البحر المحيط ١٣٥/ ٧).
[ ٢ / ٢٠٠ ]
قال أبو الفتح: «بنا» من هذه القراءة مرفوعة الموضع؛ لإقامتها مقام الفاعل، فهو كقولك: انقطع بالرجل، وانجذب إلى ما يريد، وانقيد له إلى هواه. وانفعل-وإن لم يتعد إلى مفعول به-فإنه يتعدى إلى حرف الجر، فيقام حرف الجر مقام الفاعل، كقولهم: سير بزيد.
وإن شئت أضمرت المصدر؛ لدلالة فعله عليه، فكأنه قال: لا نخسف الانخساف بنا، ف «بنا» على هذا منصوبة الموضع؛ لقيام غيرها وهو المصدر مقام الفاعل، ولا يكون الفعل الواحد فاعلان قائمان مقامه إلاّ على وجه الإشراك.
***
[ ٢ / ٢٠١ ]