﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (١)
قرأ حذيفة: «اقتربت السّاعة وقد انشقّ القمر» (^١).
قال أبو الفتح: هذا يجرى مجرى الموافقة على إسقاط العذر ورفع التّشاكّ، أى: قد كان انشقاق القمر متوقعا دلالة على قرب الساعة، فإذا كان قد انشق-وانشقاقه من أشراطها، وأحد أدلة قربها-فقد توكد الأمر فى قرب وقوعها؛ وذلك أن «قد» إنما هى جواب وقوع أمر كان متوقعا، يقول القائل: انظر أقام زيد؟ وهل قام زيد؟ وأرجو ألاّ يتأخر زيد، فيقول المجيب: قد قام، أى: قد وقع ما كان متوقعا.
***
﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ (٣)
ومن ذلك قراءة أبى جعفر يزيد: «وكلّ أمر مستقرّ» (^٢).
قال أبو الفتح: رفعه عندى عطف على الساعة، أى: اقتربت الساعة وكلّ أمر، أى: قد اقترب استقرار الأمور فى يوم القيامة، من حصول أهل الجنة فى الجنة، وحصول أهل النار فى النار. هذا وجه رفعه، والله أعلم.
***
﴿إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ (٦)
ومن ذلك قراءة مجاهد والجحدرى وأبى قلابة: «إلى شئ نكر» (^٣).
&
_________________
(١) انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٨، القرطبى ١٢٥/ ١٧، مجمع البيان ١٨٤/ ٩، البحر المحيط ١٧٣/ ٨).
(٢) انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٨، الإتحاف ٤٠٤، تحبير التيسير ١٨٢، الكشاف ٣٦/ ٤، النشر ٣٨٠/ ٢ البحر المحيط ١٧٤/ ٨، التبيان ٤٤٠/ ٩).
(٣) وقراءة قتادة، وزيد بن على. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٨، القرطبى ١٢٩/ ١٧، البحر المحيط ١٧٥/ ٨، العكبرى ١٣٤/ ٢).
[ ٢ / ٣٤٧ ]
قال أبو الفتح: يقال: أنكرت الشئ فهو منكر، ونكرته فهو منكور. وجمع الأعشى بين اللغتين، فقال (^١):
وأنكرتنى وما كان الذى نكرت … من الحوادث إلاّ الشّيب والصّلعا
وكذلك هذه القراءة: «إلى شئ نكر»، أى: إلى شئ يجهل. ومثله مررت بصبىّ ضرب، ونظرت إلى امرأة أكرمت، وصف بالفعل الماضى.
***
﴿لِمَنْ كانَ كُفِرَ﴾ (١٤)
ومن ذلك قراءة يزيد بن رومان وقتادة: «لمن كان كفر» (^٢).
قال أبو الفتح: أى: جزاء للكافرين بنوح ﵇.
وأما قراءة الجماعة: ﴿جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ﴾ فتأويله: جزاء لهم بكفرهم بنوح، ﵇، فاللام الأولى التى هى مفعول بها محذوفة، واللام الثانية الظاهرة فى قوله: ﴿لِمَنْ كانَ كُفِرَ﴾ لام المفعول له. وهناك مضاف محذوف، أى: جزاء لهم؛ لكفر من كفر، أى: لكفرهم بمن كفروا به.
***
﴿أَبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ (٢٤)
ومن ذلك قراءة أبى السّمّال: «أبشر منّا» -بالرفع- «واحدا نتبعه»، بالنصب (^٣).
قال أبو الفتح: «بشر» عندى مرفوع بفعل يدل عليه قوله: «أؤلقى عليه الذّكر من بيننا» (^٤)، فكأنه قال: أينبّأ، أو يبعث بشر منا؟.
_________________
(١) فى قصيدته التى مطلعها: بانت سعاد وأمس قبلها انقطعا واحتلت الغمر فالجدين فالفدعا انظر: (ديوانه ١٦٠).
(٢) وقراءة عيسى، ومجاهد. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٨، الكشاف ٣٨/ ٤، القرطبى ١٣٣/ ١٧، العكبرى ١٣٤/ ٢، البحر المحيط ١٧٨/ ٨).
(٣) انظر: (القرطبى ١٣٧/ ١٧،١٣٨، البحر المحيط ١٧٩/ ٨).
(٤) نص الآية: أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا [القمر:٢٥].
[ ٢ / ٣٤٨ ]
فأما انتصاب «واحدا» فإن شئت جعلته حالا من الضمير فى «منّا»؛ أى: أينبّأ بشر كائن منا؟ والناصب لهذه الحال الظرف، كقولك: زيد فى الدار جالسا.
وإن شئت جعلته حالا من الضمير فى قوله «نتّبعه»؛ أى: نتّبعه واحدا منفردا لا ناصر له، ويؤكده قوله: ﴿وَقالُوا مَجْنُونٌ وَاُزْدُجِرَ﴾ (^١). ونظائره فى القرآن كثيرة، نحو قوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاِتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ (^٢)؟ وقوله: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا﴾ (^٣)؟ ونحو ذلك.
***
﴿الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ (٢٦)
ومن ذلك قراءة أبى قلابة «الكذّاب الأشرّ» (^٤).
مجاهد: «الأشر» (^٥)، بضم الشين خفيفة.
قال أبو الفتح: «الأشرّ» بتشديد الراء هو الأصل المرفوض؛ لأن أصل قولهم: هذا خير منه وهذا شرّ منه-هذا أخير منه، وأشرّ منه. فكثر استعمال هاتين الكلمتين، فحذف الهمزة منهما. ويدل على ذلك قولهم: الخورى والشّرّى، تأنيث الأخير والأشرّ. وقال رؤبة (^٦):
بلال خير النّاس وابن الأخير
فعلى هذا جاءت هذه القراءة.
وأما «الأشر»، بضم الشين، وتخفيف الراء فعلى أنه من الأوصاف التى اعتقب عليها المثالان اللذان هما فعل وفعل فأشر وأشر، كحذر وحذر، ويقظ «ويقظ»، ورجل حدث وحدث: حسن الحديث، ووظيف عجر وعجر، أى: صلب. والضم أقوى معنى
_________________
(١) سورة القمر الآية (٩).
(٢) سورة الشعراء الآية (١١١).
(٣) سورة الشعراء الآية (١٨).
(٤) وقراءة أبى حيوة، وقتادة. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٨، الكشاف ٣٩/ ٤، مجمع البيان ١٩٠/ ٩، البحر المحيط ١٨٠/ ٨ القرطبى ١٣٩/ ١٧، التبيان ٤٥١/ ٩).
(٥) وقراءة الأزدى، وسعيد بن جبير. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٨، الكشاف ٣٩/ ٢، مجمع البيان ١٩٠/ ٩، البحر المحيط ١٨٠/ ٨، القرطبى ١٤٠/ ١٧).
(٦) لم نعثر على الشاهد فى ديوانه.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
من الكسر؛ لأنه أبعد عن مثال الفعل، فأشر-من آشر-كضروب من ضارب، ومطعان من طاعن، والاسم البطر.
***
﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ (٣١)
ومن ذلك قراءة الحسن: «كهشيم المحتظر»، بفتح الظاء (^١).
قال أبو الفتح: المحتظر هنا مصدر، أى: كهيشم الاحتظار، كقولك: كآجرّ البناء وخشب النجارة. والاحتظار: أن يجعل حظيرة. وإن شئت جعلت «المحتظر» هنا هو الشجر، أى: كهشيم الشجر المتخذة منها الحظيرة، أى: كما يتهافت من الشجر المجعولة حظيرة. والهشيم: ما تهشّم منه، وانتثر.
***
﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ﴾ (٤٩)
ومن ذلك قراءة أبى السمال: «إنّا كلّ شئ خلقناه» (^٢)، بالرفع.
قال أبو الفتح: الرفع هنا أقوى من النصب، وإن كانت الجماعة على النصب؛ وذلك أنه من مواضع الابتداء، فهو كقولك: زيد ضربته، وهو مذهب صاحب الكتاب والجماعة؛ وذلك لأنها جملة وقعت فى الأصل خبرا عن مبتدأ فى قولك: نحن كل شئ خلقناه بقدر، فهو كقولك: هند زيد ضربها، ثم تدخل إنّ، فتنصب الاسم، وبقى الخبر على تركيبه الذى كان عليه من كونه جملة من مبتدأ وخبر.
واختار محمد بن يزيد هنا النصب، وقال: لأن تقديره إنا فعلنا كذا، قال: فالفعل منتظر بعد إنّا، فلما دل ما قبله عليه حسن إضماره. وليس هذا شيئا؛ لأن أصل خبر المبتدأ أن يكون اسما لا فعلا جزءا منفردا. فما معنى توقع الفعل هنا، وخبر إن وأخواتها كأخبار المبتدأ؟ وعليه قول الله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ (^٣)، فهذه الجملة التى هى وجوههم مسودّة فى موضع المفعول
_________________
(١) سورة الزمر الآية (٦٠).
(٢) وقراءة ابن رجاء، وأبى السمال، وأبى حيوة، وقتادة، وأبى عمرو بن عبيد، وأبى العالية. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٩، الفراء ١٠٨/ ٣، الطبرى ٦١/ ٢٧، القرطبى ١٤٢/ ١٧، الإتحاف ٤٠٥، البحر المحيط ١٨١/ ٨، العكبرى ١٣٤/ ٢ التبيان ٤٥٣/ ٩).
(٣) انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٩، البحر المحيط ١٨٣/ ٨، الرازى ٢٩،٧٢، الكشاف ٤١/ ٤، القرطبى ١٤٧/ ١٧، العكبرى ١٣٤/ ٢، مجمع البيان ١٩٣/ ٩).
[ ٢ / ٣٥٠ ]
الثانى لرأيت، وهو فى الأصل خبر المبتدأ. وقد ذكرنا هذا فى غير موضع من كتبنا والتعليق عنّا.
***
﴿فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ (٥٤)
ومن ذلك قراءة زهير الفرقبىّ: «فى جنّات ونهر» (^١).
قال أبو الفتح: هذا جمع نهر، كما جاء عنهم من تكسير فعل على فعل، كأسد وأسد، ووثن ووثن.
وحكى سيبويه قراءة: «إن يدعون من دونه إلاّ أثنا» (^٢)، جمع وثن. وذهب محمد بن السرىّ فى قولهم: أسد وأسد إلى أنه مقصور من فعول، يريد أسودا، فحذفت الواو، فبقى أسد، ثم أسكنت السين تخفيفا، كقولهم فى طنب: طنب.
وهذه القراءة التى هى «نهر» تشهد لقوله: إن أصله أسود، ثم حذفت الواو، فبقى أسد. فإن قلت: فقد جاء أسود، ولم يأت نهور جمع نهر.
قيل: وإن لم يأت لفظا فهو مقدّر تصوّرا، كأشياء تثبت تقديرا، فتعامل معاملة المستعمل. فإن شئت قلت فى «نهر»: إنه جمع نهر الساكن العين، فيكون كسقف وسقف، ورهن ورهن، وثطّ وثطّ، وسهم حشر وسهام حشر وفرس ورد وخيل ورد، فصارت نهر، ثم ثقل إتباعا، فصارت إلى «نهر».
وأنس بذلك أن ما قبل الراء فى أواخر هذه الآى، وهى «سقر»، و«قدر»، و«نكر»، و«مدّكر»، و«زبر»، و«مستطر»، و«مقتدر» محرك، فكأنّ الرغبة فى استواء هذه الفواصل هو الذى زاد فى الأنس بتثقيل «النّهر» على هذا التأويل الذى فى «نهر»، كما يختار ترك همز «الشان» فى سورة الرحمن (^٣)؛ لتوافق رءوس الآى فيها: «تكذّبان»، ونحوها، وإليه ذهب الفراء.
***
_________________
(١) وقراءة الأعمش، وابن محيصن، وأبى مجلز، وأبى نهيك، واليمانى. انظر: (الرازى ٧٩/ ٢٩، البحر المحيط ١٨٤/ ٨، الإتحاف ٤٠٥، العكبرى ١٣٥/ ٢، مجمع البيان ١٩٣/ ٩).
(٢) سورة النساء الآية (١١٧) وهى قراءة ابن عباس، وعائشة، وعطاء، ومسلم بن جندب، وسعيد ابن المسيب. انظر: (القرطبى ٣٨٧/ ٥، الكشاف ٢٩٩/ ١، الطبرى ٢٠٩/ ٩،٢١٠، البحر المحيط ٣٥٢/ ٣، مجمع البيان ١١١/ ٢).
(٣) من قوله تعالى: يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:٢٩].
[ ٢ / ٣٥١ ]