﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ (٥)
قرأ «كبرت كلمة» رفعا (^١) يحيى بن يعمر والحسن وابن محيصن وابن أبى إسحاق والثّقفى والأعرج-بخلاف-وعمرو بن عبيد.
قال أبو الفتح: أخلص الفعل «لكلمة» هذه الظاهرة، فرفعها، وسمّى قولهم: ﴿اِتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾ -كما سمّوا القصيدة وإن كانت مائة بيت- «كلمة». وهذا كوضعهم الاسم الواحد على جنسه، كقولهم: أهلك الناس الدرهم والدينار، وذهب الناس بالشاة والبعير.
ولله فصاحة الحجّاج، وكثرة قوله على منبره: يأيها الرجل، وكلّكم ذلك الرجل! ألا تراه لما أشفق أن يظن به أنه يريد رجلا واحدا بعينه قال: وكلكم ذلك الرجل؟.
***
﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ (١٩)
ومن ذلك قراءة أبى رجاء: «بورقكم»، (^٢) مكسورة الواو، مدغمة.
قال أبو الفتح: هذا ونحوه عند أصحابنا مخفى غير مدغم، لكنه أخفى كسرة القاف، فظنها القراء مدغمة. ومعاذ الله لو كانت مدغمة لوجب نقل كسرة القاف إلى
_________________
(١) وقراءة ابن كثير، ومجاهد. انظر: (الفراء ١٣٤/ ٢، الكشاف ٤٧٢/ ٢، الأخفش ٣٩٣/ ٢، الإتحاف ٢٨٨، النحاس ٢٦٦/ ٢، البحر المحيط ٩٧/ ٦، الطبرى ١٢٩/ ١٥، القرطبى ٣٥٣/ ١٠، التبيان ٧/ ٧، مجمع البيان ٤٤٨/ ٦).
(٢) وقراءة إسماعيل، وابن محيصن. انظر: (الكشاف ٤٧٦/ ٢، الرازى ١٠٣/ ٢١، البحر المحيط ١١٠/ ٦، مجمع البيان ٤٥٧/ ٦).
[ ٢ / ٦٩ ]
الراء، كقولهم: يردّ ويفرّ ويصبّ. ألا ترى أن الأصل يردد ويفرر ويصبب، فلمّا أسكن الأول ليدغمه نقل حركته إلى الساكن قبله؟.
وللقراء فى نحو هذا عادة: أن يعبّروا عن المخفّى بالمدغم؛ وذلك للطف ذلك عليهم. منه قولهم فى قول الله تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ (^١): إنه أدغم نون «نَحْنُ» فى نون «نَزَّلْنَا» حتى كأنهم لم يسمعوا أن هذا ونحوه مما لا يجوز مع الانفصال، وأنه أمر يختص به المتصل. فاستدل صاحب الكتاب على أنه إخفاء بقولهم: اسم موسى وابن نوح، قال: فلو كان إدغام لوجب تحريك سين «اسم» وباء «ابن»، ولو تحركتا لإدغام ما بعدهما لسقطت ألف الوصل من أولهما، وهذا واضح.
وإذا جاز مثل هذا على قطرب مع تخصصه حتى جرى فى بعض ألفاظه-فالقراء بذلك أولى، وهم فيه أظهر عذرا. وقد ذكرنا ذلك فيما مضى، وإنما هى «بورقكم»، بإخفاء كسرة القاف، كأنه يريد الإدغام تخفيفا ولا يبلغه.
وحكى أبو حاتم-فيما روينا عنه-أن ابن محيصن قرأ: «بورقكم» مدغمة (^٢)، ولم يحك قراءة أبى رجاء بالإدغام، وهذا لا نظر فى جوازه.
***
(تزاور) (١٧)
ومن ذلك قراءة الجحدرى: «تزوارّ» (^٣).
قال أبو الفتح: هذا افعالّ وتزاور تفاعل. وقلما جاءت افعالّ إلا فى الألوان، نحو: اسوادّ وابياضّ واحمارّ واصفارّ، أو العيوب الظاهرة، نحو: احولّ واحوالّ واعورّ واعوارّ واصيدّ واصيادّ. وقد جاءت افعالّ وافعلّ، وهى مقصورة من افعالّ-فى غير الألوان، قالوا: ارعوى وهو افعل، واقتوى أى: خدم، وساس. قال يزيد بن الحكم (^٤):
_________________
(١) سورة الحجر الآية (٩).
(٢) وقراءة ابن كثير، وأبى عمرو (فى رواية). انظر: (الإتحاف ٢٨٩، السبعة ٣٨٩، الكشاف ٤٧٦/ ٢، الرازى ١٠٣/ ٢١، البحر المحيط ١١١/ ٦، التبيان ٢٠/ ٧، النحاس ٢٧٠/ ٢، العكبرى ٥٥/ ٢ الطبرى ١٤٨/ ١٥).
(٣) وقراءة ابن أبى عبلة، وأيوب السختيانى، وجابر، وأبى رجاء. انظر: (الفراء ١٣٦/ ٢، الطبرى ١٣٩/ ١٥ البحر المحيط ١٠٧/ ٦، التبيان ١٦/ ٧، العكبرى ٥٥/ ٢، النحاس ٢٦٦/ ٢، القرطبى ٣٦٦/ ١٠).
(٤) انظر: (الأمالى لأبى على القالى ٦٨/ ١، الخصائص ١٠٦/ ٢).
[ ٢ / ٧٠ ]
تبدّل خليلا بى كشكلك شكله … فإنى خليلا صالحا بك مقتوى
فمقتو مفتعلّ من القتو، وهو الخدمة. قال:
إنى امرؤ من بنى خزيمة لا … أحسن قتو الملوك والحفدا (^١)
وخليلا عندنا منصوب بفعل مضمر يدل عليه «مقتو»؛ وذلك أن افعلّ لا يتعدى إلى المفعول به، فكأنه قال: فإنى أخدم، أو أسوس، أو أتعهد، أو أستبدل بك خليلا صالحا. ودل مقتو على ذلك الفعل. وقالوا: اضرابّ الشئ؛ أى: املسّ، وقالوا: اشعانّ رأسه؛ أى: تفرّق شعره، فى أحرف غير هذه.
***
﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ (١٨)
ومن ذلك قراءة الحسن: «وتقلّبهم»، بفتح التاء والقاف، وضم اللام، وفتح الباء (^٢).
قال أبو الفتح: هذا منصوب بفعل دل عليه ما قبله من قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ (^٣)، وقوله: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ (^٤): فهذه أحوال مشاهدة، فكذلك «تقلّبهم»، داخل فى معناه، فكأنه قال: وترى أو تشاهد تقلّبهم ذات اليمين وذات الشمال. فإن قيل: إن التقلب حركة، والحركة غير مرئية، قيل: هذا غور آخر ليس من القراءة فى شئ إلا أنك تراهم يتقلبون، والمعنى مفهوم. وليس كل أحد يقول: إن الحركة لا ترى ولا غرض فى الإطالة هنا، لكن ما أوردناه قد مضى على الغرض فيه والمراد منه.
***
﴿ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ (٢٢)
ومن ذلك قراءة ابن محيصن: «ثلاتّ رابعهم كلبهم»، بإدغام ثاء ثلاثة فى التاء التى تبدل فى الوقف هاء من ثلاثة (^٥).
_________________
(١) انظر: (الخصائص ١٠٦/ ٢).
(٢) سبق الاستشهاد بها.
(٣) سورة الكهف الآية (١٨).
(٤) سورة الكهف الآية (١٧).
(٥) انظر: (الكشاف ٤٧٥/ ٢، البحر المحيط ١٠٦/ ٦، العكبرى ٥٥/ ٢، مجمع البيان ٤٥٤/ ٦).
[ ٢ / ٧١ ]
قال أبو الفتح: الثاء لقربها من التاء تدغم فيها، كقولك: ابعث تّلك، وأغث تّلك.
وجاز الإدغام وإن كان قبل الأول ساكن لأنه ألف، فصارت كشابّة ودابّة، ولم يدغمها فيها إلا ابن محيصن وحده.
***
﴿خَمْسَةٌ﴾ (٢٢)
ومن ذلك أنه لم يقرأ أحد «خمسة»، بفتح الميم (^١) إلا ابن كثير وحده فى رواية حسن بن محمد عن شبل.
قال أبو الفتح: لم يحرّك ميم خمسة إلا عن سماع، وينبغى أن يكون أتبعت عشرة، وليس يحسن أن يقال إنه أتبع الفتح الفتح، كقول رؤبة:
مشتبه الأعلام لمّاع الخفق (^٢) …
وهو يريد «الخفق»؛ لأن هذا أمر يختص به ضرورة الشعر.
قال أبو عثمان الأصمعى: سألت أعرابيا-ونحن بالموضع الذى ذكره زهير فى قوله (^٣):
ثمّ استمرّوا وقالوا إنّ موعدكم … ماء بشرقىّ سلمى فيد أو ركك (^٤)
أتعرف رككا هذا؟ فقال: قد كان ها هنا ماء يسمى «ركّا»، فعلمت أن زهيرا احتاج إليه فحرّكه، وقد يجوز أن يكونا لغتين: ركّ وركك، كالقصّ والقصص، والنشز والنّشز. وقد كان يجب على الأصمعى ألا يسرع إلى أنه ضرورة.
***
_________________
(١) انظر: (مختصر شواذ القراءت ٧٩، البحر المحيط ١١٣/ ٦، الكشاف ٤٧٨/ ٢، العكبرى ٥٥/ ٢).
(٢) انظر: (البحر المحيط ١١٤/ ٦).
(٣) من قصيدته التى مطلعها: بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا وزوّدوك اشتياقا أية سلكوا انظر: (ديوانه ٤٧).
(٤) فى ديوانه ٤٨: «ثم استمروا وقالوا: إن مشربكم». استمروا: اتفقوا، فمروا. سلمى: أحد جبلى طيئ: أجأ وسلمى. فيد، وركك: موضعان.
[ ٢ / ٧٢ ]
﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ﴾ (٢٨)
ومن ذلك قراءة الحسن: «ولا تعد عينيك» (^١).
قال أبو الفتح: هذا منقول من عدت عيناك، أى: جاوزتا. من قولهم: جاء القوم عدا زيدا؛ أى: جاوز بعضهم زيدا، ثم نقل إلى أعديت عينى عن كذا؛ أى: صرفتها عنه. قال (^٢):
حتّى لحقنا بهم تعدى فوارسنا … كأنّنا رعن قفّ يرفع الآلا (^٣)
أى: تعدى فوارسنا خيلهم عن كذا، فحذف المفعول بعد المفعول. وتعديها من عدا الفرس، كقولنا: جرى، وعلى أن أصلهما واحد؛ لأن الفرس إذا عدا فقد جاوز مكانا إلى غيره.
***
﴿أَغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾ (٢٨)
ومن ذلك قراءة عمرو بن فائد: «من أغفلنا قلبه» (^٤).
قال أبو الفتح: يقال: أغفلت الرجل: وجدته غافلا، كقول عمرو بن معديكرب: ولله يا بنى سليم لقد قاتلناكم فما أجبنّاكم، وسألناكم فما أبخلناكم، وهاجيناكم فما أفحمناكم؛ أى: لم نجدكم جبناء، ولا بخلاء، ولا مفحمين. وكقول الأعشى (^٥):
_________________
(١) انظر: (الكشاف ٤٨٢/ ٢، الرازى ١١٥/ ٢١، البحر المحيط ١١٩/ ٦، العكبرى ٥٦/ ٢، مجمع البيان ٢٧/ ٢).
(٢) نسبه فى الخصائص للجعدى. انظر: (الخصائص ١٣٥/ ١).
(٣) بعده: فلم نوقف مشلين الرماح، ولم نواجه عواوير يوم الروع عزالا والبيت فى الأمالى ٢٢٨/ ٢، وفى المختار من شعر بشار ٢٦٢، وفيه بعد أن أورده: «وقال العلماء: هذا من المقلوب، وإنما أراد الشاعر: كأننا رعن قف يرفعه الآل، والرعن: أول كل شئ، والقف: ما غلظ من الأرض ولم يبلغ أن يكون جبلا، والآل: السراب، وهو ما يراه الإنسان فى الصحراء نصف النهار كأنه ماء. وابن جنى يذهب فيه مذهبا غير القلب الذى ذهب إليه غيره، وقد تبعه البكرى فى اللألى». انظر: (الخصائص ١٣٥/ ١ وهامشه).
(٤) وقراءة عمرو بن عبيد، وموسى الأسوارى. انظر: (مجمع البيان ٤٦٤/ ٦، الكشاف ٤٨٢/ ٢، العكبرى ٥٦/ ٢، البحر المحيط ١٢٠/ ٦).
(٥) سبق الاستشهاد به فى (٢٣٢/ ١).
[ ٢ / ٧٣ ]
أثوى وقصّر ليلة ليزوّدا … فمضى وأخلف من قتيلة موعدا
أى صادفه مخلفا. وقال رؤبة:
وأهيج الخلصاء من ذات البرق (^١) …
أى صادفها هائجة النبت. وقال الآخر:
فأتلفنا المنايا وأتلفوا (^٢) …
أى: صادفناها متلفة.
فإن قيل: فكيف يجوز أن يجد الله غافلا؟ قيل: لمّا فعل أفعال من لا يرتقب ولا يخاف صار كأن الله سبحانه غافل عنه، وعلى هذا وقع النفى عن هذا الموضع، فقال: ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (^٣)؛ أى: لا تظنوا الله غافلا عنكم. وقال تعالى: ﴿إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (^٤) وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ (^٥)، ونحو هذا فى القرآن كثير، فكأنه قال: ولا تطع من ظنّنا غافلين عنه.
وعليه قول الآخر:
أخشى عليها طيّئا وأسدا … وخاربين خربا فمعدا
لا يحسبان الله إلاّ رقدا (^٦) …
وهذا هو ما نحن فيه البتة.
***
﴿مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ (٣١)
ومن ذلك قراءة ابن محيصن: «من سندس واستبرق»، بوصل الألف (^٧).
قال أبو الفتح: هذا عندنا سهو أو كالسهو، وسنذكره فى سورة الرحمن بإذن الله.
***
_________________
(١) سبق الاستشهاد به فى (٢٣٣/ ١).
(٢) سبق الاستشهاد به فى (٢٣٢/ ١).
(٣) سورة البقرة (٧٤).
(٤) سورة الجاثية الآية (٢٩).
(٥) سورة ق الآية (٦٤).
(٦) انظر: لسان العرب «خرب»، «معد».
(٧) انظر: (البحر المحيط ١٢٢/ ٦، الإتحاف ٢٨٩).
[ ٢ / ٧٤ ]
﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ (٣٨)
ومن ذلك قراءة أبى بن كعب والحسن: «لكن أنا هو الله ربّى» (^١).
وقرأ: «لكن هو الله ربّى» -ساكنة النون من غير ألف- (^٢) عيسى الثقفى.
قال أبو الفتح: قراءة أبىّ هذه أصل قراءة أبى عمرو وغيره: «لكنّا هو الله ربّى»، فخففت همزة «أنا» بأن حذفت وألقيت حركتها على ما قبلها، فصارت «لكننا»، ثم التقت النونان متحركتين، فأسكنت الأولى، وأدغمت فى الثانية، فصارت «لكنّ» فى الإدراج. فإذا وقفت ألحقت الألف لبيان الحركة، فقلت: «لكنّا»، ف «أنا» على هذا مرفوع بالابتداء وخبره الجملة، وهى مركبة من مبتدأ وخبر، فالمبتدأ «هو»، وهو ضمير الشأن والحديث، والجملة بعده خبر عنه، وهى مركبة من مبتدأ وخبر، فالمبتدأ «الله»، والخبر «ربى»، والجملة خبر عن «هو»، و«هو» وما بعده من الجملة خبر عن «أنا»، والعائد عليه من الجملة بعده الياء فى «ربّى»، كقولك: أنا قائم غلامى.
فإن قلت: فما العائد على «هو» من الجملة بعده التى هى خبر عنه؟ فإنه لا عائد على المبتدأ أبدا إذا كان ضمير الشأن والقصة، كقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (^٣)، ف ﴿اللهُ أَحَدٌ﴾ خبر عن «هو»، وهو ضمير الشأن والحديث، ولا عائد عليه من الجملة بعده التى هى الله أحد، وإنما كان كذلك من قبل أن المبتدأ إنما احتاج إلى العائد من الجملة بعده إذا كانت خبرا عنه؛ لأنها ليست هى المبتدأ، فاحتاجت إلى عود ضمير منها عليه؛ ليلتبس بذلك الضمير بجملته.
وأما «هو» من قولنا: هو الله ربى ونحوه، فهو الجملة نفسها، ألا تراه ضمير الشأن، وقولنا: الله ربى شأن وحديث فى المعنى؟ فلما كانت هذه الجملة هى نفس المبتدأ لم يحتج إلى عائد عليه منها، وليس كذلك زيد قام أخوه؛ لأن زيد ليس بقولك: قام أخوه فى المعنى، فلم يكن له بدّ من أن يعود عليه ضمير منه ليلتبس به، فيصير خبرا عنه. ومن قرأ: «لكن هو الله ربّى» ف «هو» ضمير الشأن، والجملة بعده خبر عنه على ما مضى آنفا، وهذا واضح.
***
&
_________________
(١) وقراءة ابن مسعود. انظر: (القرطبى ٤٠٥/ ١٠، الكشاف ٤٨٥/ ٢، البحر المحيط ١٢٨/ ٦، الإتحاف ٢٩٠، النحاس ٢٧٦/ ٢، التبيان ٤٨/ ٧، مجمع البيان ٤٦٩/ ٦).
(٢) وقراءة عبد الله بن مسعود، والحسن. انظر: (الكشاف ٤٨٥/ ٢، البحر المحيط ١٢٨/ ٦، مجمع البيان ٤٦٩/ ٦).
(٣) سورة الإخلاص الآية (١).
[ ٢ / ٧٥ ]
﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ (٦٠)
ومن ذلك قراءة عبد الله بن مسلم بن يسار: «مجمع البحرين» (^١).
قال أبو الفتح: المصدر من فعل يفعل والمكان والزمان كلهن على مفعل بالفتح، كقولك: ذهبت مذهبا؛ أى: ذهابا، ومذهبا؛ أى: مكانا يذهب فيه. وهذا مذهبك؛ أى: زمان ذهابك، وكذلك سأل يسأل مسألا، فهو مصدر ومكان وزمان، وبعث يبعث مبعثا هو مصدر ومكان وزمان. ومنه مبعث الجيوش، هو زمان بعثها، إلا أنه قد جاء المفعل بكسر العين موضع المفتوح، منه: المشرق، والمغرب، والمنسك، والمطلع. وبابه فتح عينه؛ لأنه من يفعل، يشرق، ويغرب، وينسك، ويطلع. فعلى نحو من هذا يكون «مجمع البحرين»، وهو مكان-كما ترى-من جمع يجمع، فقياسه مجمع، لولا ما ذكرنا من الحمل على نظيره.
﴿جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ (٧٧)
ومن ذلك قراءة النبى ﷺ: «جدارا يريد أن ينقض»، برفع الياء وبالضاد.
وقرأ: «ينقاص» بالصاد غير معجمة، وبالألف-علىّ بن أبى طالب وعكرمة وأبو شيخ الهنائىّ ويحيى بن يعمر.
وفى قراءة عبد الله: «يريد لينقض»، وكذلك روى عن الأعمش.
قال أبو الفتح: معناه: قد قارب أن ينقض، أو شارف ذلك. وهو عائد إلى معنى يكاد، وقد جاء ذلك عنهم. أنشد أبو الحسن:
كادت وكدت وتلك خير إرادة … لو عاد من لهو الصّبابة ما مضى (^٢)
وحسن هنا لفظ الإرادة لأنه أقوى فى وقوع الفعل؛ وذلك لأنها داعية إلى وقوعه، وهى أيضا لا تصح إلا مع الحياة، ولا يصح الفعل إلا لذى الحياة. وليس كذلك كاد؛ لأنه قد يقارب الأمر ما لا حياة فيه، نحو مميل الحائط وإشراق ضوء الفجر، فاعرف ذلك.
و«ينقاص» مطاوع قصته فانقاص؛ أى: كسرته فانكسر. قال (^٣):
_________________
(١) وقراءة الضحاك. انظر: (الفراء ١٤٨/ ٢، الكشاف ٤٩٠/ ٢، البحر المحيط ١٤٤/ ٦، العكبرى ٥٨/ ٢).
(٢) انظر: لسان العرب «كيد».
(٣) لأبى ذؤيب الهذلى من قصيدته التى مطلعها: أمن آل ليلى بالضجوع وأهلنا بنعف قوى والصفية عير انظر: (ديوان الهذليين ١٣٧/ ١).
[ ٢ / ٧٦ ]
فراقا كقيص السنّ فالصّبر إنه … لكلّ أناس عثرة وجبور (^١)
يجوز أن يكون جبور جمع جبرة، كبدرة وبدور، ومأنة ومئون. وقد قالوا: قضته فانقاض، أى: هدمته فانهدم، بالضاد معجمة. قال:
كأنّها هدم فى الجفر منقاض (^٢) …
وقيض البيضة: قشرها الذى انفلق عن الفرخ.
وقراءة العامة: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ أشبه أوّلا منها بآخر؛ لأن الإرادة فى اللفظ له، والانقضاض أيضا كذلك. وأما ينقضّ فيحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون ينفعل من القضّة، وهى الحصا الصغار، وقال أبو زيد: يقال: طعام قضض: إذا كانت فيه القضّة.
والآخر: أن يكون يفعلّ من نقضت الشئ، كقراءة النبى ﷺ: «يريد أن ينقض». ويكون يفعلّ هنا من غير الألوان والعيوب كيزورّ ويرعوى، وقد مضى ذلك.
وقراءة عبد الله والأعمش: «يريد لينقض» إن شئت قلت: إن اللام زائدة، واحتججت فيه بقراءة النبى ﷺ، وإن شئت قلت: تقديره إرادته لكذا، كقولك: قيامه لكذا، وجلوسه لكذا، ثم وضع الفعل موضع مصدره، كما أنشد أبو زيد (^٣):
فقالوا ما تشاء؟ فقلت ألهو … إلى الإصباح آثر ذى أثير (^٤)
أى: اللهو، فوضع «ألهو» موضع مصدره، وأنشد أيضا:
وأهلكنى لكم فى كلّ يوم … تعوّجكم علىّ وأستقيم
أى: واستقامتى، واللام هنا اللام فى قوله (^٥):
أريد لأنسى ذكرها فكأنّما … تمثّل لى ليلى بكلّ سبيل
تحتمل اللام هنا الوجهين اللذين تقدم ذكرهما.
_________________
(١) انظر: (ديوان الهذليين ١٣٨/ ١)، كقيص السن، يقال: انقاصت سنه إذا انشقت بالطول، ويقال: انقاصت البتر: إذا انشق صليها.
(٢) انظر: (لسان العرب، أساس البلاغة «هدم»).
(٣) لعروة بن الورد، من قصيدته التى مطلعها: أرقت وهجتنى بمطيق عمق لبرق فى تهامة مستطير انظر: (ديوان ٣٢).
(٤) فى الديوان: «وقالت ما تشاء فقلت ألهو». قوله: آثر ذى أثير: مثل قولك: أثرا ما، أى: أول كل شئ.
(٥) كثير عزة. انظر: (الأغانى ٢٦٢/ ٤،٢٦٣،٢٦٢،١٠٠/ ٨،١٠١،٣٨٥/ ٩).
[ ٢ / ٧٧ ]
﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ (٨٠)
ومن ذلك قراءة أبى سعيد الخدرى: «وأمّا الغلام فكان أبواه مؤمنان» (^١).
قال أبو الفتح: يجوز فى الرفع هنا تقديران:
أحدهما: أن يكون اسم «كان» ضمير الغلام، أى: فكان هو أبواه مؤمنان، والجملة بعده خبر كان.
والآخر: أن يكون اسم «كان» مضمرا فيها، وهو ضمير الشأن والحديث، أى: فكان الحديث أو الشأن أبواه مؤمنان، والجملة بعده خبر «لكان» على ما مضى، إلا أنه فى هذا الوجه الثانى لا ضمير عائدا على اسم «كان»؛ لأن ضمير الأمر والشأن لا يحتاج من الجملة التى هى بعده خبر عنه إلى ضمير عائد عليه منها، من حيث كان هو الجملة فى المعنى. وقد مضى ذلك آنفا، ومثله قول النبى ﷺ: «كلّ مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهوّدانه وينصّرانه».
إن شئت كان ضمير المولود فى «كان» اسما لها، وأبواه ابتداء، و«هما» فصل لا موضع لها من الإعراب، و«اللذان» خبر «لكان»، والعائد على اسم كان الضمير فى «أبواه»؛ لأنه أقرب إليه مما بعده.
وإن شئت جعلت اسم «كان» على ما كان عليه، وجعلت «أبواه» ابتداء، والجملة بعدهما خبرا عنها، وهى مركبة من مبتدإ وخبر: فالمبتدأ «هما»، وخبرهما اللذان، و«هما» وخبره خبر عن «أبواه»، و«أبواه» وما بعدهما خبر «كان».
وإن شئت كان فى «كان» ضمير الشأن والحديث، وما بعده خبر عنه.
وإن شئت رفعت «أبواه» لأنهما اسم «كان» وجعلت ما بعدهما الخبر على ما مضى: من كون «هما» فصلا إن شئت، ومبتدأ إن شئت، ويجوز فيه هما اللذين.
﴿الصَّدَفَيْنِ﴾ (٩٦)
ومن ذلك قراءة الماجشون: «الصّدفين» (^٢)، بفتح الصاد، وضم الدال.
قال أبو الفتح: فيها لغات: صدفان، وصدفان، وصدفان، وصدفان. وقد قرئ
_________________
(١) وقراءة الجحدرى. انظر: (البحر المحيط ١٥٥/ ٦، الكشاف ٤٩٥/ ٢، إعراب القرآن للعكبرى ٥٩/ ٢، تفسير الآلوسى ١١/ ١٦).
(٢) انظر: (البحر المحيط ١٦٤/ ٦، الكشاف ٤٩٩/ ٢، العكبرى ٥٩/ ٢).
[ ٢ / ٧٨ ]
بجميعها، إلا أنهما الجبلان المتقابلان، فكأن أحدهما صادف صاحبه، ولذلك لا يقال ذلك لما انفرد بنفسه عن أن يلاقى مثله من الجبال.
﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ﴾ (١٠٢)
ومن ذلك قراءة على وابن عباس ﵉ وابن يعمر والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة وابن كثير بخلاف، ونعيم بن ميسرة والضحاك ويعقوب وابن أبى ليلى: «أفحسب الّذين» (^١).
قال أبو الفتح: أى أفحسب الذين كفروا وحظّهم ومطلوبهم أن يتخذوا عبادى من دونى أولياء؟ بل يجب أن يعتدّوا أنفسهم مثلهم، فيكونوا كلهم عبيدا وأولياء لى. ونحوه قول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (^٢)؛ أى: اتخذتهم عبيدا لك، وهذا أيضا هو المعنى إذا كانت القراءة: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا،﴾ إلا أن «حسب» ساكنة السين أذهب فى الذم لهم؛ وذلك لأنه جعله غاية مرادهم ومجموع مطلبهم، وليست القراءة الأخرى كذا.
﴿وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (١٠٩)
ومن ذلك قراءة ابن عباس وابن مسعود والأعمش-بخلاف-ومجاهد وسليمان التيمى: «ولو جئنا بمثله مدادا» (^٣).
قال أبو الفتح: «مدادا» منصوب على التمييز؛ أى: بمثله من «المداد»؛ فهو كقولك: لى مثله عبدا؛ أى: من العبيد، وعلى التمرة مثلها زبدا، أى: من الزّبد. وأما «مددا» فمنصوب على الحال، كقولك: جئتك بزيد عونا لك ويدا معك، وإن شئت نصبته على المصدر بفعل مضمر يدل عليه قوله: ﴿جِئْنا بِمِثْلِهِ﴾ كأنه قال: ولو أمددناه «به» إمدادا، ثم وضع «مددا» موضع إمداد، ولهذا نظائر كثيرة.
***
_________________
(١) وقراءة ابن محيصن، وزيد بن على، وأبى حيوة، والأعشى، وشعبة. انظر: (الإتحاف ٢٩٦، القرطبى ٦٥/ ١١، البحر المحيط ١٦٦/ ٦، معانى القرآن للفراء ١٦١/ ٢، التيسير ٢٦/ ١٦، مجمع البيان ٤٩٥/ ٦،٤٩٦).
(٢) سورة الشعراء الآية (٢٢).
(٣) وقراءة أبى عمرو، وحفص، وابن محيصن، والمطوعى، وابن حميد، والحسن، وأبى الأعرج. انظر: (العنوان ١١٧، القرطبى ٦٨/ ١١، البحر المحيط ١٦٩/ ٦، الإتحاف ٢٩٦).
[ ٢ / ٧٩ ]