﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ (٢٩)
قرأ معاذ بن جبل (^١) على المنبر: «إلاّ سبيل الرّشّاد» (^٢)؛ أى: سبيل الله.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون هذا من قولهم: رشد يرشد، كعلاّم من علم يعلم، أو من رشد يرشد، كعبّاد من عبد يعبد. ولا ينبغى أن يحمل على أنه من أرشد يرشد؛ لأن فعّالا، لم يأت إلاّ فى أحرف محفوظة، وهى أجبر فهو جبّار، وأسأر فهو سأّر، وأقصر فهو قصّار، وأدرك فهو درّاك، وأنشدوا للأخطل:
وشارب مربح بالكأس نادمنى … لا بالحصور ولا فيها بسأر (^٣)
وأجود الروايتين «بسوّار»، أى: بمعربد. وأنشد ابن الأعرابى: غير قصّار.
وعلى أنهم قد قالوا: جبره على الأمر وقصر عن الأمر، فينبغى أن يكون جبّار وقصّار من فعل، هذين الحرفين، وكذا ينبغى أن يعتقد أيضا فى سار ودرّاك على أنهما خرجا بحرف الزيادة، فصارا إلى سأر ودرك تقديرا، وإن لم يخرجا إلى اللفظ استعمالا، كما قالوا: أبقل المكان فهو باقل، وأورس الرّمث فهو وراس، وأيفع الغلام فهو يافع، وأغضى الليل فهو غاض. قال:
يخرجن من أجواز ليل غاض (^٤) …
_________________
(١) معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصارى الخزرجى، أبو عبد الرحمن: صحابى جليل، كان أعلم الأمة بالحلال والحرام. وهو أحد الستة الذين جمعوا القرآن على عهد النبى ﷺ. انظر: (ابن سعد ١٢٠/ ٣، القسم الثانى. والإصابة ٨٠٣٩ وأسد الغابة ٣٧٦/ ٤، وحلية الأولياء ٢٢٨/ ١، ومجمع الزوائد ٣١٠/ ٩، وغاية النهاية ٣٠١/ ٢، وصفة الصفوة ١٩٥/ ١، الأعلام ٢٥٨/ ٧).
(٢) وقراءة الحسن. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٣٣ وفيه: يعنى الرشاد: الله ﵎، البحر المحيط ٤٦٢/ ٧، النحاس ١٢/ ١٢، العكبرى ١١٧/ ٢، الآلوسى ٦٥/ ٢٤).
(٣) انظر: (ديوانه ١١٦).
(٤) انظر: (ديوان رؤبة ٨١).
[ ٢ / ٢٨٨ ]
أى: مغض، وقالوا أيضا: ألقحت الريح السحاب، فهو لاقح. فهذا على حذف همزة أفعل، وإنما قياسه ملقح، فعلى ذلك خرج «الرشّاد»، أى: رشد بمعنى أرشد تقديرا لا استعمالا، كما قال الآخر:
إذا ما استحمّت أرضه من سمائه … جرى وهو مودوع وواعد مصدق (^١)
وكان قياسه أن يكون مودع لأنه من أودعته، فودع يدع، وهو وادع، ولا يقال: ودعته فى هذا المعنى فيقال مودوع، كوضعته فهو موضوع.
فإن قيل: فإن المعنى إنما هو على أرشد، فكيف أجزت أن يكون إنما مجيئه من رشد أو رشد فى معنى رشد، وأنه ليس من لفظ أرشد؟.
قيل: المعنى راجع فيما بعد إلى أنه مرشد؛ وذلك لأنه إذا رشد أرشد؛ لأن الإرشاد من الرشد.
فكأنه من باب الاكتفاء بذكر السبب من المسبب. وعليه قالوا فى قول الله سبحانه: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ (^٢): إنها من لقحت هى، فإذا لقحت ألقحت غيرها، فهو كقولك: إنها زاكية، فإذا زكت فى نفسها أزكت غيرها، فهذا المذهب ليس هو الأول الذى على تقدير حذف الزيادة من ألقح، ولكل طريق.
***
﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ (٣٢)
ومن ذلك قراءة ابن عباس والضحاك وأبى صالح والكلبى: «يوم التنادّ»، بتشديد الدال (^٣).
قال أبو الفتح: هو تفاعل، مصدر تنادّ القوم، أى: تفرّقوا، من قولهم: ندّ يندّ، كنفر ينفر. وتنادّوا كتنافروا، والتّنادّ كالتنافر، وأصله التّنادد، فأسكنت الدال الأولى وأدغمت فى الثانية استثقالا لاجتماع المثلين متحركين.
_________________
(١) انظر: (الأصمعيات ١٢، الخصائص ٢١٨/ ٢، لسان العرب «ودع») والبيت لخفاف بن ندبة.
(٢) سورة الحجر الآية (٢٢).
(٣) وقراءة الزعفرانى، وعكرمة، وابن مقسم. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٣٣، الطبرى ٤٠/ ٢٤، الفراء ٨/ ٢، الكشاف ٤٢٦/ ٣، القرطبى ٣١١/ ١٥، التبيان ٧٤/ ٩، البحر المحيط ٤٦٤/ ٧، النحاس ١٠/ ٣، العكبرى ١١٧/ ٢، مجمع البيان ٥٢٢/ ٨، الرازى ٦١/ ٢٧).
[ ٢ / ٢٨٩ ]
فإن قيل: فهلاّ أظهر نحو ذلك، وهو ملحق بالتفاعل من غير التضعيف نحو التّنافر، والتّضافر، والتّحاسر، والتّحاسد.
قيل: هذا من أقبح الخطأ؛ وذلك أن الغرض فى الإلحاق إنما هو رفع ذوات الثلاثة إلى ذوات الأربعة، نحو جلبب، وشملل، فهما ملحقان بدحرج وهملج، أو بذوات الخمسة نحو كوألل، فى إلحاقه بسفرجل، مجتازا فى طريقه بقفعدد وسبهلل، أو رفع بنات الأربعة إلى بنات الخمسة، نحو شنّخف، وهلّقس فى إلحاقهما بجردحل. فأما أن تلحق بنات الثلاثة ببنات الثلاثة فلغو من القول، فلم يكن فيه إلاّ فساد معنى قولهم: ملحق؛ لأن الأصل لا يلحق بنفسه، فكذلك أيضا «التنادّ» ثلاثى، كما أن التنافر ثلاثىّ. أفيلحق الشئ بنفسه؟.
ألا ترى أن ندّ ثلاثى، كما أن نفر كذلك؟ وهذا واضح.
ولو جاز هذا للزمك عليه أن تقول فى شدّ وحلّ: شدد وحلل، فتظهرهما، وتقول: هما ملحقان بدخل وخرج.
فإن قلت: فقد قالوا فى فيعل-نحو خيفق وصيرف-وفوعل من رددت: ريدد ورودد، وإن كنا قد أحطنا علما بأن كل واحد من خيفق وصيرف ثلاثىّ الأصل.
قيل: أجل، إلا أنك ألحقت فيهما جميعا ثلاثيا برباعىّ، ألا ترى أن خيفقا وصيرفا ملحقان بجعفر وسلهب؟ فإن قال لك: ابن من ردّ مثل فيعل وفوعل فكأنه إنما قال: ألحق ردّ بجعفر على حدّ فيعل وفوعل، اللذين ألحقتهما به، وهذا واضح، وليس كذلك التفاعل؛ لأن التفاعل ليس ملحقا بشئ، كإلحاق صيرف وجوهر بجعفر، فهذا فرق.
***
﴿وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ (٧١)
ومن ذلك قراءة ابن عباس وابن مسعود: «والسّلاسل يسحبون» (^١)، بفتح اللام.
قال أبو الفتح: التقدير فيه إذ الأغلال فى أعناقهم ويسحبون السلاسل، فعطف الجملة من الفعل والفاعل على التى من المبتدأ والخبر، كما عودلت إحداهما بالأخرى
_________________
(١) وقراءة أبى الجوزاء، وزيد بن على، ويحيى بن وثاب، وعكرمة، وأبى مجلز، وابن يعمر، وابن أبى عبلة. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٣٣، الكشاف ٤٣٦/ ٣، زاد المسير ٥٠/ ٧، شواذ القراءات للكرمانى ٢١٣/ ٢، القرطبى ٣٣٢/ ١٥، العكبرى ١١٨/ ٢، النحاس ٢١/ ٣، الطبرى ٥٥/ ٢٤، مجمع البيان ٥٣٢/ ٨، التبيان ٩٣/ ٩).
[ ٢ / ٢٩٠ ]
فى نحو قوله (^١):
أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد … أموف بأدراع ابن ظبية أم تذم (^٢)
أى: أأنت موف بها أم تذم؟ فقابل بالمبتدأ والخبر التى من الفعل والمفعول الجارى مجرى الفاعل وقال الله تعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ﴾ (^٣)، أى: أصمتّم؟ وعلى أنه لو كان: إذ فى أعناقهم الأغلال والسلاسل يسحبون، لكان أمثل قليلا؛ من قبل أن قوله: فى أعناقهم الأغلال يشبه فى اللفظ تركيب الجملة من الفعل والفاعل؛ لتقدم الظرف على المبتدأ، كتقدم الفعل على الفاعل، مع قوة شبه الظرف بالفعل.
وعلى أن أبا الحسن يرفع زيدا من قولك: فى الدار زيد بالظرف، كما يرفعه بالفعل. ومن غريب شبه الظرف بالفعل أنهم لم يجيزوا فى قولهم: فيك يرغب أن يكون فيك مرفوعا بالابتداء، وفى «يرغب» ضميره، كقولك: زيد يضرب، من موضعين:
أحدهما: أن الفعل لا يرتفع بالابتداء، فكذلك الظرف.
والآخر: أن الظرف لا ضمير له، كما أن الفعل لا ضمير له. ومن ذلك أيضا قوله:
زمان علىّ غراب غداف … فطيّره الشّيب عنّى فطارا (^٤)
فعطفه الفعل على الظرف من أقوى دليل على شبهه به، وفيه أكثر من هذا فتركناه؛ لأن فى هذا مقنعا بإذن الله.
***
&
_________________
(١) من قول راشد بن شهاب اليشكرى لقيس بن مسعود بن قيس بن خالد الشيبانى فى مطلعها: أرقت فلم تخدع بعين خدعة ووالله ما دهرى بعشق ولا سقم انظر: (المفضليات ٣٠٧،٣٠٨).
(٢) فى المطبوع من المفضليات ٣٠٩: «أموف بأدراع ابن طيبة أم تذم».
(٣) سورة الأعراف الآية (١٩٣).
(٤) سبق الاستشهاد به فى (١٣٣/ ٢).
[ ٢ / ٢٩١ ]