﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ﴾ (١٤)
قرأ: «عظما»، واحدا ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظامَ﴾ (^١) جماعة-السّلمىّ وقتادة والأعرج والأعمش، واختلف عنهم.
وقرأ: «عظاما» جماعة «فكسونا العظم» (^٢) واحدا-مجاهد.
قال أبو الفتح: أما من وحّد فإنه ذهب إلى لفظ إفراد الإنسان والنّطفة والعلقة، ومن جمع فإنه أراد أن هذا أمر عام فى جميع الناس. وقد شاع عنهم وقوع المفرد فى موضع الجماعة، نحو قول الشاعر:
كلوا فى بعض بطنكم تعفّوا … فإنّ زمانكم زمن خميص (^٣)
وقول طفيل:
فى حلقكم عظم وقد شجينا (^٤) …
وهو كثير وقد ذكرناه، إلاّ أن من قدّم الإفراد ثم عقب بالجمع أشبه لفظا؛ لأنه جاور بالواحد لفظ الواحد الذى هو «إنسان» و«سلالة» و«نطفة» و«علقة» «ومضغة»، ثم عقب بالجماعة؛ لأنها هى الغرض. ومن قدّم الجماعة بادر إليها إذ كانت هى المقصود،
_________________
(١) وقراءة المطوعى، ومجاهد، وابن محيصن، وزيد، ويعقوب. انظر: (الإتحاف ٣١٨، مجمع البيان ١٠٠/ ٧، البحر المحيط ٣٩٨/ ٦).
(٢) قراءة أبى رجاء، وإبراهيم بن أبى بكر. انظر: (البحر المحيط ٣٩٨/ ٦، التبيان ٣١٢/ ٧، التيسير ١٥٨).
(٣) انظر: (الكتاب ٢١٠/ ١، خزانة الأدب ٣٧٩/ ٣، شرح المفصل ٢١/ ٦ - ٢٢)، والبيت من الخمسين التى لم يعرف لها قائل. يقال: أكل فى بعض بطنه، إذا كان دون الشبع. وأكل فى بطنه، إذا امتلأ وشبع. والخميص: الجائع، أى زمان جدب ومخمصة. والشاهد فيه استعمال «بطن» بمعنى الجمع، أى بعض بطونكم.
(٤) سبق الاستشهاد به فى (٣٥٧/ ١).
[ ٢ / ١٣٠ ]
ثم عاد فعامل اللفظ المفرد بمثله، والأول أجرى على قوانينهم. ألا تراك تقول: من قام وقعدوا إخوتك؟، فيحسن لانصرافه عن اللفظ إلى المعنى، وإذا قلت: من قاموا وقعد إخوتك ضعف لأنك قد انتحيت بالجمع على المعنى وانصرفت عن اللفظ فمعاودة اللفظ بعد الانصراف عنه تراجع وانتكاث، فاعرفه وابن عليه فإنه كثير جدا.
***
﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (٢٢)
ومن ذلك قراءة الزهرى والحسن والأعرج: «تنبت» (^١)، برفع التاء، ونصب الباء.
وفى قراءة عبد الله: «تخرج بالدّهن» (^٢).
قال أبو الفتح: الباء هنا فى معنى الحال؛ أى: تنبت وفيها دهنها، فهو كقولك: خرج بثيابه، أى: وثيابه عليه، وسار الأمير فى غلمانه، أى: وغلمانه معه، وكأنه قال: خرج لابسا ثيابه، وسار مستصحبا غلمانه، وكذلك قول الهذلىّ (^٣):
يعثرن فى حدّ الظّبات كأنّما … كسيت برود بنى تزيد الأذرع (^٤)
أى: يعثرن كابيات فى حد الظبات، أو مجروحات فى حد الظبات. ومثله ما أنشده الأصمعى من قوله (^٥):
ومستنّة كاستنان الخرو … ف قد قطع الحبل بالمرود
أى: قطع الحبل ومروده فيه؛ أى: متصلا به مروده، فكذلك قوله: «تنبت بالدّهن»،
&
_________________
(١) انظر: (القرطبى ١١٦/ ١٢، الكشاف ٢٩/ ٣، البحر المحيط ٤٠١/ ٦).
(٢) انظر: (القرطبى ١١٦/ ١٢، الكشاف ٢٩/ ٣).
(٣) لأبى ذؤيب الهذلى من قصيدته التى مطلعها: أمن المنون وريبها تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع انظر: (ديوان الهذليين ١/ ١).
(٤) فى ديوان الهذليين ١٠/ ١: «كسيت بدون بنى يزيد الأذرع». شبه طرائق الدم فى أذرعهن بطرائق تلك البرود؛ لأن تلك البرود تضرب إلى الحمرة. والظبة: طرف النصل، يقول: يعثرن فى حد الظبات، والظبات: جمع ظبة. روى الأصمعى: يعثرن فى علق النجيع، إلخ. والعلق: اعفى الدم. والنجيع: الطرى منه. وفى رواية: بنى تزيد، بالتاء، فهو: تزيد بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، تنسب إليهم البرود التزيدية، وروى أبو عبيدة: برود أبى يزيد، قال وكان تاجرا يبيع العصب بمكة.
(٥) انظر: لسان العرب «خرف» «نبت».
[ ٢ / ١٣١ ]
أى: تنبت ودهنها فيها، وكذلك من قرأ: «تنبت»، أى: تنبت على هذه الحال، وكذلك أيضا من قرأ: «تنبت بالدهن» (^١) قد حذف مفعولها، أى: تنبت ما تنبته ودهنها فيها. وذهبوا فى قول زهير (^٢):
. . . حتّى إذا أنبت البقل (^٣) …
إلى أنه فى معنى نبت وأنها لغة: فعلت وأفعلت. وقد يجوز أن يكون على هذا؛ أى: محذوف المفعول، أى: حتى إذا أنبت البقل ثمره. ونحن نعلم أيضا أن الدهن لا ينبت الشجرة، وإنما ينبتها الماء. ويؤكد ذلك أيضا قراءة عبد الله: «تخرج بالدّهن»، أى: تخرج من الأرض ودهنها فيها.
فأما من ذهب إلى زيادة الباء، أى: تنبت الدهن، فمضعوف المذهب، وزائد حرفا لا حاجة به إلى اعتقاد زيادته مع ما ذكرناه من صحة القول عليه، وكذلك قول عنترة (^٤):
شربت بماء الدّحرضين. . . . (^٥) …
_________________
(١) وقراءة ابن كثير، وأبى عمرو، ورويس، وابن محيصن، واليزيدى، وسلام، وسهل، والجحدرى، وزر بن حبيش. انظر: (الإتحاف ٣١٨، الطبرى ١٢/ ١٨، السبعة ٤٤٥، النشر ٣٢٨/ ٢، الكشاف ٢٩/ ٣، الكشف ١٢٧/ ٢، الفراء ٢٣٣/ ٢، مجمع البيان ١٠٢/ ٧، النشر ٣٢٨/ ٢، البحر المحيط ٤٠١/ ٦، التبيان ٣١٤/ ٧، العنوان ١٢٩، مغنى اللبيب ٩٦/ ١. لسان العرب «نبت»).
(٢) من قصيدته التى مطلعها: صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو وأقفر من سلمى التعانيق فالثقل انظر: (ديوانه ٥٨).
(٣) البيت بتمامه: رأيت ذوى الحاجات حول بيوتهم قطينا بها حتى إذا أنبت البقل انظر: (ديوانه ٦٢).
(٤) من معلقته الشهيرة التى مطلعها: هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم انظر: (شرح القصائد السبع الطوال ٢٩٤).
(٥) البيت بتمامه: شربت بماء الدحرضين فأصبحت زوراء تنفر عن حياض الديلم شربت بماء الدحرضين: أراد: من ماء الدحرضين، فالباء بمعنى من. حكى عن العرب: سقاك الله بحوض الرسول، أى من حوض الرسول ﷺ. والدحرضان: ماءان يقال لأحدهما دحرض والآخر وسيع، فلما جمعهما غلب أحد الاسمين، كما قال الآخر، أنشده الفراء: فبصرة الأزد منا والعراق لنا والموصلان ومنا مصد فالحرم
[ ٢ / ١٣٢ ]
ليس عندنا على زيادة الباء، وإنما هو على شربت فى هذا الموضع ماء، فحذف المفعول. وما أكثر وأعذب وأعرب حذف المفعول وأدلّه على قوة الناطق به!.
***
﴿لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ﴾ (٢١)
ومن ذلك قراءة أبى جعفر يزيد: «لعبرة تسقيكم» (^١).
قال أبو الفتح: ليس قوله: «تسقيكم» صفة لعبرة كقولك: لعبرة ساقية. ألا ترى أنه ليست العبرة الساقية؟، وإنما هناك حضّ وبعث على الاعتبار بسقياها لنا أو بسقيا الله سبحانه إيانا منها فالوقف إذا على قوله: «لعبرة»، ثم استأنف تعالى تفسير العبرة، فقال: «تسقيكم» هى، أو «نسقيكم» نحن «مما ففى بطونها». وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ أحد ما يدل على قوة شبه الظرف بالفعل. ألا تراه معطوفا على قوله: «نسقيكم»؟، والعطف نظير التثنية، والتثنية تقتضى تساوى حال الاسمين وتشابهما. ومثله فى ذلك قول الآخر أخبرنا به أبو بكر محمد بن الحسن عن أبى العباس أحمد بن يحيى ثعلب (^٢):
زمان علىّ غراب غداف … فطيّره الشّيب عنّى فطارا (^٣)
فعطف «طيّره» على «علىّ» وهو ظرف.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ (^٤)، فوجود معنى الشرط فى الظرف أقوى دليل على قوة شبهه بالفعل؛ لأن الشرط لا يصح إلاّ به. وسوّغ ذلك أيضا أنّ قوله: «تسقيكم مما فى بطونها» فى معنى قوله: لكم فى بطونها سقيا، ولكم فيها منافع.
***
_________________
(١) انظر: (الإتحاف ٣١٨، الكشاف ٢٩٩/ ٣، النشر ٣٠٤/ ٢، الرازى ٩٠/ ٢٣، العكبرى ٨١/ ٢).
(٢) هو أبو حية النميرى. وقبل البيت: زمان الصبا، ليت أيامنا رجعن لنا الصالحات القصارا وبعده: فلا يبعد الله ذاك الغراب وإن هو لم يبق إلا اذكارا
(٣) وقوله «وعلى غراب غداف»، أراد به الشباب والشعر الأسود. انظر: (الخصائص ١٠٨/ ١، كتاب الحيوان ٤٢٩/ ٣، أمالى المرتضى ١٠٠/ ٢، لسان العرب «غرب»).
(٤) سورة النحل الآية (٥٣).
[ ٢ / ١٣٣ ]
﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ (٣٦)
ومن ذلك قراءة أبى جعفر والثقفى: «هيهات هيهات» (^١)، بكسر التاء غير منونة.
وقرأ: «هيهات هيهات» عيسى بن عمر (^٢).
وقرأ: «هيهات هيهات» رفع منون-أبو حيوة (^٣).
وقرأ: «هيهات هيهات» مرسلة التاء (^٤) عيسى الهمدانى، ورويت عن أبى عمرو.
قال أبو الفتح: أما الفتح-وهى قراءة العامة-فعلى أنه واحد، وهو اسم سمى به الفعل فى الخبر، وهو اسم «بعد»، كما أن شتّان اسم «افترق»، وأوّتاه اسم «أتألّم»، وأفّ اسم «أتضجّر» وقد ذكرنا فى «أفّ» طرفا صالحا من هذا الحديث.
ومن كسر فقال: «هيهات» منونا أو غير منون فهو جمع هيهات وأصله هيهيات: إلا أنه حذف الألف؛ لأنها فى آخر اسم غير متمكن، كما حذفت ياء الذى فى التثنية إذا قلت: اللذان، وألف ذا، إذا قلت: ذان.
ومن نوّن ذهب إلى التنكير، أى: بعدا بعدا.
ومن لم ينوّن ذهب إلى التعريف، أراد: البعد البعد.
ومن فتح وقف بالهاء؛ لأنها كهاء أرطاة وسعلاة.
ومن كسر كتبها بالتاء؛ لأنها جماعة، والكسرة فى الجماعة بمنزلة الفتحة فى الواحد، كما أن سقوط النون من ضربا بمنزلة الفتحة فى ضرب طردا على سقوط النون فى لن يضربا بمنزلة الفتحة فى أن يضرب. فلفظ البناء فى هذا كلفظ الإعراب.
ومن قال: «هيهاة هيهاة» فإنه يكتبها بالهاء؛ لأن أكثر القراءة «هيهاة» بالفتح، والفتح
_________________
(١) وقراءة شيبة. انظر: (الإتحاف ٣٠٨، تحبير التيسير ١٤٦، البحر المحيط ٤٠٤/ ٦، التبيان ٣٢٢/ ٧، الطبرى ١٦/ ١٨، القرطبى ١٢٢/ ١٢، الكشاف ٣٢/ ٣، الرازى ٩٨/ ٢٣، النشر ٣٢٨/ ٢، حاشية يس ١٩٩/ ٢).
(٢) وقراءة خالد بن إلياس. انظر: (القرطبى ١٢٢/ ١٢، الكشاف ٣٢/ ٣، مجمع البيان ١٠٥/ ٧، الرازى ٢٣،٩٨، البحر المحيط ٤٠٤/ ٦، العكبرى ٨١/ ٢).
(٣) وقراءة الأحمر، وابن مسعود. انظر: (القرطبى ١٢٢/ ١٢، البحر المحيط ٤٠٤/ ٦، الكشاف ٣٢/ ٣، مجمع البيان ١٠٥/ ٧).
(٤) وقراءة خارجة بن مصعب، والأعرج، وأبى حيوة، والأحمر. انظر: (مختصر شواذ القراءات ٩٧، البحر المحيط ٦٠٥/ ٦، الكشاف ٣٢/ ٣، مجمع البيان ١٠٥/ ٧، الفراء ٣٦/ ٢.
[ ٢ / ١٣٤ ]
يدل على الإفراد، والإفراد بالهاء كهاء أرطاة وعلقاة، غير أن من رفع فقال:
«هيهاة» فإنه يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون أخلصها اسما معربا فيه معنى البعد، ولم يجعله اسما للفعل فيبنيه كما بنى الناس غيره، وقوله: ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ خبر عنه، كأنه قال: البعد لوعدكم، كما يقول القائل: الخلف لموعدك، والضلال لإرشادك، والخيبة لانتجاعك.
والآخر أن تكون مبنية على الضم، كما بنيت نحن عليه، وكما بنيت حوب عليه فى الزجر، ثم اعتقد فيه التنكير فلحقه التنوين على ما مضى. ونحو من ذلك ما حكى عن بعضهم من ضمة نون التثنية فى الزيدان والعمران.
وأما «هيهات هيهات»، ساكنة بالتاء فينبغى أن يكون جماعة، وتكتب بالتاء؛ وذلك أنها لو كانت هاء كهاء علقاة وسماناة للزم فى الوقف عليها أن يلفظ بالهاء كما يوقف مع الفتح فيقال: هيهاه هيهاه، فبقاء التاء فى الوقف مع السكون دليل على أنها تاء، وإذا كانت تاء فهى للجماعة، وهو أمثل من أن يعتقد فيها أنها أجريت فى الوقف مجراها فى الوصل من كونها تاء كقولنا: ﵇ والرّحمت، وقوله:
بل جوزتيهاء كظهر الحجفت (^١) …
لقلة هذا وكثرة الأول، وكذلك يقف الكسائىّ عليها، وهو عندى حسن لما ذكرته.
وعذر من وقف بالتاء كونها فى أكثر الأمر مصاحبة للأخرى من بعدها؛ ولأنها أيضا تشبه الفعل، والفعل أبدا متطاول إلى الفاعل، وهذا طريق الوصل؛ ولأن الضمير فيها لم يؤكد قط، فأشبهت الفعل الذى لا ضمير فيه، فكان ذلك أدعى فى اللفظ إلى إدراجها بالتوقع له.
والذى حسن الوقوف عليها حتى نطق بالهاء فيها ما أذكره لك، وهو أن هيهاه جارية مجرى الفعل فى اقتضائها الفاعل، فإذا قال: هيهات فكأنه قال: بعد بعثكم، بعد إنشاؤكم، بعد إخراجكم. فإذا وقف عليه أعلم أن فيه فاعلا مضمرا وأن الكلمة قد استقلت بالضمير الذى فيها، وإذا وصلها بالأخرى أوهم حاجة الأولى إلى الآخرة فآذن بالوقوف عليها باستقلالها وغنائها عن الأخرى من بعدها، فافهم ذلك. ولا يجوز أن يكون قوله: ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ هو الفاعل؛ لأن حرف الجر لا يكون فاعلا، ولا يحسن اعتقاد زيادة اللام هنا حتى كأنه قال: بعد ما توعدون؛ لأنه لم تؤلف زيادة اللام فى
_________________
(١) انظر: (شرح شواهد الشافية ٢٠٠/ ٤، الخصائص ٣٠٥/ ١).
[ ٢ / ١٣٥ ]
نحو هذا، وإنما زيدت فى الموضع الذى الغرض بزيادتها فيه تمكين معنى الإضافة، كقوله:
يا بؤس للحرب الّتى … وضعت أراهط فاستراحوا (^١)
وكقوله:
يا بؤس للجهل ضرّارا لأقوام (^٢) …
وإذا لم يكن لها بدّ من الفاعل ولم يكن الظاهر بعدها فاعلا لها ففيها ضمير فاعل لا محالة، وهو ما قدّمنا ذكره. ومما نوّن وهو مبنى على الضم قوله (^٣):
سلام الله يا مطر عليها … وليس عليك يا مطر السّلام (^٤)
ومنه قولهم فى الضجر: أفّ، فيمن ضم ونونّ، ويؤنسك باستعمالهم من هذا اللفظ اسما معربا قول رؤبة (^٥):
هيهات من منخرق هيهاؤه (^٦) …
فكأنه قال: بعد بعده، وهو كقولهم: جنّ جنونه، وضلّ ضلاله، وقولهم: موت مائت، وشعر شاعر على طريقة المبالغة. وهيهاؤه إذا فعلاله، كزلزاله وقلقاله، والهمزة فيه منقلبة عن ياء؛ لأنه من باب حاحيت وعاعيت. وقريب من لفظه ومعناه ما أنشدناه أبو على من قول بعضهم:
فأرفع الجفنة بالهيه الرّثع (^٧) …
فالهيه: المرقّع من الناس المرذول الذى يقال له فى إبعاده: هيه، فسمى بالصوت الذى يقال، كما قال الآخر (^٨):
_________________
(١) انظر: (الخصائص ١٠٨/ ٣، ذيل الأمالى ٢٨).
(٢) سبق الاستشهاد به فى (٣٦٣/ ١).
(٣) للأحوص الأنصارى. انظر: (الكتاب ٢٠٢/ ٢، مجالس ثعلب ٩٢،٢٣٩،٥٤٢، أمالى ابن الشجرى ٤٣١/ ١، أمالى الزجاجى ٨١، الأغانى ٦١/ ١٤،٦٢، الإنصاف ٣١١، شرح شواهد المغنى ٢٦٠، خزانة الأدب ٢٦٤/ ١، العينى ١٠٨/ ١،٢١١/ ٤، همع الهوامع ٨٠/ ٢، شرح التصريح ١٧١/ ٢، شرح الأشمونى ١٤٤/ ٣).
(٤) كان الأحوص يهوى امراة، فتزوجها رجل يقال له مطر، فلحقته الحسرة لذلك وهجا زوجها. والشاهد فيه تنوين «مطر» فى الأول للضرورة، وللنحاة فى ذلك كلام طويل ذكره البغدادى.
(٥) انظر: (ديوانه ٤).
(٦) انظر: (ديوانه ٤: وفيه «فى منحرق»، الخصائص ٤٥/ ٣).
(٧) انظر: لسان العرب «رثع»، «هيه».
(٨) انظر: (خزانة الأدب ٥١٤/ ٢).
[ ٢ / ١٣٦ ]
إذا حملت بزّتى على عدس … فما أبالى من مضى ومن جلس
يعنى البغل؛ لأنه يقال له فى الزجر: عدس. قال (^١):
عدس ما لعبّاد عليك إمارة … نجوت وهذا تحملين طليق
فالهيه-كما ترى-ثلاثى، وهيهات-على ما مضى-رباعىّ، فاللفظان أخوان، والمعنيان متقاربان؛ لأن هيهاة اسم بعد، وهيه زجر وإبعاد، ونظير هيه وهيهاه قولهم: سلس وسلسل، وقلق وقلقل، وجرج وجرجر. وسألنى أبو علىّ يوما فقال: أى شئ مثل غوغاء وغوغاء؟ فقلت له: قولهم للمنخوب: هوه وهوهاءة. وينبغى أن يضاف إلى ذلك ما ذكرناه الآن من قولهم: هيه وهيهات.
***
﴿نُسارِعُ لَهُمْ﴾ (٥٦)
ومن ذلك قراءة الحرّ النحوىّ: «نسرع لهم» (^٢)، وقرأ عبد الرحمن بن أبى بكرة: «يسارع لهم» (^٣)، وروى عنه أيضا: «يسارع لهم» (^٤) بفتح الراء، والذى قبله بكسر الراء. وقراءة الناس: ﴿نُسارِعُ﴾ بالنون والألف.
قال أبو الفتح: هنا على قراءة الكافة إلا عبد الرحمن، ضمير محذوف؛ أى: أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم به فى الخيرات، أو نسرع لهم به، أو يسارع لهم به فى الخيرات؟ فحذفت «به» للعلم بها، كما حذف الضمير فى قولهم: السمن منوان، بدرهم: أى: منوان منه بدرهم، فكأنه «به» المتقدمة فى الصلة من قوله: «نمدهم به» صارت عوضا من اللفظ بها ثانية. ومعناه أنا لا نقدمه لهم إرادة للخير، بل هو إملاء واستدراج لهم كقوله جل وعز: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ (^٥)، إلى آخر ذلك وغيره من الآى فى معناه.
_________________
(١) انظر: (خزانة الأدب ٥١٧/ ٢)، وهو فيه ليزيد بن ربيعة بن مفرغ.
(٢) انظر: (القرطبى ١٣١/ ١٢، البحر المحيط ٤١٠/ ٦، العكبرى ٨٢/ ٢).
(٣) وقراءة السلمى. انظر: (الكشاف ٣٥/ ٣، القرطبى ١٣١/ ١٢، البحر المحيط ٤١٠/ ٦، الرازى ١٠٥/ ٢٣، العكبرى ٨٢/ ٢).
(٤) انظر: (مختصر شواذ القراءات ٩٨، القرطبى ١٣١/ ١٢، الكشاف ٣٥/ ٣، العكبرى ٨٢/ ٢، النحاس ٤٢٢/ ٢).
(٥) سورة الزخرف الآية (٣٣).
[ ٢ / ١٣٧ ]
وأما قراءة عبد الرحمن بن أبى بكرة: «يسارع» بكسر الراء، وبالياء فلا حاجة به إلى تقدير حذف الضمير؛ لأن فى الفعل ضميرا يعود على «ما» من قوله: ﴿أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾.
***
﴿يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ (٦٠)
ومن ذلك قراءة النبى ﷺ وعائشة وابن عباس وقتادة والأعمش: «يأتون ما أتوا» قصرا (^١).
قال أبو الفتح: قال أبو حاتم-فيما روينا عنه-يأتون ما أتوا، قصرا؛ أى: يعملون العمل وهم يخافونه ويخافون لقاء الله ومقام الله، قال: ومعنى قوله: ﴿يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ يعطون الشئ فيشفقون ألاّ يقبل منهم. وحكى عن إسماعيل بن خلف قال: دخلت مع عبيد الله بن عمير الليثى على عائشة ﵂، فرحّبت به، فقال لها: جئتك لأسألك عن آية فى القرآن. قالت أىّ آية هى؟ فقال: «الذين يأتون ما أتوا»، أو ﴿يُؤْتُونَ ما آتَوْا؟﴾ فقالت: أيّتهما أحب إليك؟ قال: فقلت: لأن تكون «يأتون ما أتوا» أحب إلىّ من الدنيا جميعا، فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يأتون ما أتوا» ولكن الهجاء حرّف.
***
﴿أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾ (٦١)
ومن ذلك قراءة الحرّ: «أولئك يسرعون فى الخيرات» (^٢)، أى يكونون سراعا.
قال أبو الفتح: يقال سرع إلى الشئ وأسرع إليه، وقوله: «يسرعون فى الخيرات»؛ أى: يكونون سراعا إليها وفى عملها. وأما ﴿يُسارِعُونَ﴾ فيسابقون، فمفعوله إذا محذوف؛ أى: يسارعون من يسارعهم إليها، كقولك: يسابقون إليها وفيها؛ أى: يسابقون من يسابقهم إليها.
***
_________________
(١) وقراءة الحسن، والنخعى. انظر: (العكبرى ٨٢/ ٢، القرطبى ١٣٢/ ١٢، الكشاف ٣٥/ ٣، الفراء ٢٣٨/ ٢، الرازى ١٠٧/ ٢٣، البحر المحيط ٤١٠/ ٦).
(٢) انظر: (القرطبى ١٣٣/ ١٢، الكشاف ٣٥/ ٣، البحر المحيط ٤١١/ ٦).
[ ٢ / ١٣٨ ]
﴿سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ (٦٧)
ومن ذلك قراءة ابن مسعود وابن عباس وعكرمة: «سمّرا يهجّرون» (^١).
وروى عن ابن محيصن: «سمّرا يهجرون».
قال أبو الفتح: السمّر جمع سامر، والسامر: القوم يسمرون؛ أى: يتحدثون ليلا. قال ذو الرمة (^٢):
وكم عرّست بعد السّرى من معرّس … به من عزيف الجنّ أصوات سامر
وروينا عن قطرب أن السامر قد يكون واحدا وجماعة وأما «يهجرون»، بسكون الهاء، وضم الياء فتفسيره: يفحشون القول، ويقال: هجر الرجل فى منطقه إذا: هذى، وأهجر: أفحش. قال الشماخ:
كما جدة الأعراق قال ابن ضرّة … عليها كلاما جار فيه وأهجرا (^٣)
وقال الحسن فى «تهجرون»؛ أى: تهجرون كتابى نبي. وأما «تهجّرون» (^٤) فينبغى والله أعلم أن يكون تكثرون من الهجر، وهو الهذيان، أو هجر النبى ﷺ وكتاب الله، أو تكثرون من الإهجار، وهو إفحاش القول؛ لأن فعّل تأتى للتكثير.
وروينا عن أبى حاتم قال: قرأ: «سمّارا» أبو رجاء (^٥)، فهذا ككاتب وكتّاب، وشارب وشرّاب. ولو ذهب ذاهب إلى أن معنى «تهجّرون»، أى: تكثرون من الهذيان حتى تكونوا-وأنتم فى سواد الليل لقلة احتشامكم لظهور ذاك عليكم-كأنكم مهجّرون؛ أى: مبادون به غير مسايرين له، كالذى يهجّر فى مسيره؛ أى: يسير فى الهاجرة، فهذا كقولك لصاحبك: أنت مساترا معلن، وأنت محسنا مسئ، أى: أنت فى حال مساترتك معلن، وأنت فى حال إحسانك عندى مسئ-لكان وجها.
***
&
_________________
(١) قراءة أبى عمرو، وابن محيصن، ومحبوب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبى حيوة، وعكرمة، والزعفرانى. انظر: (الإتحاف ٣١٦، البحر المحيط ٤١٣/ ٦، الكشاف ٣٦/ ٣، مجمع البيان ١١٤/ ٧).
(٢) انظر: (ديوانه ٢٩٢).
(٣) انظر: لسان العرب «هجر».
(٤) وهى قراءة رويت عن ابن مسعود، وابن عباس، وزيد بن على، وعكرمة، وأبى نهيك، وابن محيصن، وأبى حيوة. انظر: (البحر المحيط ٤١٣/ ٦، العكبرى ٨٢/ ٢).
(٥) وهى قراءة ابن عباس، وزيد بن على، وأبى نهيك. انظر: (الكشاف ٣٦/ ٣ مجمع البيان ١١١/ ٧، البحر المحيط ٤١٣/ ٦).
[ ٢ / ١٣٩ ]
﴿وَلَوِ اِتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ﴾ (٧١)
ومن ذلك قراءة يحيى: «ولو اتّبع الحقّ أهواءهم»، بضم الواو (^١).
قال: الضم فى هذه الواو قليل، وإنما بابها الكسر كقراءة الجماعة، غير أن من ضمها شبهها-لسكونها وانفتاح ما قبلها-بواو الجمع، كقول الله تعالى: ﴿اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ (^٢)، كما شبه بعضهم واو الجمع هذه بها فقرأ: «اشتروا الضلالة» (^٣)، ومثل ضم هذه الواو ضم واو قوله: [. . . . .] (^٤).
وقرأ بعضهم: «اشتروا الضلالة»، بفتح الواو، كل ذلك لالتقاء الساكنين. فمن كسر فعلى أصل حركة التقاء الساكنين، ومن ضم فلأجل واو الجمع، ومن فتح تبلّغ بالفتحة لخفتها.
***
﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ (٧١)
ومن ذلك قراءة قتادة: «بل أتيناهم نذكّرهم»، و«بل أتيتهم بذكرهم» (^٥)، و«بل أتيتهم بذكرهم» (^٦)، بكلّ قد قرئ؛ وذلك أنه إذا أتاهم بذكرهم فإنه قد ذكّرهم به، فالمعنى إذا واحد.
***
﴿وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ (١٠٨) ﴿إِنَّهُ﴾ (١٠٩)
ومن ذلك قراءة أبىّ: «ولا تكلّمون أنّه» (^٧)، بفتح الألف.
قال هارون: كيف شئت «إنّه»، و«أنّه».
_________________
(١) انظر: (مجمع البيان ١١١/ ٧، البحر المحيط ٤١٤/ ٦).
(٢) سورة البقرة الآية (١٦).
(٣) سبق ذكرها.
(٤) بياض فى الأصل.
(٥) وقراءة ابن أبى إسحاق، وعيسى، وأبى البرهسم، وأبى حيوة، والجحدرى، وابن قطيب، وأبى رجاء. انظر: (البحر المحيط ٤١٤/ ٦).
(٦) وقراءة أبى عمرو، وعيسى بن عمر، ويونس، وابن أبى إسحاق. انظر: (البحر المحيط ٤١٤/ ٦).
(٧) وقراءة هارون العتكى. انظر: (الكشاف ٤٤/ ٣، الرازى ١٢٥/ ٢٣، البحر المحيط ٤٢٣/ ٦).
[ ٢ / ١٤٠ ]
وفى قراءة ابن مسعود: «ولا تكلّمون كان فريق»، بغير «أنه».
وقال يونس عن هارون فى حرف أبىّ: «ولا تكلمون أن كان فريق».
قال أبو الفتح: قراءة ابن مسعود: «كان فريق» بغير «أنه» تشهد للمكسر؛ لأنه موضع استئناف، والكسر أحق بذلك. والقراءة «أن كان فريق» تشهد ل «أنه»، ألا ترى أن معناه: ولا تكلمون لأنه كان فريق كذا؟.
***
﴿عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ (١١٧)
ومن ذلك قراءة الحسن وقتادة: «عند ربّه أنّه لا يفلح الكافرون» (^١)، بفتح الألف.
قال أبو الفتح: معناه-والله أعلم-أن حسابه يؤخر إلى أن يلقى ربّه، فيحاسب حينئذ؛ وذلك أنه لا تنفع فيه الموعظة ولا التذكير فى الدنيا، فيؤخر الحساب إلى أن يحاسب عند ربه لعدم انتفاعه بالوعظ له والتضييق عليه فى الدنيا، وهذا كقوله عز اسمه: ﴿فَذَرْهُمْ حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ (^٢).
***
_________________
(١) وقراءة عيسى. انظر: (مختصر شواذ القراءات ٩٩، الكشاف ٤٥/ ٣، الرازى ١٢٨/ ٢٣، البحر المحيط ٤٢٥/ ٦، العكبرى ٨٣/ ٢).
(٢) سورة الطور الآية (٤٥).
[ ٢ / ١٤١ ]