﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (١) من ذلك قراءة الحسن وإبراهيم ويحيى بن وثّاب: «وأنتم حرم» بإسكان الراء.
قال أبو الفتح: هذه اللغة تميمية، يقولون فى رسل: رسل، وفى كتب: كتب، وفى دجاج بيض دجاج بيض، وذلك أنه صار إلى فعل، فجرى مجرى جمع أبيض إذا قلت:
بيض.
واعلم من بعد هذا أن إسكان «حرم» كأنّ له مزية على إسكان كتب، وذلك أن فى الراء تكريرا، فكادت تكون الراء الساكنة لما فيها من التكرير فى حكم المتحركة لزيادة الصوت بالتكرير نحوا من زيادته بالحركة، وكذلك الكلام فى جراب وجرب وسراج وسرج، وكذلك القول فيما جاء عنهم من تكسير فرد على أفراد، فيه هذا المعنى الذى ذكرناه؛ وذلك أن التكرير فى راء فرد كاد يكون كالحركة فيها فصار «فرد» وإن كان فعلا ساكن العين-كأنه فعل محركها، وقد تقصيت هذا فى كتاب المحاسن وبسطته هناك ونظائره.
***
﴿فَاصْطادُوا﴾ (٢) ومن ذلك قراءة أبى واقد والجراح ونبيج والحسن بن عمران: «فاصطادوا» بكسر الفاء.
قال أبو الفتح: هذه القراءة ظاهرة الإشكال، وذلك أنه لا داعى إلى إمالة فتحة هذه الفاء كما أميلت فتحة الراء الأولى من الضرر لكسرة الثانية، وكما أميلت فتحة النون من قولهم: وإنا إليه راجعون؛ لكسر الهمزة، ونحو ذلك فمن هنا أشكل أمر هذه الإمالة،
[ ١ / ٣١١ ]
إلا أن هنا ضربا من التعلل صالحا، وهو أنه لك أن تقول: فاصطادوا، فتميل الألف بعد الطاء إذ كانت منقلبة عن ياء الصيد. فإن قلت: فهناك الطاء، فهلا منعت الإمالة، وكذلك الصاد.
قيل: إن حروف الاستعلاء لا تمنع الإمالة فى الفعل، إنما تمنع منها فى الاسم، نحو طالب وظالم، فأما فى الفعل فلا، ألا تراهم كيف أمالوا طغى وقضى وهناك حرفان مستعليان مفتوحان؟ وسبب ذلك إيغال الأفعال فى الاعتلال، وأنها أقعد فيه من الأسماء.
فإن قلت: فإنه لم يحك فى الطاء إمالة.
قيل: هى وإن لم تسمع معرضة، والكلمة لها معرضة فكأنها لذلك ملفوظ، كما أن من قال فى الوقف هذا ماش، فأمال مع سكون الشين نظرا إلى الكسرة إذا وصل فقال:
هذا ماش، وكما أن من قال: أغزيت نظر إلى وجوب الياء فى المضارع لانكسار ما قبل الواو فى يغزى، وكما أن من أعلّ يخاف وأصلها يخوف نظر إلى اعتلالها فى الماضى وأصلها خوف. ولولا ذلك لوجب أغزوت ويخوف لأنه لا علة فيهما فى مكانهما، وكما أن من قال فى الإضافة إلى الصّعق صعقى أقر كسرة الصاد مع فتحة العين نظرا إلى أصل ما كان عليه من كسرة العين، ولذلك نظائر.
وإن شئت قلت: لّما كان يقول فى الابتداء: اصطادوا، فيكسر همزة الوصل-نظر إليها بعد حذف الهمزة فقال: «فاصطادوا» تصورا لكسرة الهمزة إذا ابتدأت فقلت:
اصطادوا. فهذا وجه ثان لما مضى.
*** ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ (٢) ومن ذلك قراءة ابن مسعود: «ولا يجرمنّكم» -بضم الياء- «شنآن قوم إن يصدوكم» -بكسر الألف.
قال أبو الفتح: فى هذه القراءة ضعف، وذلك لأنه جزم بإن ولم يأت لها بجواب مجزوم أو بالفاء، كقولك: إن تزرنى أعطك درهما أو فلك درهم، ولو قلت: إن تزرنى أعطيتك درهما قبح لما ذكرنا، وإنما بابه الشعر:
[ ١ / ٣١٢ ]
إن يسمعوا ريبة طاروا لها فرحا … يوما وما سمعوا من صالح دفنوا
***
﴿وَما أَكَلَ السَّبُعُ﴾ (٣) ومن ذلك قراءة ابن عباس: «وأكيل السّبع».
قال أبو الفتح: ذهب بالتذكير إلى الجنس والعموم، حتى كأنه قال: وما أكل السبع، ولو قال ذلك ما كان لفظ «ما» إلا إلى التذكير، والأكيل هنا إذا يصلح للمذكر والمؤنّث، وأما الأكيلة فكالنطيحة والذبيحة، اسم للمأكول والمنطوح، كالضحية والبليّة فى قوله:
مثل البليّة قالصا أهدامها …
فتقول على هذا: مررت بشاة أكيل، أى قد أكلها السبع ونحوه، وتقول: ما لنا طعام إلا الأكيلة، أى الشاة أو الجزور المعدة لأن تؤكل، فإن كانت قد أكلت فهى أكيل بلا هاء، وكذلك أكيل السبع هنا ما قد أكل السبع بعضه.
*** ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ (٣) ومن ذلك قراءة يحيى وإبراهيم: «غير متجنّف لإثم»، بغير ألف.
قال أبو الفتح: كأن متجنفا أبلغ وأقوى معنى من متجانف، وذلك لتشديد العين، وموضوعها لقوة المعنى بها نحو تصوّن وهو أبلغ من تصاون؛ لأن تصون أوغل فى ذلك، فصح له وعرف به، وأما تصاون فكأنه أظهر من ذلك وقد يكون عليه، وكثيرا
[ ١ / ٣١٣ ]
ما لا يكون عليه، ألا ترى إلى قوله:
إذا تخازرت وما بى من خزر …
فصار متجنّف بمعنى متميّل متثنّ، ومتجانف كمتمايل، ومتأوّد أبلغ من متاود، وعليه قراءة عبد الله بن أبى إسحاق والأشهب العقيلى: «يرءّون الناس». أى يكرهونهم على أن يروهم على ما يتجمّلون به، ويراءون يتصنعون لذلك فربما تم لهم، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى من كتابنا هذا.
***
﴿مُكَلِّبِينَ﴾ (٤) ومن ذلك قراءة أبى رزين: «مكلبين»، ساكنة الكاف.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون «مكلبين» من قولهم: آسدت الكلب، أى: أغريته، وكذلك إكلاب الجوارح هو إغراؤها بالصيد وإسآدها عليه ليكون كالكلب الكلب، كلب وأكلبته كضرى وأضريته، وغرى وأغريته، وأسد وآسدته، وعرص وأعرصته، وهبص وأهبصته.
***
﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (٦) ومن ذلك ما رواه عمرو عن الحسن: «وأرجلكم»، بالرفع.
[ ١ / ٣١٤ ]
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون رفعه بالابتداء والخبر محذوف، دل عليه ما تقدمه من قوله سبحانه: ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، أى وأرجلكم واجب غسلها، أو مفروض غسلها، أو مغسولة كغيرها، ونحو ذلك. وفد تقدم نحو هذا مما حذف خبره لدلالة ما هناك عليه، وكأنه بالرفع أقوى معنى؛ وذلك لأنه يستأنف فيرفعه على الابتداء، فيصير صاحب الجملة. وإذا نصب أو جرّ عطفه على ما قبله، فصار لحقا وتبعا، فاعرفه.
***
﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ (١٢) ومن ذلك قراءة عاصم الجحدرى: «وعزرتموهم»، خفيفة.
قال أبو الفتح: عزرت الرجل أعزره عزرا: إذا حطته وكنفته، وعزّرته: فخّمت أمره وعظمته، وكأنه لقربه من الأزر وهو التقوية معناه أو قريبا منه، ونحوه عزر اللبن وحزر: إذا حمض فاشتد، فانظر إلى تلامح كلام العرب واعجب.
***
﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ (٢٣) ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير ومجاهد: «قال رجلان من الّذين يخافون»، بضم الياء.
قال أبو الفتح: يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون من المؤمنين الذين يرهبون ويتّقون لما لهم فى نفوس الناس من العفة والورع والستر، وذلك أنه من كان فى النفوس كذلك رهب واحتشم وأطيع وأعظم؛ لأن من أطاع الله سبحانه أكرم وأطيع، ومن عصاه امتهن وأضيع.
والآخر: أن يكون معناه من الذين إذا وعظوا: رهبوا وخافوا، فإذا أتاهم الرسول بالحق أطاعوا وخضعوا، أى ليس ممن يركب جهله ولا يصغى إلى ما يحد له، فيكون
[ ١ / ٣١٥ ]
كقوله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اِمْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى﴾، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ﴾، ونحو ذلك من الآى الدالة على رهبة المؤمنين وطاعتهم، فهذا إذا من أخيف والأول من خيف.
***
﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ (٣٠) ومن ذلك قراءة الحسن بن عمران وأبى واقد والجراح، ورويت عن الحسن:
«فطاوعت له نفسه».
قال أبو الفتح: ينبغى-والله أعلم-أن يكون هذا على أن قتل أخيه جذبه إلى نفسه ودعاه إلى ذلك، فأجابته نفسه وطاوعته.
وقراءة العامة: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ﴾، أى حسّنته له وسهّلته عليه.
***
﴿فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي﴾ (٣١) ومن ذلك قراءة طلحة بن سليمان: «فأوارى سوءة أخى» بسكون الياء فى «أوارى».
قال أبو الفتح: قد سبق القول على سكون هذه الياء فى موضع النصب فى نحو قوله:
كأن أيديهن بالموماة … أيدى جوار بتن ناعمات
وقول أبى العباس: إنها من أحسن الضرورات.
***
[ ١ / ٣١٦ ]
﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ﴾ (٣٢) ومن ذلك قراءة أبى جعفر يزيد: «من أجل ذلك»، غير مهموز والنون مكسورة.
قال أبو الفتح: يقال: فعلت ذلك من أجلك ومن إجلك بالفتح والكسر، ومن إجلاك ومن جللك ومن جلالك ومن جرّاك، فيجب على هذا أن تكون قراءة أبى جعفر: «من اجل ذلك» على تخفيف همزة «إجل» بحذفها وإلقاء حركتها على نون من، كقولك فى تخفيف كم إبلك: كم بلك، وفى من إبراهيم من براهيم، وهو واضح.
*** ﴿نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣٢) ومن ذلك قراءة الحسن: «من قتل نفسا بغير نفس أو فسادا فى الأرض»، بنصب الفساد.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون ذلك على فعل محذوف يدل عليه أوّل الكلام، وذلك أن قتل النفس بغير النفس من أعظم الفساد، فكأنه قال: أو أتى فسادا، أو ركب فسادا، أو أحدث فسادا، وحذف الفعل الناصب لدلالة الكلام عليه وإبقاء عمله ناطقا به ودليلا عليه مع ما يدل من غيره عليه-أكثر من أن يؤتى بشئ منه مع وضوح الحال به، إلا أن منه قول القطامى:
فكرّت تبتغيه فوافقته … على دمه ومصرعه السباعا
فنصب السباع لأنها داخلة فى الموافقة. ألا تراها إذا وافقت السباع على دمه فقد دخلت السباع فى الموافقة، فيصير كأنه قال: وافقت السباع؟ وهو عندنا بعد على حذف المضاف، أى آثار السباع؛ لأنها لو صادفت السباع هناك لأكلتها أيضا. وهناك مضاف آخر محذوف، أى صادفت السباع على أشلائه وبقاياه؛ لأنها إذا وافقت آثار السباع على دمه ومصرعه فإنما وافقت بقاياه لا جميعه.
وسمعت سنة خمس وخمسين غلاما حدثا من عقيل ومعه سيف فى يده، فقال له بعض الحاضرين-وكنا مصحرين-: يا أعرابى، سيفك هذا يقطع البطيخ؟ فقال: إى
[ ١ / ٣١٧ ]
والله وغوارب الرجال، فنصب الغوارب على ذلك، أى ويقطع غوراب الرجال.
***
﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ (٥٠) ومن ذلك قراءة يحيى وإبراهيم السلمى: «أفحكم الجاهلية يبغون»، بالياء ورفع الميم.
قال ابن مجاهد: وهو خطأ.
قال: وقال الأعرج: لا أعرف فى العربية أفحكم، وقرأ: «أفحكم»، نصبا.
وقرأ الأعمش: «أفحكم الجاهلية»، بفتح الحاء والكاف والميم.
قال أبو الفتح: قول ابن مجاهد إنه خطأ فيه سرف، لكنه وجه غيره أقوى منه، وهو جائز فى الشعر. قال أبو النجم:
قد أصبحت أمّ الخيار تدّعى … علىّ ذنبا كلّه لم أصنع
أى لم أصنعه، فحذف الهاء. نعم، ولو نصب فقال: «كلّه» لم ينكسر الوزن، فهذا يؤنسك بأنه ليس للضرورة مطلقة، بل لأن له وجها من القياس، وهو تشبيه عائد الخبر بعائد الحال أو الصفة، وهو إلى الحال أقرب؛ لأنها ضرب من الخبر. فالصفة كقولهم:
الناس رجلان: رجل أكرمت ورجل أهنت، أى أكرمته وأهنته؛ والحال كقولهم: مررت بهند يضرب زيد، أى يضربها زيد، فحذف عائد الحال وهو فى الصفة أمثل؛ لشبه الصفة بالصلة فى نحو قولهم: أكرمت الذى أهنت، أى أهنته، ومررت بالتى لقيت، أى لقيتها، فغير بعيد أن يكون قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾، يراد به يبغونه، ثم يحذف الضمير، وهذا وإن كانت فيه صنعة فإنه ليس بخطأ.
وفيه من بعد هذا شيئان نذكرهما، وهو أن قوله: «كلّه لم أصنع» وإن كان قد حذف
[ ١ / ٣١٨ ]
منه الضمير فإنه قد خلفه وأعيض منه ما يقوم مقامه فى اللفظ؛ لأنه يعاقبه ولا يجتمع معه، وهو حرف الإطلاق، أعنى الياء فى «أصنعى»، فلما حضر ما يعاقب الهاء فلا يجتمع معها صارت لذلك كأنها حاضرة غير محذوفة، فهذا وجه.
والثانى: أن هناك همزة استفهام، فهو أشد لتسليط الفعل، ألا ترى أنك تقول: زيد ضربته فيختار الرفع، فإذا جاء همزة الاستفهام اخترت النصب البتة، فقلت: أزيدا ضربته، فنصبته بفعل مضمر يكون هذا الظاهر تفسيرا له.
فإذا قلت: أفحكم الجاهلية تبغون ولم تعد ضميرا ولا عوضت منه ما يعاقبه، وحرف الاستفهام الذى يختار معه النصب والضمير ملفوظ به موجود معك، فتكاد الحال تختلف على فساد الرفع، وبإزاء هذا أنه لو نصب فقال: كلّه لم أصنع لما كسر وزنا، فهذا يؤنسك بالرفع فى القراءة.
وإن شئت لم تجعل قوله: «يبغون» خبرا، بل تجعله صفة خبر موصوف محذوف، فكأنه قال: أفحكم الجاهلية حكم يبغونه، ثم حذف الموصوف الذى هو حكم وأقام الجملة التى هى صفته مقامه، أعنى يبغون، كما قال الله سبحانه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾، أى قوم يحرفون، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، وعليه قوله:
وما الدهر إلا تارتان فمنهما … أموت وأخرى أبتغى العيش أكدح
أى فمنهما تارة أموت فيها، فحذف تارة وأقام الجملة التى هى صفتها نائبة عنها فصار أموت فيها، ثم حذف حرف الجر فصار التقدير أموتها، ثم حذف الضمير فصارت أموت. ومثله فى الحذف من هذا الضرب بل هو أطول منه:
تروّحى يا خيرة الفسيل … تروحى أجدر أن تقيلى
أصله: ائتى مكانا أجدر بأن تقيلى فيه، فحذف الفعل الذى هو «ائتى» لدلالة
[ ١ / ٣١٩ ]
تروحى عليه، فصار مكانا أجدر بأن تقيلى فيه، ثم حذف الموصوف الذى هو مكانا فصار تقديره أجدر بأن تقيلى فيه، ثم حذف الباء أيضا تخفيفا فصار أجدر أن تقيلى فيه، ثم حذف حرف الجر فصار أجدر أن تقيليه، ثم حذف العائد المنصوب فصار أجدر أن تقيلى. ففيه إذا خمسة أعمال، وهى حذف الفعل الناصب، ثم حذف الموصوف، ثم حذف الباء، ثم حذف «فى»، ثم حذف الهاء، فتلك خمسة أعمال.
وهناك وجه سادس، وهو أن أصله ائتى مكانا أجدر بأن تقيلى فيه من غيره، كما تقول: مررت برجل أحسن من فلان، وأنت أكرم علىّ من غيرك. فإذا جاز فى الكلام توالى هذه الحذوف ولم يكن معيبا ولا مشينا ولا مستكرها كان حذف الهاء من قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ -والمراد به حكم يبغونه-ثم حذف الموصوف وعائده-أسوغ وأسهل وأسير. وأما قوله: «أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ» فيمن قرأه كذلك فأمره ظاهر فى إعرابه، غير أن «حكما» هنا ليس مقصودا به قصد حاكم بعينه، وإنما هو بمعنى الشّياع والجنس، أى أفحكام الجاهلية يبغون؟ وجاز للمضاف أن يقع جنسا كما جاء عنهم فى الحديث من قولهم: «منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت مصر إردبها، وله نظائر.
ثم يرجع المعنى من بعد إلى أن معناه معنى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾؛ لأنه ليس المراد والمبغىّ هنا نفس الحكام، فإنما المبغى نفس الحكم، فهو إذا على حذف المضاف أى أفحكم حكم الجاهلية يبغون؟ وهذا هو الأول فى المعنى، فاعرف ذلك.
***
﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (٥٢) ومن ذلك قراءة يحيى وإبراهيم: «فيرى الذين فى قلوبهم مرض». بالياء.
قال أبو الفتح: فاعل يرى مضمر دلت عليه الحال، أى فيرى رائيهم ومتأمّلهم.
والذين فى موضع نصب كقراءة الجماعة، وقد كثر إضمار الفاعل لدلالة الكلام عليه، كقولهم: إذا كان غدا فأتنى، أى إذا كان ما نحن عليه من البلاء فى غد فأتنى، وهو كثير. ودل عليه أيضا القراءة العامة، أى: فترى أنت يا محمد أو يا حاضر الحال الذين فى قلوبهم مرض يسارعون فى ولاء المشركين ونصرهم.
***
[ ١ / ٣٢٠ ]
﴿مَثُوبَةً﴾ (٦٠) ومن ذلك قراءة الحسن وابن هرمز وابن عمران ونبيج وابن بريدة: «مثوبة»، ساكنة الثاء.
قال أبو الفتح: هذا مما خرج على أصله، شاذا عن بابه وحال نظائره، ومثله مما يحكى عنهم من قولهم: الفكاهة مقودة إلى الأذى. وقياسهما مثابة ومقادة، كما جاء عنهم من منامة وهى القطيفة، ومزادة، ومثله مزيد وقياسه مزاد، إلا أن مزيدا علم، والأعلام قد يحتمل فيها ما يكره فى الأجناس نحو محبب ومكوزة ومريم ومدين ومعد يكرب ورجاء بن حيوة ومنه موظب ومورق اسم رجلين، ومثوبة مفعلة ومثوبة مفعلة، ونظيرها المبطخة والمبطخة والمشرفة والمشرفة. وأصل مثوبة مثوبة، فنقلت الضمة من الواو إلى الثاء، ومثلها معونة. وأما مئونة فمختلف فيها، فمذهب سيبويه أنها فعولة من منت الرجل أمونه، وأصلها موونة بلا همز، كما تقول فى فعول من القيام: قووم، ومن النوم: نووم، ثم تهمز الواو استحسانا للزوم الضمة لها، فتصير مئونة. وقال غيره:
هى مفعلة من الأون، وهو الثّقل من قول رؤبة:
سرّا وقد أوّن تأوين العقق
أى ثقلت أجوافهن فصار كأن هناك أونين، أى عدلين، فمئونة على هذا كمعونة، هذا من الأون، وهذا من المون. وأجاز الفرّاء أن تكون من الأين، وهو التعب من حيث كانت المئونة ثقلا على ملتزمها، فسلك الفراء فى هذا مذهب أبى الحسن فى قوله فى مفعلة من البيع: مبوعة، وحجته فى هذا ما سمع منهم فى قول الشاعر:
وكنت إذا جارى دعا لمضوفة … أشمّر حتى ينصف الساق مئزرى
[ ١ / ٣٢١ ]
وهى من الضيف. والكلام هنا يطول، وقد أشبعناه فى كتابنا المنصف.
*** ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ (٦٠) ومن ذلك ما يروى فى قول الله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾، وهو عشر قراءات:
«وعبد الطاغوت» على فعل ونصب الطاغوت. «وعبد الطاغوت»، بفتح العين، وضم الباء، وفتح الدال، وخفض الطاغوت؛ وهما فى السبعة.
ابن عباس، وابن مسعود، وإبراهيم النخعى، والأعمش، وأبان بن تغلب، وعلى بن صالح، وشيبان: «وعبد الطاغوت»، بضم العين والباء وفتح الدال وخفض الطاغوت.
وروى عكرمة عن ابن عباس: «وعبّد الطاغوت»، بضم العين وفتح الباء وتشديدها وفتح الدال وخفض الطاغوت.
وأبو واقد: «وعبّاد الطاغوت»، «وعباد الطاغوت» قراءة البصريّين.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وقال معاذ: قرأ بعضهم: «وعبد الطاغوت»، كقولك: ضرب زيد لم يسم فاعله.
وقرأ عون العقيلى وابن بريدة: «وعابد الطاغوت».
وقرأ أبى بن كعب: «وعبدوا الطاغوت» بواو.
وقرأ ابن مسعود فيما رواه عبد الغفار عن علقمة، عنه: «وعبد الطاغوت»، كصرد.
قال أبو الفتح: أما قوله: «وعبد الطاغوت» فماض معطوف على قوله سبحانه:
﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ﴾.
وأما «وعبد الطاغوت» فاسم على فعل. قال أبو الحسن: جاء به نحو حذر وفطن.
قال: وأمّا «وعبد» فجمع عبيد، وأنشد:
انسب العبد إلى آبائه … أسود الجلد ومن قوم عبد
هكذا قال أبو الحسن، وقد يجوز أن يكون عبد جمع عبد، كرهن ورهن، وسقف وسقف.
ومن جهة أحمد بن يحيى عبد جمع عابد، وهذا صحيح، كبازل وبزل، وشارف وشرف.
قال أبو الحسن: والمعنى-فيما يقال-خدم الطاغوت.
وأما عبّد الطاغوت فجمع عابد، ومثله عبّاد، كضارب وضرّب وضرّاب، وعليه
[ ١ / ٣٢٣ ]
القراءتان: «وعبّد الطاغوت» و«وعبّاد الطاغوت»، وعليه قراءة من قرأ: «وعباد الطاغوت»، عابد وعباد، كقائم وقيام، وصائم وصيام. وقد يجوز أن يكون عباد الطاغوت جمع عبد، وقلما يأتى عباد مضاف إلى غير الله. وقد أنشد سيبويه:
أتوعدنى بقومك يابن حجل … أشابات يخالون العبادا
يريد عبيدا لبنى آدم، ولا يجوز أن يكون فى المعنى عباد الله؛ لأن هذا ما لا يسب به أحد، والناس كلهم عباد الله تعالى. وأما قول الآخر:
لا والذى أنا عبد فى عبادته … لولا شماتة أعداء ذوى إحن
ما سرنى أنّ إبلى فى مباركها … وأن شيئا قضاه الله لم يكن
فيحتمل أن يكون جمع عبد، إلا أنه أنثه فصار كنكارة وحجارة وقصارة، جمع قصير.
ويجوز أن تكون العبادة هنا مصدرا، أى أنا عبد فى طاعته.
وأما «عبد الطاغوت» فظاهر، وعليه قراءة أبىّ: «وعبدوا الطاغوت»، بواو.
وأما «وعابد الطاغوت» فهو فى الإفراد كعبد الطاغوت، واحد فى معنى جماعة على ما مضى.
وعليه أيضا «وعبد الطاغوت» لأنه كحطم ولبد، كما أن عبدا كندس وحذر ووظيف عجر. ومن جهة أحمد بن يحيى «وعبد الطاغوت» أى: صار الطاغوت معبودا، كفقه الرجل، وظرف: صار فقيها وظريفا. ومن جهته أيضا: «وعبد الطاغوت»، وقال:
أراد عبدة فحذف الهاء، قال: ويقال: عبدة الطاغوت والأوثان، ويقال للمسلمين عبّاد.
***
﴿وَالصّابِئُونَ﴾ (٦٩) ومن ذلك قراءة الحسن والزهرى: «والصابيون»، يثبت الياء ولا يهمز.
[ ١ / ٣٢٤ ]
وقرأ «الصابون»، بغير همز ولا ياء أبو جعفر وشيبة، و«الخاطون»، و«متّكون».
قال أبو الفتح: أما «الصابيون» بياء غير مهموزة فعلى قياس قول أبى الحسن فى «يستهزئون»: يستهزيون بياء غير مهموزة، ويحمل ذلك فيها لتقدير الهمزة فى أصلها، فيكون ذلك فرقا بينها وبين ياء يستقضون. ألا ترى أن أصله يستقضيون، كما فرق أبو الحسن بقوله فى مثل عنكبوت من قرأت: قرأ يوت بضمة الياء-بينه وبين مثال عنكبوت من رميت رميووت، وقد مضى هذا فى موضعه.
وأما «الصابون» و«متّكون» فعلى إبدال الهمزة البتة، فصارت كالصابون من صبوت، وكمتجنّون من تجنّيت، والوجه أن يكون الصابيون بلا همز تخفيفا لا بدلا، وإن جعلته بدلا مراعى به أولية حاله كقرأيوت جاز أيضا.
ومن ذلك قراءة عثمان وأبى بن كعب وعائشة وسعيد بن جبير والجحدرى ﵃: «والصابيين»، بياء.
قال أبو الفتح: الخطب فى هذا أيسر من الصابيون بالرفع؛ لأن النصب على ظاهره، وإنما الرفع يحتاج أن يقال: إنه مقدم فى اللفظ مؤخر فى المعنى على ما يقال فى هذا، حتى كأنه قال: لا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون كذلك.
***
﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ (٧١) ومن ذلك قراءة يحيى والنخعى: «ثم عموا وصمّوا»، بضم العين والصاد.
قال أبو الفتح: يجب أن يكون هذا على تقدير فعل، كقولهم: زكم وأزكمه الله، وحمّ وأحمّه الله، فكذلك هذا أيضا، جاء على عمى وصمّ، وأعماه الله وأصمه الله.
ولا يقال: عميته ولا صممته، كما لا يقال: زكمه الله ولا حمّه، فاعرف ذلك.
***
[ ١ / ٣٢٥ ]
﴿مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (٨٩) ومن ذلك قراءة جعفر بن محمد: «من أوسط ما تطعمون أهاليكم».
قال أبو الفتح: يقال أهل وأهلة، قال:
وأهلة ود قد تبريت ودهم … وأبليتهم فى الحمد جهدى ونائلى
فأما أهال فكقولهم: ليال، كأن واحدها أهلاة وليلاة، وقد مر بنا تصديقا لقول سيبويه: فإن واحده فى التقدير ليلاة-ما أنشده ابن الأعرابى من قوله:
فى كل يوم ما وكل ليلاه … حتى يقول من رآه إذ رآه
يا ويحه من جمل ما أشقاه
ومن ذهب إلى أن أهال جمع أهلون فقد أساء المذهب؛ لأن هذا الجمع لم يأت فيه تكسير قط. قال الشنفرى:
ولى دونكم أهلون: سيد عملّس … وأرقط زهلول وعرفاء جيئل
ونحو من ذلك أرض وأراض، القول فيهما واحد، ويقال: أرض وأرضون وأرضون، بفتح الراء وتسكينها أيضا. قال كعب بن معدان الأشقرى:
لقد ضجت الأرضون إذ قام من بنى … هداد خطيب فوق أعواد منبر
وحكى أبو زيد فيها: أرض، وقيل: آراض. وأسكن الياء من أهاليكم فى موضع النصب تشبيها لها بالألف، وقد سبق مثل ذلك.
*** ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ (٨٩) ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير ومحمد بن السميفع: «أو كإسوتهم»، من الإسوة.
قال أبو الفتح: كأنه-والله أعلم-قال: أو كما يكفى مثلهم، فهو على حذف المضاف، أو ككفاية إسوتهم، وإن شئت جعلت الإسوة هى الكفاية ولم تحتج إلى حذف المضاف.
***
[ ١ / ٣٢٦ ]
﴿فَجَزاءٌ﴾ (٩٥) ومن ذلك قراءة أبى عبد الرحمن: «فجزاء»، رفع منون، «مثل»، بالنصب.
قال أبو الفتح: «مثل» منصوبة بنفس الجزاء، أى فعليه أن يجزى مثل ما قتل، «فمثل» إذا فى صلة الجزاء، والجزاء مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، أى فعليه جزاء مثل ما قتل، أو فالواجب عليه جزاء مثل ما قتل، فلما نون المصدر أعمله كقوله:
بضرب بالسيوف رءوس قوم … أزلنا هامهن عن المقيل
*** ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٩٥) ومن ذلك قراءة محمد بن على وجعفر بن محمد: «يحكم به ذو عدل منكم».
قال أبو الفتح: لم يوحّد ذو لأن الواحد يكفى فى الحكم، لكنه أراد معنى من، أى يحكم به من يعدل، ومن تكون للاثنين كما تكون للواحد، نحو قوله:
نكن مثل من يا ذئب يصطحبان.
***
﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٩٦) ومن ذلك قراءة ابن عباس: «وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرما».
[ ١ / ٣٢٧ ]
قال أبو الفتح: معنى «حرما» راجع إلى معنى قراءة الجماعة ﴿حُرُمًا﴾، وذلك أن الحرم: جمع حرام، والحرم: المحرّم، فهو فى المعنى مفعول، فجعلهم حرما، أى هم فى امتناعهم مما يمتنع منه المحرم وامتناع ذلك أيضا منهم كالحرم، فالمعنيان إذا واحد من حيث أرينا.
***
﴿قَدْ سَأَلَها﴾ (١٠٢) ومن ذلك قراءة إبراهيم: «قد سالها»، بكسر السين.
قال أبو الفتح: يعنى ويريد الإمالة؛ لأن الألف لا يكون ما قبلها أبدا إلا مفتوحا، ووجه الإمالة أنه على لغة من قال: سلت تسال، فهى فى هذه اللغة كخفت تخاف، فالإمالة إذا إنما جاءت لانكسار ما قبل اللام سلت، كمجيئها فى خاف لمجئ الكسرة فى خاء خفت. ويدلّك على أن هذه اللغة من الواو لا من الهمزة ما حدثنا به أبو علي من قوله: هما يتساولان، وهذه دلالة على ما ذكرنا قاطعة.
***
﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ (١٠٥) ومن ذلك قراءة الحسن: «لا يضركم»، وقراءة إبراهيم: «لا يضركم».
قال أبو الفتح: فيها أربع لغات: ضاره يضيره، وضاره يضوره، وضرّه يضرّه، وضرّه يضرّه، بكسر الضاد وتشديد الراء، وهى غريبة أعنى يفعل فى المضاعف متعدية، وقد ذكرناها وقراءة من قرأ: «لن يضرّوا الله شيئا»، وجزم يضركم ويضركم لأنه جعل جواب الأمر أعنى قوله: «عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ». ويجوز أن تكون لا هنا نهيا كقولك: لا تقم إذا قام غيرك، والأول أجود.
***
[ ١ / ٣٢٨ ]
﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ (١٠٦) ومن ذلك قراءة الأعرج والشّعبى والحسن والأشهب: «شهادة بينكم»، رفع.
وعن الأعرج، بخلاف: «شهادة بينكم»، نصب.
قال أبو الفتح: أما الرفع بالتنوين فعلى سمت قراءة العامة «شهادة بينكم» بالإضافة، فحذف التنوين فانجرّ الاسم.
«وأما شهادة بينكم» بالنصب والتنوين فنصبها على فعل مضمر، أى ليقم شهادة بينكم اثنان ذوا عدل منكم، كما أن من رفع فنوّن أو لم ينوّن فهو على نحو من هذا، أى مقيم شهادة بينكم أو شهادة بينكم اثنان ذوا عدل منكم، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
وإن شئت كان المضاف محذوفا من آخر الكلام أى شهادة بينكم شهادة اثنين ذوى عدل منكم، أى ينبغى أن تكون الشهادة المعتمدة هكذا.
*** ﴿شَهادَةَ اللهِ﴾ (١٠٦) ومن ذلك قراءة على كرم الله وجهه والشّعبى بخلاف ونعيم بن ميسرة «شهادة آلله».
وروى عن الشعبى: «شهادة ألله»، مقصور وينوّن شهادة.
وروى عنه أيضا: «شهاده آلله»، مجزومة الهاء ممدودة الألف.
وروى عنه «شهاده ألله»، بجزم شهادة وقصر الله، فهذه أربعة أوجه رويت عن
[ ١ / ٣٢٩ ]
الشّعبى، وتابعه على «شهادة ألله» السّلمى ويحيى وإبراهيم وسعيد بن جبير ويحيى بن يعمر والحسن والكلبى.
قال أبو الفتح: أما «شهادة» فهى أعم من قراءة الجماعة: «شهادة الله» بالإضافة، غير أنها بالإضافة أفخم وأشرف وأحرى بترك كتمانها لإضافتها إلى الله سبحانه، وأما ألله مقصورة بالجر فحكاها سيبويه: أن منهم من يحذف حرف القسم ولا يعوض منه همزة الاستفهام، فيقول: ألله لقد كان كذا، قال: وذلك لكثرة الاستعمال.
وأما «آلله» بالمد فعلى أن همزة الاستفهام صارت عوضا من حرف القسم، ألا تراك لا تجمع بينهما فتقول: أو الله لأفعلن؟.
وأما سكون هاء «شهادة»، فللوقف عليها ثم استؤنف القسم، وهو وجه حسن؛ وذلك ليستأنف القسم فى أول الكلام فيكون أوقر له وأشدّ هيبة من أن يدرج فى عرض القول؛ وذلك أن القسم ضرب من الخبر يذكر ليؤكّد به خبر آخر فلما كان موضع توكيد مكّن من صدر الكلام، وأعطى صورة الإعلاء والإعظام.
ويزيد فى وضوح هذا المعنى وبيانه أنه لما نون شهادة فأدرج وقّر الهمزة عن حذفها كما يجب فيها من حيث كانت همزة وصل، فأقرها مقطوعة كما تقطع مبتدأة، فقد جمع فى هذه القراءة بين حالى الوصل والوقف.
أما الوصل فلتنوين شهادة، وأما الوقف فلإثباته همزة الوصل التى إنما تقطع إذا وقف على ما قبلها ثم استؤنفت، والعناية بقطعها واستئنافها ما قدمت ذكره لك من تمكن حال القسم بتوفية اللفظ جميع وجوهها، وقطع ليكون فى حال إدراجها فى لفظ المبدوء بها لا الآتية مأتى النّيّف الذى لم يوفّ من صدر الكلام ما يجب لها، فافهمه.
ويؤكد عندك شدة الاهتمام بهذا القسم لما فيه-مجيئه وحرف الاستفهام قبله، فكأنه-والله أعلم-قال: أنقسم بالله إنّا إذا لمن الظالمين، ففى هذا تهيب منهم للموضع، وتكعكع عن القسم عليه باستحقاق الظلم عنه، كأنه يريد القسم بالله عليه كما أقسم فى الأخرى بلا استفهام، ثم إنه هاب ذلك فأخذ يشاور فى ذلك كالقائل:
أؤقدم على هذه اليمين يا فلان أم أتوقف عنها إعظاما لها ولارتكاب ما أقسم عليه بها؟.
***
[ ١ / ٣٣٠ ]