﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿جَنَّةُ الْمَأْوى﴾ (١٥)
قرأ: «جنّه المأوى» (^١)، بالهاء-علىّ ﵇، وابن الزبير-بخلاف-وأبو هريرة وأنس-بخلاف-وأبو الدرداء وزرّ بن حبيش وقتادة ومحمد بن كعب.
قال أبو الفتح: يقال: جنّ عليه الليل، وأجنّه الليل، وقالوا أيضا: جنّه، بغير همز، ولا حرف جر.
وروينا عن قطرب، قال: سأل ابن عباس أبا العالية: كيف تقرءونها يا أبا العالية؟ فقال: «عندها جنّة المأوى»، فقال: صدقت، هى مثل الأخرى: ﴿جَنّاتُ الْمَأْوى﴾ (^٢) فقالت عائشة-رحمة الله عليها-: من قرأ: «جنّة المأوى» يريد جن عليه، فأجنّه الله.
قال قطرب أيضا: وقد حكى عن علىّ﵇أنه قرأ «جنّه»، يعنى فعله.
قال أبو حاتم: روى عن ابن عباس وعائشة وابن الزبير قالوا: من قرأها: «جنّه المأوى» فأجنّه الله، قال: وقال سعد بن مالك: وقيل إن فلانا يقرأ: «جنّه المأوى»، فقال ما له أجنّه الله؟ وروى أيضا أبو حاتم عن عبد الله بن قيس قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقرؤها: «جنّه المأوى»، بالهاء البينة، قال: يعنى فعله المأوى، والمأوى هو الفاعل، فقد ترى إلى اختلاف هذا الحديث. والذى عليه اللغة أن جنّه الليل: أدركه الليل، وجنّ عليه الليل، وأجنه: ألبسه سواده. جنّ عليه الليل جنونا وجنانا، وأجنّه إجنانا. قال (^٣):
ولولا جنون اللّيل أدرك ركضنا … بذى الرّمث والارطى عياض بن ناشب (^٤)
_________________
(١) انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٧، الرازى ٢٩٢/ ٢٨، مجمع البيان ١٧٤/ ٩، النحاس ٢٦٧/ ٣، البحر المحيط ١٥٩/ ٨، العكبرى ١٣٢/ ٢).
(٢) سورة السجدة الآية (١٩).
(٣) أى: دريد بن الصمة.
(٤) انظر: (ديوانه ٢٩).
[ ٢ / ٣٤٣ ]
والمعنى الجامع لتصريف «ج ن ن» أين وقعت إنما هو الاستخفاء والستر، منه الجن، والجنة، والجان، والجنّان، لاستتار الجن، ومنه المجنّ-للترس-لستره، ومنه الجنين لاستتاره فى الرحم، ومنه الجنّة؛ لأنها لا تكون جنّة حتى يكون فيها الشجر، وذلك ستر لها، والجنان: روح القلب لاستتار ذلك، والجنن: القبر، وعليه بقية الباب.
***
﴿اللاّتَ﴾ (١٩)
ومن ذلك قراءة ابن عباس ومنصور بن المعتمر وطلحة: «اللاّتّ» (^١).
قال أبو الفتح: روينا عن قطرب: كان رجل بسوق العكاظ يلتّ السّويق والسمن عند صخرة، فإذا باع السويق والسمن صب على الصخرة، ثم يلت. فلما مات ذلك الرجل عبدت ثقيف تلك الصخرة، إعظاما لذلك الرجل صاحب السّويق. قال أبو حاتم: كان رجل يلت لهم السويق، فإذا شرب منه أحد سمن، فعبدوا ذلك الرجل. وحكى أبو الحسن فيها: «أفرأيتم اللاّت»، بكسر التاء. وذهب إلى أنها بدل من لام الفعل، بمنزلة التاء فى كيت وذيت، وأن الألف قبلها عين الفعل، بمنزلة ألف شاة وذات مال.
***
﴿الَّذِي وَفّى﴾ (٣٧)
ومن ذلك قراءة النبى ﷺ: «الّذى وفى»، خفيفة (^٢). واختلف عنه، وهى قراءة أبى أمامة وسعيد بن جبير وابن السّميفع وأبى مالك.
قال أبو الفتح: هذا على تسمية المسبب باسم سببه. ألا ترى أن معناه الذى وعد ذلك، فوفى بحاضره وسيفى بغائبه يوم القيامة؟ وذلك منهم لصدق الوعد، أى: إذا قال فقد فعل، أو قد وقع ما يقوله. وهذا كقولهم: وعد الكريم نقد، ونقد اللئيم وعد.
_________________
(١) وقراءة مجاهد، وإبراهيم، وابن كثير (فى رواية)، وأبى صالح، وابن الزبير، وأبى الجوزاء، ورويس، ويعقوب، وحميد. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٧، الأخفش ١٣١٢/ ٢،٣٧٩، الفراء ٩٨/ ٣، الإتحاف ٤٠٢، القرطبى ١٠٠/ ١٧، البحر المحيط ١٦٠/ ٨ العكبرى ١٣٣/ ٢، مجمع البيان ١٧٤/ ٩، لسان العرب «لتت»).
(٢) وقراءة زيد بن على، وابن محيصن، وقتادة. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٧، القرطبى ١١٣/ ١٧، الإتحاف ١٠٣، الكشاف ٣٣/ ٤، الإتحاف ٤٠٣ الآلوسى ٦٦/ ٢٨).
[ ٢ / ٣٤٤ ]
وأخذه بعض المولّدين فقال فى صفة باز أو شاهين:
مبارك إذا رأى فقد رزق
وما أوسعه! وأصله لامرئ القيس فى وصف الفرس:
إذا ما غدونا قال ولدان أهلنا … تعالوا إلى أن يأتى الصّيد نحطب (^١)
***
﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ (٥٨)
ومن ذلك قراءة طلحة: «ليس لها ممّا يدعون من دون الله كاشفة وهى على الظالمين ساءت الغاشية» (^٢).
قال أبو الفتح: هذه القراءة تدل على أن المراد بقراءة الجماعة: ﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ -حذف مضاف بعد مضاف. ألا ترى أن تقديره: ليس لها من جزاء عبادة معبود دون الله كاشفة؟ فالعبادة على هذا مصدر مضاف إلى المفعول، كقوله: ﴿بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ،﴾ و﴿لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ،﴾ ثم حذف المضاف الأول، فصار تقديره: ليس لها من عبادة معبود دون الله كاشفة، ثم حذف المضاف الثانى الذى هو «عبادة»، فصار تقديره: ليس لها من معبود دون الله كاشفة، ثم حذف المضاف الثالث، فصار إلى قوله: ﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾.
وهذا على تقديرك «دون الله» اسما هنا، لا ظرفا؛ لأن الإضافة إليه تسلبه معنى الظرفية التى فيه، كقولهم:
يا سارق الليلة أهل الدار (^٣) …
وتلك عادة سيبويه إذا أراد تجريد الظرف من معنى الظرفية، فإنه يمثّله بالإضافة إليه، وذلك مما ينافى تقدير حرف معه؛ لأن حرف الجر يسقط، فلا يعترض بين المضاف والمضاف إليه.
ولا تستنكر كثرة المضافات المحذوفة هناك، فإن المعنى إذا دلّ على شئ وقبله القياس أمضى على ذلك ولم يستوحش منه، ألا ترى إلى قول الله سبحانه: ﴿فَقَبَضْتُ﴾
_________________
(١) لم نعثر عليه فى ديوانه.
(٢) انظر: (الكشاف ٣٥/ ٤).
(٣) انظر: (الكتاب ١٧٥/ ١،١٩٣، خزانة الأدب ٤٨٥/ ١، أمالى ابن الشجرى ٢٥٠/ ٢).
[ ٢ / ٣٤٥ ]
﴿قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ (^١)؟ ألا تراه أن معناه: من تراب أرض أثر وطء حافر فرس الرسول، أى من تراب الأرض الحاملة لأثر وطء فرس الرسول. المعنى على هذا؛ لأنه فى تصحيحه من تقرّيه لاستيفاء معانيه، وإذا دل الدليل كان التعجب من حيلة العاجز الذليل.
وقوله: «وهى على الظالمين ساءت الغاشية» -هذا جار مجرى قولهم: زيد بئس الرجل؛ لأن ساء بمعنى بئس، و«الغاشية» هنا جنس، والعائد منها إلى «هى» ضمير يتجرد ويماز من معنى الجماعة، كقولهم: زيد قام بنو محمد، إذا كان محمد أباهم، فكأنه قال: زيد قام فى جملة القوم، كما أن قولك: زيد نعم الرجل العائد عليه فى المعنى ذكر يخصه من جماعة الرجال.
***
_________________
(١) سورة طه الآية (٩٦).
[ ٢ / ٣٤٦ ]