﴿الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ﴾ (١) من ذلك قراءة أبى عبد الرحمن عبد الله بن يزيد: «الذى تساءلون به والأرحام»، رفعا، قراءة ثالثة.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون رفعه على الابتداء وخبره محذوف، أى: والأرحام مما يجب أن تتقوه وأن تحتاطوا لأنفسكم فيه، وحسن رفعه لأنه أوكد فى معناه. ألا ترى أنك إذا قلت: ضربت زيدا فزيد فضلة على الجملة، وإنما ذكر فيها مرة واحدة؟. وإذا قلت: زيد ضربته فزيد ربّ الجملة، فلا يمكن حذفه كما حذف المفعول على أنه نيّف وفضلة بعد استقلال الجملة، نعم ولزيد فيها ذكران.
أحدهما: اسمه الظاهر، والآخر: ضميره وهو الهاء. ولما كانت الأرحام فيما يعنى به ويقوّى الأمر فى مراعاته-جاءت بلفظ المبتدأ الذى هو أقوى من المفعول.
وإذا نصبت الأرحام أو جرّت فهى فضلة، والفضلة متعرضة للحذف والبذلة.
فإن قلت: فقد حذف خبر الأرحام أيضا على قولك، قيل: أجل، ولكنه لم يحذف إلا بعد العلم به، ولو قد حذفت الأرحام منصوبة أو مجرورة فقلت: «وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ» لم يكن فى الكلام دليل على الأرحام أنها مرادة أو مقدرة، وكلما قويت الدلالة على المحذوف كان حذفه أسوغ، ونحو من رفع الأرحام هنا بعد النصب والجر قول الفرزدق:
يأيها المشتكى عكلا وما جرمت … إلى القبائل من قتل وإبآس
إنا كذلك إذ كانت همرّجة … نسبى ونقتل حتى يسلم الناس
[ ١ / ٢٧٨ ]
أى من قتل وإباس أيضا كذلك، فقوّى لفظه بالرفع لأنه أذهب فى شكواه إياه، وعليه أيضا قوله:
إلا مسحتا أو مجلّف …
فيمن قال: أراد أو مجلّف كذاك.
ومن حمله على المعنى فرفعه وقال: إذا لم يدع إلا مسحتا فقد بقى المسحت وبقى أيضا المجلّف-سلك فيه غير الأول.
***
﴿أَلاّ تُقْسِطُوا﴾ (٣) ومن ذلك ما رواه المفضّل عن الأعمش عن يحيى وإبراهيم وأصحابه: «ألاّ تقسطوا»، بفتح التاء.
قال ابن مجاهد: ولا أصل له.
قال أبو الفتح: هذا الذى أنكره ابن مجاهد مستقيم غير منكر؛ وذلك على زيادة «لا»، حتى كأنه قال: إن خفتم أن تقسطوا فى اليتامى، أى تجوروا. يقال: قسط: إذا جار، وأقسط: إذا عدل. قال الله جل وعلا: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾. وزيادة «لا» قد شاعت عنهم واتسعت، منه قوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾، وقوله: ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ فيمن ذهب إلى
[ ١ / ٢٧٩ ]
زيادة «لا»، وقال: معناه: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون. وعليه قول الراجز:
وما ألوم البيض ألاّ تسخرا … إذا رأين الشّمط القفندرا
أى أن تسخر، والأمر فيه أوسع، فبهذا يعلم صحة هذه القراءة.
*** ﴿وَرُباعَ﴾ ومن ذلك ما رواه الأعمش عن يحيى بن وثّاب، والمغيرة عن إبراهيم قراءتهما «وربع»، مرتفعة الراء؛ منتصبة العين بغير ألف.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون محذوفا من «رباع» تخفيفا، كما روينا عن قطرب:
ألا لا بارك الله فى سهيل … إذا ما الله بارك فى الرجال
فحذف ألف «الله»، وقال الآخر:
مثل النّقا لبّده ضرب الطّلل …
يريد الطّلال جمع طلّ، كما قال القحيف العقيلى:
ديار الحى تضربها الطّلال … بها أهل من الخافى ومال
ويقوى أنه أراد «رباع» ثم حذف الألف ترك صرفه كما كان قبل الحذف غير مصروف.
وأما ربع فلا نعلم إلا ولد الناقة فى أيام الربيع، وذلك مصروف فى المعرفة والنكرة، وهذا واضح.
[ ١ / ٢٨٠ ]
ومما حذفت ألفه تخفيفا أيضا قولهم: أم والله لأفعلن كذا، يريد أما.
وكذلك قراءة من قرأ: «هأنتم»، فى وزن أعنتم، الألف محذوفة من «ها». وأما قول الآخر:
وأتى صواحبها فقلن هذا الّذى … منح المودّة غيرنا وقلانا
فإنه لا يريد هذا الذى، بل يريد أذا الذى، ثم أبدل همزة الاستفهام هاء، كقولهم:
هرقت فى أرقت، وهرحت الدابة فى أرحتها، وهردت ذلك فى أردت، وهن فعلت فى إن فعلت. وقد يجوز مع هذا أن يكون أراد هذا الذى مخبرا، ثم حذف الألف على ما مضى.
***
﴿قِيامًا﴾ (٥) ومن ذلك ما ذكره ابن مجاهد فى «قياما» وقيما» -وهما فى السبعة- قواما، وقيل: «قواما». واللغة بكسر القاف. قرأ «قواما»، بالواو وفتح القاف ابن عمر. انتهى كلام ابن مجاهد ولم يذكر «قواما» عن أحد، لكنه أثبته.
قال أبو الفتح: يقال هذا قوام الأمر أى ملاكه، ويقال: قاومته قواما كقولك: عاودته عوادا كما قال:
[ ١ / ٢٨١ ]
وإن شئتم تعاودنا عوادا
وأما «القوام» فمصدر جارية حسنة القوام، فهو كالشّطاط، فقد يجوز مع هذا أن يراد بقوام ما أراده من قرأ «قياما» فيخرجه على الصحة، كما قال العجاج:
يخلطن بالتأنّس النّوارا … زهوك بالصّريمة الصّوارا
وقياسه النّيار لأنه مصدر فعل معتل العين، وهو نارينور: أى نفر. قال:
أنورا سرع ماذا يا فروق … وحبل الوصل منتكث حذيق
وقد ذكرت هذا الموضع فى كتابى المنصف.
***
﴿يُورَثُ كَلالَةً﴾ (١٢) ومن ذلك قراءة الحسن: «يورث كلالة»، ويورث أيضا كالمقروء به فى السبعة.
وقرأ عيسى بن عمر الثقفى: «يورّث كلالة».
قال أبو الفتح: يورث ويورّث كلاهما منقول من ورث، فهذا من أورث، وهذا من ورث. فورث وأورثته كوغر صدره وأوغرته، وورث وورّثته كورم وورّمته. قال الأعشى:
[ ١ / ٢٨٢ ]
مورّثة مالا وفى المجد رفعة … لما ضاع فيها من قروء نسائكا
وفى كلتا القراءتين هناك المفعولان محذوفان، كأنه قال يورث وارثه ماله أو يورّث وارثه ماله. وقد جاء حذف المفعولين جميعا، قال الكميت:
بأىّ كتاب أم بأية سنة … ترى حبهم عارا علىّ وتحسب
فلم يعدّ تحسب. و«كلالة» على نصبها فى جميع القراءات.
***
﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً﴾ (١٣) ومن ذلك قراءة الحسن: «غير مضار وصية»، مضاف. قال أبو الفتح: أى غير مضار من جهة الوصية، أو عند الوصية، كما قال طرفة:
بضّة المتجرّد …
أى بضة عند تجردها، وهو كقولك: فلان شجاع حرب وكريم مسألة، أى: شجاع عند الحرب وكريم عند المسألة، وعليه قولهم مدره حرب أى: مدره عند الحرب، فهو راجع إلى معنى قولهم:
يا سارق الليلة أهل الدار …
***
[ ١ / ٢٨٣ ]
﴿بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١٩) ومن ذلك قراءة ابن عباس: «فاحشة مبينة»، مكسورة الباء ساكنة الياء، وقال:
بيّنة.
قال أبو الفتح: يقال بان الشئ وأبنته، وأبان وأبنته، واستبان واستبنته، وتبين وتبينته.
ومن أبيات الكتاب:
سلّ الهموم بكل معطى رأسه … ناج مخالط صهبة متعيّس
مغتال أحبله مبين عنقه … فى منكب زبن المطىّ عرندس
وقرأت على أبى على فى نوادر أبى زيد:
يبينهم ذو اللب حتى تراهم … بسيماهم بيضا لحاهم وأصلعا
ومن كلامهم: قد بيّن الصبح لذى عينين، وقال:
تبين لى أن القماءة ذلة … وأن أشدّاء الرجال طيالها
[ ١ / ٢٨٤ ]
وأنشدنا أبو على:
فلما تبين غبّ أمرى وأمره … وولّت بأعجاز الأمور صدور
وهو كثير.
***
﴿وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ (٢٠) ومن ذلك قراءة ابن محيصن: «وآتيتم احداهنّ قنطارا»، وصل ألف إحداهن.
قال أبو الفتح: قد تقدم نحو هذا فيمن قرأ: «فلا اثم عليه»، يريد: فلا إثم عليه بشواهده، وهذا حذف صريح، واعتباط مريح، نحو قوله:
وتسمع من تحت العجاج لها ازملا …
وقد مضى.
***
﴿اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (٢٣) ومن ذلك قراءة ابن هرمز: «الّتى أرضعنكم»، بلفظ الواحد.
قال أبو الفتح: ينبغى أن تكون التى هنا جنسا فيعود الضمير عليه على معناه دون لفظه:
كما قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾، ثم قال: ﴿أُولئِكَ﴾
[ ١ / ٢٨٥ ]
﴿هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، فهذا على مذهب الجنسية، كقولك: الرجل أفضل من المرأة، وهو أمثل من أن يعتقد فيه حذف النون من «الذى» كما حذفت من «اللذا» فى قوله:
إنّ عمّىّ اللّذا …
ألا ترى أن قوله: «التى أرضعنكم» لا يجوز أن يعتقد فيه حذف النون؛ لأنه لا يقال:
اللّتين، والقول الآخر وجه، إلا أن هذا أقوى لهذه القراءة، وعليه قول الأشهب بن رميلة:
وإنّ الذى حانت بفلج دماؤهم … هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد
يحتمل المذهبين حذف النون من الّذين، واعتقاد مذهب الجنسية على ما مضى.
***
﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ (٢٤) ومن ذلك قراءة محمد بن السميفع: «كتب الله عليكم»، مفتوحة الكاف، وليس بعد التاء ألف، والباء نصب.
قال أبو الفتح: فى هذه القراءة دليل على أن قوله: «عليكم» من قوله: ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾، فى قراءة الجماعة معلّقة بنفس كتاب، كما تعلّقت فى «كتب الله عليكم» بنفس كتب، وأنه ليس «عليكم» «من كتاب الله عليكم» اسما سمى به الفعل،
[ ١ / ٢٨٦ ]
كقولهم: عليك زيدا إذا أردت خذ زيدا؛ وذلك أن عليك ودونك وعندك إذا جعلن أسماء للفعل لسن منصوبات المواضع، ولا هن متعلقات بالفعل مظهرا ولا مضمرا، ولا الفتحة فى نحو دونك زيدا فتحة إعراب كفتحة الظرف فى نحو قولك: جلست دونك، بل هى فتحة بناء؛ لأن الاسم الذى هو عندك زيدا بمنزلة صه ومه لا إعراب فيه، كما لا إعراب فى صه ومه وحيهل، غير أنه بنى على الحركة التى كانت له فى حال الظرفية، كما أن فتحة لام رجل من قولك: لا رجل فى الدار، وهى الحركة التى تحدثها «لا» إعرابا فى المضاف والممطول، نحو لا غلام رجل عندك ولا خيرا منك فيها، وكذلك قول الله تعالى: ﴿مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ﴾، الفتحة فى نون مكانكم فتحة بناء؛ لأنه اسم لقولك: اثبتوا، وليست كفتحة النون من قولك: الزموا مكانكم، هذه إعراب، وتلك فى الآية بناء. وهذا موضع فيه لطف فتفهمه.
ولما دخل شيخنا أبو على ﵀ الموصل سنة إحدى وأربعين-قال لنا: لو عرفت فى هذا البلد من يعرف الكلام على قولك: دونك زيدا-لغدوت إلى بابه ورحت.
وكذلك قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ﴾ عليكم و﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾، «عليكم» فى الموضعين جميعا منصوبة الموضع بنفس كتب وكتاب، ولو قلت: عليكم كتاب الله لما كان لقولك عليكم موضع من الإعراب أصلا، ولا كانت متعلقة بشئ ظاهر ولا محذوف ولا مضمر على ما تقدم، فاعرفه.
***
﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ (٣٠) ومن ذلك قراءة إبراهيم والأعمش وحميد: «فسوف نصليه نارا»، بفتح النون، وسكون الصاد.
قال أبو الفتح: يروى فى الحديث أنه أتى بشاة مصليّة، أى مشويّة. يقال: صلاه يصليه: إذا شواه، ويكون منقولا من صلى نارا وصليته نارا، كقولك: كسى ثوبا وكسوته ثوبا. ومثله-إلا أنه قبل النقل غير متعد-شتر وشترته، وغارت عينه وغرتها.
[ ١ / ٢٨٧ ]
وعليه قوله:
وصاليات ككما يؤثفين …
فهذا من صلى.
فأما قراءة العامة: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾، بضم النون فهو منقول من صلى أيضا، إلا أنه نقل بالهمزة لا بالمثال، كقولك: طعم خبزا وأطعمته خبزا، وعلم الخبر وأعلمته إياه، أى: عرف وعرّفته.
والصّلى: النار منه، وهو من الياء، لقولهم: صليته نارا.
وليست الصلاة من الياء لقولهم فى جمعها: صلوات. قال لنا أبو على سنة سبع وأربعين: الصلاة من الصّلوين، قال: وذلك لأن أول ما يشاهد من أحوال الصلاة إنما هو تحريك الصّلوين للركوع، فأما القيام فلا يخص الصلاة دون غيرها، وهو حسن.
***
﴿فَالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ (٣٤) ومن ذلك قراءة طلحة: «فالصّوالح قوانت حوافظ للغيب».
قال أبو الفتح: التكسير هنا أشبه لفظا بالمعنى، وذلك أنه إنما يراد هنا معنى الكثرة، لا صالحات من الثلاث إلى العشر، ولفظ الكثرة أشبه بمعنى الكثرة من لفظ القلة بمعنى الكثرة والألف والتاء موضوعتان للقلة، فهما على حد التثنية بمنزلة الزيدون من الواحد إذا كان على حد الزيدان. هذا موجب اللغة على أوضاعها، غير أنه قد جاء لفظ الصحة والمعنى الكثرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾ إلى قوله تعالى:
[ ١ / ٢٨٨ ]
﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذّاكِراتِ﴾، والغرض فى جميعه الكثرة، لا ما هو لما بين الثلاثة إلى العشرة.
وكان أبو على ينكر الحكاية المروية عن النابغة وقد عرض عليه حسان شعره، وأنه لما صار إلى قوله:
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحا … وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
قال له النابغة: لقد قللت جفانك وسيوفك.
قال أبو على: هذا خبر مجهول لا أصل له؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾، ولا يجوز أن تكون الغرف كلها التى فى الجنة من الثلاث إلى العشر.
وعذر ذلك أنه قد كثر عنهم وقوع الواحد على معنى الجميع جنسا؛ كقولنا: أهلك الناس الدينار والدرهم، وذهب الناس بالشاة والبعير. فلما كثر ذلك جاءوا فى موضعه بلفظ الجمع الذى هو أدنى إلى الواحد أيضا، أعنى الجمع بالواو والنون والألف والتاء، نعم وعلم أيضا أنه إذا جئ فى هذا الموضع بلفظ جمع الكثرة-لا يتدارك معنى الجنسية، فلهوا عنه، وأقاموا على لفظ الواحد تارة ولفظ الجمع المقارب للواحد تارة أخرى؛ إراحة لأنفسهم من طلب ما لا يدرك، ويأسا منه، وتوقفا دونه. فيكون هذا كقوله:
رأى الأمر يفضى إلى آخر … فصيّر آخره أولا
ومثل الجمع بالواو والنون والألف والتاء مجيئهم فى هذا الموضع بتكسير القلة، كقوله تعالى: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾.
وقول حسان:
[ ١ / ٢٨٩ ]
وأسيافنا يقطرن من نجدة دما …
ولم يقل: عيونهم ولا سيوفنا. وقد ذكرنا هذا ونحوه فى كتابنا الخصائص.
***
﴿بِما حَفِظَ اللهُ﴾ (٣٤) ومن ذلك قراءة يزيد بن القعقاع: «بما حفظ الله»، بالنصب، فى اسم الله تعالى.
قال أبو الفتح: هو على حذف المضاف، أى بما حفظ دين الله وشريعة الله، وعهود الله، ومثله: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ﴾، أى دين الله وعهود الله وأولياء الله، وحذف المضاف فى القرآن والشعر وفصيح الكلام فى عدد الرمل سعة، وأستغفر الله.
وربما حذفت العرب المضاف بعد المضاف مكررا؛ أنسا بالحال ودلالة على موضوع الكلام، كقوله ﷿: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾، أى: من أثر حافر فرس الرسول. وقد ذكرنا فى كتابنا ذلك هذا وغيره من كتبنا وكلامنا.
***
﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى﴾ (٤٣) ومن ذلك قراءة الأعمش: «لا تقربوا الصلاة وأنتم سكرى»، مضمومة السين، ساكنة الكاف من غير ألف.
وقراءة إبراهيم: «وأنتم سكرى».
وفى قراءته أيضا: «ترى الناس سكرى وما هم بسكرى».
[ ١ / ٢٩٠ ]
قال أبو الفتح: أخبرنا أبو الحسن على بن محمد بن وكيع، عن الدمشقى، عن ابن قطرب، عن قطرب، فى كتابه الكبير، أن قراءة أبى زرعة الشامى: «وترى الناس سكرى وما هم بسكرى».
وسألت أبا على عن «سكرى»، فردد القول فيها، ثم استقر الأمر فيها بيننا على أنها صفة من هذا اللفظ والمعنى، بمنزلة حبلى مفردة كما ترى.
فأما «سكرى»، بفتح السين فيمن قرأ كذلك فيحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون جمع سكران؛ إلا أنه كسّر على فعلى؛ إذ كان السكر علة تلحق العقل، فجرى ذلك مجرى قوله:
فأما تميم تميم بن مرّ … فألفاهم القوم روبى نياما
فهذا جمع رائب، أى نومى خثراء الأنفس؛ فيكون ذلك كقولهم: هالك وهلكى ومائد وميدى، فيجرى مجرى صريع وصرعى وجريح وجرحى؛ إذ كان ذلك علة بلوا بها، وإن كان هالك ومائد ورائب فعلا منسوبا إليهم، لا موقعا فى اللفظ بهم.
والآخر أن يكون «سكرى» هنا صفة مفردة، مذكرها سكران، كامرأة سكرى.
ويشهد لهذا الأمر قراءة من قرأ: «سكرى»، بالضم، وهذا لا يكون إلا واحدا. ويشهد للقول الأول قراءة العامة: ﴿وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى﴾. وجاز أن يوقع على الناس كلّهم صفة مفردة تصورا لمعنى الجملة والجماعة وهى بلفظ الواحد، كما جاز للبيد أن يشير أيضا إلى الناس بلفظ الواحد فى قوله:
ولقد سئمت من الحياة وطولها … وسؤال هذا الناس كيف لبيد
ومن معكوسه فى إيقاع لفظ الجماعة على معنى الواحد قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾، والمراد به الواحد، كلّ من كلام العرب.
[ ١ / ٢٩١ ]
وقراءته «وترى الناس سكرى»، بضم التاء يقوى ما قدمناه من أن أرى فى اليقين دون أرى؛ لقوله تعالى: ﴿وَما هُمْ بِسُكارى﴾.
*** ﴿أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ﴾ (٤٣) ومن ذلك قراءة ابن مسعود والزّهرى أيضا: «أو جاء أحد منكم من غيط».
قال أبو الفتح: فيه صنعة، وذلك أن هذا الحرف مما عينه واو؛ لقولهم تغوّط الرجل:
إذا أتى الغائط، وهو مطمأنّ من الأرض كانوا يقضون فيه حوائجهم. وظاهر أمر غيط أنه فعل مما عينه ياء؛ بمنزلة شيخ وبيت. وأمثل ما ينبغى أن يقال فيه: أنه محذوف من فيعل، كأنه فى الأصل غيّط، كميّت وسيد، ثم حذفت عينه تخفيفا فبقى ميت وسيد، ومثاله قيل؛ لأن العين محذوفة. فإن قلت: فإنا لا نعرف فى الكلام غيّطا كما عرفنا سيّدا وميّتا؟.
قيل: قد يجوز أن يكون محذوفا من فيعل مقدرا غير مستعمل، كما أن قولهم: يذر ويدع استغنى عنهما بترك، كما استغنى أيضا بغائط عن غيّط، وكما استغنى أيضا بذكر ولمحة عن مذكار وملمحة اللتين عليهما كسّر ملامح ومذاكير.
ويؤكد هذا أن غائطا إلى غيّط أقرب من ذكر ولمحة إلى مذكار وملمحة؛ وذلك لأن ثانى فاعل ألف زائدة كما أن ثانى فيعل ياء زائدة، والعين فيهما كليهما مكسورة، واللام تلى العين فيهما جميعا، والياء أيضا أخت الألف، فكأنهما مثال واحد من حيث ذكرنا، فبقدر هذا القرب بينهما ما حسنت إنابة فاعل عن فيعل، لا سيما وكأن غيطا فى اللفظ غيّط لقربه منه وزنا.
وفيه قول ثان، وهو أن يكون غيط فعلا وأصله غوط، إلا أن الواو قلبت للتخفيف ياء، كما قلبوها إليها لذلك فى قولهم: لا حيل ولا قوة إلا بالله، أى: لا حول ولا قوة إلا بالله. وقالوا: هو أليط بقلبى من كذا، وظاهر أمره أن يكون من لطت الحوض ألوطه، أى ألصقت بعضه ببعض، فكذلك هو أليط بقلبى: إذا لصق به، وأصله على هذا ألوط، وقلبت الواو ياء استحسانا كأشياء نحو ذلك، نحو العلياء وهى من علوت، والعيصاء بمعنى العوصاء فهذا الوجه أقرب، والأول أشدّ وأصنع.
***
[ ١ / ٢٩٢ ]
﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا﴾ (٥٦) ومن ذلك قراءة حميد بن قيس «سوف نصليهم نارا».
قال أبو الفتح: قد أتينا على ما فى ذلك فيما مضى من هذا الكتاب آنفا.
***
﴿تَعالَوْا﴾ (٦١) ومن ذلك قراءة الحسن فيما رواه عنه قتادة: «تعالوا»، بضم اللام.
قال أبو الفتح: وجه ذلك أنه حذف اللام من تعاليت استحسانا وتخفيفا، فلما زالت اللام من تعالى ضمت لام تعال لوقوع واو الجمع بعدها كقولك: تقدموا وتأخروا.
ونظير ذلك فى حذف اللام استخفافا قولهم: ما باليت به بالة، وأصلها بالية، كالعافية والعاقبة، ثم حذفت اللام كما ترى.
وذهب الكسائى فى «آية» إلى أن أصلها: آيية فاعلة، فحذفت اللام كما ذكرنا، ولو كانت إنما حذفت لام «تعالوا» لالتقاء الساكنين كما حذفت لذلك فى قولك للجماعة آمرا: تراموا وتغازوا لبقيت العين مفتوحة دلالة على الألف المحذوفة، وكنحو قولك:
اخشوا واسعوا، إذا أمرت الجماعة.
ونظير حذف اللام استحسانا فى هذه القراءة قراءة الحسن أيضا فى قوله الله تعالى:
﴿إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ﴾.
حدثنا بذلك أبو على، وذهب إلى ما ذكرناه من حذف اللام استخفافا، وإلى أنه يجوز أن يكون أراد إلا من هو صالون الجحيم؛ فحذف النون للإضافة، وحذف الواو التى هى علم الجمع لفظا لالتقاء الساكنين، واستعمل لفظ الجمع حملا على المعنى دون
[ ١ / ٢٩٣ ]
اللفظ، كقول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾، وله نظائر، إلا أن الظاهر ما ذهب إليه أبو على.
وأما حديث «تعال» والقول على ماضيه ومضارعه وتصرفه ومن أين جاز استعمال لفظ العلو فى التقدم فأمر يحتاج إلى فضل قول، وقد ذكرناه فى غير هذا الموضع، إلا أن من جملته أنهم استعملوا لفظ التقدم والارتفاع على طريق واحد، من ذلك قولهم:
قدّمته إلى الحاكم، فهذا كقولك: ترافعنا إلى الحاكم؛ كذلك قولك للرجل: تعال كقولك له: تقدم. وأصله أن التقدم تعال، والتأخر انخفاض وتراخ، فافهمه.
***
﴿لَيَقُولَنَّ﴾ (٧٣) ومن ذلك قراءة الحسن أيضا: «ليقولن» بضم اللام على الجمع. قال عبد الوارث: سئل أبو عمرو عن قراءة الحسن: «ليقولن» برفع اللام، فسكت.
قال أبو الفتح: أعاد الضمير على معنى «من» لا على لفظها الذى هو قراءة الجماعة؛ وذلك أن قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ لا يعنى به رجل واحد، لكن معناه أن هناك جماعة هذا وصف كل واحد منهم، فلما كان جمعا فى المعنى أعيد الضمير على معناه دون لفظه كقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾، الحال فيهما واحدة وكأن الموضع لحقه احتياط فى اللفظ خوفا من إشكال معناه، فضمّ اللام من ليقولن ليعلم أن هذا حكم سار فى جماعة، ولا يرى أنه واحد ولا أكثر منه، فاعرفه.
***
[ ١ / ٢٩٤ ]
﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٧٣] ومن ذلك قراءة الحسن ويزيد النحوى: «يا ليتنى كنت معهم فأفوز فوزا عظيما»، بالرفع. قال روح: لم يجعل لليت جوابا.
قال أبو الفتح: محصول ذلك أنه يتمنى الفوز، فكأنه قال: يا ليتنى أفوز فوزا عظيما، ولو جعله جوابا لنصبه، أى: إن أكن معهم أفز، هذا إذا أصبحت بالشرط، إلا أن الفاء إن دخلت جوابا للتمنى نصب الفعل بعدها بإضمار أن، وعطف أفوز على كنت معهم لأنهما جميعا متمنيان، إلا أنه عطف جملة على جملة لا الفعل على انفراده على الفعل؛ إذ كان الأول ماضيا والثانى مستقبلا.
وذهب أبو الحسن فى قوله ﷿: ﴿يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالرفع إلى أنه عطف على اللفظ، ومعناه معنى الجواب. قال: لأنهم لم يتمنّوا ألا يكذّبوا، وإنما تمنوا الرد، وضمنوا أنهم إن ردوا لم يكذّبوا، وعليه جاء قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾. وعليه قول الآخر:
فلقد تركت صبيّة مرحومة … لم تدر ما جزع عليك فتجزع
والقوافى مرفوعة، أى هى تجزع. ولو كان جوابا لقال فتجزعا، وقد ذكرنا هذا ونحوه فى كتابنا الموسوم بالتنبيه، وهو تفسير مشكل أبيات الحماسة.
***
﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ (٧٨) ومن ذلك قراءة طلحة بن سليمان: «أينما تكونوا يدرككم الموت»، برفع الكافين. قال ابن مجاهد: وهذا مردود فى العربية.
[ ١ / ٢٩٥ ]
قال أبو الفتح: هو لعمرى ضعيف فى العربية، وبابه الشعر والضرورة، إلا أنه ليس بمردود؛ لأنه قد جاء عنهم. ولو قال: مردود فى القرآن لكان أصح معنى؛ وذلك أنه على حذف الفاء، كأنه قال: فيدرككم الموت. ومثله بيت الكتاب:
من يفعل الحسنات الله يشكرها … والشر بالشّر عند الله مثلان
أى فالله يشكرها، ومثله بيته أيضا:
بنو ثعل لا تنكعوا العنز شربها … بنى ثعل من ينكع العنز ظالم
فكأنه قال: فهو ظالم، فحذف الفاء والمبتدأ جميعا، إلا أنه لما ترك هناك اسم الفاعل فهو لشبهه بالفعل كأنه هو الفعل، فيصير إلى أنه كأنه قال: من ينكع العنز يظلم، وشبه الفعل فى هذه اللغة أفشى من الشمس، حتى إنهم استجازوا لذلك أن يولوه نون التوكيد المختصة بالفعل، فقالوا:
أريت إن جئت … به أملودا
مرجّلا ويلبس البرودا
أقائلنّ أحضرى الشهودا
فكأنه قال: أيقولن، والنظائر فيه كثيرة جدا.
***
[ ١ / ٢٩٦ ]
﴿إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا﴾ (٩١) ومن ذلك قراءة ابن مسعود: «إلى الفتنة ركّسوا فيها»، مثقل بغير ألف.
قال أبو الفتح: وجه ذلك أنه شئ بعد شئ؛ وذلك لأنهم جماعة، فلما كانوا كذلك وقع شئ منه بعد شئ فطال، فلاق به لفظ التكثير والتكرير، كقولك: غلّقت الأبواب، وقطعت الحبال وقد يكون معنى التكرير مع لفظ التخفيف، أنشد أبو الحسن:
أنت الفداء لقبلة هدّمتها … ونقرتها بيديك كلّ منقّر
فصار و«نقرتها» كأنه قال: ونفّرتها، يدل عليه مصدره الذى هو «منقّر». وهذا ونحوه مما يدل على اشتمال لفظ الأفعال على معانى الأجناس، حتى إن اللفظة الواحدة تصلح لكثيره صلاحها لقليله.
***
﴿إِلاّ خَطَأً﴾ (٩٢) ومن ذلك قراءة الزهرى فيما رواه عنه الوقّاصى: «إلا خطّا»، مقصورا، خفيفا، بغير همز.
قال أبو الفتح: أصله خطأ، بوزن خطعا، كقراءة العامة، غير أنه حذف الهمزة حذفا على ما حكيناه عنهم من قولهم: جا يجى، وسايسو. وهذا ضعيف عند أصحابنا وإن كان قد جاء منه حروف صالحة، إلا أنه ليس تخفيفا قياسيا، وإنما هو حذف وخبط للهمزة البتة. وقد ذكرناه فيما قبل. ويجوز أن يكون أبدل الهمزة إبدالا على حد قربت، فجرى مجرى عصا ومطا.
***
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ (٩٧) ومن ذلك قراءة إبراهيم: «إنّ الذين توفّاهم الملائكة».
قال أبو الفتح: معنى هذا كقولك: إن الذين يعدّون على الملائكة يردّون إليهم
[ ١ / ٢٩٧ ]
يحتسبون عليهم، فهو نحو من قولك: إن المال الذى توفّاه أمة الله، أى يدفع إليها ويحتسب عليها. كأن كل ملك جعل إليه قبض نفس بعض الناس، ثم مكن من ذلك ووفّيه، أو كأن ذلك فى بعض الملائكة، فجرى اللفظ على الجميع، والمراد البعض على ما مضى فى هذا الكتاب.
***
﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ (١٠٠) ومن ذلك ما رواه الواقدى عن عباس، عن الضبى عن أصحابه: «مرغما»، وقراءة الجماعة: ﴿مُراغَمًا﴾.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون هذا إنما جاء على حذف الزيادة من راغم، فعليه جاء مرغم، كمضرب من ضرب، ومذهب من ذهب. وأصل هذه المادة ر غ م، فمنه الرّغام التراب وهو إلى الذل والشدة. والمراغم: المعارّ الذى يروم إذلال صاحبه، ومنه الحديث
[ ١ / ٢٩٨ ]
المرفوع: «إذا صلى أحدكم فليلزم جبهته وأنفه الأرض حتى يخرج منه الرّغم»، أى حتى يذلّ ويخضع لله ﷿، وعليه بقية الباب.
*** ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ (١٠٠) ومن ذلك قراءة طلحة بن سليمان: «ثمّ يدركه الموت برفع الكاف، وقراءة الحسن والجراح: «ثمّ يدركه الموت»، بنصب الكاف.
قال أبو الفتح: ظاهر هذا الأمر أنّ «يدركه» رفع على أنه خبر ابتداء محذوف، أى ثم هو يدركه الموت، فعطف الجملة التى من المبتدأ والخبر على الفعل المجزوم بفاعله، فهما إذا جملة، فكأنه عطف جملة على جملة. وجاز العطف هاهنا أيضا لما بين الشرط والابتداء من المشابهات، فمنها أن حرف الشرط يجزم الفعل، ثم يعتور الفعل المجزوم مع الحرف الجازم على جزم الجواب، كما أن الابتداء يرفع الاسم المبتدأ، ثم يعتور الابتداء والمبتدأ جميعا على رفع الخبر، ولذلك قال يونس فى قول الأعشى:
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا … أو تنزلون فإنا معشر نزل
إنما أراد أو أنتم تنزلون. أفلا تراه كيف عطف المبتدأ والخبر على فعل الشرط الذى هو تركبوا؟ وعليه قول الآخر:
[ ١ / ٢٩٩ ]
إن تذنبوا ثم تأتينى بقيتكم … فما على بذنب منكم فوت
فكأنه قال: إن تذنبوا ثم أنتم تأتينى بقيتكم. هذا أوجه من أن يحمله على أنه جعل سكون الياء فى تأتينى علم الجزم، على إجراء المعتلّ مجرى الصحيح نحو قوله:
ألم يأتيك والأنباء تنمى …
فهذا جواب كما تراه.
وإن شئت ذهبت فيه مذهبا آخر غيره، إلا أن فيه غموضا وصنعة، وهو أن يكون أراد ثم يدركه الموت جزما، غير أنه نوى الوقف على الكلمة فنقل الحركة من الهاء إلى الكاف، فصار يدركه، على قوله:
من عنزىّ سبّنى لم أضربه
أراد لم أضربه، ثم نقل الضمة إلى الباء لما ذكرناه، كقوله:
ألهى خليلى عن فراشى مسجده … يأيها القاضى الرشيد أرشده
أى أرشده، ثم نقل الضمة، فلما صار يدركه إلى يدركه حرك الهاء بالضم على أول
[ ١ / ٣٠٠ ]
حالها، ثم لم يعد إليها الضمة التى كان نقلها إلى الكاف عنها، بل أقر الكاف على ضمها، فقال: «ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ»، وقد جاء ذلك عنهم. أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بقول الشاعر:
إن ابن أحوص معروفا فبلّغه … فى ساعديه إذا رام العلا قصر
أراد: فبلّغه، ثم نقل الضمة من الهاء إلى الغين فصار فبلّغه، ثم حرك الهاء بالضم وأقر ضمة الغين عليها بحالها، فقال: فبلغه؛ وذلك أنه قد كثر النقل عنهم لهذه الضمة عن هذه الهاء، فإذا نقلت إلى موضع قرّت عليه وثبتت ثبات الواجب فيه.
وفى إقرار الحركة بحالها مع تحريك ما بعدها دلالة على صحة قول سيبويه بإقرار الحركة التى يحرك بها الساكن عند الحذف إذا رد إلى الكلمة ما كان حذف منها فى نحو قوله فى النسب إلى شيه: وشوىّ، وهذا مشروح هنا فى موضعه، فهذا وجه ثان كما تراه فى قوله: «ثم يدركه الموت» بضم الكاف؛ فاعرفه.
وأما قراءة الحسن: «ثم يدركه الموت» بالنصب فعلى إضمار «أن»، كقول الأعشى:
لنا هضبة لا ينزل الذلّ وسطها … ويأوى إليها المستجير فيعصما
أراد فأن يعصما، وهذا ليس بالسهل، وإنما بابه الشعر لا القرآن. ومن أبيات الكتاب:
سأترك منزلى لبنى تميم … وألحق بالحجاز فأستريحا
والآية على كل حال أقوى من ذلك؛ لتقدم الشرط قبل المعطوف، وليس بواجب، وهذا واضح.
وفيه أكثر من هذا إلا أنا نكره ونتحامى الإطالة لا سيما فى الدقيق؛ لأنه مما يجفو على أهل القرآن.
[ ١ / ٣٠١ ]
وقد كان شيخنا أبو علىّ عمل كتابه الحجة، وظاهر أمره أنه لأصحاب القراءة، وفيه أشياء كثيرة قلما ينتصف فيها كثير ممن يدعى هذا العلم، حتى إنه مجفوّ عند القراء لما ذكرناه.
***
﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ (١٠٤) ومن ذلك قراءة أبى عبد الرحمن الأعرج: «أن تكونوا تألمون»، بفتح الألف.
قال أبو الفتح: «أن» محمولة على قوله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي اِبْتِغاءِ الْقَوْمِ﴾، أى لا تهنوا لأنكم تألمون، كقولك: لا تجبن عن قرنك لخوفك منه، فمن اعتقد نصب «أن» بعد حذف الجر عنها فأن هنا منصوبة الموضع، وهى على مذهب الخليل مجرورة الموضع باللام المرادة، وصارت «أن» لكونها حرفا كالعوض فى اللفظ من اللام.
*** ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ﴾ (١٠٤) ومن ذلك قراءة يحيى: «فإنهم ييلمون كما تيلمون».
قال أبو الفتح: العرف فى نحو هذا أن من قال: أنت تئمن وتئلف وإيلف، فكسر حرف المضارعة فى نحو هذا-إذا صار إلى الياء فتحها البتة، فقال: هو يألف، ولا يقول: هو ييلف، استثقالا للكسرة فى الياء.
فأما قولهم فى يوجل ويوحل ونحوهما: ييجل وييحل، بكسر الياء فإنما احتمل ذلك هناك من قبل أنهم أرادوا قلب الواو ياء هربا من ثقل الواو؛ لأن الياء على كل حال أخف من الواو، وعلموا أنهم إذا قالوا: ييجل ويوحل، فقلبوا الواو ياء والياء قبلها مفتوحة-كان ذلك قلبا من غير قوة علة القلب، فكأنهم حملوا أنفسهم بما تجشموه من كسر الياء توصلا إلى قوة علة قلب الواو ياء، كما أبدلوا من ضمة لام أدلو جمع
[ ١ / ٣٠٢ ]
دلو كسرة فصار أدلو لتنقلب الواو ياء بعذر قاطع، وهو انكسار ما قبلها وهو لام، وليس كذلك الهمزة؛ لأنها إذا كسر ما قبلها لم يجب انقلابها ياء، وذلك نحو بئر وذئب، ألا تراك إذا قلت: هو يئلف لم يجب قلب الهمزة ياء؟ فلهذا قلنا إن كسر ياء ييجل لما يعقب من قلب الأثقل إلى الأخف مقبول، وليس فى كسر ياء يئلف ما يدعو إلى ما تحتمل له الكسرة، وليس فيه أكثر من أنه إذا كسر الياء ثم خفف الهمزة صار ييلمون فأشبه فى اللفظ ييجل، وهذا له قدر لا يحتمل له كسر الياء، فاعرفه.
***
﴿إِلاّ إِناثًا﴾ (١١٧) ومن ذلك قراءة النبى ﷺ فيما روته عائشة ﵂: «أثنا»، بثاء قبل النون.
وروى أيضا عنها عنه ﵇: «أنثا»، النون قبل الثاء. وقراءة ابن عباس: «إلا وثنا»، وروى عنه أيضا: «إلا أنثا»؛ بضمتين والثاء بعد النون. وقراءة عطاء بن أبى رباح: «إلا أثنا»، الثاء قبل، وهى ساكنة.
قال أبو الفتح: أما «أثن» فجمع وثن، وأصله وثن، فلما انضمت الواو ضما لازما قلبت همزة، كقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾، وكقولهم فى وجوه: أجوه:
وفى وعد أعد، وهذا باب واسع، ونظير وثن وأثن أسد وأسد. ومن قال: أثنا بسكون الثاء فهو كأسد، بسكون السين.
حكى سيبويه هذه القراءة: «أثنا»، بسكون الثاء.
وذهب أبو بكر محمد بن السرى فى قولهم: أسد وأسد إلى أنها محذوفة من أسود، ويقوى قوله هذا بيت الأخطل:
[ ١ / ٣٠٣ ]
كلمع أيدى مثاكيل مسلّبة … يندبن ضرس بنات الدهر والخطب
يريد الخطوب، فقصر الكلمة بحذف واوها، ومثله قول الآخر:
إن الفقير بيننا قاض حكم … أن ترد الماء إذا غاب النّجم
يريد النجوم.
وأما «أنثا» بتقديم النون على الثاء فينبغى أن يكون جمع أنيث، كقولهم: سيف أنيث الحديد، وذلك كقراءة العامة: ﴿إِلاّ إِناثًا﴾، يعنى به الأصنام. قال الحسن: الإناث كل شئ ليس فيه روح: خشبة يابسة وحجر يابس، قال: وهو اسم صنم لحى من العرب، كانوا يعبدونها ويسمونها أنثى بنى فلان، وعليه القراءة: «إلا أوثانا».
***
﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ﴾ (١٢٠) ومن ذلك قال حماد بن شعيب: قلت للأعمش: «يعدهم ويمنّيهم وما يعدهم» فقال: أيعدهم؟ إنما هو: «يعدهم ويمنّيهم وما يعدهم»، ساكنة.
قال أبو الفتح: قد تقدم القول على نحو هذا مما أسكن فى موضع الرفع تخفيفا لثقل الضمة.
قال أبو زيد فيما حكاه عنهم: ﴿بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، بسكون اللام تخفيفا على هذا.
***
[ ١ / ٣٠٤ ]
﴿يَتامَى النِّساءِ﴾ (١٢٧) ومن ذلك ما رواه الضبى عن أبى عبد الله المدنى: «فى ييامى النّساء»، بياءين.
قال أبو الفتح: القراءة المجمع عليها: ﴿فِي يَتامَى النِّساءِ﴾ بياء وتاء بعدها. ولا يجوز قلب التاء هنا ياء. والقول عليه-والله أعلم-أنه أراد أيامى، فأبدل الهمزة ياء، فصارت «ييامى»، وقلبت الهمزة ياء كما قلبت الهمزة ياء فى قولهم: قطع الله «أديه»، يريدون يده، فرد لام الفعل، وأعاد العين إلى سكونها، فصارت يديه، ثم أبدل الياء همزة فصارت أديه، ولم أسمع هذا إلا من جهته، وأيا ما كان فقد قلب الياء همزة.
ونظير قلب الهمزة فى «أيامى» إلى الياء حتى صارت «ييامى» قولهم: باهلة بن يعصر، فالياء فيه بدل من همزة أعصر وذلك لأنه يقال: باهلة بن أعصر ويعصر، وإنما سمى أعصر ببيت قاله:
أبنى إن أباك غير لونه … كرّ الليالى واختلاف الأعصر
فهذا دليل فى كون الهمزة أصلا والياء بدل منها.
وأما «أيامى» فقالوا: إنها جمع أيّم، وأصلها عندهم أيائم كسيد وسيائد، كذا رواها ابن الأعرابى، سيد وسيائد بالهمز كما ترى، وفى هذا شاهد لقول سيبويه: إنه متى اكتنف ألف التكسير حرفا علة أيّين كانا وجاور الآخر منهما الطرف فإنه يهمز.
وشاهد ذاك أيضا ما رواه أبو عثمان عن الأصمعى: أنهم قالوا: عيّل وعيائل بالهمز.
وحكى أبو زيد: سيّقة وسيائق بالهمز.
وكان أبو على يسر بما حكاه أبو زيد من همز سيائق، ولم يقع له إذ ذاك ما حكيناه عن ابن الأعرابى من همز سيائد، ولا كان إذ ذاك وقع هذا الحرف إلىّ فأذكره له، كأشياء كانت تخطر لى أو تنتهى إلىّ فأحكيها له، فتقع مواقعها المرضية عنده.
ومذهب أبى الحسن بخلاف ذلك، فلما صارت إلى أيائم قدمت اللام وأخرت العين، فصارت «أيامى» ثم أبدلت من الكسرة فتحة ومن الياء ألف فصارت «أيامى»، ووزنها الآن فيالع، وأصلها أيائم فياعل، لأن أيما فيعل، هذا مذهب الجماعة فى أيمّ وأيامى.
[ ١ / ٣٠٥ ]
ولو ذهب به ذاهب إلى ما أذكره لم أر به بأسا، وذلك أنه كأنه كسر آيم فاعل على فعلى، وهو أيمى، من حيث كانت الأيمة بلية ندفع إليها، فجرى مجرى هالك وهلكى، ومائد وميدى وجريح وجرحى، وزمن وزمنى، وسكران وسكرى. ثم كسّرت أيمى على أيامى، فوزن أيامى الآن على هذا فعالى، ولا قلب فيها.
وأنت إذا سلكت هذه الطريق أحرزت غنمين، وكفيت مئونتين:
إحداهما أن تكون الكلمة على أصلها لم تقلب ولم يغير شئ من حروفها، والآخر:
أنه لو كان الأصيل «أيائم» لجاز، بل كان الوجه أن يسمع، وإنما المسموع أيامى كما ترى، فاعرف ذلك، «فالييامى» على هذا القول فعالى، تكسير أيمى على فعلى، كهلكى.
وعلى القول الآخر فيالع.
ومما كسّر على فعلى ثم كسّرت على فعالى ما رويناه عن أبى بكر محمد بن الحسن عن أبى العباس أحمد بن يحيى فى أماليه من قول بعضهم:
مثل القتالى فى الهشيم البالى
فهذا تكسير قتيل على قتلى، ثم قتلى على قتالى.
***
﴿أَنْ يُصْلِحا﴾ (١٢٨) ومن ذلك قراءة عاصم الجحدرى، «أن يصّلحا».
قال أبو الفتح: أراد يصطلحا أى يفتعلا، فآثر الإدغام فأبدل الطاء صادا، ثم أدغم فيها الصاد التى هى فاء، فصارت يصّلحا. ولم يجز أن تبدل الصاد طاء لما فيها من امتداد الصفير، ألا ترى أن كل واحد من الطاء وأختيها والظاء وأختيها يدغمن فى الصاد وأختيها، ولا يدغم واحدة منهن فى واحدة منهن؟ فلذلك لم يجز «إلا أن يطّلحا»، وجاز يصلحا.
***
[ ١ / ٣٠٦ ]
﴿وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ (١٣٦) ومن ذلك قراءة أبى عبد الرحمن فى رواية عطاء عنه وقراءة عاصم الجحدرى أيضا:
«وملائكته وكتابه»، على التوحيد.
قال أبو الفتح: اللفظ لفظ الواحد والمعنى معنى الجنس، أى وكتبه. ومثله قوله سبحانه: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾، أى كتبنا، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ فلكل إنسان كتاب، فهى جماعة كما ترى. وقد قال: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾. ووقوع الواحد موقع الجماعة فاش فى اللغة. قال الله تعالى:
﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾، أى أطفالا، وحسن لفظ الواحد هنا شئ آخر أيضا، وذلك أنه موضع إضعاف للعباد وإقلال لهم، فكان لفظ الواحد لقلته أشبه بالموضع من لفظ الجماعة؛ لأن الجماعة على كل حال أقوى من الواحد، فاعرف ذلك.
***
﴿يُراؤُنَ النّاسَ﴾ (١٤٢) ومن ذلك قراءة عبد الله بن أبى إسحاق، والأشهب العقيلى: «يرءّون الناس»، مثل يرعّون، والهمزة بين الراء والواو من غير ألف.
قال أبو الفتح: معناه يبصّرون الناس، ويحملونهم على أن يروهم يفعلون ما يتعاطونه، وهى أقوى معنى من «يراءون» بالمد على يفاعلون، لأن معنى يراءونهم يتعرضون لأن يروهم، و«يرءّونهم» يحملونهم على أن يروهم.
قال أبو زيد: رأت المرأة الرجل المرآة إذا أمسكتها له ليرى وجهه، ويدلك على أن يرائى أضعف معنى من يرئّى قوله:
[ ١ / ٣٠٧ ]
ترى أو تراءى عند معقد غرزها … تهاويل من أجلاد هرّ مووّم
***
﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ (١٤٣) ومن ذلك قراءة ابن عباس وعمرو بن فايد: «مذبذبين»، بكسر الذال الثانية.
قال أبو الفتح: هو من قوله:
خيال لأمّ السلسبيل ودونه … مسيرة شهر للبريد المذبذب
أى المهتز القلق الذى لا يثبت فى مكان، فكذلك هؤلاء: يخفون تارة إلى هؤلاء وتارة إلى هؤلاء، فهو مثل قوله: ﴿لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ﴾، وهو من ذبّبت عن الشئ: أى صرفت عنه شيئا يريده إلى غير جهته، وقريب من لفظه، إلا أنه ليس من لفظه كما يقول البغداديون وأبو بكر معهم؛ وذلك أن ذبّبت من ذوات الثلاثة، وذبذب من مكرر الأربعة، فهو كقولهم: عين ثرّة وثرثارة، وهو كثير فى معناه. وقد ذكرنا ذلك فى كتابنا المنصف.
***
﴿إِلاّ مَنْ ظُلِمَ﴾ (١٤٨) ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وزيد بن أسلم، وعبد الأعلى بن عبد الله بن مسلم بن يسار وعطاء بن السائب وابن يسار: «إلاّ من ظلم» بفتح الظاء واللام.
[ ١ / ٣٠٨ ]
قال أبو الفتح: ظلم وظلم جميعا على الاستثناء المنقطع، أى لكن من ظلم فإن الله لا يخفى عليه أمره، ودل على ذلك قوله: ﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾.
***
﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ (١٦٢) ومن ذلك قراءة مالك بن دينار وعيسى الثقفى وعاصم الجحدرى: «والمقيمون»، بواو.
قال أبو الفتح: ارتفاع هذا على الظاهر الذى لا نظر فيه، وإنما الكلام فى «المقيمين» بالياء، واختلاف الناس فيه معروف، فلا وجه للتشاغل بإعادته، لكن رفعه فى هذه القراءة يمنع من توهمه مع الياء مجرورا أى يؤمنون بما أنزل إليك وبالمقيمين الصلاة، وهذا واضح.
***
﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى﴾ (١٦٤) ومن ذلك قراءة إبراهيم: «وكلّم الله موسى»، اسم الله نصب.
قال أبو الفتح: يشهد لهذه القراءة قوله جل وعز حكاية عن موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ وغيره من الآى التى فيها كلامه لله تعالى.
***
﴿سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (١٧١) ومن ذلك قراءة العامة: ﴿سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ بالفتح، وقراءة الحسن: «إن يكون»، بكسر الألف.
[ ١ / ٣٠٩ ]
قال أبو الفتح: هذه القراءة توجب رفع يكون، ولم يذكر ابن مجاهد إعراب يكون، وإنما يجب رفعه لأن «إن» هنا نفى كقولك: ما يكون له ولد، وهذا قاطع.
***
﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ (١٧٢) ومن ذلك قراءة مسلمة: «فسيحشرهم» «فيعذبهم»، ساكنة الراء والباء.
قال أبو الفتح: قد سبق نحو هذا وأنه إنما يسكن استثقالا للضمة، نعم وربما كان العمل خلسا فظن سكونا، وقد سبقت شواهد السكون بما فيه.
***
[ ١ / ٣١٠ ]