﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٨)
قراءة أبىّ: «تباركت الأرض».
قال أبو الفتح: هو تفاعل من البركة، وهو توكيد لمعنى البركة، كقولك: تعالى الله، فهو أبلغ من علا، وكقول العجاج: (^١)
تقاعس العزّ بنا فاقعنسسا
فهو أبلغ معنى من قعس، كما أن احدودب أقوى معنى من حدب، واعشوشب أقوى من أعشب؛ وذلك لكثرة الحروف.
وأصل هذا كله من فعّل فى الفعل، كقطعت وكسّرت، ألا تراها أقوى معنى من قطعت وكسرت؟ وعليه جاء قوله: ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (^٢)، فهو أبلغ من قادر. ولهذا جاء قوله: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اِكْتَسَبَتْ﴾ (^٣)، فعبّر عن لفظ الحسنة بكسب؛ وذلك لاحتقار الحسنة إلى ثوابها؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ (^٤) وجاء «اكتسبت» فى السيئة، تنفيرا عنها، وتهويلا وتشنيعا بارتكابها. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا﴾ (^٥)؟ فافهم هذا، وابن عليه.
قال أمية:
_________________
(١) انظر: (ديوانه ٣٣).
(٢) سورة القمر الآية (٤٢).
(٣) سورة البقرة الآية (٢٨٦).
(٤) سورة الأنعام (١٦٠).
(٥) سورة مريم الآيتان (٩٠،٩١).
[ ٢ / ١٧٨ ]
تبارك ام صدّيق حقّا … كان من كل عتيقا
خالق الخلق جميعا … ويعود الخلق صيقا
أى ترابا. والتاء فى «تبارك» زائدة على بناء البيت، ومعتدة خزما كالواو فى قوله (^١):
وكأنّ ثبيرا فى عرانين وبله (^٢) … كبير أناس فى بجاد مزمّل (^٣)
فالواو خزم، وهذا يكاد يسقط حكم ما يبنى من الزوائد فى الكلم حتى يحسن له تحقير الترخيم، نحو قولهم: فى حارث حريث، وفى أزهر زهير. ألا تراه كيف خزم بتاء «تبارك» وإن كانت مصوغة فى نفس المثال كما تخزم حروف المعانى المنفصلة من المثل، كواو العطف، وفائه، وبل، وهل، ويا، ونحو ذلك؟ ولهذا قالوا أيضا فى تكسير فعلان: فعلان، ككروان وكروان، وشقذان وشقذان، فأجروه مجرى فعل وفعلان، نحو خرب وخربان، وشبث وشبثان، وبرق وبرقان. فاعرف ذلك إلى ما يليه من نحوه بمشيئة الله.
***
﴿كَأَنَّها جَانٌّ﴾ (١٠)
ومن ذلك قراءة الحسن وعمرو بن عبيد: «كأنّها جأن» (¬*١).
قال أبو الفتح: قد تقدم القول على نظير هذا فيما مضى من الكتاب، وذكرناه أيضا فى الخصائص (¬*٢)، وفى سر الصناعة (¬*٣)، وفى المنصف (^٤)، وفى التمام، وغيره من مصنفاتنا وإنما كررناه لإعراب القول فى معناه.
***
&
_________________
(١) لامرئ القيس من معلقته الشهيرة.
(٢) فى المعلقة: «كأن ثبيرا فى عرانين وبله».
(٣) ثبير: جبل بعينه، العرنين: الأنف، وقال جمهور الأئمة: هو معظم الأنف، والجمع العرانين، ثم استعار العرانين لأوائل المطر لأن الأنوف تتقدم الوجوه. البجاد: كساء مخطط، والجمع البجد. التزميل: التلفيف بالثياب، وقد زملته بثياب فتزمل بها؛ أى: لففته فتلفف بها، وجر مزملا على جوار بجاد وإلا فالقياس يقتضى رفعه. (¬*١) وقراءة الزهرى. انظر: (الكشاف ١٣٨/ ٣، الرازى ١٨٤/ ٢٤، البحر المحيط ٥٦/ ٧، الآلوسى ١٦٣/ ١٩). (¬*٢) انظر: (الخصائص ١٢٨/ ٣). (¬*٣) انظر: (سر صناعة الإعراب ٨٣/ ١).
(٤) انظر: (المنصف ١٤٩/ ١).
[ ٢ / ١٧٩ ]
﴿إِلاّ مَنْ ظَلَمَ﴾ (١١)
ومن ذلك قراءة زيد بن أسلم وأبى جعفر القارئ: «ألا من ظلم» (^١)، بفتح الهمزة، خفيفة اللام.
قال أبو الفتح: «من» هاهنا مرفوعة بالابتداء، وخبره «ظلم»، كقول: من يقم أضرب زيدا، فيقم خبر عن «من» حيث كان شرطا. وكأن من عدل إلى هذا جفا عليه انقطاع الاستثناء فى القراءة الفاشية. و«من» هناك منصوبة على الاستثناء، وهو منقطع بمعنى لكن، فقوله تعالى: ﴿إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلاّ مَنْ ظَلَمَ﴾ معناه: لكن من ظلم كان كذا. ولعمرى إن الاستثناء المنقطع فاش فى القرآن وغيره، إلاّ أنه-مع ذلك- محوج إلى التأول وإعمال القياس والتمحّل.
***
﴿مُبْصِرَةً﴾ [النمل:١٣]
ومن ذلك قراءة قتادة وعلى بن الحسين: «مبصرة» (^٢).
قال أبو الفتح: هو كقولك: هدى، ونورا. وقد كثرت المفعلة بمعنى الشّياع والكثرة فى الجواهر والأحداث جميعا، وذلك كقولهم: أرض مضبّة: كثيرة الضّباب، ومثعلة: كثيرة الثعالى، ومحياة ومحواة ومفعاة: كثيرة الحيات والأفاعى، فهذا فى الجواهر. وأما الأحداث فكقولك: البطنة موسنة، وأكل الرطب موردة ومحمّة. ومنه المسعاة، والمعلاة، والحقّ مجدرة بك، ومخلقة ومعساة، ومقمنة، ومحجاة. وفى كله معنى الكثرة من موضعين:
أحدهما: المصدرية التى فيه، والمصدر إلى الشّياع والعموم والسعة.
والآخر: التاء، وهى لمثل ذلك، كرجل راوية، وعلاّمة، ونسّابة، وهذرة؛ ولذلك كثرت المفعلة فيما ذكرناه لإرادة المبالغة.
***
_________________
(١) انظر: (الكشاف ١٣٨/ ٣، الرازى ١٨٤/ ٢٤، مجمع البيان ٢١٢/ ٧، البحر المحيط ٥٧/ ٧).
(٢) انظر: (الأخفش ٤٢٨/ ٢ مجمع البيان ٢١٢/ ٧، الكشاف ١٣٩/ ٣، العكبرى ٩٣/ ٢، البحر المحيط ٥٨/ ٧، الرازى ١٨٤/ ٢٤).
[ ٢ / ١٨٠ ]
﴿قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾ (١٨)
ومن ذلك قراءة سليمان التيمى: «قالت نملة (^١)» يأيّها النّمل (^٢)».
وروى عنه أيضا: «نملة» (^٣)، «والنمل»، بضمهما.
قال أبو الفتح: أما النّملة، بفتح النون، وضم الميم فتقبلها النملة، بفتح النون، وسكون الميم؛ لأن فعلا يخفف إلى فعل، كسبع إلى سبع، ورجل إلى رجل. قال:
رجلان من ضبّة أخبرانا … إنّا رأينا رجلا عريانا (^٤)
فقائل هذا الشعر إما أن يكون له لغتان: رجل ورجل، وإما أن تكون لغته رجل بضم الجيم، فاضطر للشعر، فأسكن الجيم.
ألا تراه كيف جمع بين «رجلان»، و«رجل»؟ ونظير «نملة» و«نمل» سمرة وسمر، وثمرة وثمر. وكذلك القول فى «نملة»؛ لأن فعلا لا يخفف إلى فعل، إنما يخفف إلى فعل، كطنب إلى طنب، وعنق إلى عنق. ومنه عندى: أخذ رجل نمّال: أى: نمّام، كأنه يدبّ بالنميمة دبيب النملة. ونظير «نملة» و«نمل»: بسرة وبسر، بضم السين.
***
﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾
ومن ذلك قراءة الحسن: «لا يحطّمنّكم» (^٥)، بفتح الياء والحاء، وتشديد الطاء والنون.
_________________
(١) قراءة الحسن، وطلحة، ومعتمر بن سليمان، وأبى سليمان التيمى، والفضل. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٠٨، العكبرى ٩٣/ ٢، القرطبى ١٦٩/ ١٣، الكشاف ١٤١/ ٣، الرازى ١٨٧/ ٢٤، البحر المحيط ٦١/ ٧).
(٢) وقراءة أبى سليمان التيمى، والحسن، وطلحة، ومعتمر بن سليمان. انظر: (الكشاف ١٤١/ ٣، القرطبى ١٦٩/ ١٣، البحر المحيط ٦١/ ٧، الرازى ١٨٧/ ٢٤، العكبرى ٩٣/ ٢).
(٣) انظر: (القرطبى ١٦٩/ ١٣، الكشاف ١٤١/ ٣، الرازى ٢٤،١٨٧، العكبرى ٩٣/ ٢، البحر المحيط ٦١/ ٧).
(٤) سبق الاستشهاد به. انظر: (القرطبى ١٧٣/ ١٣، البحر المحيط ٦١/ ٧، الكشاف ١٤٢/ ٣، وينظر الرازى ١٨٨/ ٢٤، الآلوسى ١٧٩/ ١٩).
(٥) انظر: (القرطبى ١٧٣/ ١٣، البحر المحيط ٦١/ ٧، الكشاف ١٤٢/ ٣، الرازى ١٨٨/ ٢٤، الآلوسى ١٧٩/ ١٩).
[ ٢ / ١٨١ ]
وروى عنه أيضا: «يحطّمنّكم» (^١)، بفتح الياء، وكسر الحاء، والتشديد.
قال أبو الفتح: أما الأصل فيهما فيحتطمنّكم، يفتعل من الحطم، وهو الكسر، أى: يقتلنكم. وآثر إدغام التاء فى الطاء لقرب مخرجيهما، فأسكنها، وأبدلها طاء، وأدغمها فى الطاء بعدها، ونقل الفتحة من التاء إلى الحاء، فقال: «يحطّمنّكم».
ومن كسر الحاء فإنه لمّا أسكن التاء للإدغام كسر الحاء، لسكونها وسكون التاء بعدها ثم أدغم فصار «يحطّمنّكم». ويجوز فى العربية كسر الياء أيضا إتباعا لكسرة الحاء؛ فيقال: «يحطّمنّكم». ومثله قول العجلى:
تدافع الشّيب ولم تقتّل (^٢) …
يريد: تقتتل، ثم غير ذلك على ما تقدم.
يقال: حطمه يحطمه حطما: إذا كسره، وحطّمه يحطّمه، واحتطمه يحتطمه احتطاما ويغيّر الماضى واسم الفاعل والمصدر على الصنعة التى تقدمت فى «يحطّمنّكم».
فمن قال: يحطّم قال: حطّم، ومن قال: يحطّم قال: حطّم.
ومن أتبع الأول يحطّم أتبع هنا، فقال: حطّم. وعليه أنشد قطرب فيما روينا عنه أو غيره.
لا حطّب القوم ولا القوم سقى (^٣) …
يريد: احتطب.
ويقول فى اسم الفاعل على يحطّم: محطّم، وعلى يحطّم: محطّم.
ومن كسرها الأول إتباعا، فقال: يحطّم لم يكسر الميم؛ لأن اسم المفعول والفاعل من هذا ونحوه لا يكون إلا مضموم الأول، وعليه قال: ﴿وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ (^٤)، و«الْمُعَذِّرُونَ».
وتتبع العين الميم، فيقال: «الْمُعَذِّرُونَ». وعليه أيضا يقال: مخطّف: والأصل فى جميعه المتعذرون. ويقول فى المصدر على يحطّم ويحطّم جميعا: حطّاما.
ومن كسر هناك لالتقاء الساكنين كسر هنا أيضا، فقال: حطّاما؛ لئلا تنكسر الطاء،
_________________
(١) انظر: (القرطبى ١٧٣/ ١٣، البحر المحيط ٦١/ ٧، الكشاف ٦١/ ٧،١٤٢/ ٣، الرازى ١٨٨/ ٢٤، الآلوسى ١٧٩/ ١٩).
(٢) سبق الاستشهاد به (١٤٠/ ١).
(٣) سبق الاستشهاد به (١٤١/ ١).
(٤) سورة التوبة الآية (٩٠).
[ ٢ / ١٨٢ ]
فتبدل الألف بعدها ياء، فتقول: حطّيما، فيزول حديث المصدر بانقلاب ألفه. وليس فى حطّم ألف، فتنقلب لكسرة الطاء إلى غيرها.
ومن قال: «وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ»، فضم العين لم يقل حطاما؛ لأنه ليس معه فى حطّاما ضمة مثل الميم فتتبعها الحاء مضمومة، وكذلك «مردّفين» و«مردّفين» و«مردّفين»، الحكم واحد.
***
﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها﴾ (١٩)
ومن ذلك قراءة محمد بن السّميفع: «فتبسّم ضحكا من قولها» (^١)، بفتح الضاد بغير ألف.
قال أبو الفتح: «ضحكا» منصوب على المصدر بفعل محذوف يدل عليه تبسم، كأنه قال: ضحك ضحكا. هذا مذهب صاحب الكتاب، وقياس قول أبى عثمان فى قولهم: تبسّمت وميض البرق أنه منصوب بنفس «تبسمت»؛ لأنه فى معنى: أو مضت، ويكون «ضحكا» منصوبا بنفس «تبسم»؛ لأنه فى معنى ضحك.
ويدل على مذهب صاحب الكتاب أنه قد ثبت أن الماضى والمضارع واسم الفاعل والمصدر يجرى كل واحد منها مجرى صاحبه، حتى كأنه هو. ويجب أن تكون كلها من لفظ واحد، كضرب يضرب ضربا وهو ضارب، فكما لا يجوز أن يقول: قعد يجلس وإن كانا فى معنى واحد دون أن يكونا من لفظ واحد، وهو قعد يقعد، ولا يجوز تبسم يومض؛ لاختلاف لفظيهما، وإن كان معنياهما واحدا-فكذلك لا يجوز تبسمت وميض البرق؛ لاختلاف لفظيهما، كما لا يجوز تبسمت أومض، لكن دل تبسمت على أومضت، فكأنه قال: أومضت وميض البرق، فاعرف ذلك وقسه بإذن الله.
***
﴿أَلاّ تَعْلُوا﴾ [النمل:٣١]
ومن ذلك قراءة ابن عباس فى رواية وهب بن منبه: «أن لا تغلوا» (^٢)، بالغين معجمة.
_________________
(١) انظر: (الكشاف ١٤٢/ ٣، البحر المحيط ٦٢/ ٧، العكبرى ٩٣/ ٢، الآلوسى ١٨٠/ ١٩).
(٢) وقراءة الأشهب العقيلى، ومحمد بن السمفيع. انظر: (القرطبى ١٩٣/ ١٣، الكشاف ١٤٦/ ٣، مجمع البيان ٢١٩/ ٧، الرازى ١٩٦/ ٢٤، العكبرى ٩٤/ ٢، النحاس ٥٢١/ ٢، البحر المحيط ٧٢/ ٧).
[ ٢ / ١٨٣ ]
قال أبو الفتح: غلا فى قوله غلوّا، وغلا السعر يغلوا غلاء. فصلوا بينهما فى المصدر وإن اتفقا فى الماضى، وهذا أحد ما يدل على ما قدمناه أيضا من أن الماضى والمضارع واسم الفاعل والمصدر تجرى مجرى المثال الواحد، فإذا خولف فيها بين المصادر قام ذلك الخلاف مقام ما كان يجب من اختلاف الأمثلة لاختلاف ما تحتها من المعانى المقصودة؛ وذلك أن أعدل اللغة اختلاف الألفاظ لاختلاف المعانى، فإن اتفقت الألفاظ اختلفت الأمثلة، فإن اتفقت الألفاظ والأمثلة، ووقع التغيير فى بعض المثل قام مقام تغييرها كلها. وذلك نحو: غلا يغلو، فى القول والسعر.
فلما اتفق اللفظان والمثلان فى الماضى والمضارع خالفوا بين مصدريهما؛ ليكون ذلك كالخلاف بين مثاليهما أنفسهما، فقالوا: غلوّا، وغلاء على ما مضى. وكذلك قولهم فى نظائر هذا: وجدت الشئ وجودا، ووجدت فى الحزن وجدا، ووجدت من الغنى وجدا ووجدا ووجدا وجدة، ووجدت على الرجل موجدة، ووجدت الضالة وجدانا، فجعلوا اختلاف المصادر فيها عوضا مما كان يقتضيه أصل وضع اللغة من اختلافها أنفسها، فهذا مقاد يقتاس ويرجع فى نظائره إليه.
نعم، وخصوا غلا فى القول بالغلوّ؛ لأن لفظ فعول أقوى من لفظ فعال، للواوين والضمتين، وضعف الألف والفتحتين؛ وذلك أن الغلوّ فى القول أعلى وأعنى عندهم من غلاء السعر، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (^٢)؟ وأما غلاء السعر فلا يدخل النار، ولا يحرّم الجنة، ثم إنهم قالوا: غلت القدر تغلى غليانا، فلما صغر هذا المعنى فى أنفسهم أخذوه من الياء؛ لأنها تنحط عن الواو والضمة إلى الياء والكسرة.
فإن قلت: فقد قالوا: علوت فى المكان أعلو علوّا وعليت فى الشرف علاء؛ فجعلوا الشرف دون ارتفاع النّصبة.
قيل: لم يجف الشرف عندهم، ولا تبشّع تبشّع الكفر والغلوّ فى القول المعاقب
_________________
(١) سورة مريم الآيتان (٩٠)، (٩١)، وهى قراءة: الأعمش، ونافع، والكسائى، ويحيى، وأبى حيوة. انظر: (السبعة ٤١٣، النشر ٣١٩/ ٢، الإتحاف ٣٠١، غيث النفع ٢٧٦، الكشف ٩٣/ ٢، الحجة المنسوب لابن خالوية ٤٤٨، التيسير ١٥٠، تحبير التيسير ١٣٩، العنوان ٢١٢، البحر المحيط ٢١٨/ ٦، الكشاف ٥٢٥/ ٢، التبيان ١٣٣/ ٢، مجمع البيان ٥٢٩/ ٦، الرازى ٢٥٤/ ٢١، القرطبى ١٥٦/ ١١).
(٢) سورة النساء الآية (١٧١).
[ ٢ / ١٨٤ ]
عليه، والمنهىّ عنه؛ فلان جانبه، ونعم وعذب فى أنفسهم؛ فبنوه على فعل لتنقلب الواو ياء، ومصدره على الفعال؛ لعذوبته بالفتحتين والألف. وهذه أماكن إن رفقت بها، وسانيتها، وتأنّيتها، ولم تبء عليها وتختبطها-أولتك جانبها، وأركبتك ذروتها، وقبلتك لها ضيفا، وبسطتك يدا وسيفا. وإن أخلدت بها إلى ضد هذا أخلدت بك إلى ضده، فتلافيا ورفقا، لا مغالاة ولا خرقا.
***
﴿عِفْرِيتٌ﴾ (٣٩)
ومن ذلك قراءة أبى رجاء وعيسى الثقفىّ: «عفرية» (^١).
قال أبو الفتح: هو العفريت. يقال: رجال عفرية نفرية إتباعا: إذا كان خبيثا داهيا. وقالوا: تعفرت الرجل: إذا صار عفريتا، أى خبيثا. وهذا مثال غريب؛ لأن وزنه تفعلت. ونحوه من المثل الغريبة فى الفعل قولهم: يرنأ الرجل لحيته: إذا صبغها باليرنّاء، وهو الحناء؛ فيرنأ على ما ترى يفعل، ومضارعه ييرنئ ييفعل، واسم الفاعل ميرنئ، وهو ميفعل.
وأصل العفريت من العفر، وهو التراب، كأنه يختل قرنه فيصرعه إلى العفر. ومنه قيل للأسد: عفرنى، وللناقة الشديدة: عفرناة. قال الأعشى (¬*١):
بذات لوث عفرناة إذا عثرت … فالنّعس أدنى لها من أن أقول لعا
ومنه عفرية الرأس: للشعر الذى عليه؛ وذلك لأن قصاراه أن يحلق فيصير إلى التراب، أو يصير ترابا ومنه اليعفور لولد الظبية؛ لأنه لصغره ما يلزق بالتراب، أو لأن لونه لون التراب. ومنه ليث عفرّين؛ لأنه دابة يلزم التراب.
***
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ (٥٦)
ومن ذلك قراءة الحسن: «فما كان جواب قومه» (^٢) برفع الباء.
_________________
(١) وقراءة أبى السمال، وأبى بكر الصديق. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٠٩، الكشاف ١٤٨/ ٣، النحاس ٥٢٣/ ٢، مجمع البيان ٢٢٢/ ٧، البحر المحيط ٧٦/ ٧، الآلوسى ٢٠٢/ ١٩). (¬*١) انظر: (ديوانه ١٣).
(٢) وقراءة ابن أبى إسحاق، والأعمش. انظر: (الكشاف ١٥٣/ ٣، مجمع البيان ٢٢٧/ ٧، الإتحاف ٣٣٨، البحر المحيط ٨٦/ ٧).
[ ٢ / ١٨٥ ]
قال أبو الفتح: أقوى من هذا: ﴿جَوابَ قَوْمِهِ﴾ بالنصب، ويجعل اسم كان قوله: ﴿أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ:﴾ لشبه أن بالمضمر، من حيث كانت لا توصف كما لا يوصف. والمضمر أعرف من هذا المظهر، وقد تقدم القول فى ذلك.
***
﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾ (٦٠)
ومن ذلك قراءة الأعمش، وقد اختلف عنه-: «أمن خلق»، خفيفة الميم.
قال أبو الفتح: «من» هنا خبر بمنزلة الذى، وليست باستفهام كقراءة الجماعة: «أم من خلق» فكأنه قال: الذى خلق السموات والأرض، وأنزل لكم من السماء ماء، فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها خير أم ما تشركون، ثم حذف الخبر الذى هو خير أم ما تشركون؛ لدلالة ما قبله عليه، وهو قوله تعالى: ﴿آللهُ خَيْرٌ﴾ أم ما ﴿يُشْرِكُونَ﴾ (^١) وما يحذف خبره لدلالة ما هناك عليه أكثر من أن يحصى، فابن على هذا.
***
﴿أَيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (٦٥)
ومن ذلك قراءة السّلمى: «إيّان يبعثون» (¬*١) بكسر الهمزة.
قال أبو الفتح: قد تقدم القول على كسر هذه الهمزة فيما مضى من الكتاب.
***
﴿بَلِ اِدّارَكَ عِلْمُهُمْ﴾ (٦٦)
ومن ذلك قراءة سليمان بن يسار وعطاء بن السائب: «بل ادرك علمهم» (^٢)، بفتح اللام، ولا همز، ولا ألف.
_________________
(١) سورة النمل الآية (٥٩). (¬*١) انظر: (الكشاف ١٥٦/ ٣، البحر المحيط ٩٢/ ٧، الرازى ٢١١/ ٢٤، الآلوسى ١٣/ ٢٠)، «وقال: هى لغة بنى سليم».
(٢) وقراءة ورش. انظر: (الكشاف ١١٦/ ٣، البحر المحيط ٩٢/ ٧، العكبرى ٩٤/ ٢، مجمع البيان ٢٣٠/ ٧، النحاس ٥٣١/ ٢).
[ ٢ / ١٨٦ ]
وروى عنهما: «بل ادّرك» (^١)، بفتح اللام، ولا همز، وتشديد الدال، وليس بعد الدال ألف.
وقرأ: «بل آدرك» (^٢) -الحسن وأبو رجاء وابن محيصن وقتادة.
وقرأ: «بلى» بياء «آدرك» ممدودا-ابن عباس.
وقرأ: «بل ادّرك» (^٣)، مخفوضة اللام، مشددة الدال-الحسن.
وقرأ: «بل تدارك» (^٤) -أبىّ بن كعب.
وقراءة الناس: «بل أدرك علمهم» (^٥)، و﴿بَلِ اِدّارَكَ﴾ (^٦)، فذلك ثمانية أوجه:
قال أبو الفتح: أما «بل ادرك» فعلى تخفيف الهمزة بحذفها، وإلقاء حركتها على اللام الساكنة قبلها، كقولك: فى ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ (^٧): «قد افلح» (^٨).
وأما «بل ادّرك»، بفتح اللام فكان قياسه: بل ادّرك؛ بكسر اللام لسكونها وسكون
&
_________________
(١) انظر: (القرطبى ٢٢٧/ ١٣، البحر المحيط ٩٢/ ٧، الرازى ٢١٢/ ٢٤).
(٢) وقراءة عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وابن أبى جمرة. انظر: (الإتحاف ٣٣٩، الطبرى ٥/ ٢٠، مجمع البيان ٢٣٠/ ٧، الرازى ٢١٢/ ٢٤، البحر المحيط ٩٢/ ٧).
(٣) وقراءة عاصم، وابن عباس، والأعمش، وأبى رجاء، والأعرج، وشيبة، وطلحة، وتوبة العنبرى، وشعبة، وعطاء ابن يسار، وسليمان بن يسار. انظر: (السبعة ٤٨٥، القرطبى ٢٢٦/ ١٣، التبيان ٩٩/ ٨، مجمع البيان ٢٣٠/ ٧، الكشاف ١٥٦/ ٣، الرازى ٢١٢/ ٢٤، العكبرى ٩٤/ ٢، البحر المحيط ٩٢/ ٧).
(٤) انظر: القرطبى ٢٢٦/ ١٣، الكشاف ١٥٦/ ٣، النحاس ٥٣١/ ٢، العكبرى ٩٥/ ٢، مجمع البيان ٢٣٠/ ٧، الرازى ٢١٢/ ٢٤، الحجة المنسوب لابن خالويه ٥٣٥).
(٥) قراءة ابن كثير، وأبى عمرو، وعاصم، وأبى جعفر، ويعقوب، وشعبة، وحميد، والمفضل. انظر: (الإتحاف ٣٣٩، الكشاف ١٥٦/ ٣، الفراء ٢٩٧/ ٢، الرازى ٢١٢/ ٢٤، التيسير ٦٨، الطبرى ٥/ ٢٠، القرطبى ٢٢٦/ ٣، غيث النفع ٣١٣، العكبرى ٩٤/ ٢، والنحاس ٥٣٠/ ٢،٥٣١، العنوان ١٤١، تحبير التيسير ١٥٣، السبعة ٤٨٥، مجمع البيان ٢٣٠/ ٧، تهذيب اللغة «درك»).
(٦) قراءة نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائى، وخلف، والأعمش. انظر: (الإتحاف ٣٣٩، الكشف ١٦٤/ ٢، الرازى ٢١٢/ ٢٢، السبعة ٤٨٥، التيسير ١٦٨، تحبير التيسير ١٥٣، غيث النفع ٣١٣، القرطبى ٢٢٦/ ٢، الطبرى ٥/ ٢٠، العنوان ١٤١).
(٧) سورة المؤمنون الآية (١).
(٨) قراءة ورش، وابن ذكوان، وحفص، وإدريس، وقراءة حمزة كذلك وقفا. انظر: (الإتحاف ٣١٧).
[ ٢ / ١٨٧ ]
الدال بعدها، إلا أنه فتحت اللام؛ لأن فى ذلك إزالة لالتقاء الساكنين، وعدولا إلى الفتحة لخفتها، كما روينا عن قطرب: أن منهم من يقول: «قُمِ اللَّيْلَ» (^١)، وبع الثوب.
وأما «بل آدرك» فإن «بل» استئناف، وما بعدها استفهام، كما تقول: أزيد عندك؟ بل أجعفر عندك؟ تركا للأول إلى غيره، لا تراجعا عنه، لكن للانتحاء من بعده على غيره. وأما «بلى» فكأنه جواب، وذلك أنه لما قال: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ﴾ فكأن قائلا قال: ما الأمر كذلك، فقيل له: «بلى»، ثم استؤنف فقيل: «آدرك علمهم فى الآخرة».
وأما «بل ادّرك» فلا سؤال مع كسر اللام؛ لسكونها، وسكون الدال بعدها.
وأما «بل تدارك» فإنه أصل قراءة، من قرأ: «ادّارك»؛ وذلك أنه فى الأصل تدارك، ثم آثر إدغام التاء فى الدال؛ لأنها أختها فى المخرج، فقلبها إلى لفظها، وأسكنها، وأدغمها فيها، واحتاج إلى ألف الوصل؛ لسكون الدال بعدها، ومثله: ﴿قالُوا اِطَّيَّرْنا بِكَ﴾ (¬*١) و﴿فَادّارَأْتُمْ فِيها﴾ (^٢).
***
﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ (٧٢)
ومن ذلك قراءة الأعرج: «ردف لكم» (^٣)، بفتح الدال.
قال أبو الفتح: من قال «ردف» فهو فى وزن تبع، ومن قال: «ردف» فهو بمنزلة تلا، وشفع، والكسر أفصح، وهو أكثر اللغة.
***
﴿تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ (٧٤)
ومن ذلك قراءة ابن السّميفع وابن محيصن: «تكنّ صدورهم» (^٤) بفتح التاء، وضم الكاف.
_________________
(١) سورة المزمل الآية (٢)، فى قراءة. (¬*١) سورة النمل الآية (٤٧).
(٢) سورة البقرة الآية (٧٢).
(٣) انظر: (الكشاف ١٥٨/ ٣، العكبرى ٩٥/ ٢، الرازى ٢١٤/ ٢٤، البحر المحيط ٩٥/ ٧).
(٤) وقراءة حميد، واليمانى. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١١٠، الإتحاف ٣٣٩، القرطبى ٢٣٠/ ١٣، الكشاف ١٥٨/ ٣، العكبرى ٩٥/ ٢، البحر المحيط ٩٥/ ٧).
[ ٢ / ١٨٨ ]
قال أبو الفتح: المألوف فى هذا أكننت الشئ: إذا أخفيته فى نفسك، وكننته: إذا سترته بشئ، فأكننت كأضمرت، وكننت كسترت. فأما هذه القراءة: «تكنّ صدورهم» فعلى أنه أجرى الضمير لها مجرى الجسم الساتر لها مبالغة؛ وذلك لأن الجسم أقوى من العرض، وهذا نحو من قوله:
وحاجة دون أخرى قد عرضت لها … جعلتها للّتى أخفيت عنوانا (^١)
فأجرى ما يخفيه الضمير ويبرزه البوح به مجرى ما يدرك باللمس؛ تنويها به، ومباداة للحس بإدراكه. وقد مر به بعض المولدين، فقال:
حبّى له جسم وحب … ب النّاس كلّهم عرض
وعليه قول الآخر:
تغلغل حبّ عثمة فى فؤادى … فباديه مع الخافى يسير (^٢)
ألا تراه كيف وصفه بما توصف به الجواهر من السروب والتغلغل؟ ومر به الطائى الكبير، إلا أنه عكسه فقال:
مودّة ذهب أثمارها شبه … وهمّة جوهر معروفها عرض
والباب واسع، والطريق مسهب، إلا أن هذا سمته.
***
﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ (٨٢)
ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والجحدرى وأبى زرعة: «تكلمهم» (¬*١).
قال أبو الفتح: «تكلمهم»: تجرحهم بأكلها إياهم، وهذا شاهد لمن ذهب فى قوله: «تكلّمهم» إلى أنه بمعنى تجرحهم بأكلها إياهم. ألا ترى أن «تكلمهم» لا يكون إلاّ من الكلم، وهو الجرح. وهذه المادة مما وضعته العرب عبارة عن الشدة هى وتقاليبها الستة: «ك ل م»، «ك م ل»، «م ل ك»، «ل ك م»، «م ك ل»، «ل م ك». وقد ذكرناها فى كتابنا
_________________
(١) انظر: لسان العرب «عنن». ونسبه لسوار بن مضرب.
(٢) انظر: لسان العرب «غلغل». ونسبه لعبيد الله بن عتبة. (¬*١) وقراءة: أبى حيوة، وابن أبى عبلة، وعكرمة، وطلحة، والحسن، وأبى رجاء. انظر: (الفراء ٣٠٠/ ٢، الطبرى ١١/ ٢٠، القرطبى ٢٣٨/ ١٣، الكشاف ١٦٠/ ٣، النحاس ٥٣٥/ ٢، العكبرى ٩٥/ ٢، مجمع البيان ٢٣٢/ ٧، الرازى ٢١٨/ ٢٤).
[ ٢ / ١٨٩ ]
الخصائص (^١) أول باب منه، وهو باب القول على فرق بين الكلام والقول.
ويشهد لمن قال فى قوله: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ إلى أنه من الكلام قراءة أبى: «تنبّئهم» (^٢)، ويشهد لهذا التأويل أيضا قراءة ابن مسعود: «تكلّمهم بأنّ النّاس كانوا بآياتنا لا يوقنون» (^٣). وإن شئت كان هذا شاهدا لمن ذهب إلى أن «تكلّمهم»: تجرحهم، أى: تفعل بهم ذلك بكفرهم، وزوال يقينهم.
***
﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ (٨٧)
ومن ذلك قراءة قتادة: «وكلّ أتاه داخرين» (^٤).
قال أبو الفتح: حمل «أتاه» على لفظ «كلّ»؛ إذ كان مفردا، و«داخرين» على معناها. ولو قلب ذلك لم يحسن، لو قال: وكلّ أتوه داخرا قبح وضعف؛ وذلك أنك لمّا قلت: وكلّ، فقد جئت بلفظ مفرد، فإذا قلت: أتوه فقد حملت على المعنى وانصرفت عن اللفظ، ثم إذا قلت: من بعد داخرا، فأفردت فقد تراجعت إلى ما انصرفت عنه، فكان ذلك قلقا فى الصنعة وانتكاثا عن المحجة المصير إليها المعتزمة.
وعلى ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ (^٥). فلو قال: من بعد: حتى إذا خرج من عندك لم يحسن؛ وذلك لأنه قد ترك لفظ «مَنْ» إلى معناها بقوله: «يَسْتَمِعُونَ». فلو عاد إليه بعد انصرافه عنه فقال: خرج عاد إلى ما كان قد رغب عنه، واعتزم غيره عوضا منه. وكذلك قول الفرزدق (^٦):
_________________
(١) انظر: (الخصائص ٦/ ١).
(٢) انظر: (القرطبى ٢٣٧/ ١٣، الكشاف ١٦٠/ ٣، الرازى ٢١٨/ ٢٤، الكشف ١٦٧/ ٢، البحر المحيط ٩٧/ ٧).
(٣) انظر: (القرطبى ٢٣٨/ ١٣، التبيان ١٠٧/ ٨، البحر المحيط ٩٧/ ٧، الرازى ٢١٨/ ٢٤، الحجة المنسوب لابن خالويه ٥٣٨).
(٤) انظر: (القرطبى ٢٤١/ ١٣، الكشاف ٢٢٠/ ٢٤، الرازى ١٦١/ ٣).
(٥) سورة يونس الآية (٤٢).
(٦) من قصيدته التى مطلعها: وأطلس عسال وما كان صاحبا دعوت بنارى موهنا فأتانى انظر: (ديوانه ٣٢٩/ ٢).
[ ٢ / ١٩٠ ]
تعشّ فإن عاهدتنى لا تخوننى … نكن مثل من ياذيب يصطحبان (^١)
فلو قال بعد يصطحبان: فلا تنكر صحبته، أو فلا تذم عشرته؛ عودا إلى لفظ «من» وإفراده لكان فيه ما ذكرنا من كراهيته. واعلم أن مقاد الاستعمال فى «كلّ» أنها إذا كانت مفرده أخبر عنها بالجميع، نحو قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ،﴾ (^٢) و﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ (^٣)، «وكلّ آتوه داخرين» (^٤) فى قراءة الكافة. فإن كانت مضافة إلى الجماعة أتى الخبر عنها مفردا كقوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا﴾ (^٥)، وذلك أن أحد علمى الجمع كاف عندهم من صاحبه، وابن على ذلك.
***
_________________
(١) فى ديوانه ٣٢٩/ ٩: «تعش فإن واثقتنى لا تخوننى».
(٢) سورة يس الآية (٤٠).
(٣) سورة البقرة الآية (١١٦).
(٤) سورة النمل الآية (٨٧)، وهى قراءة: أبى عمرو، وابن كثير، وابن عامر، والكسائى، ونافع، وعاصم. انظر: (السبعة ٤٨٧، النشر ٣٣٩/ ٢، الإتحاف ٣٤٠، التيسير ١٦٩، تحبير التيسير ١٥٣، الحجة المنسوب لابن خالويه ٢٧٥، الحجة لأبى زرعة ٥٣٩، غيث النفع ٣١٤، البحر المحيط ١٠٠/ ٧، العنوان ١٤٢، التبيان ١٠٨/ ٨، الطبرى ١٤/ ٢٠، الكشاف ١٤٧/ ٢،١٦٧، الفراء ٣٠١/ ٢، القرطبى ٢٤١/ ١٣، مجمع البيان ٢٢٥/ ٧، الرازى ٢٢٠/ ٢٤).
(٥) سورة مريم الآية (٩٥).
[ ٢ / ١٩١ ]