﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿سُورَةٌ﴾ (١)
قراءة أم الدرداء وعيسى الثقفى وعيسى الهمدانى، ورويت عن عمر بن عبد العزيز (^١): «سورة» (^٢)، بالنصب.
قال أبو الفتح: هى منصوبة بفعل مضمر، ولك فى ذلك طريقان:
أحدهما: أن يكون ذلك المضمر من لفظ هذا المظهر، ويكون المظهر تفسيرا له، وتقديره:
أنزلنا سورة، فلما أضمره فسره بقوله: ﴿أَنْزَلْناها﴾. كما قال (^٣):
_________________
(١) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموى القرشى، (٦١ - ١٠١ هـ-٦٨١ - ٧٢٠ م): الخليفة الصالح، والملك العادل، وربما قيل له خامس الخلفاء الراشدين تشبيها له بهم. . . ولد ونشأ بالمدينة، وولى إمارتها للوليد، ثم استوزره سليمان بالشام. وولى الخلافة من بعد سليمان سنة ٩٩ هـ، فبويع فى مسجد دمشق. انظر: (فوات الوفيات ١٠٥/ ٢، تهذيب التهذيب ٤٧٥/ ٧، المحبر ٢٧، حلية الأولياء ٢٥٣/ ٥ - ٣٥٣، ابن الأثير ٢٢/ ٥، اليعقوبى ٤٤/ ٣، صفة الصفوة ٦٣/ ٢، ابن خلدون ٧٦/ ٣، تاريخ الخميس ٣١٤/ ٢،٣١٥، الطبرى ١٣٧/ ٨، الأغانى ٢٥٤/ ٩، المسعودى ١٣١/ ٢،١٣٧، النجوم الزاهرة ٢٤٦/ ١، الجرح والتعديل ١٢٢/ ٣، تهذيب الأسماء واللغات ١٩/ ٢، شذرات، الذهب ١١٩/ ١، الأعلام ٥٠/ ٥).
(٢) وقراءة أبى عمرو، وابن محيصن، ومجاهد، وابن أبى عبلة، وأبى حيوة، ومحبوب وطلحة بن مصرف، وورش. انظر: (الإتحاف ٣٢٢، العكبرى ٨٣/ ٢، القرطبى ١٥٨/ ١٢، الكشاف ٤٦/ ٣، النحاس ٤٣١/ ٢، مجمع البيان ١٢٣/ ٧، الفراء ٢٤٤/ ٢، البحر المحيط ١٥٨/ ١٢).
(٣) نسبه فى الكتاب ٨٩/ ١ للربيع بن ضبع الفزارى. انظر: (خزانة الأدب ٣٠٨/ ٣، جمهرة أنساب العرب ٢٥٥، المعمرين ٦). ويقولون: إن الربيع نيف على مائتى عام.
[ ٢ / ١٤٢ ]
أصبحت لا أحمل السّلاح ولا … أملك رأس البعير إن نفرا
والذئب أخشاه إن مررت به … وحدى وأخشى الرّياح والمطرا (^١)
أى: وأخشى الذئب، فلما أضمره فسره بقوله: أخشاه.
والآخر: أن يكون الفعل الناصب ل «سورة» من غير لفظ الفعل بعدها، لكنه على معنى التحضيض، أى: اقرءوا سورة، أو تأملوا وتدبروا سورة أنزلناها، كما قال تعالى: ﴿فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وَسُقْياها﴾ (^٢)، أى: احفظوا ناقة الله. ويؤنس بإضمار ذلك ظهوره فى قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ (^٣). فإذا كان تقديره هذا فقوله: ﴿أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها﴾ إلى آخر ذلك، منصوب الموضع لكونه صفة ل «سورة». وإذا جعلت «أنزلناها» تفسيرا للفعل الناصب المضمر فلا موضع له من الإعراب أصلا، كما أنه لا موضع من الإعراب لقوله: أنزلنا سورة؛ لأنه لم يقع موقع المفرد، وهذا واضح.
وأما قراءة الجماعة ﴿سُورَةٌ،﴾ بالرفع فمرفوعة بالابتداء، أى: فيما ينزل إليكم وما يتلى عليكم سورة من أمرها كذا، فالجملة بعدها إذا فى موضع رفع؛ لأنها صفة ل «سورة».
***
﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي﴾ (٢)
ومن ذلك قراءة عيسى الثقفى: «الزانية والزانى» (^٤)، بالنصب.
قال أبو الفتح: وهذا منصوب بفعل مضمر أيضا، أى: اجلدوا الزانية والزانى، فلما أضمر الفعل الناصب فسره بقوله: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾. وجاز
_________________
(١) يصف انتهاء شبيبته وذهاب قوته؛ فلا يطيق حمل السلاح لحرب، وأنه لا يملك رأس البعير إن نفر من شئ، وإذا خلا بالذئب خشيه على نفسه ولا يحتمل العواصف وبردها وأذى المطر لذلك. ويروى: «أن يقرا» من الوقار، أى لا يملك توقير بعيره عند النفار. والرأس هو الموضع الذى يملكه منه ويحاول تسكينه.
(٢) سورة الشمس الآية (١٣).
(٣) سورة محمد الآية (٢٤).
(٤) وقراءة يحيى بن يعمر، وعمرو بن فائد، وأبى جعفر، وشيبة، وأبى السمال، ورويس. انظر: (النحاس ٤٣١/ ٢، شرح الكافية ١٧٨/ ١، البحر المحيط ٤٢٧/ ٦، القرطبى ١٥٩/ ١٢، الكشاف ٤٧/ ٣، مجمع البيان ١٢٣/ ٧، الرازى ١٣٠/ ٢٣).
[ ٢ / ١٤٣ ]
دخول الفاء فى هذا الوجه لأنه موضع أمر، ولا يجوز زيدا فضربته؛ لأنه خبر. وساغت الفاء مع الأمر لمضارعته الشرط، ألا تراه دالا على الشرط؟ ولذلك انجزم جوابه فى قولك: زرنى أزرك؛ لأن معناه زرنى؛ فإنك إن تزرنى أزرك. فلما آل معناه إلى الشرط جاز دخول الفاء فى الفعل المفسّر للمضمر، فعليه تقول: بزيد فامرر، وعلى جعفر فانزل.
ولا موضع لقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ؛﴾ لأنه تفسير، ولا يكون وصفا ل «الزانية» و«الزانى» من حيث كانت المعرفة لا توصف بالنكرة، وكل جملة فهى نكرة.
وأيضا فإن الأمر لا يوصف به كما لا يوصف بالنهى ولا بالاستفهام؛ لاستبهام كل واحد من ذلك لعدم الخبر منه. وأيضا فإن الموصوف لا تعرض بينه وبين صفته الفاء، لا تقول: مررت برجل فيضرب زيدا؛ وذلك لأن الصفة تجرى مجرى الجزء من الموصوف، وجزء الشئ لا يعطف على ما مضى منه.
فإن قلت: فقد أقول: مررت برجل قام فضرب زيدا، فكيف جاز العطف هنا؟ قيل: إنما عطفت صفة على صفة، ولم تعطف الصفة على الموصوف من حيث كان الشئ لا يعطف على نفسه لفساده.
***
﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ (٤)
ومن ذلك قراءة عبد الله بن مسلم بن يسار وأبى زرعة بن عمرو بن جرير «بأربعة شهداء»، بالتنوين (^١).
قال أبو الفتح: هذا حسن فى معناه؛ وذلك أن أسماء العدد من الثلاثة إلى العشرة لا تضاف إلى الأوصاف، لا يقال: عندى ثلاثة ظريفين إلا فى ضرورة إلى إقامة الصفة مقام الموصوف، وليس ذلك فى حسن وضع الاسم هناك، والوجه عندى ثلاثة ظريفون. وكذلك قوله: «بأربعة شهداء» لتجرى «شهداء» على «أربعة» وصفا؛ فهذا هذا.
فأما وجه قراءة الجماعة: ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ بالإضافة فإنما ساغ ذلك لأنهم قد استعملوا ال «شهداء» استعمال الأسماء، كقولهم: إذا دفن الشهيد صلت عليه الملائكة، وعدّ الشهداء يومئذ فكانوا كذا وكذا، ومنزلة الشهيد عند الله مكينة. فلما اتسع ذلك عنهم جرى عندهم مجرى الاسم؛ فحسنت إضافة اسم العدد إليه حسنها إذا أضيف إلى الاسم الصريح أو قريبا من ذلك.
_________________
(١) انظر: (الكشاف ٥٠/ ٣، البحر المحيط ٤٣١/ ٦، النحاس ٤٣٢/ ٢، مجمع البيان ١٢٥/ ٧).
[ ٢ / ١٤٤ ]
واعلم من بعد أن الصفات لا تتساوى أحوالها فى قيامها مقام موصوفاتها، بل بعضها فى ذلك أحسن من بعض، فمتى دلت الصفة على موصوفها حسنت إقامتها مقامه، ومتى لم تدل على موصوفها قبحت إقامتها مقامه. فمن ذلك قولك: مررت بظريف، فهذا أحسن من قولك: مررت بطويل؛ وذلك أن الظريف لا يكون إلا إنسانا مذكرا ورجلا أيضا، وذلك أن الظّرف إنما هو حسن العبارة، وأنه أمر يخص اللسان؛ فظريف إذا مما يختص الرجال دون الصبيان؛ لأن الصبى فى غالب الأمر لا تصح له صفة الظرف، وليس كذلك قولنا: مررت بطويل؛ لأن الطويل قد يجوز أن يكون رجلا، وأن يكون رمحا، وأن يكون حبلا وجذعا، ونحو ذلك. فهذا هو الذى يقبح، والأول هو الذى يحسن، فإن قام دليل من وجه آخر على إرادة الموصوف ساغ وضع صفته موضعه، فاعرف ذلك واعتبره بما ذكرنا.
وإنما قبح حذف الموصوف من موضعين:
أحدهما: أن الصفة إنما لحقت الموصوف إما للتخصيص والبيان، وإما للإسهاب والإطناب، وكل واحد من هذين لا يليق به الحذف، بل هو من أماكن الإطالة والهضب.
واعلم أن الصفة كما تفيد فى الموصوف فكذلك قد يفيد الموصوف فى صفته، ألا تراك إذا قلت: مررت بغلام طويل فقد علم أن طويلا هنا إنسان؟ ولو لم يتقدم ذكر الغلام لم يعلم أنه لإنسان أو غيره: من الرمح، أو الجذع، ونحوهما. وكذلك قد علم بقولك: طويل أن الرجل طويل وليس بربعة ولا قصير، وهذا أحد ما خلط الموصوف بصفته حتى صارت معه كالجزء منه، وذلك لتساويهما فى إفادة كل واحد منهما فى صاحبه ما لولا مكانه لم يفد فيه.
***
﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ (٧) ﴿أَنَّ غَضَبَ اللهِ﴾ (٩)
ومن ذلك قراءة الأعرج بخلاف وأبى رجاء وقتادة وعيسى وسلاّم وعمرو بن ميمون، ورويت عن عاصم: «أن لعنة الله» (^١) «وأن غضب الله» (^٢).
_________________
(١) وقراءة نافع، ويعقوب، والحسن. انظر: (الإتحاف ٣٢٢، البحر المحيط ٤٣٤/ ٦، السبعة ٤٥٣، النشر ٣٣٠/ ٢، الكشاف ٥٢/ ٢، مجمع البيان ١٢٧/ ٧، التيسير ١٦١، التبيان ٣٦٣/ ٧، العكبرى ٨٤/ ٢، العنوان ١٣٢، تحبير التيسير ١٤٧، النحاس ٤٣٣/ ٢، الحجة المنسوب لابن خالويه ٢٦٠، غيث النفع ٣٠٢، الكشف ١٣٤/ ٢، الرازى ١٦٦/ ٢٣).
(٢) قراءة الحسن، ويعقوب. انظر: (الإتحاف ٣٢٢، البحر المحيط ٤٣٤/ ٦، النشر ٣٢٠/ ٢، التبيان ٣٦٣/ ٧، الرازى ١٦٦/ ٢٣، تحبير التيسير ١٣٢).
[ ٢ / ١٤٥ ]
وقرأ: «أن لعنة الله» رفع وخفف النون، و«أنّ غضب الله» نصب-يعقوب.
قال أبو الفتح: أما من خفف ورفع فإنها عنده مخففة من الثقيلة وفيها إضمار محذوف للتخفيف، أى: أنّه لعنة الله عليه وأنّه غضب الله عليها، فلما خففت أضمر اسمها وحذف، ولم يكن من إضماره بدّ؛ لأن المفتوحة إذا خففت لم تصر بالتخفيف حرف ابتداء، إنما تلك «إن» المكسورة، وعليه قول الشاعر:
فى فتية كسيوف الهند قد علموا … أن هالك كلّ من يخفى وينتعل (^١)
أى: أنه هالك كل من يحفى وينتعل.
وسبب ذلك أن اتصال المكسورة باسمها وخبرها اتصال بالمعمول فيه، واتصال المفتوحة باسمها وخبرها اتصالان: أحدهما اتصال العامل بالمعمول، والآخر اتصال الصلة بالموصول.
ألا ترى أن ما بعد المفتوحة صلة لها؟ فلما قوى مع الفتح اتصال «أن» بما بعدها لم يكن لها بد من اسم مقدر محذوف تعمل فيه، ولما ضعف اتصال المكسورة بما بعدها جاز إذا خففت أن تفارق العمل وتخلص حرف ابتداء، ولا يجوز أن تكون «أن» هنا بمنزلة أى للعبارة، كالتى فى قول سبحانه: ﴿وَاِنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا﴾ (^٢)، معناه أى: امشوا. قال سيبويه: لأنها لا تأتى إلاّ بعد كلام تام، وقوله: ﴿وَاِنْطَلَقَ الْمَلَأُ﴾ كلام تام، وليست «الخامسة» وحدها كلاما تاما فتكون «أن» بمعنى أى، ولا تكون «أن» هنا زائدة كالتى فى قوله:
ويوما توافينا بوجه مقسّم … كأن ظبية تعطوالى وارق السّلم (^٣)
لأن معناه: «والخامسة» أن الحال كذلك، يدل على ذلك قراءة الكافة: ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللهِ﴾ و﴿أَنَّ غَضَبَ اللهِ﴾.
***
﴿كِبْرَهُ﴾ (١١)
ومن ذلك قراءة أبى رجاء وحميد ويعقوب وسفيان الثورى وعمرة بنت
_________________
(١) سبق الاستشهاد به.
(٢) سورة ص الآية (٦).
(٣) سبق الاستشهاد به فى (٤٢٩/ ١).
[ ٢ / ١٤٦ ]
عبد الرحمن (^١) وابن قطيب: «كبره» (^٢)، بضم الكاف.
قال أبو الفتح: من قرأ كذلك أراد عظمه، ومن كسر فقال: ﴿كِبْرَهُ﴾ أراد وزره وإثمه.
قال قيس بن الخطيم:
تنام عن كبر شأنها فإذا … قامت رويدا تكاد تنغرف
أى عن معظم شأنها.
***
﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ (١٥)
ومن ذلك قراءة عائشة وابن عباس ﵄ وابن يعمر وعثمان الثقفى: «إذ تلقونه» (^٣).
وقرأ: «إذ تلقونه» -من ألقيت-ابن السّميفع (^٤).
وقرأ: «إذ تتقفّونه» أمّ ابن عيينة. قال ابن عيينة: سمعت أمى تقرأ كذلك، وكانت على قراءة عبد الله.
&
_________________
(١) عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زراة بن عدس، من بنى النجار (٢١ - ٩٨ هـ-٦٤٢ - ٧١٦ م): سيدة نساء التابعين، فقيهة، عالمة بالحديث، ثقة، من أهل المدينة. صحبت عائشة أم المؤمنين، وأخذت الحديث عنها. انظر: (تهذيب التهذيب ١٢،٤٣٨، ودول الإسلام ٥٠/ ١، خلاصة تهذيب الكمال ٤٢٥، طبقات ابن سعد ٣٥٣/ ٨، الأعلام ٧٢/ ٥).
(٢) وقراءة الكسائى، وأبى عمرو، ومحبوب، والحسن، والزهرى، والمجاهد، وأبى البرهسم، والأعمش، وابن أبى عبلة الزعفرانى، وابن مقسم، وسورة، وأبى جعفر. انظر: (تهذيب اللغة «كبر»، الإتحاف ٣٢٣، لسان العرب «كبر»، تحبير التيسير ١٤٧، الطبرى ٦٩/ ١٨، القرطبى ٢٠٠/ ١٢، النشر ٣٣١/ ٢، البحر المحيط ٤٣٧/ ٦، مجمع البيان ١٢٩/ ٧، النحاس ٤٣٤/ ٢، والرازى ١٧٤/ ٢٣، التبيان ٣٩٨/ ٧، الآلوسى ١١١٥/ ١٨، مختصر شواذ القراءات ١٠١).
(٣) وقراءة عيسى، وزيد بن على. انظر: (الفراء ٢٤٨/ ٢، تهذيب اللغة «ولوق»، البحر المحيط ٤٣٨/ ٦، الطبرى ٧٠٨/ ١٨، القرطبى ٢٠٤/ ١٢، الكشاف ٥٤/ ٣، مجمع البيان ١٢٩/ ٧، التبيان ٣٦٩/ ٧، النحاس ٤٣٥/ ٢، لسان العرب «ولق»).
(٤) انظر: (القرطبى ٢٠٤/ ١٢، الكشاف ٥٤/ ٣، الرازى ١٧٩/ ٢٣، البحر المحيط ٤٣٨/ ٦، العكبرى ٨٤/ ٢).
[ ٢ / ١٤٧ ]
وروى أيضا عن ابن عيينة، قال: سمعت أمى تقرأ: «إذ تثقّفونه» (^١)، قال: وكان أبوها يقرأ كما يقرأ عبد الله.
وقراءة الناس: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾.
قال أبو الفتح: أما «تلقونه» فتسرعون فيه، وتخفّون إليه. قال الراجز (^٢):
جاءت به عنس من الشّام تلق (^٣) …
أى تخف وتسرع، وأصله تلقون فيه أو إليه، فحذف حرف الجر وأوصل الفعل إلى المفعول، كقوله تعالى: ﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ (^٤)، أى: من قومه؛ والهاء ضمير الإفك الذى تقدم ذكره.
وأما «تلقونه» فمعناه تلقونه من أفواهكم. وأما تتقفّونه فتجمعونه وتحطبونه من عند أنفسكم، ولا أصل له عند الله تعالى. وعليه القراءة الأخرى «تثقّفونه» من ثقفت الشئ إذا طلبته فأدركته، أى تتصيّدون الكلام فى الإفك من هنا ومن هنا.
***
﴿ما زَكى﴾ (٢١)
ومن ذلك قراءة أبى جعفر وشيبة وعيسى الهمدانى وعيسى الثقفى، ورويت عن عاصم والأعمش أيضا: «ما زكا»، بالإمالة (^٥).
_________________
(١) وقراءة ابن مسعود، وأبّى. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٠٠، الكشاف ٥٤/ ٣، الرازى ٢٣،١٧٩، البحر المحيط ٤٣٨/ ٦).
(٢) قائله: القلاخ بن حزن المنقرى يهجو جليدا الكلابى، وقبله: إن الجليد زلق وزملق كذنب العقرب شوال فلق
(٣) هذا ما فى لسان العرب «زلق»، وفى المخصص ٧/ ٩ «عيسى» فى مكان «عنس»، وفى لسان العرب «أنق»: إن الزبير زلق وزملق جاءت به عنس من الشام تلق لا أمن جليسه ولا أنق وورد فى الخصائص دون نسبه ٩/ ١، وانظر: (هامش الخصائص ٩/ ١).
(٤) سورة الأعراف الآية (١٥٥).
(٥) وقراءة حمزة، والكسائى، وأبى حيوة. انظر: (البحر المحيط ٤٣٩/ ٦، الإتحاف ٣٢٣).
[ ٢ / ١٤٨ ]
قال أبو الفتح: من الواو، لقولهم فيه: زكوت تزكو، فأميلت ألفه، فإن كانت من الواو من حيث كان فعلا، والأفعال أقعد فى الاعتلال من الأسماء من حيث كانت كثيرة التصرف، وله وضعت، والإمالة ضرب من التصرف. ولو كان اسما لم تحسن إمالته حسنها فى الفعل، وذلك نحو العفا: ولد الحمار الوحشى، والسّنا: الذى يأتى من مكة. وقد تقدم نحو هذا، فهذا مثال يقاس به بإذن الله.
***
﴿خُطُواتِ﴾ (٢١)
ومن ذلك قراءة علىّ والأعرج وعمرو بن عبيد وسلام: «خطؤات» بالهمز.
وقرأ: «خطوات» أبو السّمّال.
قال أبو الفتح: قد تقدم القول على ذلك فيما مضى.
***
﴿يَأْتَلِ﴾ (٢٢)
ومن ذلك قراءة عباس بن عياش بن أبى ربيعة وأبى جعفر وزيد بن أسلم: «يتألّ» (^١) يتفعّل.
قال أبو الفتح: تألّيت على كذا إذا حلفت، والألوة والإلوة والألوة والأليّة: اليمين.
أنشد الأصمعى:
عجّاجة هجاجة تألّى … لأصبحنّ الأحقر الأذلا (^٢)
أى: ولا يحلف أولو الفضل منكم والسعة ألاّ يؤتوا أولى القربى. ومن قرأ: «ولا يأتل» فمعناه: ولا يقصّر، وهو يفتعل من قولهم: ما ألوت فى كذا أى: ما قصرت.
***
_________________
(١) وقراءة الحسن، وعبد الله بن عياش بن أبى ربيعة، وأبى رجاء، وأبى مجلز. انظر: (الفراء ٢٤٨/ ٢، الإتحاف ٣٢٣، الطبرى ٨١/ ١٨، الكشاف ٥٦/ ٣،٢ النشر/٣٣١، التبيان ٣٧٢/ ٧، البحر المحيط ٤٤٠/ ٦، العكبرى ٨٤/ ٢، النحاس ٤٣٦/ ٢، تحبير التيسير ١٤٨، مجمع البيان ١٢٩/ ٧، الآلوسى ١٢٥/ ١٨).
(٢) انظر: لسان العرب «هجج».
[ ٢ / ١٤٩ ]
﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ (٢٢)
ومن ذلك ما يروى عن النبى ﷺ: «ولتعفوا ولتصفحوا» (^١) بالتاء، وروى عنه بالياء.
قال أبو الفتح: هذه القراءة بالتاء كالأخرى المأثورة عنه ﵇: «فبذلك فلتفرحوا» (^٢)، وقد ذكرنا ذلك وأنه هو الأصل، إلا أنه أصل مرفوض؛ استغناء عنه بقولهم: اعفوا واصفحوا وافرحوا، ولا وجه لإعادته.
***
﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ (٢٥)
ومن ذلك قراءة مجاهد وأبى روق: «يومئذ يوفّيهم الله دينهم الحقّ»، (^٣) رفعا.
قال أبو الفتح: «الحق» هنا وصف الله «سبحانه»، أى: يومئذ يوفّيهم الله الحقّ دينهم وجاز وصفه «تعالى» بالحق لما فى ذلك من المبالغة، حتى كأنه يجعله هو هو على المبالغة، فهو كقولنا: رجل خصم، وقوم زور، وقوله (^٤):
. . . فهم رضا وهم عدل (^٥) …
وعليه قوله تعالى: ﴿إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ (^٦).
***
_________________
(١) وقرأ بها عبد الله بن مسعود، والحسن، وسفيان بن الحسين، وأسماء بنت يزيد، وعلى بن أبى طالب. انظر: (مجمع البيان ١٣٣/ ٧، البحر المحيط ٤٤٠/ ٦).
(٢) سورة يونس الآية (٥٨).
(٣) وقراءة عبد الله بن مسعود، وأبى حيوة. انظر: (الطبرى ٨٤/ ١٨، القرطبى ٢١٠/ ١٢، مجمع البيان ١٣٣/ ٧، التبيان ٣٧٤/ ٧، الكشاف ٥٦/ ٣، البحر المحيط ٤٤١/ ٦).
(٤) قائله زهير بن أبى سلمى يمدح سنان بن أبى حارثة المرى، من قصيدة مطلعها: صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو وأقفر من سلمى التعانيق فالثقل انظر: (ديوانه ٥٨).
(٥) البيت بتمامه: متى يشتجر قوم يقل سرواتهم هم بيننا فهم رضا وهم عدل انظر: (ديوانه ٦١).
(٦) سورة الأنعام الآية (٦٢).
[ ٢ / ١٥٠ ]
﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ (٢٧)
ومن ذلك قول ابن عباس: أخطأ الكاتب، إنما هى «تستأذنوا» (^١)، يعنى قوله: ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾.
وكذلك يروى عن عبد الله، وروى عن أبىّ: «حتى تسلّموا أو تستأذنوا»، وكذلك قرأ ابن عباس.
قال أبو الفتح: «تستأنسوا» هنا معناه تطلبوا وتلتمسوا الأنس، كما أن «تستأذنوا» إنما معناه تطلبوا الإذن. فأما قولهم: قد استأنست بفلان فليس من هذا، إنما ذاك معناه أنست به، وليس المراد فيه طلبت الأنس منه. وأنس فى هذا واستأنس كسخر واستسخر، وهزئ واستهزأ، وعجب واستعجب، وقرّ واستقر، وعلا واستعلى. قال أوس بن حجر (^٢):
ومستعجب ممّا يرى من أناتنا … ولو زبنته الحرب لم يترمرم (^٣)
***
﴿مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣٣)
ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير: «من بعد إكراههنّ لهنّ غفور رحيم» (^٤).
قال أبو الفتح: اللام فى «لهن» متعلقة ب «غفور»؛ لأنها أدنى إليها؛ ولأن فعولا أقعد فى التعدى من فعيل، فكأنه قال: فإن الله من بعد إكراههن غفور لهن. ويجوز أن تكون أيضا متعلقة ب «رحيم»؛ وذلك أن ما لا يتعدى قد يتعدى بحرف الجر، ألا تراك تقول: هذا مارّ بزيد أمس، فتعمل اسم الفاعل وهو لما مضى؛ لأن هناك حرف الجر، وإن كنت لا تعديه فتنصب به وهو لما مضى؟ فكذلك يجوز تعلق اللام فى «لهن» بنفس
_________________
(١) وقراءة سعيد بن جبير. انظر: (الطبرى ٨٧/ ١٨، القرطبى ٢١٣/ ١٢، الكشاف ٥٩/ ٣، البحر المحيط ٤٤٥/ ٦، الرزاى ١٩٦/ ٢٣، التبيان ٣٧٧/ ٧).
(٢) من قصيدته التى مطلعها: تنكرت منا بعد معرفة لمى وبعد التصابى والشباب المكرّم انظر: (ديوانه ١١٧).
(٣) قوله: زبنته يقول دفعته، ولم يترمرم، أى: لم يتحرك.
(٤) وقراءة ابن مسعود، وجابر بن عبد الله. انظر: (مجمع البيان ١٣٩/ ٧، القرطبى ٢٥٥/ ١٢، الكشاف ٦٧/ ٣).
[ ٢ / ١٥١ ]
«رحيم»، وإن كنت لا تجيز: هذا رحيم زيدا، على مذهب الجماعة غير سيبويه ولأجل اللام فى «لهن».
فإن قلت: فإذا كانت اللام فى «لهن» متعلقة ب [رحيم] وإنما يجوز أن يقع المعمول بحيث يجوز وقوع العامل أفتقدّم رحيما على غفور، وهو تابع له؟.
قيل: اتباعه إياه لفظا لا يمنع من جواز تقديم رحيم على غفور؛ وذلك أنهما جميعا خبران لإنّ، وجاز تقدم أحد الخبرين على صاحبه، فتقول: هذا حلو حامض، ويجوز: هذا حامض حلو. فلك إذا أن تقول: فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم، وإن شئت رحيم غفور.
ويحسّن ذلك هنا أيضا شئ آخر، وهو أن الرحمة كأنها أسبق رتبة من المغفرة؛ وذلك أنه «سبحانه» إنما يرحم فيغفر، فكأن رتبة الرحمة أسبق فى النفس من رتبة المغفرة؛ فلذلك جاز، بل حسن تعليق اللام فى «لهن» بنفس «رحيم» وإن كان بعيدا عنها؛ لما ذكرناه من كون الرحمة سببا للمغفرة، فإذا كانت فى الرتبة قبلها معنى حسن أن تكون قبلها لفظا أيضا.
فإن جعلت «رحيم» صفة ل «غفور» لم يجز أن تعلّق فى «لهن» بنفس «رحيم»؛ لامتناع تقدم الصفة على موصوفها. وإذا لم يجز أن ينوى تقديمها عليه لم يجز أن تضع ما تعلق بها قبله؛ لأنه إنما يجوز أن يقع المعمول بحيث يجوز أن يقع العامل فيه، وأنت إذا جعلت رحيما صفة ل «غفور» لم يجز أن تقدمه عليه؛ لامتناع جواز تقدم الصفة على موصوفها إذا كانت حالة منه محل آخر أجزاء الكلمة من أولهما، فاعرف ذلك.
***
﴿فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ﴾ (٣٥)
ومن ذلك قراءة نصر بن عاصم: «فى زجاجة الزّجاجة»، بفتح الزاى فيهما (^١).
قال أبو الفتح: فيها ثلاث لغات: زجاجة، وزجاجة، وزجاجة: بالفتح، والضم، والكسر.
وفى الجمع زجاج، وزجاج، وزجاج: كنعامة، ونعام، ورقاقة ورقاق، وعمامة
_________________
(١) وقراءة ابن مجاهد، وابن أبى عبلة. انظر: (الكشاف ٦٨/ ٣، الرازى ٢٣،٢٣٥، القرطبى ٢٦١/ ١٢، البحر المحيط ٤٥٦/ ٦).
[ ٢ / ١٥٢ ]
وعمام. حكى بعضهم: وضعوا عمامهم عن رءوسهم، يريد: عمائمهم. فقد يكون كزجاجة وزجاج، ويجوز أيضا أن يكون جمعا مكسرا، كظريف وظراف، ودرع دلاص وأدرع دلاص، وناقة هجان وأينق هجان.
ويدل على أنه تكسير-وليس كجنب مما يقع للواحد فما فوقه بلفظ واحد- قولهم: هجانان، وكذلك أيضا زجاج جمع زجاجة وزجاجة وزجاجة تكسير الجمع على ما مضى لا على الجمع بطرح الهاء. ونظير عمامة وعمام-إذا لم تجعله تكسيرا، وجعلته جمعا بحذف التاء وإن لم يكن جنسا وكان مصنوعا-قولهم: سفينة وسفين، ودواة ودوى، وغاية وغاى، وراية وراى، وثاية وثاى، وطاية وطاى.
***
﴿كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ (٣٥)
ومن ذلك قراءة قتادة والضحاك: «كوكب درّىّ»، مخففة (^١).
وقرأ: «درّئ»، مفتوحة الدال، مشددّة الراء، مهموزة (^٢) -سعيد بن المسيب، ونصر بن علىّ، وأبو رجاء، وأبان بن عثمان (^٣)، وقتادة، وعمرو بن فائد.
قال أبو الفتح: الغريب من هذا «درّئ»، بفتح الدال، وتشديد الراء، والهمز. وذلك لأن فعّيلا بالفتح وتشديد العين عزيز، إنما حكى منه: السّكّينة، بفتح السين وتشديد الكاف، حكاها أبو زيد. وقد ذكرنا فى صدر هذا الكتاب القول على الدرّىّ وما فيه من الصنعة، شيئا على شئ، وبسطناه هناك.
***
_________________
(١) وقراءة قتادة، وزيد بن على، والضحاك، والحسن، ومجاهد. انظر: (البحر المحيط ٤٥٦/ ٦، النحاس ٤٤١/ ٢، الرازى ٢٣٦/ ٢٣، العكبرى ٤٤١/ ٢).
(٢) وقراءة الشبنودى، وابن المسيب، وأبان بن عثمان، وأبى رجاء، والأعمش، وعمرو بن فايد، ونصر بن عاصم. انظر: (الأخفش ٤٢٠/ ٢، القرطبى ٢٦٢/ ١٢، البحر المحيط ٤٥٦/ ٦، الإتحاف ٣٢٤ الرازى ٢٣٦/ ٢٣).
(٣) أبان بن عثمان بن عفان الأموى القرشى (١٠٥ هـ-٧٢٣ م): أول من كتب فى السيرة النبوية وهو ابن الخليفة عثمان، مولده ووفاته فى المدينة. شارك فى وقعة الجمل مع عائشة. وتقدم عند خلفاء بنى أمية فولى إمارة المدينة سنة ٧٦ هـ إلى ٨٣ هـ وكان من رواه الحديث الثقات، ومن فقهاء المدينة أهل الفتوى. انظر: (العبر ١٢٩/ ١، طبقات ابن سعد «التابعين»، الأعلام ٢٧/ ١).
[ ٢ / ١٥٣ ]
﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ (٣٥)
ومن ذلك قراءة السّلمىّ والحسن وابن محيصن وسلاّم وقتادة: «يوقّد» (^١) وثلاثة أوجه (^٢) فى السبعة، وفيه قراءة خامسة: «يوقّد»، برفع الياء، وبنصب الواو والقاف، وبرفع الدال (^٣).
قال أبو الفتح: المشكل من هذا «يوقّد»؛ وذلك أن أصله يتوقد، فحذف التاء لاجتماع حرفين زائدين فى أول الفعل، وهما الياء والتاء المحذوفة. والعرف فى هذا أنه إنما تحذف التاء إذا كان حرف المضارعة قبلها تاء، نحو «تفكرون» و«تذكرون»، والأصل تتفكرون وتتذكرون؛ فيكره اجتماع المثلين زائدين، فيحذف الثانى منهما طلبا للخفة بذلك. وليس فى يتوقد مثلان فيحذف أحدهما، لكنه شبّه حرف مضارعة بحرف مضارعة، أعنى شبّه الياء فى يتوقد بالتاء الأولى فى تتوقد؛ إذ كانا زائدين، كما شبهت التاء والنون فى تعد ونعد بالياء فى يعد، فحذفت الواو معهما كما حذفت مع الياء فى يعد.
وقياس من قال: «يوقّد» -على ما مضى-أن يقول أيضا: أنا أوقّد، ونحن نوقّد، فتشبه النون والهمزة بالتاء، كما شبّه الياء بها فيما مضى.
ونحو من هذا قراءة من قرأ: «نجّى المؤمنين» (^٤)، وهو يريد: ننجى المؤمنين؛ فحذف النون الثانية وإن كانت أصلية، وشبهها-لاجتماع المثلين-بالزائدة. فهذا تشبيه أصل
_________________
(١) انظر: (الكشاف ٦٨/ ٣، الرازى ٢٣٦/ ٢٣، البحر المحيط ٤٥٦/ ٦).
(٢) قراءة نافع وابن عامر وحفص عن عاصم يُوقَدُ، وقراءة ابن كثير وأبى عمرو «توقّد»، وهى قراءة: أبى جعفر، ويعقوب، والحسن، واليزيدى، وأبى عبد الرحمن السلمى، ومجاهد، وأبى عبيد، وأبى حاتم، وقراءة حمزة والكسائى «توقد»، وهى قراءة: عاصم فى رواية نافع، وفى رواية الأعمش، وشعبة، عن قتادة، وطلحة، وابن وثاب، وعيسى، وحفص، وخلف، وزيد بن على. انظر: (السبعة ٤٥٥،٤٥٦، النشر ٣٣٢/ ٢، الإتحاف ٣٢٥، التيسير ١٦٢، تحبير التيسير ١٤٨، الحجة المنسوب لابن خالويه ٢٦٢، غيث النفع ٣٠٣، العنوان ١٣٣، الفراء ٢٠٢/ ٢، إعراب القرآن للنحاس ٤٤٣/ ٢، إعراب القرآن للعكبرى ٨٥/ ٢، الطبرى ١٠٩/ ١٨، القرطبى ٢٦٢/ ١٢، الكشاف ٦٨/ ٣، مجمع البيان ١٤١/ ٧، الرازى ٢٣٦/ ٢٣، البحر المحيط ٤٥٦/ ٦، التبيان ٣٨٥/ ٧).
(٣) قراءة عاصم فى رواية الكشاف ٦٨/ ٣، الرازى ٢٣٦/ ٢٣.
(٤) سورة يونس الآية (١٠٣).
[ ٢ / ١٥٤ ]
بزائد لاتفاق اللفظين، والأول تشبيه حرف مضارعة بحرف مضارعة، لا لاتفاق اللفظين؛ بل لأنهما جميعا زائدان.
***
﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ (٣٥)
ومن ذلك قراءة ابن عباس: «ولو لم يمسسه نار»، بالياء (^١).
قال أبو الفتح: هذا حسن مستقيم؛ وذلك لأن هناك شيئين حسّنا التذكير هنا: أحدهما: الفصل بالهاء، والآخر: أن التأنيث ليس بحقيقى، فهو نظير قول الله سبحانه: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ (^٢)، بل إذا جاز تذكير فعل «الصيحة» مع أن فيها علامة تأنيث فهو مع النار التى لا علامة تأنيث فيها أمثل.
فأما قولهم: نعم المرأة هند بالتذكير، فإنما جاز-وإن كان التأنيث حقيقيا، ولا فصل هناك-من قبل أن المرأة هنا ليس مقصودا قصدها، وإنما هى جنس؛ لأنها فاعل نعم، والأجناس عندنا إلى الشّياع والتنكير.
وأما ما روينا من قول جران العود:
ألا لا يغرّنّ امرأ نوفليّة … على الرّأس بعدى أو ترائب وضّح (^٣)
فإن النوفلية هنا ليست امرأة، وإنما هى مشطة تعرف بالنوفلية.
وأما قوله (¬*١):
ولا أرض أبقل إبقالها (¬*٢) …
&
_________________
(١) وقراءة الحسن. انظر: (النحاس ٤٤٤/ ٢، القرطبى ٢٦٢/ ١٢، البحر المحيط ٤٥٧/ ٦).
(٢) سورة هود الآية (٦٧).
(٣) انظر: (الخصائص ٤١٧/ ٢). (¬*١) قائله عامر بن جوين الطائى. انظر: (الكتاب ٤٦/ ٢، خزانة الأدب ٢١/ ١،٣٣٠/ ٣، العينى ٢٦٤/ ٢، شرح المفصل ٩٤/ ٥، همع الهوامع ١٧١/ ٢، شواهد المغنى ٣١٩، أمالى ابن الشجرى ١،١٥٨،١٦١). (¬*٢) وصدره: «فلا مزنة ودقت ودقها». انظر: (الكتاب ٤٦/ ٢). وهو يصف أرضا مخصبة لكثرة الغيث. والمزنة: واحدة المزن، وهو السحاب يحمل الماء. والودق: المطر، وأبقلت: أخرجت البقل، وهو من النبات ما ليس بشجر والشاهد فيه حذف التاء من «أبقلت» لضرورة الشعر، ويسوغه أن الأرض بمعنى المكان.
[ ٢ / ١٥٥ ]
ففيه شيئان يؤنّسان، وواحد يوحش منه.
أما المؤنسان: فأحدهما: أنه تأنيث لفظى لا حقيقى، والآخر: أنه لا علامة تأنيث فى لفظه.
وأما الموحش، فهو أن الفاعل مضمر، وإذا أضمر الفاعل فى فعله وكان الفاعل مؤنثا لم يحسن تذكير فعله حسنه إذا كان مظهرا؛ وذلك أن قولك: قام هند أعذر من قولك: هند قام، من قبل أن الفعل منصبغ بالفاعل المضمر فيه أشد من انصباغه به إذا كان مظهرا بعده. فقام هند-على صبغة-أقرب مأخذا من هند قام لما ذكرناه؛ وذلك أنك إذا قلت: قام، فإلى أن تقول: هند، فاللفظ الأول مقبول غير ممجوج؛ لأن الفعل أصل وضعه على التذكير، فإذا قلت: هند قام، فالتذكير الآتى من بعد مخالف للتأنيث السابق فيما قبل، فالنفس تعافه لأول استماعه. وقولك: قام هند، النفس تقبل تذكير الفعل أول استماعه إلى أن يأتى التأنيث فيما بعد. وقد سبق تذكير الفعل على لفظ غير مأبىّ ولا مرذول، وردّ الغائب ليس كاستئناف الحاضر، فذلك فرق.
***
﴿وَالْآصالِ﴾ (٣٦)
ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير وأبى مجلز: «والإيصال» (^١).
قال أبو الفتح: يريد وقت الإيصال، وهو قبل الغروب. وقد مضى القول عليه.
***
﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ (٣٩)
ومن ذلك ما حكاه عبد الله بن إبراهيم العمّى الأفطس، قال: سمعت مسلمة يقرأ: «كسراب بقيعات»، بالألف (^٢).
قال أبو الفتح: كذلك فى كتاب ابن مجاهد: «بقيعاة» (^٣)، بالهاء بعد الألف. والذى قاله جائز؛ وذلك أن نظير قولهم: قيعة وقيعاة فى أنه فعلة وفعلاة لمعنى واحد قولهم: رجل عزه وعزهاة: الذى لا يقرب النساء واللهو، فهذا فعل وفعلاة، وذلك فعلة وفعلاة، ولا فرق بينهما غير الهاء، وذلك ما لا بال به.
_________________
(١) انظر: (البحر المحيط ٤٥٨/ ٦، الرازى ٤/ ٢٤، التبيان ٣٨٩/ ٧).
(٢) انظر: (القرطبى ٢٨٣/ ١٢، البحر المحيط ٤٦٠/ ٦).
(٣) ونسبها إلى مسلمة بن محارب. انظر: (الآلوسى ١٨٠/ ١٨).
[ ٢ / ١٥٦ ]
وقد يجوز أن يكون قيعات بالتاء جمع قيعة، كديمة وديمات، وقيمة وقيمات. وأما قيعة فيكون واحدا كديمة ويجوز أن يكون جمع قاع، كنار ونيرة-جاء فى شعر الأسود- وجار وجيرة. ومثله من الصحيح العين ولد وولدة، وأخ وإخوة؛ لأن أخا عندنا فعل.
ووجه ثالث، وهو أن يكون أراد «بقيعة»، فأشبع فتحة العين، فأنشأ عنها ألفا، فقال: «بقيعاة». ونظيره قول ابن هرمة يرثى ابنه:
فأنت من الغوائل حين ترمى … ومن ذمّ الرّجال بمنتزاح (^١)
أراد: بمنتزح، فأشبع الفتحة، فأنشأ عنها ألفا، وقد تقصينا ذلك فيما مضى، فإذا أراد بالقيعات الجمع فهو كقول الآخر:
كأنّ بالقيعات من رغاها … ممّا نفى باللّيل حالباها
أمناء قطن جدّ حالجاها
يريد ما جرى من رغوة لبنها فى القيعات، وهو كثير كقولهم: أرض قفار ومحول وسباسب، ومما بولغ فيه بذكر الجمع.
***
﴿سَنا بَرْقِهِ﴾ (٤٣)
ومن ذلك قراءة طلحة بن مصرّف: «سناء برقه» (^٢).
قال أبو الفتح: السناء، ممدودا: الشرف، يقال: رجل ظاهر النبل والسناء. والسنى مقصورا: الضوء. وعليه قراءة الكافة: ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ،﴾ أى: ضوء برقه. وأما سناء برقه، فقد يجوز أن يكون أراد المبالغة فى قوة ضوئه وصفاته، فأطلق عليه لفظ الشرف، كقولك: هذا ضوء كريم، أى: هو غاية فى قوته وإنارته، فلو كان إنسانا لكان كريما شريفا.
***
﴿يَذْهَبُ﴾ (٤٣)
ومن ذلك قراءة أبى جعفر يزيد: «يذهب» (^٣)، بضم الياء.
_________________
(١) سبق الاستشهاد به فى (١١).
(٢) انظر: (القرطبى ٢٩٠/ ١٢، الرازى ١٥/ ٢٤، البحر المحيط ٤٦٥/ ٦، شرح التصريح ٢٩٣/ ٢).
(٣) انظر: (الفراء ٢٥٧/ ٢، البحر المحيط ٤٦٥/ ٦، مجمع البيان ١٤٧/ ٧، النشر ٣٣٢/ ٢، الإتحاف ٣٢٥، القرطبى ٢٩٠/ ١٢، تحبير التيسير ١٤٨، التبيان ٣٩٣/ ٧، الآلوسى ١٩٢/ ١٨).
[ ٢ / ١٥٧ ]
قال أبو الفتح: الباء زائدة، أى يذهب الأبصار. ومثله فى زيادة الباء فى نحو هذا قوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (¬*١)، وقول الهذلى:
شربن بماء البحر ثمّ ترفّعت … متى لجج خضر لهنّ نئيج
أى: شربن ماء البحر، وإن كان قد قيل: إن الباء هنا بمعنى فى، أى: فى لجج البحر، والمفعول محذوف، معناه: شربن الماء فى جملة ماء البحر. وفى هذا التأويل ضرب من الإطالة والبعد، واعلم من بعد أن هذه الباء إنما تزاد فى هذا النحو كقوله: «يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ»، ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ؛﴾ لتوكيد معنى التعدى، كما زيدت اللام لتوكيد معنى الإضافة فى قولهم:
يا بؤس للجهل ضرّارا لأقوام (^١) …
وكما زيدت الياءان لتوكيد معنى الصفة فى أشقرىّ ودوّارىّ وكلاّبىّ، وكما زيدت التاء لتوكيد معنى التأنيث فى فرسة وعجوزة، فاعرف ذلك، ولا ترينّ الباء فى: «يذهب بالأبصار» مزيدة زيادة ساذجة. وإن شئت حملته على المعنى، حتى كأنه قال: يكاد سنى برقة يلوى بالأبصار أو يستأثر بالأبصار على ما مضى من قوله تعالى: ﴿الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ﴾ (^٢).
***
﴿إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥١)
ومن ذلك قراءة علىّ ﵇ والحسن، بخلاف، وابن أبى إسحاق: «إنما كان قول المؤمنين»، بالرفع (^٣).
قال أبو الفتح: أقوى القراءتين إعرابا ما عليه الجماعة من نصب «القول»؛ وذلك أن فى شرط اسم كان وخبرها أن يكون اسمها أعرف من خبرها، وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ أعرف من قول المؤمنين؛ وذلك لشبه «أن» وصلتها بالمضمر من حيث كان لا يجوز وصفها، كما لا يجوز وصف المضمر، والمضمر أعرف من قول
_________________
(١) = سورة البقرة الآية (١٩٥).
(٢) سبق الاستشهاد به فى (٣٦٣/ ١).
(٣) سورة البقرة (١٨٧).
(٤) وقراءة ابن أبى إسحاق. انظر: (القرطبى ٢٩٥/ ١٢، الكشاف ٧٢/ ٣، البحر المحيط ٤٦٨/ ٦، العكبرى ٨٦/ ٢، الإتحاف ٣٢٦، النحاس ٤٥٠/ ٢، مجمع البيان ١٤٩/ ٧، الرازى ٢٢/ ٢٤).
[ ٢ / ١٥٨ ]
المؤمنين؛ فلذلك اختارت الجماعة أن تكون «أن» وصلتها اسم كان. ومثله ﴿وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا﴾ (^١) أى: إلا قولهم على ما مضى، فأما قولهم:
وقد علم الأقوام ما كان داءها … بثهلان إلاّ الخزى ممّن يقودها
وأنه إنما اختير فيه رفع الخزى، وإن كان مظهرا ومعرفة كما أن داءها مظهر ومعرفة من حيث أذكره لك؛ وذلك أن إلاّ إذا باشرت شيئا بعدها، فإنما جئ به لتثبيته وتوكيد معناه، وذلك كقولك: ما كان زيد إلا قائما، فزيد غير محتاج إلى تثبيته، وإنما يثبت له القيام دون غيره. فإذا قلت: ما كان قائما إلا زيد، فهناك قيام لا محالة، فإنما أنت ناف أن يكون صاحبه غير زيد، فعلى هذا جاء قوله: ما كان داءها بثهلان إلا الخزى، برفع الخزى؛ وذلك أنه قد كان شاع وتعولم أن هناك داء، وإنما أراد أن يثّبت أن هذا الداء الذى لا شك فى كونه ووقوعه لم يكن جانيه ومسببه إلا الخزى ممن يقودها، فهذا أمر الإعراب فيه تابع لمعناه ومحذوّ على الغرض المراد فيه. وأما قوله:
وليس الّذى يجرى من العين ماءها … ولكنّها نفس تذوب فتقطر
ويروى: «ولكنه» فالوجه فيه نصب الماء، وذلك أنه رأى ماء يجرى من العين فاستكثره واستنكره، فقال: ليس هذا الذى أراه جاريا من العين ماء للعين، وإنما هو هكذا وشئ غير مائها. هذا هو الذى عناه فعبّر عنه بما تراه، ولم يعنه الإخبار عن ماء العين فيخبّر عنه بأنه هذا الشئ الجارى من العين؛ فلذلك اختار نصب الماء، ولو رفعه لجاز؛ لأنه كان يعود إلى هذا المعنى، لكنه كان يعود بعد تعب به، ومسامحة فيه، وعلاج يريد حمله عليه.
***
﴿أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ (٦١)
ومن ذلك قراءة قتادة: «أو ما ملكتم مفتاحه»، مكسورة الميم بألف (^٢).
قال أبو الفتح: «مفتاحه» هنا جنس، وإن كان مضافا، فقد جاء ذلك عنهم، منه قولهم: قد منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت مصر إردبّها، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى.
***
_________________
(١) سورة الأعراف الآية (٢٨٢).
(٢) وقراءة أبى عمرو، وهارون. انظر: (الكشاف ٧٧/ ٣، الرازى ٣٦/ ٢٤، البحر المحيط ٤٧٤/ ٦، النحاس ٤٥٥/ ٢).
[ ٢ / ١٥٩ ]