﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ (٣)
قرأ الحسن واليزيدى والثقفى وأبو حيوة: «خافضة رافعة»، بالنصب (^١).
قال أبو الفتح: هذا منصوب على الحال، وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ (^٢) حينئذ حال أخرى قبلها، أى: إذا وقعت الواقعة، صادقة الوقعة، خافضة، رافعة. فهذه ثلاثة أحوال، أولاهن الجملة التى هى قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ،﴾ ومثله: مررت بزيد، جالسا، متكئا، ضاحكا. وإن شئت أن تأتى بعشر أحوال إلى أضعاف ذلك لجاز وحسن، كما لك أن تأتى للمبتدأ من الأخبار بما شئت، كقولك: زيد عالم، جميل، جواد، فارس، بصرىّ، بزاز، ونحو ذلك.
ألا ترى أن الحال زيادة فى الخبر، وضرب منه؟؛ وعلى ذلك امتنع أبو الحسن أن يقول: لولا هند جالسة لقمت، ونحو ذلك، قال: لأن هذا موضع قد امتنعت العرب أن تستعمل فيه الخبر، والحال ضرب من الخبر. فلا يجوز استعمالها فيه لذلك.
والعامل فى «إذا» محذوف لدلالة المكان عليه، كأنه قال: إذا وقعت الواقعة كذلك فاز المؤمنون وخاب الكافرون، ونحو ذلك. ويجوز أن تكون «إذا» الثانية، وهى قوله: ﴿إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ (^٣) خبرا عن «إذا» الأولى، ونظيره: إذا تزورنى إذا يقوم زيد، أى: وقت زيارتك إياى وقت قيام زيد. وجاز ل «إذا» أن تفارق الظرفية وترتفع بالابتداء، كما جاز لها أن تخرج بحرف الجر عن الظرفية كقوله:
_________________
(١) وقراءة أبى عمر الدورى عن اليزيدى، وزيد بن على، وابن أبى عبلة، والزعفرانى، وابن مقسم. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٥١، الإتحاف ٤٠٧، مجمع البيان ٢١٣/ ٩، البحر المحيط ٢٠٣/ ٨،٢٠٤، النحاس ٣١٩/ ٣، القرطبى ١٩٦/ ١٧، العكبرى ١٣٦/ ٢، الآلوسى ١٣٠/ ٢٧. مغنى اللبيب ٨٦/ ١).
(٢) سورة الواقعة الآية (٢).
(٣) سورة الواقعة الآية (٤).
[ ٢ / ٣٥٨ ]
حتّى إذا ألقت يدا فى كافر … وأجنّ عورات الثّغور ظلامها (^١)
وقال الله سبحانه: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ (^٢)، و«إذا» مجرورة عند أبى الحسن بحتى، وذلك يخرجها من الظرفية، كما ترى.
***
﴿وَلا يُنْزِفُونَ﴾ (١٩)
ومن ذلك قراءة ابن أبى إسحاق: «ولا ينزفون»، بفتح الياء، وكسر الزاى (^٣).
قال أبو الفتح: يقال: أنزف عبرته: إذا أفنى دمعه بالبكاء، ونزف البئر-ينزفها نزفا: إذا استقى ماءها، وأنزفت الشئ: إذا أفنيته، قال:
لعمرى لئن أنزفتم أو صحوتم … لبئس النّدامى كنتم آل أبجرا
وقال العجاج:
وأنزف العبرة من لاقى العبر (^٤) …
وقال:
أيّام لا أحسب شيئا منزفا (^٥) …
أى: فانيا، فكأنه سبحانه قال: «لا يصدّعون عنها ولا ينزفون عقولهم» كما ينزف ماء البئر. والنّزيف: السكران، وكله راجع إلى معنى واحد.
***
﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ (٢٢)
ومن ذلك قراءة أبىّ بن كعب وابن مسعود: «وحورا عينا» (^٦).
_________________
(١) سبق الاستشهاد به فى (٢٨٠/ ٢).
(٢) سورة يونس الآية (٢٢).
(٣) انظر: (القرطبى ٢٠٣/ ١٧، البحر المحيط ٢٠٦/ ٨، مجمع البيان ٢١٦/ ٩).
(٤) انظر: (ديوانه ٨٢).
(٥) انظر: (ديوانه ٨٢، لسان العرب «نزف»).
(٦) وقراءة عيسى بن عمر، والنخعى، والأشهب العقيلى. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٥١، البزار ١٥٤/ ٢٩، الفراء ١٢٤/ ٣، القرطبى ٢٠٥/ ١٧، البحر المحيط ٢٠٦/ ٨، العكبرى ١٣٦/ ٢، النحاس ٣٢٤/ ٣، مجمع البيان ٢١٥/ ٩).
[ ٢ / ٣٥٩ ]
قال أبو الفتح: هذا على فعل مضمر، أى: ويؤتون، أو يزوّجون حورا عينا، كما قال: ﴿وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ (^١)، وهو كثير فى القرآن والشعر.
***
﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا﴾ (٤٧)
ومن ذلك قرأ: «إذا متنا وكنّا ترابا وعظاما إنّا»، على الخبر كلاهما بلا استفهام.
قال أبو الفتح: مخرج هذا منهم على الهزء، وهذا كما تقول لمن تهزأ به، إذا نظرت إلىّ متّ فرقا، وإذا سألتك جممت لى بحرا، أى: الأمر بخلاف ذلك، وإنما أقوله هازئا. ويدل على هذا شاهد الحال حينئذ، ولولا شهود الحال لكان حقيقة لا عبثا، فكأنه قال: إذا متنا وكنا ترابا بعثنا. ودلّ قوله: «إنّا لمبعوثون» على بعثنا، ولا يجوز أن يعمل فيه «مبعوثون» لأنّ ما بعد إنّ لا يعمل فيما قبلها.
***
﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ (٧٥)
ومن ذلك قراءة الحسن والثقفى: «فلأقسم»، بغير ألف (^٢).
قال أبو الفتح: هذا فعل الحال، وهناك مبتدأ محذوف، أى: لأنا أقسم، فدل على ذلك أن جميع ما فى القرآن من الأقسام إنما هو على حاضر الحال، لا وعد الأقسام، كقوله سبحانه: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ (^٣) ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ (^٤)،
وكذلك حملت «لا» على الزيادة فى قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ،﴾ ونحوه. نعم، ولو أريد الفعل المستقبل للزمت فيه النون، فقيل: لأقسمنّ، وحذف هذه النون هنا ضعيف جدا.
***
_________________
(١) سورة الدخان الآية (٥٤).
(٢) انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٥٢، البحر المحيط،٨/الكشاف ٥٨/ ٤، القرطبى ١٢٣/ ١٧، مجمع البيان ٢٢٤/ ٩ الآلوسى ١٥٢/ ٢٧).
(٣) سورة التين الآية (١).
(٤) سورة الشمس الآية (١).
[ ٢ / ٣٦٠ ]
﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (٨٢)
ومن ذلك قراءة علىّ وابن عباس-ورويت عن النبى ﷺ-: «وتجعلون شكركم أنّكم تكذّبون» (^١).
قال أبو الفتح: هو على حذف المضاف، أى: تفعلون بدل شكركم ومكان شكركم التكذيب. ومثله قول العجاج (^٢):
ربّيته حتّى إذا تمعددا (^٣) … كان جزائى بالعصا أن أجلدا
أى: كان مكان جزائى الجلد بالعصا.
***
﴿فَرَوْحٌ﴾ (٨٩)
ومن ذلك قراءة النبى ﷺ وابن عباس وقتادة والحسن والضحاك والأشهب ونوح القارئ وبديل وشعيب بن الحارث وسليمان التيمى والربيع بن خثيم وأبى عمران الجونىّ وأبى جعفر محمد بن على والضحاك وفياض: «فروح»، بضم الراء (^٤).
قال أبو الفتح: هو راجع إلى معنى الروح، فكأنه قال: فممسك روح، وممسكها هو الروح، كما تقول: هذا الهواء هو الحياة، وهذا السماع هو العيش، وهو الروح.
***
_________________
(١) انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٥٢، القرطبى ٢٢٨/ ١٧، البحر المحيط ٢١٥/ ٨، مجمع البيان ٢٢٤/ ٩، النحاس ٣٤٢/ ٣).
(٢) انظر: (ديوانه ٧٦، شرح شواهد الشافية ٢٨٥/ ٤).
(٣) قال البغدادى: وزنه عند سيبويه تفعلل، ومعناه: غلظ واشتد، قال ابن دريد فى الجمهرة: «تمعدد الغلام، إذا صلب واشتد.
(٤) وقراءة أبى عمرو، ورويس، وروح، وعائشة، وشعيب، والكلبى، وعبيد، وعبد الوارث، ويعقوب ابن حيان، ونصر بن عاصم، وزيد، والجحدرى، وابن مهران، ويعقوب. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٥٣، الإتحاف ٤٠٩، الفراء ١٣١/ ٣، النشر ٣٨٣/ ٢، التبيان ٥٠٩/ ٩، القرطبى ١٢١/ ٢٧، الطبرى ١٢١/ ٢٧، العكبرى ١٣٧/ ٢، النحاس ٣٤٥/ ٣، مجمع البيان ٢٢٧/ ٩، الرازى ٢٠١/ ٢٩).
[ ٢ / ٣٦١ ]