﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ (٣)
قد ذكرنا ما فى «ذرّيّة» و«ذرّيّة» و«ذرّيّة» فيما مضى من الكتاب.
***
﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ (٤)
ومن ذلك قراءة ابن عباس ونصر بن عاصم وجابر بن يزيد: «لتفسدنّ» (^١)، بضم التاء، وفتح السين. وقرأ: «لتفسدنّ» (^٢)، بفتح التاء، وضم السين والدال-الفعل لهم- عيسى الثقفى.
قال أبو الفتح: إحدى هاتين القراءتين شاهدة للأخرى؛ لأنهم إذا أفسدوا فقد فسدوا.
***
﴿عِبادًا لَنا﴾ (٥)
ومن ذلك قراءة على بن أبى طالب، ﵁: «عبيدا لنا» (^٣).
قال أبو الفتح: أكثر اللغة أن تستعمل العبيد للناس والعباد لله. قال تعالى: ﴿إِنَّ﴾
_________________
(١) انظر: (القرطبى ٢١٤/ ١٠. الكشاف ٤٣٨/ ٢، البحر المحيط ٨/ ٦، مجمع البيان ٣٩٧/ ٦، العكبرى ٤٨/ ٢، النحاس ٢٣١/ ٢).
(٢) انظر: (القرطبى ٢١٤/ ١٠، الكشاف ٤٣٨/ ٢، البحر المحيط ٨/ ٦، مجمع البيان ٣٩٧/ ٦، العكبرى ٤٨/ ٢).
(٣) وقراءة أبى عمرو، والحسن، والأزرق، وزيد بن على. انظر: (الكشاف ٤٣٨/ ٢، مجمع البيان ٣٩٧/ ٦، البحر المحيط ٩/ ٦، الإتحاف ٢٨١، العكبرى ٤٨/ ٢، الآلوسى ١٧/ ١٦).
[ ٢ / ٥٨ ]
﴿عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿يا عِبادِ فَاتَّقُونِ﴾ (^٢)، وهو كثير. وقال: ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (^٣). ومن أبيات الكتاب: (^٤)
أتوعدنى بقومك يابن حجل … أشابات يخالون العبادا؟ (^٥)
بما جمّعت من حضن وعمرو … وما حضن وعمرو والجيادا؟ (^٦)
أى يخالون عبيدا؛ أى مماليك. ويقال: العباد قوم من قبائل شتى من العرب، اجتمعوا على النصرانية، فأنفوا أن يسمّوا العبيد. فقالوا: نحن العباد.
***
﴿فَجاسُوا﴾ (٥)
ومن ذلك قراءة أبى السّمّال: «فحاسوا»، بالحاء (^٧).
قال أبو الفتح: قال أبو زيد، أو غيره: قلت له: إنما هو «فجاسوا»، فقال: حاسوا وجاسوا واحد، وهذا يدل على أن بعض القراءة يتخير بلا رواية، ولذلك نظائر.
***
﴿لِيَسُوؤُا﴾ (٧)
ومن ذلك قراءة أبىّ بن كعب: «لنسوءا»، بالتنوين (^٨).
&
_________________
(١) سورة الحجر الآية (٤٢).
(٢) سورة الزمر الآية (١٦).
(٣) سورة فصلت الآية (٤٦).
(٤) قال فى الكتاب: وزعم أبو الخطاب أنه سمع بعض العرب الموثوق بهم ينشد هذا البيت نصبا فذكره الكتاب ٣٠٤/ ١.
(٥) انظر: (الكتاب ٣٠٤/ ١، أمالى ابن الشجرى ١٥٣).
(٦) الأشابات: الأخلاط من الناس. جمع أشابة بالضم، ونصبها على الذم. والعباد: جمع عبد، قال ابن الشجرى يقولون: نحن عباد الله، لا يكادون يضيفونه إلى الناس ولكنه جعل العباد هنا بمعنى العبيد. ووقع فى الكتاب ٣٠٤/ ١: «وما حضن وعمرو والجيادا». وحضن: بطن من بنى القين كما فى تاج العروس ١٨٢/ ٩، وعمرو: قبيلة أيضا. والجياد: جمع الجواد من الخيل؛ أى ليسا من الجياد وركوبها فى شئ، ليسوا فرسانا معروفين. والشاهد فيه نصب «الجياد» حملا على معنى الفعل، أى وملابستهما الجياد.
(٧) وقراءة ابن عباس، وطلحة. انظر: (الكشاف ٤٣٨/ ٢، القرطبى ٣١٦/ ١٠، العكبرى ٤٨/ ٢، مجمع البيان ٣٩٧/ ٦).
(٨) انظر: (القرطبى ٢٢٣/ ١٠، البحر المحيط ١١/ ٦، الفراء ١١٧/ ٢، الكشاف ٤٣٩/ ٢).
[ ٢ / ٥٩ ]
قال أبو الفتح: لم يذكر أبو حاتم التنوين، لكنه قال: وبلغنى أنها فى مصحف أبىّ: «ليسئ»، بالياء مضمومة بغير واو. فأما التنوين فى: «لنسوءا» فطريق القول عليه أن يكون أراد الفاء فحذفها، كما قال فى موضع آخر، أى «فلنسوءا وجوهكم» على لفظ الأمر، كما تقول: إذا سألتنى فلأعطينك، كأنك تأمر نفسك، ومعناه فلأعطينك. واللامان بعده للأمر أيضا، وهما: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ. .﴾. ﴿. . . وَلِيُتَبِّرُوا﴾ (^١). ويقوى ذلك أنه لم يأت لإذا جواب فيما بعد، فدل على أن تقديره فلنسوءا وجوهكم، أى فلنسوءنّ وجوهكم.
***
﴿أَمَرْنا﴾ (١٦)
ومن ذلك قراءة على بن أبى طالب ﵇: «آمرنا» (^٢) فى وزن عامرنا، واختلف عن ابن عباس والحسن وأبى عمرو وأبى العالية وقتادة وابن كثير وعاصم والأعرج، وقرأ بها ابن أبى إسحاق وأبو رجاء والثقفى وسلام وعبد الله بن أبى يزيد والكلبى.
وقرأ «أمّرنا» مشدّدة الميم (^٣)، ابن عباس بخلاف، وأبو عثمان النهدىّ، وأبو العالية بخلاف، وأبو جعفر محمد بن على-بخلاف-والحسن-بخلاف وأبو عمرو- بخلاف-والسّدّى وعاصم، بخلاف.
وقرأ: «أمرنا»، بكسر الميم، بوزن عمرنا (^٤) -الحسن ويحيى بن يعمر.
قال أبو الفتح: يقال: أمر القوم إذا كثروا، وقد أمرهم الله؛ أى: كثّرهم. وكان أبو
_________________
(١) سورة الإسراء الآية (٧).
(٢) وقراءة نافع، ويعقوب، وعيسى، وأبى حيوة، وحماد بن سلمة، وخارجة. انظر: (الفراء ١١٩/ ٢، السبعة ٣٧٩، النشر ٣٠٦/ ٢، الإتحاف ٢٨٢، التبيان ٤٥٨/ ٦، الطبرى ٤٢/ ١٥، القرطبى ٢٣٣/ ١٠، البحر المحيط ٢٠/ ٦).
(٣) وقراءة زيد بن على، ومجاهد، وأبى رجاء. انظر: (السبعة ٣٧٩، الفراء ١١٩/ ٢، البحر المحيط ٢٠/ ٦، القرطبى ٢٣٢/ ١٠، الطبرى ٤٢/ ١٥، مجمع البيان ٤٠٥/ ٦، الرازى ١٧٧/ ٢٠، الكشاف ٤٤٢/ ٢).
(٤) وقراءة ابن عباس، وعكرمة. انظر: (القرطبى ٢٣٣/ ١٠، البحر المحيط ٢٠/ ٦، التبيان ٤٥٨/ ٦، الفراء ١١٩/ ٢، الأخفش ١١٩/ ٢، مجمع البيان ٤٠٥/ ٦).
[ ٢ / ٦٠ ]
على يستحسن قول الكسائى فى قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ (^١): أى كثيرا، من قول الله: ﴿أَمَرْنا مُتْرَفِيها،﴾ ومن قولهم: أمر الشئ، إذا كثر. ومنه قولهم: خير المال سكّة مأبورة، أو مهرة مأمورة (^٢). فالسّكة الطريقة من النخل، ومأبورة؛ أى: ملقحة، ومهرة مأمورة؛ أى: مكثرة النسل.
وكان يجب أن يقال: مؤمرة لأنه من آمرها الله، لكنه أتبعها قوله: مأبورة، كقولهم: إنه ليأتينا بالغدايا والعشايا. هذا على قول الجماعة إلا ابن الأعرابىّ وحده، فإنه قال: الغدايا جمع غديّة، كما أن العشايا جمع عشيّة. ولم يكن يرى أن الغدايا ملحق بقولهم: العشايا، وأنشد شاهدا لذلك:
ألا ليت حظّى من زيارة أمّيه … غديّات قيظ أو عشيّات أشتيه (^٣)
وقد قالوا أيضا: أمرها الله مقصورا خفيفا، بوزن عمرها، فيكون مأمورة على هذا من هذا، ولا تكون ملحقة بمأبورة.
وأما «أمّرنا مترفيها» فقد يكون منقولا من أمر القوم؛ أى: كثروا، كعلم وعلّمته، وسلم وسلّمته.
وقد يكون منقولا من أمر الرجل: إذا صار أميرا، وأمر علينا فلان: إذا ولى. وإن شئت كان «أمّرنا» كثّرنا، وإن شئت كان من الأمر والإمارة.
فأما «أمرنا» فعلنا، بكسر الميم، فأخبرنا أبو إسحاق وإبراهيم بن أحمد القرميسينىّ عن أبى بكر محمد بن هارون الرويانىّ عن أبى حاتم قال: قال أبو زيد: يقال: أمر الله ماله وآمره. قال أبو حاتم: ورووا عن الحسن أن رجلا من المشركين قال للنبى ﷺ: إنى أرى أمرك هذا حقيرا، فقال ﵇: إنه سيأمر (^٤) أى ينتشر، قال: وقال أبو عمرو: معنى أمرنا مترفيها، أى: أمرناهم بالطاعة، فعصوا. وقال زهير:
والإثم من شرّ ما يصال به … والبرّ كالغيث نبته أمر
وأنشد أبو زيد، رويناه عنه وعن جماعة غيره:
_________________
(١) سورة الكهف الآية (٧١).
(٢) هو نص حديث أورده السيوطى فى الجامع الصغير ٤٩١/ ٣ ونصه: «خير مال المرء مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة»، أخرجه أحمد والطبرانى عن سويد بن هبيرة، ورمز إليه السيوطى بعلامة الصحة.
(٣) انظر: لسان العرب «غدا».
(٤) انظر: (النهاية فى غريب الحديث ٥١/ ١).
[ ٢ / ٦١ ]
أمّ جوار ضنؤها غير أمر … صهصلق الصوت بعينيها الصّبر (^١)
وقال لبيد (^٢):
إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا … يوما يصيروا للهلك والنّفد
ومن بعد فالأمر من «أم ر»، وهى محادّة للفظ «ع م ر» ومساوقة لمعناها؛ لأن الكثرة أقرب شئ إلى العمارة. وما أكثر وأظهر هذا المذهب فى هذه اللغة! ومن تنبه عليه حظى بأطرف الطريف، وأظرف الظريف.
***
﴿أُفٍّ﴾ (٢٣)
ومن ذلك قراءة أبى السّمال: «أفّ» مضمومة غير منونة (^٣)، وقرأ: «أف» خفيفة-ابن عباس. قال هارون النحوى (^٤): ويقرأ: «أف» (^٥)، ولو قرئت «أفّا» لكان جائزا، ولكن ليس فى الكتاب ألف.
قال أبو الفتح: فيها ثمانى لغات: أفّ، وأفّ، وأفّ، وأفّا، وأفّ، وأف، وأفى، ممال. وهى التى يقول لها العامة: أفّى، بالياء. وأف خفيفة ساكنة.
وأما «أف» خفيفة مفتوحة فقياسها قياس رب خفيفة مفتوحة، وكان قياسها إذا خففت أن يسكن آخرها؛ لأنه لم يلتق فيها ساكنان فتحرك، لكنهم بقّوا الحركة مع التخفيف أمارة ودلالة على أنها قد كانت مثقلة مفتوحة، كما قال: لا أكلمك حيرى دهر، فأسكن الياء فى موضع النصب فى غير ضرورة شعر؛ لأنه أراد التشديد فى حيرى دهر، فكما أنه لو أدغم الياء الأولى فى الثانية لم تكن إلا ساكنة، فكذلك إذا حذف الثانية تخفيفا أقرّ الأولى على سكونها دلالة وتنبيها على إرادة الإدغام الذى لا بدّ معه من سكون الأولى.
_________________
(١) لسان العرب «صهصلق».
(٢) انظر: (ديوانه ١٦٠).
(٣) انظر: (الكشاف ٤٤٤/ ٢، مجمع البيان ٤٠٨/ ٦، البحر المحيط ٢٧/ ٦، الطبرى ٤٨/ ١٥).
(٤) هارون بن موسى الأزدى العتكى بالولاء، أبو عبد الله، الملقب بالأعور: عالم بالقراآت والعربية. من أهل البصرة. كان يهوديا وأسلم وقرأ القرآن وحفظ النحو وحدّث. وكان أول من تتبع وجوه القراآت والشاذ منها. وهو من أهل الحديث روى له البخارى ومسلم. صنف: «الوجوه والنظائر فى القرآن-خ» وكان قدريا معتزليا. انظر: (بغية الوعاة ٤٠٦، وطبقات المعتزلة ١٣٨، والأعلام ٦٣/ ٨).
(٥) انظر: (الكشاف ٤٤٤/ ٢، الطبرى ٤٨/ ١٥، البحر المحيط ٢٧/ ٦).
[ ٢ / ٦٢ ]
هذا هنا كذاك ثمة، وقد مر بنا مما أريد غير ظاهره، فجعل كأنه هو المراد به-كثير نحو من عشرة أشياء، وفى هذا مع ما نحن عليه من الإيجاز وتنكّب الإكثار كاف بإذن الله.
***
﴿جَناحَ الذُّلِّ﴾ (٢٤)
ومن ذلك قراءة ابن عباس وعروة بن الزبير فى جماعة غيرهما: «جناح الذّلّ» (^١).
قال أبو الفتح: الذّلّ فى الدابة: ضد الصعوبة، والذّلّ للإنسان، وهو ضد العز. وكأنهم اختاروا للفصل بينهما الضمة للإنسان والكسرة للدابة؛ لأن ما يلحق الإنسان أكبر قدرا مما يلحق الدابة، واختاروا الضمة لقوتها للإنسان، والكسرة لضعفها للدابة. ولا تستنكر مثل هذا ولا تنب عنه؛ فإن من عرف أنس، ومن جهل استوحش. وقد مر بنا من هذا ما لا يحصى كثرة.
من ذلك قولهم: حلا الشئ فى فمى يحلو، وحلى بعينى، فاختاروا البناء للفعل على فعل فيما كان لحاسّة الذوق؛ لتظهر فيه الواو، وعلى فعل فى حلى يحلى لتظهر الياء والألف، وهما خفيفتان ضعيفتان إلى الواو؛ لأن لو كان حس لكان أشبه حصّة الناظر أضعف من حسّ الذوق بالفم. وقالوا أيضا: جمام المكّوك دقيقا وجمام القدح ماء؛ وذلك لأن الماء لا يصح أن يعلو على رأس القدح كما يعلو الدقيق ونحوه على رأس المكّوك، فجعلوا الضمة لقوتها فيما يكثر حجمه، والكسرة لضعفها فيما يقلّ بل يعدم ارتفاعه.
وقالوا: النضح بالحاء غير معجمة للماء السخيف يخف أثره، وقالوا: النضخ بالخاء لما يقوى أثره فيبلّ الثوب ونحوه بللا ظاهرا؛ وذلك لأن الخاء أوفى صوتا من الحاء. ألا ترى إلى غلظ الخاء ورقة الحاء؟ وقد ثبت فى كتاب الخصائص (^٢) من هذا الضرب ونحوه وما جرى مجراه وأحاط به شئ كثير. وقد قال شاعرنا (^٣):
_________________
(١) وقراءة عاصم، وسعيد بن جبير، والجحدرى، وابن وثاب. انظر: (القرطبى ٢٤٤/ ١٠، الكشاف ٤٤٥/ ٢، الفراء ١٢٢/ ٢، البحر المحيط ٢٨/ ٦، الطبرى ٤٩/ ١٥، التبيان ٤٦٧/ ٦، مجمع البيان ٤٠٨/ ٦).
(٢) انظر: (الخصائص ١٥٩/ ٢ وما بعدها).
(٣) أى المتنبى من قصيدته التى مطلعها: إذا غامرت فى شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم انظر: (ديوانه ٢٤٥/ ٤).
[ ٢ / ٦٣ ]
وكم من عائب قولا صحيحا … وآفته من الفهم السقيم (^٢)
ولكن تأخذ الأذهان منه (^١) … على قدر القرائح والعلوم (^٣)
***
﴿خِطْأً﴾ (٣١)
ومن ذلك قراءة الحسن: «خطاء»، بخلاف (^٤).
وقرأ: «خطا» غير ممدود، والخاء منصوبة خفيفة-الحسن، بخلاف (^٥).
وقرأ: «خطا» -بكسر الخاء غير ممدود-أبو رجاء والزهرى (^٦).
وقرأ: «خطئا» -فى وزن خطعا-ابن عامر، بخلاف (^٧).
قال أبو الفتح: أما «خطاء» فاسم بمعنى المصدر، والمصدر من أخطأت: إخطاء، والخطاء من أخطأت كالعطاء من أعطيت. ويقال: خطئ يخطأ خطئا وخطأ، هذا فى الدّين، وأخطأت الغرض ونحوه. وقد يتداخلان فيقال: أخطأت فى الدّين، وخطئت فى الرأى ونحوه. قال (^٨):
_________________
(١) فى الديوان ٢٤٦/ ٤: «ولكن تأخذ الآذان منه».
(٢) الآفة: العاهة، والضمير فى آفته: للقول، وهذا المعنى من قول أبى تمام وقد قال له أبو سعيد الضرير: يا أبا تمام لم لا تقول ما يفهم؟ فقال له: يا أبا سعيد: لم لا تفهم ما يقال؟.
(٣) القريحة-فى الأصل-أول ما يخرج من البئر حين تحفر، وقريحة الإنسان: طبيعته التى جبل عليها؛ لأنها أول خلقته، ويقال لفلان قريحة جيدة، يراد استنباط العلم بجودة الطبع. يقول: إن كل أذن تأخذ مما تسمع على قدر قريحة صاحبها وعلمه: يعنى أن الغبى الجاهل إذا سمع شيئا لم يفهمه ولم يعلمه وكل أحد يدرك ما يسمع على قدر طبعه وعلمه، فإذا عاب إنسان قولا صحيحا فذلك لأنه لم يفهمه وإنما أتى من السقيم قريحة. هذا معنى رائع بديع، وهو كثير، قال جل شأنه: وإذا لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ. انظر: (شرح ديوانه ٤،٢٤٦،٢٤٧.)
(٤) انظر: (القرطبى ٢٥٣/ ١٠ الفراء ١٢٣/ ٢، الكشاف ٤٤٨/ ٢، الطبرى ٥٧/ ١٥، البحر المحيط ٣٢/ ٦، مجمع البيان ٤١٢/ ٦).
(٥) انظر: (القرطبى ٢٥٣/ ١٠ البحر المحيط ٣٢/ ٦، الكشاف، مجمع البيان ١١٢/ ٦).
(٦) انظر: (الكشاف ٤٤٨/ ٢، البحر المحيط ٣٢/ ٦، النشر ٣٠٧/ ٢، العكبرى ٥٠٢/ ٢).
(٧) وقراءة الحسن وابن عباس. انظر: (القرطبى ٢٥٣/ ١٠ الرازى ١٩٧/ ٢٠، الإتحاف ٢٨٣، البحر المحيط ٣٣/ ٦، الكشاف ٤٤٨/ ٢).
(٨) هذا البيت لأوس بن غلفاء.
[ ٢ / ٦٤ ]
ذرينى إنما خطئى وصوبى … علىّ وإنّ ما أهلكت مال
وقال عبيد (^١):
والناس يلحون الأمير إذا هم … خطئوا الصواب ولا يلام المرشد (^٢)
وقال فى الدين أمية (^٣):
عبادك يخطئون وأنت ربّ … بكفّيك المنايا والحتوم
وأما «خطا» و«خطا»، فتخفيف خطئا وخطئا على القياس.
***
﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ (٣٣)
ومن ذلك قراءة أبى مسلم صاحب الدولة: «فلا يسرف فى القتل» (^٤).
قال أبو الفتح: رفع هذا على لفظ الخبر بمعنى الأمر، كقولهم: يرحم الله زيدا، فهذا لفظ الخبر، ومعناه الدعاء؛ أى: ليرحمه الله، ومثله قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ (^٥)؛ أى: ليتربّصن. وإن شئت كان معناه دون الأمر؛ أى ينبغى ألاّ يسرف، وينبغى أن يتربصن. وعليه قوله (^٦):
على الحكم المأتىّ يوما إذا قضى … قضّيته ألاّ يجور ويقصد (^٧)
_________________
(١) عبيد بن الأبرص من قصيدته التى مطلعها: إن الحوادث قد يجئ بها الغد والصبح والإمساء منها موعد انظر: (ديوانه ٥٨).
(٢) فى الديوان ٥٨: والناس يلحون الأمير إذا غوى خطب الصواب ولا يلام المرشد
(٣) انظر: لسان العرب «خطأ».
(٤) وقراءة أبى مسلم العجلى مولى صاحب الدولة. انظر: (البحر المحيط ٣٤/ ٦، العكبرى ٥٠/ ٢، الكشاف ٤٤٨/ ٢، النحاس ٢٤٠/ ٢).
(٥) سورة البقرة الآية (٢٢٨).
(٦) نسبه فى الكتاب لعبد الرحمن بن أم الحكم. انظر: (الكتاب ٥٦/ ٣، شرح المفصل ٣٨/ ٧، شرح شواهد المغنى ٢٦٣، ونسبه فى خزانة الأدب ٦١٣/ ٣ لأبى اللحام التغلبى، وفى لسان العرب «قصد» أن هذه النسبة هى الصحيحة.
(٧) الحكم: الحاكم الذى يقضى بين القوم، والقضية: الحكم، والقصد: العدل. والشاهد فيه رفع «يقصد» على القطع؛ لأن معناه: وينبغى له أن يقصد، كأنه قال: وليقصد فى حكمه ونظيره مما جاء بلفظ الخبر ومعناه الأمر قول الله: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ أى ليرضعن.
[ ٢ / ٦٥ ]
فرفعه على الاستئناف، ومعناه ينبغى أن يقصد.
***
﴿وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ﴾ (٣٦)
ومن ذلك قراءة الجرّاح: «والبصر والفواد»، بفتح الفاء (^١).
قال أبو الفتح: أنكر أبو حاتم فتح الفاء، ولم يذكر هو ولا ابن مجاهد الهمز ولا تركه. وقد يجوز ترك الهمز مع فتح الفاء، كأنه كان «الفؤاد» بضمها والهمز، ثم خففت فخلصت فى اللفظ واوا، وفتحت الفاء على ما فى ذلك فبقيت واوا.
***
﴿صَرَّفْنا﴾ (٤١)
ومن ذلك قراءة الحسن «صرفنا»، بتخفيف الراء (^٢).
قال أبو الفتح: «صرفنا» هنا بمعنى صرّفنا مشدّدا على ما بيناه قبل من كون فعل خفيفة فى معنى فعّل. ومنه قوله:
ونقرتها بيديك كلّ منقّر (^٣) …
أى نقّرتها.
***
﴿لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا﴾ (٦١)
ومن ذلك قراءة أبى جعفر: «للملائكة اسجدوا» (^٤)
قال أبو الفتح: قد تقدم ذكر هذا البتة فيما مضى فى البقرة.
***
_________________
(١) انظر: (الكشاف ٤٤٩/ ٢، البحر المحيط ٣٦/ ٦).
(٢) انظر: (الإتحاف ٢٨٣، القرطبى ٢٦٥/ ١٠، الكشاف ٤٥٠/ ٢، البحر المحيط ٤٠/ ٦).
(٣) سبق الاستشهاد به فى (٤٢٠/ ١).
(٤) وقراءة الكسائى، ابن وردان، ابن جماز انظر: (تحبير التيسير ١٣٣، النشر ١١٠/ ٢، الإتحاف ٢٨٤)، «وذلك فى حالة الوصل».
[ ٢ / ٦٦ ]
﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ (٦٤)
ومن ذلك قراءة الحسن وأبى عمرو-بخلاف-وعاصم-بخلاف-: «بخيلك ورجلك»، بكسر الجيم.
قال أبو الفتح: روينا عن قطرب هذه القراءة عن أبى عبد الرحمن، وقال: الرجل: الرّجال، وعليه قراءة عكرمة وقتادة: «ورجالك» (^١). وقالوا: ثلاثة رجلة ورجلة، ومثله الأراجيل والمرجل. وكان يونس يرى أن الرجلة للعبيد أكثر، وقال الشاعر (^٢):
وأيّة أرض لا أتيت سراتها … وأيّة أرض لم أردها بمرجل (^٣)
أى برجال.
ويقال: رجل جمع راجل كتاجر وتجر، وهذا عند سيبويه اسم للجمع غير مكسّر بمنزلة الجامل والباقر، وهو عند أبى الحسن تكسير راجل وتاجر، وقال زهير (^٤):
هم ضربوا عن فرجها بكتيبة … كبيضاء حرس فى جوانبها الرّجل (^٥)
ويكون الرجال جمع راجل كتاجر وتجار، قال الله تعالى: ﴿فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا﴾ (^٦).
***
&
_________________
(١) انظر: (الكشاف ٤٥٦/ ٢، القرطبى ٢٨٩/ ١٠، البحر المحيط ٥٩/ ٦، العكبرى ٥٢/ ٢).
(٢) للأعشى من قصيدته التى مطلعها: صحا القلب من ذكرى قتيلة بعدها يكون لها مثل الأسير المكبل انظر: (ديوانه ٢١١).
(٣) فى ديوانه: فأية أرض لا أتيت سراتها وأية أرض لم أجبها بمرحل انظر: (ديوانه ٢١٤). سراتها: متنها. المرحل: القوى من الجمال.
(٤) من قصيدة يمدح سنان بن أبى حارثة، مطلعها: صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو وأقفر من سلمى التعانيق فالثقل انظر: (ديوانه ٥٨).
(٥) فى الديوان: «كبيضاء حرس فى طوائفها الرجل». انظر: (ديوانه ٦٠). الفرج: الثغر، المكان الذى يتقى منه العدو. حرس: جبل، وبيضاؤه: شمروخ؛ أى رأس منه طويل شبه الكتيبة فى عظمها. طوائفها: نواحيها. الرجل: الرجالة.
(٦) سورة البقرة الآية (٢٣٩).
[ ٢ / ٦٧ ]
﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ﴾ (٧١)
ومن ذلك قراءة الحسن: «يوم يدعو كلّ أناس»، بضم الياء، وفتح العين (^١).
قال أبو الفتح: هذا على لغة من أبدل الألف فى الوصل واوا، نحو أفعو، وحبلو.
ذكر ذلك سيبويه، وأكثر هذا القلب إنما هو فى الوقف؛ لأن الوقف من مواضع التغيير، وهو أيضا فى الوصل محكىّ عن حاله فى الوقف. ومنهم من يبدلها ياء، وبهذه اللغة يحتج ليونس فى البيت الذى أنشده صاحب الكتاب شاهدا عليه بأنّ ياء لبّيك ياء التثنية ردّا على يونس فى أنها ألف بمنزلة ألف على ولدى، والبيت قوله:
دعوت لما نابنى مسورا … فلبّى فلبّى يدى مسور (^٢)
قال سيبويه: «فلبّى» بالياء دلالة على أنها ياء التثنية، قال: ولو كانت كألف على ولدى لقال: فلبّى يدى مسور، كقولك: على يدى مسور، فليونس أن يقول: جاء هذا على قولهم فى الوصل: هذه أفعى. وقد ذكرنا هذا فى غير هذا الموضع من كتبنا، فكذلك يكون «يدعو» مرادا به يدعى على أفعو.
***
﴿فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ﴾ (١٠٦)
ومن ذلك قراءة علّى وابن عباس وابن مسعود وأبىّ بن كعب ﵃ والشّعبى والحسن-بخلاف-وأبى رجاء وقتادة وحميد وعمرو بن فائد وعمر بن ذرّ وأبى عمرو، بخلاف: «وقرآنا فرّقناه»، بالتشديد. (^٣).
قال أبو الفتح: تفسيره: فصّلناه، ونزّلناه شيئا بعد شئ، ودليله تعالى: ﴿عَلى مُكْثٍ﴾.
***
_________________
(١) انظر: (الفراء ١٢٧/ ٢، الإتحاف ٢٨٥، الكشاف ٤٥٩/ ٢، الرازى ١٧/ ٢١، العكبرى ٥٢/ ٢، البحر المحيط ٦٢/ ٦، مجمع البيان ٤٢٨/ ٦).
(٢) سبق الاستشهاد به فى (١٦١/ ١).
(٣) وقراءة مجاهد، وابن محيصن، وزيد بن على، وعكرمة. انظر: (مختصر شواذ القراءات ٧٧، القرطبى ٣٢٩/ ١٠، الفراء ١٣٣/ ٢، الإتحاف ٢٨٧، النحاس ٢٦٣/ ٢، الكشاف ٤٦٩/ ٢، التبيان ٥٣٠/ ٦، البحر المحيط ٨٧/ ٦).
[ ٢ / ٦٨ ]