﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿ص وَالْقُرْآنِ﴾ (١)
قراءة أبىّ بن كعب والحسن وابن أبى إسحاق: «صاد»، بكسر الدال (^١).
وقرأ: «صاد والقرآن» -بفتح الدال- (^٢) الثقفى.
قال أبو الفتح: المأثور عن الحسن أنه إنما كان يكسر الدال من ««صاد»؛ لأنه عنده أمر من المصاداة، أى: عارض عملك بالقرآن.
قال أبو على: هو فاعل من الصدى، وهو ما يعارض الصوت فى الأماكن الخالية مع الأجسام الصلبة، قال: وليس فيه أكثر من جعل الواو بمعنى الباء فى غير القسم، وقد يمكن أن تكون كسرة الدال لالتقاء الساكنين، كما أن فتحها فتح لذلك، وقد يجوز أن يكون من فتح جعل «صاد» علما للسورة، فلم يصرف، فالفتحة على هذا فتحة إعراب.
***
﴿لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ (٥)
ومن ذلك قراءة السّلمىّ: «لشئ عجّاب» (^٣).
_________________
(١) وقراءة أبى السّمال، وابن أبى عبلة، ونصر بن عاصم. انظر: (الفراء ٣٩٦/ ٢، الرازى ١٧٥/ ٢٦، الكشاف ٣٥٨/ ٣، البحر المحيط ٣٨٣/ ٧، الإتحاف ٣٧١، النحاس ٧٧٩/ ١، القرطبى ١٤٢/ ١٥، الآلوسى ١٦١/ ٢٣).
(٢) وقراءة أبى عمرو، ومحبوب. انظر: (الكشاف ٣٥٨/ ٣، الرازى ١٥٥/ ٢٦، البحر المحيط ٣٨٣/ ٧، التبيان ٤٩٤/ ٨).
(٣) وقراءة على، وعيسى بن عمر، وابن مقسم. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٢٩، الفراء ٣٩٨/ ٢، الرازى ١٧٨/ ٢٦، البحر المحيط ٣٨٥/ ٧، القرطبى ١٤٩/ ١٥، الكشاف ٣٦٠/ ٣، مجمع البيان ٤٦٣/ ٨).
[ ٢ / ٢٧٦ ]
قال أبو الفتح: قد كثر عنهم مجئ الصفة على فعيل وفعال-بالتخفيف-وفعّال، بالتشديد قالوا: رجل وضئ ووضّاء، وأنشدوا (^١):
والمرء يلحقه بفتيان النّدى … خلق الكريم وليس بالوضّاء
أى: ليس بالوضئ وقال:
نحن بذلنا دونها الضّرابا … إنا وجدنا ماءها طيّابا (^٢)
وقال:
جاءوا بصيد عجب من العجب … أزيرق العين وطوّال الذّنب
ومثله: رجل كريم، وكرام وكرّام. وزادوا مبالغة فيه بإلحاق التاء، فقالوا: كرّامة.
والشواهد كثيرة، إلاّ أنه كتاب سئلنا اختصاره؛ لئلا يطول على كاتبه، فأوجبت الحال الإجابة إلى ذلك.
***
﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ (٢٢)
ومن ذلك قراءة أبى رجاء وقتادة: «ولا تشطط» (^٣)، بفتح التاء، وضم الطاء.
قال أبو الفتح: يقال: شطّ يشطّ، ويشط: إذا بعد، وأشطّ: إذا أبعد. وعليه قراءة العامة: ﴿وَلا تُشْطِطْ،﴾ أى: ولا تبعد، وهو من الشّطّ، وهو الجانب، فمعناه أخذ جانب الشئ وترك وسطه وأقربه، كما قيل: تجاوز، وهو من الجيزة، وهى جانب الوادى، وكما قيل: تعدّى، وهو من عدوة الوادى، أى: جانبه. قال عنترة (^٤):
شطّت مزار العاشقين فأصبحت … عسرا علىّ طلابك ابنة مخرم
أى: بعدت عن مزار العاشقين. وكما بالغ فى ذكر استضراره خاطبها بذلك؛ لأنه أبلغ، فعدل على لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب، فقال: طلابك، فافهم ذلك، فإنه ليس الغرض فيه وفى نحوه السعة فى القول، لكن تحت ذلك ونظيره أغراض من هذا النحو، فتفطن لها.
***
_________________
(١) لصدقة الدبيرى. انظر: (الخصائص ٢٦٨/ ٣، لسان العرب «وضأ»).
(٢) لسان العرب «طيب» وفيه: «نحن وجدنا دونها الضرابا».
(٣) وقراءة، ابن أبى عبلة، والحسن، وأبى حيوة. انظر: (الكشاف ٣٦٨/ ٣، البحر المحيط ٣٩٢/ ٧، النحاس ٧٩١/ ٢).
(٤) من معلقته المشهورة، وصدره فيها: «حلت بأرض الزائرين فأصبحت». انظر: (ديوانه ١٦).
[ ٢ / ٢٧٧ ]
﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ (٢٣)
ومن ذلك قراءة الحسن-بخلاف-: «تسع وتسعون نعجة» (^١).
قال أبو الفتح: قد كثر عنهم مجئ الفعل والفعل على المعنى الواحد، نحو البزر والبزر، والنفط والنّفط، والسّكر والسّكر، والحبر والحبر، والسّبر والسّبر. فلا ينكر- على ذلك- «التّسع» بمعنى التّسع، لا سيما وهى تجاور العشرة، بفتح الفاء.
***
﴿نَعْجَةً﴾ (٢٣)
ومن ذلك قراءة الحسن والأعرج: «نعجة» (^٢)، بكسر النون.
قال أبو الفتح: هذا أيضا كالذى قبله سواء، وقد اعتقبت فعلة وفعلة على المعنى الواحد، قالوا للعقاب: لقوة ولقوة، وقوم شجعة وشجعة للشّجعاء، والمهنة والمهنة للخدمة، وله نظائر. فكذلك تكون «النّعجة»، و«النّعجة»، ولم يمرر بنا الكسر إلاّ فى هذه القراءة.
***
﴿وَعَزَّنِي﴾ (٢٣)
ومن ذلك قراءة أبى حيوة: «وعزنى» (^٣)، مخففة.
قال أبو الفتح: أصله «عزّنى»، غير أنه خفف الكلمة بحذف الزاى الثانية أو الأولى، كما حكاه ابن الأعرابى من قولهم: ظنت ذاك، أى: ظننت، وكقول أبى زبيد:
خلا أنّ العتاق من المطايا … أحسن به فهنّ إليه شوس (^٤)
وقالوا فى مسست: مست، وفى ظللت: ظلت. وحكى أحمد بن يحيى الحذف فى
_________________
(١) وقراءة زيد بن على. انظر: (الرازى ١٩٦/ ٢٦، البحر المحيط ٣٩٢/ ٧، الكشاف ٣٦٩/ ٣، القرطبى ١٧٢/ ١٥، الإتحاف ٣٧٢، النحاس ٧٩٢/ ٢).
(٢) انظر: (الكشاف ٣٦٩/ ٣، الرازى ١٩٦/ ٢٦، البحر المحيط ٣٩٢/ ٧، مجمع البيان ٤٧٠/ ٨).
(٣) وقراءة عاصم (فى رواية)، وأبى حيوة. انظر: (العكبرى ١١٣/ ٢، الكشاف ٣٦٩/ ٣، البحر المحيط ٣٩٢/ ٧، مجمع البيان ٤٦٧/ ٨).
(٤) سبق الاستشهاد به.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
نحو ذلك من المكسور، نحو شممت وبابه. وذلك كله على تشبيه المضاعف بالمعتل العين، لكن «عزنى» أغرب منه كله، غير أنه مثله فى أنه محذوف للتخفيف.
***
﴿فَتَنّاهُ﴾ (٢٤)
ومن ذلك قراءة عمر بن الخطاب، ﵁: «فتّنّاه» (^١).
وقرأ: «فتناه» (^٢) قتادة وأبو عمرو فى قراءة عبد الوهاب وعلىّ بن نصر عنه.
قال أبو الفتح: أما «فتّنّاه»، بتشديد التاء والنون ففعّلناه، وهى للمبالغة. ولمّا دخلها معنى نبّهناه ويقّظناه جاءت على فعّلناه؛ انتحاء للمعنى المراد.
وأما «فتناه» فإن المراد بالتثنية هما الملكان، وهما الخصمان اللذان اختصما إليه، أى: علم أنهما اختبراه، فخبراه بما ركبه من التماسه امرأة صاحبه، فاستغفر داود به.
***
﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾ (٤٥)
ومن ذلك قراءة الحسن والثقفى والأعمش-بخلاف عنهم-: «أولى الأيد» (^٣)، بغير ياء.
قال أبو الفتح: يحتمل ذلك أمرين:
أحدهما: أن أراد «بالأيد»: «بالأيدى» على قراءة العامة، إلا أنه حذف الياء تخفيفا، كما قال: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ (^٤)، وغير ذلك مما حذفت فيه الياء تخفيفا.
والآخر: أن يكون أراد: بالأيد: القوة، أى: القوة فى طاعة الله والعمل بما يرضيه.
_________________
(١) وقراءة أبى رجاء، والحسن. انظر: (القرطبى ١٧٩/ ١٥، مجمع البيان ٤٧٠/ ٨، النحاس ٧٩٢/ ٢، البحر المحيط ٣٩٣/ ٧).
(٢) وقراءة، الشنبودى، وعبيد بن عمير، وابن السميفع. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٣٠، الإتحاف ٣٧٢، النحاس ٧٩٢/ ٢، العكبرى ١١٣/ ٢، البحر المحيط ٣٩٣/ ٧، التبيان ٥٠٦/ ٨، القرطبى ١٧٩/ ١٥، السبعة ٥٥٣، مجمع البيان ٤٧٠/ ٨).
(٣) وقراءة المطوعى، وعبد الله بن مسعود، وعبد الوارث. انظر: (الإتحاف ٢٧٢، الطبرى ١١٠/ ٢٣، الكشاف ٣٧٨/ ٣، مجمع البيان ٤٧٩/ ٨، الفراء ٤٠٦/ ٢، البحر المحيط ٤٠٢/ ٧).
(٤) سورة القمر الآية (٦).
[ ٢ / ٢٧٩ ]
ألا تراه مقرونا بقوله: «والأبصار»، أى البصر بما يحظى عند الله؟ وعلى ذلك ف «الأيدى» هنا إنما هى جمع اليد التى هى القوة، لا التى هى الجارحة ولا النعمة، لكنه كقولك: له يد فى الطاعة، وقدم فى المتابعة. فالمعنيان إذا واحد، وهو البصيرة والنهضة فى طاعة الله، فهو إذا من قول لبيد (^١):
حتّى إذا ألقت يدا فى كافر … وأجنّ عورات الثّغور ظلامها (^٢)
ألا تراهم قالوا فى تفسيره: بدأت فى المغيب؟ وأصله لثعلبة بن صعير المازنىّ فى قوله يصف الظليم والنعامة وقد جدّا فى طلب بيضهما:
فتذكّرا ثقلا رثيدا بعدما … ألقت ذكاء يمينها فى كافر (^٣)
يعنى بكافر الليل، وهذا أبلغ معنى من قول لبيد. ألا تراه ذكر اليمين خصوصية، وهى أشبه بالقوة؛ لأنها أقوى من الشّمال؟ ولبيد اقتصر على ذكر اليد، فقد تكون شمالا كما قد تكون يمينا. ومثله قول الشّماخ:
تلقّاها عرابة باليمين (^٤) …
أى: بالقوة. وإنما سميت القوة يمينا تشبيها لها بالجارحة اليمنى، وإذا شبه العرض الجوهر فذلك تناه به، وإعلاء منه. ولهذا ما ذمّ الطائى الكبير قلب ذلك، فقال:
مودّة ذهب أثمارها شبه … وهمّة جوهر معروفها عرض (^٥)
ووصف بالجوهر لقوته، كما وصف الآخر بالحديد لقوته، فقال فى أحد التأويلين:
بمنجرد قيد الأوابد هيكل (^٦) …
_________________
(١) من معلقته المشهورة التى مطلعها: عفت الديار محلها فمقامها بمنى تأبد غولها فرجامها انظر: (ديوانه ١٦٣ وما بعدها).
(٢) انظر: (ديوانه ١٧٦). وألقت: يعنى الشمس، ألقت يدا فى كافر: بدأت فى المغيب. الكافر: الليل لأنه يغطى ما حوله. أجن: ستر عورات الثغور: المواضع التى تأتى المخافة منها.
(٣) انظر: لسان العرب «كفر».
(٤) انظر: (الخصائص ٢٥١/ ٣).
(٥) غير موجود فى ديوان أبى تمام.
(٦) من معلقة امرئ القيس، وصدره: «وقد أغتدى والطير فى وكناتها». انظر: (ديوانه ٥١). والمنجرد: الماضى فى السير، وقيل: بل هو القليل الشعر. الأوابد: الوحوش، وقد أبد الوحش يأبد أبودا، ومنه تأبد الموضع إذا توحش وخلا من القطان، ومنه قيل: للفذ أبدة لتوحشه عن الطباع. الهيكل، قال ابن دريد: هو الفرس العظيم الجرم، والجمع الهياكل.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
وعليه أيضا قال: هيكل، فوصف بالاسم غير المماسّ للفعل؛ لما فى الهيكل من العلوّ والرحابة والشدة، فاعرف ذلك مذهبا للقوم، وانتحه تصب بإذن الله.
***
﴿إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاّ أَنَّما﴾ (٧٠)
ومن ذلك قراءة أبى جعفر: «إن يوحى إلىّ إلاّ إنّما» (^١)، بكسر الألف.
قال أبو الفتح: هذا على الحكاية، حتى كأنه قال: إن يوحى، أى: إن يقال لى: إلا أنت نذير مبين.
فإن قيل: فإذا كان حكاية فقد كان يجب أن يردّ اللفظ عينه، وهو لم يقل له: أنا نذير مبين، فهلا أعاده البتة، فقال: إن يوحى إلىّ إلا أنت نذير مبين؟.
قيل: هذا أراد، إلا أنه إذا قال: إلا أنما أنا نذير مبين فكأنه قد قال: أنت نذير مبين، ألا تراك تقول لصاحبك: أنت قلت: إنك شجاع، فزدت الحرف، وهو لم يقل: إنك شجاع، وإنما قال: أنا شجاع. فلما أردت قوله حاكيا له أوقعت موقع «أنا» إنك.
وعلة تحريف هذا الحرف الواحد من الجملة المحكية أنك مخاطب له، فغلب لفظ الخطاب الحاضر اللفظ-المنقضى لقوة الحاضر على الغائب. هذا أيضا مع ارتفاع الشبهة والإشكال فى أن الغرض بهما جميعا شئ واحد. ونحو من هذا فى بعض الانحراف عن المحكى للدلالة عليه قول الشاعر:
تنادوا بالرّحيل غدا … وفى ترحالهم نفسى
أجاز لى فيه أبو على بحلب سنة سبع وأربعين ثلاثة أضرب من الإعراب: بالرّحيل، والرّحيل، والرّحيل: رفعا، ونصبا، وجرّا.
فمن رفع أو نصب فقدّر فى الحكاية اللفظ المقول البتة فكأنه قالوا: الرحيل غدا، والرحيل غدا.
فأما الجرّ فعلى إعمال الباء فيه، وهو معنى ما قالوه، لكن حكيت منه قولك: غدا وحده، وهو خبر المبتدأ وفى موضع رفع؛ لأنه خبر المبتدأ.
_________________
(١) انظر: (الإتحاف ٣٤٧، النشر ٢٦٣، تحبير التيسير ١٦٨، التبيان ٥٢٩/ ٨، القرطبى ٢٢٧/ ١٥، الكشاف ٣٨١/ ٣، مجمع البيان ٤٨٣/ ٨، البحر المحيط ٤٠٩/ ٧).
[ ٢ / ٢٨١ ]
ولا يكون ظرفا لقوله: تنادوا؛ لأن الفعل الماضى لا يعمل فى الزمان الآتى. وإذا قال: تنادوا بالرحيل غدا، فنصب الرحيل فإن غدا يجوز أن يكون ظرفا لنفس الرحيل، فكأنهم قالوا: أجمعنا الرحيل غدا، ويجوز أن يكون ظرفا لفعل نصب الرحيل آخر، أى: نحدث الرحيل غدا. فأما أن يكون ظرفا لتنادوا فمحال، لما قدمنا.
***
[ ٢ / ٢٨٢ ]