﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿طه﴾ (١)
قرأ الضحاك وعمرو بن فائد: «طاوى» (^١) مبيّض.
***
﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها﴾ [طه:١٥]
ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير، ورويت عن الحسن ومجاهد: «أخفيها» (^٢)، بفتح الألف.
قال أبو الفتح: أخفيت الشئ: كتمته، وأظهرته جميعا. وخفيته بلا ألف: أظهرته البتة. فمن ذلك قراءة من قرأ: «أخفيها». قالوا: معناه أظهرها. قال أبو على: الغرض فيه أزيل عنها خفاءها، وهو ما تلف فيه القربة ونحوها: من كساء، وما يجرى مجراه، قال: وعليه قول الشاعر:
لقد علم الأيقاظ أخفية الكرى … تزجّجها من حالك واكتحالها (^٣)
قال: أراد الأيقاظ عيونا، فجعل العين كالخفاء للنوم؛ لأنها تستره، قال: من ألفاظ السلب: فأخفيته: سلبت عنه خفاءه، وإذا زال عنه ساتره ظهر لا محالة، ومثله من السلب: أشكيت الرجل: إذا أزلت عنه ما يشكوه، وقد سبق نحو هذا وحديث السلب فى اللغة.
&
_________________
(١) انظر: (البحر المحيط ٢٢٤/ ٦).
(٢) وقراءة ابن كثير فى رواية، وعاصم فى رواية، وأبى الدرداء، وحميد، وقتادة. انظر: (الطبرى ١١٣/ ١٦، الكشاف ٥٣٢/ ٢، القرطبى ١٨٢/ ١١، البحر المحيط ٢٣٢/ ٦، الفراء ١٧٦/ ٢، النحاس ٣٣٤/ ٢، العكبرى ٦٥/ ٢).
(٣) نسب العينى البيت إلى الكميت، وليس فى ديوانه، انظر: (سر صناعة الإعراب ٣٨/ ١، الأمالى الشجرية ١٠٦/ ١، شرح المفصل ٢٧/ ٥، اللسان «خفى»، شرح الكافية الشافية ص ١٠٧١، العينى ٦١٢/ ٣). تزججها: فى معنى تزجيجها، أى تدقيقها وتطويلها. الحالك: الشديد السواد.
[ ٢ / ٩١ ]
فأما «أخفيها» بفتح الألف فإنه أظهرها. قال امرؤ القيس (^١):
خفاهنّ من أنفاقهنّ كأنّما … خفاهنّ ودق من عشىّ مجلّب (^٢)
فهذا إذا أكاد أظهرها. وقيل: أكاد أخفيها من نفسى. وفى هذا ضرب من التصوف وقيل. أكاد أخفيها: أريد أخفيها. وأنشد أبو الحسن شاهدا له:
كادت وكدت وتلك خير إرادة … لو عاد من لهو الصّبابة ما مضى (^٣)
فكأنه قال: أرادت وأردت: لقوله: وتلك خير إرادة. وقيل: أكاد هنا زائدة، أى: أخفيها وأنشدوا فيه لحسّان (^٤):
وتكاد تكسل أن تجئ فراشها … فى جسم خرعبة وحسن قوام (^٥)
فإذا كان «أخفيها» بالفتح أو «أخفيها»» بمعنى أظهرها فاللام فى قوله: «لتجزى» معلّقة بنفس «أخفيها»، ولا يحسن الوقف دونها.
وإذا كان من معنى الإخفاء والستر فاللام متعلقة بنفس «آتية»، أى: إن الساعة آتية لتجزى كل نفس بما تسعى، أكاد أخفيها. فالوجه أن تقف بعد «أخفيها» وقفة قصيرة، أما الوقفة فلئلا يظن أن اللام معلقة بنفس «أخفيها»، وهذا ضد المعنى؛ لأنها إذا لم تظهر لم يكن هناك جزاء، إنما الجزاء مع ظهورها. فأما قصر الوقفة فلأن اللام متعلقة بنفس «آتية»، فلا يحسن إتمام الوقف دونها؛ لاتصال العامل بالمعمول فيه. وهذه الوقفة القصيرة ذكرها أبو الحسن، وما أحسنها وألطف الصنعة فيها!.
***
_________________
(١) من قصيدته التى مطلعها: خليلى مرّ بى على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب انظر: (ديوانه ٦٤).
(٢) ديوانه ٦٩، خفاهن: أخرجهن. أنفاقهن، الواحد نفق: الطريق تحت الأرض، الودق: المطر، المجلب: الذى له جلبة.
(٣) سبق الاستشهاد به فى (٧٦).
(٤) من قوله يفتخر بيوم بدر ويعير الحارث بن هشام بفراره عن أخيه أبى جهل بن هشام، ثم حسن إسلامه بعد واستشهد بأجنادين (﵁)، ومطلعها: تبلت فؤادك فى المنام خريدة تسقى الضجيع ببارد بسام انظر: (ديوانه ٣٤٤).
(٥) فى الديوان: «فى لين خرعبة وحسن قوام». انظر: (ديوانه ٣٤٥). والخرعبة: اللينة الحسنة الخلق وأصل الخرعبة: اللين.
[ ٢ / ٩٢ ]
﴿هِيَ عَصايَ﴾ (١٨)
ومن ذلك قراءة الحسن وأبى عمرو-بخلاف عنهما-: «هى عصاى» (^١) بكسر الياء، مثل غلامى.
وقرأ: «عصاى» (^٢) ابن أبى إسحاق أيضا.
قال أبو الفتح: كسر الياء فى نحو هذا ضعيف؛ استثقالا للكسرة فيها وهربا إلى الفتحة، «كهداى» (^٣)، و«يا بشراى» (^٤)، إلا أن للكسرة وجها ما.
وذلك أنه قد قرأ حمزة: «ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخىّ» (^٥)، فكسر الياء لالتقاء الساكنين مع أن قبلها كسرة وياء، والفتحة والألف فى «عصاى» أخف من الكسرة والياء فى «مصرخىّ». وروينا عن قطرب وجماعة من أصحابنا:
قال لها هل لك يا تافيّى
أراد «فىّ»، ثم أشبع الكسرة للإطلاق، وأنشأ عنها ياء نحو منزلى وحوملى، وروينا عنه أيضا (^٦):
علىّ لعمرو نعمة بعد نعمة … لوالده ليست بذات عقارب
وروينا عنه أيضا (^٧):
إنّ بنىّ صبية صيفيّون … أفلح من كان له ربعيّون
_________________
(١) وقراءة ابن أبى إسحاق. انظر: (القرطبى ١٨٦/ ١١، البحر المحيط ٢٣٤/ ٦، الكشاف ٥٣٣/ ٢، العكبرى ٦٦/ ٢).
(٢) وقراءة الجحدرى. انظر: (القرطبى ١٨٦/ ١١، الكشاف ٥٣٣/ ٢، البحر المحيط ٢٣٤/ ٦، الرازى ٢٦/ ٢٢).
(٣) سورة البقرة الآية (٣٨).
(٤) سورة يوسف الآية (١٩). وهى قراءة ما عدا حمزة وعاصم والكسائى وخلف. انظر: (الإتحاف ١٥٩).
(٥) سورة إبراهيم الآية (٢٢).
(٦) من قول النابغة الذبيانى يمدح عمرو بن الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر ابن أبى شمر، حين هرب إلى الشام ونزل به، ومطلعها: كلينى لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطئ الكواكب انظر: (ديوانه ٩).
(٧) انظر: (النوادر ٨٧، لسان العرب «صيف»).
[ ٢ / ٩٣ ]
وقول ابن مجاهد: مثل غلامى لا وجه له؛ لأن الكسرة فى ياء «عصاى» لالتقاء الساكنين، والكسرة فى ميم «غلامى» هى التى تحدثها ياء المتكلم. أفترى أن فى «عصاى» بعد ياء المتكلم ياء له أخرى حتى يكون للمتكلم ياءان؟ وهذا محال، وإنما غرضه أن الياء فى «عصاى» مكسورة كما أن ميم غلامى مكسورة، وأساء التمثيل على ما ترى.
***
﴿وَأَهُشُّ﴾ (١٨)
ومن ذلك قراءة عكرمة، «وأهسّ» (^١) بالسين.
وقرأ إبراهيم: «وأهشّ»، بكسر الهاء، وبالشين (^٢).
قال أبو الفتح: أما «أهشّ»، بكسر الهاء، وبالشين معجمة فيحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون أميل بها على غنمى، إما لسوقها، وإما لتكسير الكلأ لها بها، كقراءة من قرأ: «أهشّ» بضم الشين معجمة، يقال: هشّ الخبز يهشّ: إذا كان جافا يتكسر لهشاشته.
والآخر: أن يكون أراد أهشّ بضم الهاء، أى أكسر بها الكلأ لها، فجاء به على فعل يفعل وإن كان مضاعفا ومتعديا. فقد مرّ بنا نحو ذلك، منه: هرّ الشئ يهرّه: إذا كرهه، ومنه قول عنترة (^٣):
حتى تهرّوا العواليا
أى: تكرهوها، وهو من قول قيس بن ذريح (^٤):
نهارى نهار النّاس حتّى إذا بدا … لى اللّيل هرّتنى إليك المضاجع (^٥)
_________________
(١) قراءة الحسن. انظر: (القرطبى ١٨٧/ ٨١، الكشاف ٥٣٣/ ٢، البحر المحيط ٢٣٤/ ٦، مجمع البيان ٦/ ٧، العكبرى ٦٦/ ٢، الرازى ٢٧/ ٢٢) «ضبط فى القرطبى بفتح الحاء».
(٢) وقراءة أبى البرهسم. انظر: (القرطبى ١٨٦/ ١١، البحر المحيط ٢٣٤/ ٦، الكشاف ٥٣٢/ ٣، مجمع البيان ٦/ ٧، العكبرى ٦٦/ ٢، النحاس ٣٣٥/ ٢).
(٣) انظر: (ديوانه ١٦٥).
(٤) من قصيدته التى مطلعها: أبائنة لبنى ولم تقطع المدى بوصل ولا جزم فييأس طامع انظر: (ديوان العذريين ٣٨٨).
(٥) وقع فى (ديوان العذريين ٣٨٩): نهارى نهار الوالهين صبابة وليلى تنبو فيه عنى المضاجع
[ ٢ / ٩٤ ]
أى: كرهتنى، فنبت بى، وهزّتنى بالزاى تصحيف عندهم، ومثله: حب الشئ يحبّه بكسر الحاء ألبتة، ولم يضموها، وغذّ العرق الدم يغذّه ويغذّه، ونمّ الحديث ينمّه وينمّه، وشد الحبل يشدّه ويشدّه، فى أحرف سوى هذه، وكذلك يكون «أهشّ» كقراءة من قرأ: «أهشّ»، بضم الهاء، وبالشين معجمة.
وأما «أهسّ» بالسين غير معجمة فمعناه أسوق: رجل هسّاس، أى: سوّاق.
فإن قلت: فكيف قال: «أهسّ بها على غنمى؟»، وهلاّ قال: أهسّ بها غنمى، كقولك: أسوق بها غنمى؟.
قيل: لمّا دخل السّوق معنى الانتحاء لها والمميل بها عليها استعمل معها «على»، حملا على المعنى، وقد ذكرنا من هذا فيما مضى صدرا صالحا، ومن ذلك قولهم: كفى بالله، أى كفى الله، إلا أنهم زادوا الباء حملا على معناه، إذ كان فى معنى اكتف بالله، ولذلك قالوا: حسبك به لمّا دخله معنى اكتف به، ولذلك أيضا حذفوا خبره فى قولهم: حسبك لمّا دخله معنى اكتف، والفعل لا يخبر عنه، ونظائره كثيرة جدا.
***
﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى﴾ (٣٩)
ومن ذلك قراءة أبى جعفر يزيد: «ولتصنع على» (^١) بجزم اللام والعين.
وقرأ: «ولتصنع»، بفتح التاء والعين، وكسر اللام-أبو نهيك.
قال أبو الفتح: ليس دخول لام الأمر هنا كدخولها فى قراءة النبى ﷺ وغيره ممن قرأها معه: «فبذلك فلتفرحوا» (^٢) بالتاء، وفرق بينهما أن المأمور فى «فلتفرحوا» مخاطب، وعرف ذلك وعادته أن يحذف حرف المضارعة فيه، كقولنا: قم، واقعد، وخذ، وسر، وبع. وأما «ولتصنع» فإن المأمور غائب غير مخاطب، فإنما هو كقولنا: ولتعن بحاجتى، ولتوضع فى تجارتك؛ لأن العانى بها والواضع فيها غيرهما، وهما المخاطبان، فهذا كقولك: ليضرب زيد ولتضرب هند.
_________________
(١) وقراءة شيبة. انظر: (الإتحاف ٣٠٣، السبعة ٤٢٦، النشر ٣٢٠/ ٢، الكشف ١٠٩/ ٢، غيث النفع ٢٨٧، القرطبى ١٩٧/ ١١، الكشاف ٥٣٦/ ٢، البحر المحيط ٢٤٢/ ٦، تحبير التيسير ١٤٠، الرازى ٥٤/ ٢٢).
(٢) سورة يونس الآية (٥٨)، وهى قراءة أبى، وأنس، ﵄. انظر: (الإتحاف ١٥٢).
[ ٢ / ٩٥ ]
وأما قول الرجل لصاحبه: خذ طرفك ولآخذ طرفى، وقولهم: لنمش كلّنا، ولنقم إلى فلان، ونحو ذلك فإنما جاء باللام لأنه لم يكثر أمر الإنسان نفسه، فلما قل استعماله لم يخفف بحذف اللام كما يكثر أمر المأمور الحاضر، فخفف نحو قم، وسر، وبع، وخف، ونم.
وأما: «ولتصنع على عينى» ففسّره أحمد بن يحيى، أى: لتكون حركتك وتصرّفك على عين منى، قال: ومعنى «ولتصنع على عينى»، بضم التاء: لتربّ وتغذّى بمرأى منى.
***
﴿أَنْ يَفْرُطَ﴾ (٤٥)
ومن ذلك قراءة ابن محيصن: «أن يفرط» (^١) بفتح الراء.
قال أبو الفتح: هذا منقول من قراءة من قرأ: «أن يفرط علينا»، أى: يسبق ويسرع، فكأنه أن يفرطه مفرط، أى: يحمله حامل على السرعة علينا وترك التأنى بنا، فكأنه قال: أن يحمل على العجلة فى بابنا.
***
﴿مَكانًا سُوىً﴾ (٥٨)
ومن ذلك قراءة الحسن: «مكانا سوى» (^٢)، غير منون.
قال أبو الفتح: ترك صرف «سوى» ها هنا مشكل؛ وذلك أنه وصف على فعل، وذلك مصروف عندهم: كمال لبد، ورجل حطم، ودليل ختع، وسكع، إلا أنه ينبغى أن يحمل عليه أنه محمول على الوقف عليه، فجاء بترك التنوين. فإن وصل على ذلك فعلى نحو من قولهم: سبسبّا وكلكلاّ، فجرى فى الوصل مجراه فى الوقف.
***
_________________
(١) وقراءة يحيى، وابن مسعود، وأناس من أصحاب النبى ﷺ، والأعمش، وسلام. انظر: (مختصر شواذ القراءات ٨٧، القرطبى ٢٠١/ ١١، الكشاف ٥٣٨/ ٢، الإتحاف ٢٠٣، البحر المحيط ٢٤٦/ ٦).
(٢) انظر: (الكشاف ٥٤٢/ ٢، الرازى ٧١/ ٢٢، الإتحاف ٣٠٤، البحر المحيط ٢٥٣/ ٦).
[ ٢ / ٩٦ ]
﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ (٥٩)
ومن ذلك قراءة الحسن والأعمش والثقفى، ورويت عن أبى عمرو: «يوم الزّينة» (^١)، بالنصب.
قال أبو الفتح: أما نصب «يوم الزينة» فعلى الظرف، كقولنا: قيامك يوم الجمعة، فالموعد إذا ها هنا مصدر، والظرف بعده خبر عنه. وهو عندى على حذف المضاف، أى: إنجاز موعدنا إياكم فى ذلك اليوم.
ألا ترى أنه لا يراد أنه فى ذلك اليوم نعدكم؟ كيف ذا والوعد قد وقع الآن؟ وإنما يتوقع إنجازه فى ذلك اليوم، لكن فى قوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ النظر، فظاهر حاله أن يكون مجرور الموضع حتى كأنه قال: موعدكم يوم الزينة وحشر الناس ضحى، أى: يوم هذا وهذا؛ فيكون «أَنْ يُحْشَرَ» معطوفا على الزينة.
وقد يجوز أن يكون مرفوع الموضع عطفا على الموعد، فكأنه قال: إنجاز موعدكم وحشر الناس ضحى فى يوم الزينة، أى: هذان الفعلان فى يوم الزينة، فكأنه جعل الموعد عبارة عن جميع ما يتحدد ذلك اليوم: من الثواب، والعقاب، وغيرهما سوى الحشر. ألا تراه عطفه عليه؟ وأنت لا تقول: جاء القوم وزيد، وقد جاء زيد معهم؛ لأن الشئ لا يعطف على نفسه وكذلك قول الله تعالى: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ﴾ (^٢) لا يكون «جِبْرِيلَ» و«مِيكالَ» داخلين فى جملة الملائكة؛ لأنهما معطوفان عليهم، فلا بد أن يكونا خارجين منهم، فأما قوله (^٣):
أكرّ عليهم دعلجا ولبانه … إذا ما اشتكى وقع الرماح تحمحما (^٤)
فيروى «لبانه» رفعا ونصبا، فمن رفعه فلا نظر فيه؛ لأنه مبتدأ وما بعده خبر عنه. وأما النصب فعلى أنه أخرج عن الجملة «لبانه»، ثم عطفه عليه؛ وساغ له ذلك لأنه
_________________
(١) وقراءة عاصم فى رواية، والمطوعى، وقتادة، وأبى حيوة، وابن أبى عبلة، والجحدرى، وهبيرة، والزعفرانى، والسّلمى. انظر: (الإتحاف ٣٠٤، القرطبى ٢١٣/ ١١، الكشاف ٥٤١/ ٢، التبيان ١٦٠/ ٧، مجمع البيان ١٤/ ٧، البحر المحيط ٢٥٢/ ٦، النحاس ٣٤٢/ ٢).
(٢) سورة البقرة الآية (٩٨)، وهى قراءة ابن عامر وحمزة والكسائى فى «ميكائيل». انظر: (الإتحاف ٨٨).
(٣) هو لعامر بن الطفيل، فى قطعة من بيتين، وقبله: طلقت إن لم تسألى أى فارس حليلك إذ لاقى صداء وفتحما انظر: (ديوانه ١٣٤).
(٤) دعلج: فرس آخر للشاعر، لبانه: صدره. تحمحم: ردد صوته من الألم.
[ ٢ / ٩٧ ]
مازه من جملته إكبارا له وتفخيما منه، كما ماز «جِبْرِيلَ» و«مِيكالَ» من جملة الملائكة تشريفا لهما، فكذلك قوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ ليس فى جملة ما دل عليه الموعد لما قدمناه، كأنه مميّز من الزينة فى اعتقادك إياه مجرورا؛ لأنه معطوف عليها.
وأما من رفع فقال: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ فإن الموعد عنده ينبغى أن يكون زمانا، فكأنه قال: وقت وعدى يوم الزينة، كقولنا: مبعث الجيوش شهر كذا؛ أى: وقت بعثها حينئذ، والعطف عليه بقوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ يؤكد الرفع؛ لأنّ «أن» لا تكون ظرفا. ألا ترى أن من قال: زيارتك إياى مقدم الحاج، لا يقول: زيارتك إياى أن يقدم الحاج؟ وذلك أن لفظ المصدر الصريح أشبه بالظرف من «أن» وصلتها التى بمعنى المصدر، إذا كان اسما لحدث، والظرف اسم للوقت، والوقت يكاد يكون حدثا. وعلى كل حال فلست تحصل من ظرف الزمان على أكثر من الحدث الذى هو حركات الفلك، فلما تدانيا هذا التدانى ساغ وقوع أحدهما موقع صاحبه.
وأما «أن» فحرف موصول، جعل بدل لفظه على أنه فى معنى المصدر. وما أبعد هذا عن الظرفية! وقد استقصينا القول على ذلك فى كتابنا الخصائص وغيره من مصنفاتنا، وينبغى أيضا أن يكون على حذف المضاف، أى: وقت وعدكم يوم الزينة ووقت حشر الناس؛ لأن الحشر فى الحقيقة ليس وقتا، كما أن قولك: ورودك مقدم الحاج، إنما هو على حذف المضاف، أى: وقت مقدم الحاج، وكذلك خفوق النجم وخلافة فلان، فاعرف ذلك.
***
﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ (٥٩)
ومن ذلك قراءة ابن مسعود والجحدرى وأبى عمران الجونى وأبى نهيك وأبى بكرة وعمرو بن فائد: «وأن يحشر النّاس ضحى» (^١).
قال أبو الفتح: الفاعل هنا مضمر، أى: وأن يحشر الله الناس، فهذا كقوله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ (^٢)، وجميع هذا يراد به العموم، أى: يحشرهم قاطبة وطرا
_________________
(١) انظر: (القرطبى ٢١٤/ ١١، البحر المحيط ٢٥٤/ ٦).
(٢) سورة الأنعام الآية (٢٢)، وسورة يونس الآية (٢٨).
[ ٢ / ٩٨ ]
ولا يكون حالا كقوله سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتًا لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ﴾ (^١) ويدل عليه أيضا قوله: ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (^٢).
***
﴿يُخَيَّلُ﴾ (٦٦)
ومن ذلك قراءة الحسن والثقفى: «تخيّل» (^٣)، بالتاء.
قال أبو الفتح: هذا يدل على أن قوله تعالى: ﴿أَنَّها تَسْعى﴾ بدل من الضمير فى «تخيّل» وهو عائد على الحبال والعصىّ، كقولك: إخوتك يعجبوننى أحوالهم، فأحوالهم بدل من الضمير العائد عليهم بدل الاشتمال.
ومنه قوله تعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ﴾ (^٤) فيمن جعل «الْأَبْوابُ» بدلا من الضمير فى «مُفَتَّحَةً»، وهذا أمثل من أن يعتقد خلوّ «تخيّل» من ضمير يكون ما بعده بدلا منه، لكن يؤنث الفعل لتضمن ما بعد أن لفظ التأنيث، كقراءة من قرأ: «لا تنفع نفسا إيمانها» (^٥) لأنه أسهل وأسرح من إتعاب الإعراب والتعسف به من باب إلى باب.
***
﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً﴾ (٩٦)
ومن ذلك قراءة ابن مسعود وأبى بن كعب وعبد الله بن الزبير ونصر بن عاصم والحسن وقتادة وابن سيرين، بخلاف، وأبى رجاء، بخلاف: «فقبصت قبصة» (^٦)، بالصاد فيهما.
&
_________________
(١) سورة الزلزلة الآية (٦).
(٢) سورة الكهف الآية (٤٧).
(٣) وقراءة ابن عامر، وروح، والزهرى، وعيسى، وأبى حيوة، وقتادة، والجحدرى، وابن عباس، ويعقوب، وزيد، وابن ذكوان. انظر: (الإتحاف ٣٠٥، الطبرى ١٤٠/ ١٦، مجمع البيان ١٤/ ٧، القرطبى ٢٢٢/ ١١، الكشاف ٥٢٤/ ٢، البحر المحيط ٢٥٩/ ٦، النشر ٣٢١/ ٢، التيسير ١٥٢، غيث النفع ٢٩٠).
(٤) سورة ص الآية (٥٠).
(٥) سورة الأنعام الآية (١٥٨)، هى قراءة ابن سيرين كذا فى البحر المحيط ٢٥٩/ ٤.
(٦) وقراءة حميد. انظر: (الطبرى ١٥٢/ ١٦، الفراء ١٩٠/ ٢، الإتحاف ٣٠٧، غيث النفع ٢٩٢، لسان العرب «قبص»، البحر المحيط ٢٧٣/ ٦، التبيان ١٨٠/ ٧، الكشاف ٥٥١/ ٢، مجمع البيان ٢٤/ ٧،٢٥).
[ ٢ / ٩٩ ]
وقرأ: «قبصة» (^١)، بالصاد وضم القاف-الحسن، بخلاف.
قال أبو الفتح: القبض بالضاد معجمة باليد كلها، وبالصاد غير معجمة بأطراف الأصابع. وهذا مما قدمت إليك فى نحوه تقارب الألفاظ لتقارب المعانى، وذلك أن الضاد لتفشيها واستطالة مخرجها ما جعلت عبارة عن الأكثر، والصاد لصفائها وانحصار مخرجها وضيق محلها ما جعلت عبارة عن الأقل. ولعلنا لو جمعنا من هذا الضرب ما مرّ بنا منه لكان أكثر من ألف موضع هذا مع أننا لا نتطلبه ولا نتقرى مواضعه، فكيف لو قصدنا وانتحينا وجهه وحراه؟ نسأل الله أن يجعل ما علمنا منه لوجهه مدنيا من رضاه، ومبعدا من غضبه بقدرته وماضى مشيئته.
وأما «القبصة» بالضم فالقدر المقبوص، كالحسوة للمحسوّ، والحسوة فعلك أنت، والقبضة والقبصة جميعا على ذلك إنما هما حدثان موضوعان موضع الجثة، كالخلق فى معنى المخلوق، وضرب الأمير، ونسج اليمن، فى معنى مضروبه ومنسوجه.
***
﴿لا مِساسَ﴾ (٩٧)
ومن ذلك قراءة أبى حيوة: «لا مساس» (^٢).
قال أبو الفتح: أما قراءة الجماعة: ﴿لا مِساسَ﴾ فواضحة؛ لأنه المماسّة: ماسسته مساسا كضاربته ضرابا، لكنّ فى قراءة من قرأ: «لا مساس» نظرا؛ وذلك أن «مساس» هذه كنزال ودراك وحذار، وليس هذا الضرب من الكلام-أعنى ما سمّى به الفعل- مما تدخل «لا» النافية للنكرة عليه، نحو لا رجل عندك ولا غلام لك ف «لا» إذا فى قوله: «لا مساس» نفى للفعل، كقولك: لا أمسّك ولا أقرب منك، فكأنه حكاية قول القائل: مساس كدراك ونزال، فقال: لا مساس؛ أى: لا أقول: مساس. وكان أبو على ينعم التأمل لهذا الموضع لما ذكرته لك، وقال الكميت:
لا همام لى لا همام (^٣) …
_________________
(١) وقراءة قتادة، ونصر بن عاصم. انظر: (الإتحاف ٣٠٧، البحر المحيط ٢٧٣/ ٦).
(٢) وقراءة الحسن، وقعنب، وابن أبى عبلة. انظر: (الفراء ١٩٠/ ٢، الكشاف ٥٥١/ ٢، مجمع البيان ٢٧/ ٧، البحر المحيط ٢٧٥/ ٦).
(٣) قال فى أساس البلاغة «هم»، وهم بالأمر، ولا همام لى، أى لا أهمّ، قال الكميت: عاد لا غيرهم من الناس طرا بهم لا همام لى لا همام
[ ٢ / ١٠٠ ]
أى: لا أقول: همام فكأنه من بعد لا أهم بذلك، ولا بد من الحكاية أن تكون مقدرة. ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: لا اضرب، فتنفى «بلا» لفظ الأمر؛ لتنافى اجتماع الأمر والنهى. فالحكاية إذا مقدرة معتقدة.
فإن قال قائل: فأنت لا تقول: مساس فى معنى امسس، فيا ليت شعرى ما الذى بنيت؟ قيل: ليس هذا أول معتقد معتزم تقديرا، وإن لم يخرج إلى اللفظ استعمالا. ألا ترى إلى ملامح وليال فى قول سيبويه ومذاكير ومشابه: لا آحاد لها مستعملة، وإنما هى مرادة متصوّرة معتقدة، فكأن الواحد ملمحة ومشبه وليلاة ومذكار أو مذكير أو نحو ذلك، فكذلك «لا مساس»، جاء على أنه قد استعمل منه فى الأمر مساس فنفى على تصور الحكاية والقول وإن لم يأت به مسموع، ونظائره كثيرة، وكذلك القول فى «همام» من بيت الكميت.
***
﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ (٩٧)
ومن ذلك قراءة الحسن بخلاف: «لن نخلفه» (^١) بالنون.
وقرأ: «لن يخلفه» أبو نهيك (^٢).
قال أبو الفتح: أما قراءة الجماعة: ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ فمعناه: لن تصادفه مخلفا، كقول الأعشى:
فمضى وأخلف من قتيلة موعدا (^٣) …
وقد مضى هذا مستقصى.
وأما «نخلفه» بالنون فتقديره: لن نخلفك إياه؛ أى: لن ننقض منه ما عقدناه لك. وأما «يخلفه» أى لا يخلف الموعد الذى لك عندنا ما أنت عليه من محنتك فى الدنيا بأن يكون نقيضه ومزيلا لحكمه، بل تكون فى الآخرة كحالك فى الدنيا. كما قال سبحانه: ﴿قالَ اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مَدْحُورًا﴾ (^٤)، وكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كانَ فِي﴾
_________________
(١) وقراءة ابن مسعود. انظر: (البحر المحيط ٢٧٥/ ٦).
(٢) انظر: (البحر المحيط ٢٧٥/ ٦).
(٣) سبق الاستشهاد به فى (٧٤).
(٤) سورة الأعراف الآية (١٨).
[ ٢ / ١٠١ ]
﴿هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (^١)، ومنه قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً﴾ (^٢)، أى: يحضر أحدهما فيخلف الآخر، بأن ينقض حاله ويستأثر بالأمر دونه. والهاء فى «يخلفه» عائدة على «أن تقول لا مساس»، أو «لا مساس».
***
﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ (٩٧)
ومن ذلك قراءة علىّ وابن عباس ﵉ وعمرو بن فائد: «لنحرقنّه» (^٣)، بفتح النون، وضم الراء.
قال أبو الفتح: حرقت الحديد: إذا بردته، فتحّا وتساقط، ومنه قولهم: إنه ليحرق علىّ الأرّم؛ أى: يحك أسنانه بعضها ببعض غيظا علىّ. قال (^٤):
نيوبهم علينا يحرقونا
وقال زهير (^٥):
أبى الضّيم والنعمان يحرق نابه … عليه فأفضى والسّيوف معاقله
وأنشد أبو زيد، ورويناه عنه:
نبّئت أحماء سليمى أنّما … باتوا غضابا يحرقون الأرّما
إن قلت أسقى عاقلا فأظلما … جونا وأسقى الحرّتين الدّيما (^٦)
فكأن «لنحرقنّه» على هذا: لنبردنّه ولنحتّنّه حتّا، ثم لننسفنّه فى اليمّ نسفا.
_________________
(١) سورة الإسراء الآية (٧٢).
(٢) سورة الفرقان الآية (٦٢).
(٣) وقراءة أبى جعفر، وابن وردان، والأعمش، وحميد، وابن محيصن، وأشهب العقيلى. انظر: (الإتحاف ٣٠٧، الطبرى ١٥٣/ ١٦، القرطبى ٢٤٢/ ١١، الكشاف ٥٥٢/ ٢، النشر ٣٢٢/ ٢، الفراء ١٩١/ ٢، البحر المحيط ٢٧٦/ ٦، تحبير التيسير ١٤١، التبيان ١٨٢/ ٧).
(٤) هو عامر بن شقيق الضبى.
(٥) من قصيدته يمدح حصن بن حذيفة بن بدر، مطلعها: صحا القلب عن سلمى واقصر باطله وعرّى أفراس الصبا ورواحله انظر: (ديوانه ٦٤).
(٦) انظر: (أساس البلاغة «حرق»، النوادر ٨٩).
[ ٢ / ١٠٢ ]
ومن ذلك عندى تسميتهم هذا الزورق حرّاقة، وهو كقولهم لها: سفينة؛ لأنها تسفن وجه الماء، فكذلك تحرقه أيضا.
***
﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٩٨)
ومن ذلك قراءة مجاهد وقتادة: «وسّع كلّ شئ علما» (^١).
قال أبو الفتح: معناه-والله أعلم: -خرّق كلّ مصمت بعلمه؛ لأنه بطن كل مخفى ومستبهم، فصار لعلمه فضاء متّسعا، بعد ما كان متلاقيا مجتمعا. ومنه قوله تعالى: ﴿أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ (^٢)، فهذا العمل، وذلك فى العلم.
***
﴿فِي الصُّورِ﴾ (١٠٢)
ومن ذلك قراءة عياض: «فى الصّور» (^٣)، بفتح الواو.
قال أبو الفتح: هذا جمع صورة، وقد يقال: فيها صير وأصلها صور. فقلبت الواو ياء للكسرة قبلها استحسانا. وقد أفردنا فى الخصائص بابا للاستحسان. قال ذو الرمة:
أشبهن من بقر الخلصاء أعينها … وهنّ أحسن من صيرانه صيرا (^٤)
وصورا. قال أبو عبيدة: الصور جمع صورة، كصوف جمع صوفة. ويقال: الصّور: القرن، ويقال: فيه ثقب بعدد أنفس البشر، فإذا نفخ فيه قام الناس بالأرماس.
***
﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ (١١٣)
ومن ذلك قراءة الحسن: «أو يحدث لهم ذكرا» (^٥)، ساكنة الثاء.
_________________
(١) انظر: (الكشاف ٥٥٢/ ٢، البحر المحيط ٥٥٢/ ٢، النحاس ٢٥٩/ ٢، العكبرى ٦٩/ ٢).
(٢) سورة الأنبياء الآية (٣٠).
(٣) وقراءة الحسن. انظر: (القرطبى ٢٤٤/ ١١، الكشاف ٥٥٣/ ٢، الرازى ١١٤/ ٢٢، مجمع البيان ٢٧/ ٧، البحر المحيط ٢٧٨/ ٦).
(٤) انظر: (لسان العرب «صور». ديوانه ١٨٧).
(٥) وقراءة أبى حيوة، وعبد الله، والجحدرى، وسلام. انظر: (البحر المحيط ٢٨١/ ٦، مختصر شواذ القراءات).
[ ٢ / ١٠٣ ]
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون هذا مما يسكن استثقالا للضمة، كقول جرير، أنشدناه أبو علىّ:
سيروا بنى العمّ فالأهواز منزلكم … ونهر تيرى ولا تعرفكم العرب (^١)
أى: ولا تعرفكم، وقد مضى ذكره نحوه.
***
﴿فَنَسِيَ وَلَمْ﴾ (١١٥)
ومن ذلك قراءة الأعمش: «فنسى ولم» (^٢)، لا ينصب الياء.
قال أبو الفتح: قد قدمنا القول على سكون هذه الياء فى موضع النصب والفتح وأنه عند أبى العباس من أحسن الضرورات، حتى إنه لو جاء به جاء فى النثر لكان قياسا.
***
﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ (١٢٤)
ومن ذلك ما يروى عن أبان بن تغلب: «ونحشره يوم القيامة أعمى» (^٣)، بالجزم.
قال أبو الفتح: هو معطوف على موضع قوله ﷿: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا،﴾ وموضع ذلك جزم لكونه جواب الشرط الذى هو قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي،﴾ فكأنه قال: ومن أعرض عن ذكرى يعش عيشة ضنكا ونحشره، كما تقول: من يزرنى فله درهم وأزده على ذلك؛ أى: من يزرنى يجب له درهم علىّ وأزده عليه. وعليه قراءة أبى عمرو بن العلاء: «فأصّدّق وأكون من الصّالحين».
***
_________________
(١) سبق الاستشهاد به فى (١٩٦/ ١).
(٢) وقراءة الحسن. انظر: (القرطبى ٢٥١/ ١١، شرح التصريح ٤٠١/ ٢).
(٣) انظر: (الكشاف ٥٥٨/ ٢، البحر المحيط ٢٨٧/ ٦، مجمع البيان ٣٣/ ٧، العكبرى ٧٠/ ٢).
[ ٢ / ١٠٤ ]