بسم الله الرحمن الرحيم
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قراءة أهل البادية: «الحمد لله» مضمومة الدال واللام، ورواها لى بعض أصحابنا قراءة لإبراهيم بن أبى عبلة: «الحمد لله» مكسورتان، ورواها أيضا لى قراءة لزيد
[ ١ / ١١٠ ]
ابن على ﵄، والحسن البصرى ﵀.
وكلاهما شاذ فى القياس والاستعمال؛ إلا أن من وراء ذلك ما أذكره لك، وهو: أن هذا اللفظ كثر فى كلامهم، وشاع استعماله، وهم لما كثر فى استعمالهم أشدّ تغييرا، كما جاء عنهم لذلك: لم يك، ولا أدر، ولم أبل، وأيش تقول، وجا يجى، وسا يسو، بحذف همزتيهما.
فلما اطّرد هذا ونحوه لكثرة استعماله أتبعوا أحد الصوتين الآخر، وشبهوهما بالجزء الواحد وإن كانا جملة من مبتدأ وخبر، فصار «الحمد لله» كعنق وطنب، و«الحمد لله» كإبل وإطل. إلا أن «الحمد لله» بضم الحرفين أسهل من «الحمد لله» بكسرهما من موضعين:
[ ١ / ١١١ ]
أحدهما: أنه إذا كان إتباعا فإنّ أقيس الإتباع أن يكون الثانى تابعا للأول؛ وذلك أنه جار مجرى السبب والمسبب، وينبغى أن يكون السبب أسبق رتبة من المسبب، فتكون ضمة اللام تابعة لضمة الدال كما نقول مدّ وشدّ، وشمّ وفرّ فتتبع الثانى الأول، فهذا أقيس من إتباعك الأول للثانى فى اقتل، وادخل؛ ومع هذا فإن هذا الإتباع أعنى اقتل وبابه لا يكاد يعتد، وذلك أن الوصل هو الذى عليه عقد الكلام واستمراره، وفيه تصح وجوهه ومقاييسه، وأنت إذا وصلت سقطت الهمزة، فقلت: فاقتل زيدا، فادخل يا هذا. وليست كذلك ضمة الدّال فى مدّ، ولا فتحة الميم فى شمّ، ولا كسرة الراء فى فرّ لأنهنّ ثوابت فى الوصل الذى عليه معقد القول، وإليه مفزع القياس والصوب، فكان أن مدّ أقيس إتباعا من: اقتل، لما ذكرنا من الوصل المرجوع إليه المأخوذ بأحكامه؛ ولأن السبب أيضا أسبق رتبة من المسبب، فكذلك الحمد لله أسهل مأخذا من الحمد لله.
والآخر: أنّ ضمة الدال فى «الحمد» إعراب، وكسرة اللام فى «لله» بناء، وحرمة الإعراب أقوى من حرمة البناء، فإذا قلت: الحمد لله فقريب أن يغلب الأقوى الأضعف، وإذا قلت الحمد لله جنى البناء الأضعف على الإعراب الأقوى، مضافا ذلك إلى حكم تغيير الآخر الأول، وإلى كثرة باب عنق وطنب فى قلة باب إبل إطل فاعرفه.
ومثل هذا فى إتباع الإعراب البناء ما حكاه صاحب الكتاب فى قول بعضهم:
وقال اضرب الساقين إمّك هابل …
كسر الميم لكسرة الهمزة، ثم من بعد ذلك أنك تفيد من هذا الموضع ما تنتفع به فى موضع آخر. وهو أن قولك: الحمد لله جملة، وقد شبه جزءاها معا بالجزء الواحد، وهو مدّ أو عنق فيمن أسكن ثم أتبع، أو السّلطان أو القرفصاء أو المنتن دلّ ذلك على
[ ١ / ١١٢ ]
شدة اتصال المبتدأ بخبره؛ لأنه لو لم يكن الأمر عندهم كذلك لما أجروا هذين الجزأين مجرى الجزء الواحد، وقد نحوا هذا الموضع الذى ذكرته لك فى نحو قولهم فى تأبط شرّا: تأبطى، وقولهم فى رجل اسمه زيد أخوك: زيدى، فحذفوا الجزء الثانى، كما يحذفون الجزء الثانى من المركّب فى نحو قولهم فى حضرموت: حضرمىّ، وفى رام هرمز: رامىّ، وكما يقولون أيضا فى طلحة طلحىّ، فاعرف ذلك دليلا على شدة اتصال المبتدأ بخبره، وما علمت أحدا من أصحابنا نحا هذا الموضع على وضوحه لك، وقوة دلالته على ما أثبته فى نفسك.
ومثله أيضا فى الدلالة على هذا المعنى: قراءة ابن كثير: «فإذا هى تلقف» ألا ترى إلى تسكين حرف المضارعة من «تلقف»؟ فلولا شدة اتصاله بما قبله للزم منه تصور الابتداء بالساكن، لا بل صار فى اللفظ قولك: «هيت» كالجزء الواحد الذى هو خدبّ، وهجفّ، وهقبّ، وهذا أقوى دلالة على قوة اتصال المبتدأ بخبره من الذى أريناه من قبله لما فيه إن لم تنعم به من وجوب تصور الابتداء بالساكن. نعم ومن ورائه أيضا ما هو ألطف مأخذا، وهو أن قوله سبحانه: «تَلْقَفُ» جملة ومشفوعة أيضا بالمفعول الموصول الذى هو «ما يَأْفِكُونَ»، وأصل تصور الجمل فى هذا المعنى: أن تكون منفصلة قائمة برءوسها، وقد قرأها هاهنا كيف تصورت شديدة الحاجة إلى المبتدأ قبلها؟ فإذا جاز هذا الخلط له، ووكادة الصلة بينه وبين ما قبله فما ظنك بخبر المبتدأ إذا كان مفردا؟ ألا تعلم أنه به أشد اتصالا، وإليه أقوى تساندا وانحيازا، فاضمم ذلك إلى ما قبله.
ونحو مما نحن على سمته، وبسبيل الغرض فيه-حكاية الفرّاء عن بعضهم، وجرى
[ ١ / ١١٣ ]
ذكر رجل فقيل: ها هو ذا. فقال مجيبا: نعم الها هو ذا هو، فإلحاقه لام المعرفة بالجملة المركبة من المبتدأ والخبر من أقوى دليل على تنزلها عندهم منزلة الجزء الواحد. نعم، وفى صدر هذه الجملة حرف التنبيه، وهو يكاد يفصلها عن لام التعريف بعض الانفصال، وهما مع ذلك كالمتلاقيتين المعتقبتين مع حجزه بينهما وإعراضه على كلّ واحد منهما.
***
﴿وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ومن ذلك: ﴿وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قرأها الفضل الرقاشى: «وأيّاك» بفتح الهمزة.
قال أبو الفتح: قد ذكرنا فى كتابنا الموسوم بسر صناعة الإعراب: ما تحتمله إيّا من المثل: هل هى فعّل، أو فعيل، أو فعول، أو إفعل، أو فعلل.
أمن: آءة، أم من أية، أم من أويت، أم من وأيت، أم من قوله:
فأوّ لذكراها إذا ما ذكرتها …
فأما فتح الهمزة فلغة فيها: إياك وأياك وهيّاك وهياك، والهاء بدل من الهمزة، كقولهم: فى أرقت: هرقت، وأردت هردت، وأرحت الدابة: هرحت، وأنرت الثوب:
هنرت. قال:
فهياك والأمر الذى إن توسّعت … موارده ضاقت عليك مصادره
[ ١ / ١١٤ ]
وقرأ عمرو بن فايد: «إياك نعبد وإياك نستعين»، بتخفيف الياء فيهما جميعا، فوزن إيا على هذا فعل كرضا، وحجا وحمى، ونظيره: إيا الشمس، قال طرفة:
سقته إياة الشمس إلاّ لثاته … أسفّ ولم تكدم عليه بإثمد
ويقال فيه: أياء الشمس بالفتح والمد. قال ذو الرّمة:
تنازعها لونان ورد وحوّة … ترى لأياء الشمس فيه تحدّرا
وإيا فعل، وأياء فعال، وكلاهما من لفظ الآية ومعناها، وهى: العلامة، وذلك أن ضوء الشمس إذا ظهر علم أن جرمها على وجه الأرض.
وحدثنا أبو بكر محمد بن على قال: كان أبو إسحاق يقول فى قول الله سبحانه:
﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ﴾ أى حقيقتك نعبد، وكان يشتقه من الآية، وهى العلامة، وهذا يجئ ويسوغ على رأى أبى إسحاق؛ لأنه كان يعتقد فى إيّاك أنه اسم مظهر خص به المضمر، فأما على قول الكافة فاشتقاقه فاسد؛ لأن إيّاك اسم مضمر، والأسماء المضمرة لا اشتقاق فى شئ منها، وينبغى أن يكون عمرو بن فايد إنما قرأ «إياك» بالتخفيف؛ لأنه كره اجتماع التضعيف مع ثقل الياءين والهمزة والكسرة، ولا ينبغى أن يحمل إياك بالتخفيف على أنها لغة؛ وذلك أنا لم نر لذلك أثرا فى اللغة ولا رسما ولا مرّ بنا فى نثر
[ ١ / ١١٥ ]
ولا نظم. نعم ومن لم يخلد مع ثقته إلى نظر يعصم به ويتساند إليه بأمانته أتى من قبل نفسه من حيث يظن أنه ينظر لها، وكان ما دهاه فى ذلك من أجل فقاهته لا أمانته.
وإذا جاز أن تخفف الحروف الثقال مع كونها صحاحا وخفافا، فتخفيف الضعيف الثقيل أحرى وأولى. فمن ذلك قولهم فى ربّ رجل: رب رجل، وفى أرّ: أر، وفى أىّ:
أى، أنشدنا أبو على للفرزدق:
تنظرت نصرا والسماكين أيهما … علىّ من الغيث استهلّت مواطره
ويبدلون أيضا ليختلف الحرفان فيخفا، وذلك قوله:
يا ليتما أمّنا شالت نعامتها … أيما إلى جنّة أيما إلى نار
وقالوا فى اجلوّاذ: اجليواذ، وفى دوّان ديوان؛ والشئ من هذا ونحوه، أوسع لكن كل واحد من هذه الحروف وغيرها قد سمع وشاع، فأما إياك بالتخفيف فلم يسمع إلا من هذه الجهة، وينبغى للقرآن أن يختار له، ولا يختار عليه.
***
﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] ومن ذلك قراءة الحسن ﵁: «اهدنا صراطا مستقيما».
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون أراد-والله أعلم-التذلل لله سبحانه، وإظهار الطاعة له، أى قد رضينا منك يا ربنا بما يقال له: صراط مستقيم، ولسنا نريد المبالغة فى قول من قرأ: «الصراط المستقيم»، أى: الصراط الذى قد شاعت استقامته وتعولمت فى ذلك حاله وطريقته، فإنّ قليل هذا منك لنا زاك عندنا وكثير من نعمتك علينا، ونحن له مطيعون، وإلى ما تأمر به وتنهى فيه صائرون. وزاد فى حسن التنكير هنا ما دخله من المعنى؛ وذلك أن تقديره: أدم هدايتك لنا؛ فإنك إذا فعلت ذلك بنا فقد هديتنا إلى صراط مستقيم؛ فجرى حينئذ مجرى قولك: لئن لقيت رسول الله ﷺ لتلقينّ منه رجلا
[ ١ / ١١٦ ]
متناهيا فى الخير، ورسولا جامعا لسبل الفضل. فقد آلت به حال إلى معنى التجريد كقول الأخطل:
بنزوة لص بعد ما مر مصعب … بأشعث لا يفلى ولا هو يقمل
ومصعب نفسه هو الأشعث، وعليه قول طرفة:
جازت القوم إلى أرحلنا … آخر الليل بيعفور خدر
وهى نفسها عنده اليعفور. أنشدنا أبو على:
أفاءت بنو مروان أمس دماءنا … وفى الله إن لم يحكموا حكم عدل
وهو سبحانه أعرف المعارف، وقد سماه الشاعر حكما عدلا، فأخرج اللفظ مخرج
[ ١ / ١١٧ ]
التنكير. فقد ترى كيف آل الكلام من لفظ التنكير إلى معنى التعريف، وفيه مع ذلك لفظ الرضا باليسير، فإذا جاز أن يرضى الإنسان من مخلوق مثله بما رضى به الشاعر من محبوبه بما دل عليه قوله، أنشده ابن الأعرابى:
وإنى لأرضى منك … يا ليل بالذى
لو أبصره الواشى لقرّت بلابله
بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى … وبالوعد حتى يسأم الوعد آمله
وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضى … أواخره لا نلتقى وأوائله
وأنشدنى بعض أصحابنا لبعض المولدين:
عدينا واكذبينا وامطلينا … فقد أومنت من سوء العقاب
فلسنا من وعيدك فى ارتياب … ولا من صدق وعدك فى اقتراب
ولكنا لشؤم الجدّ منا … نفرّ من العذاب إلى العذاب
وعليه قول الآخر:
علّلينى بموعد … وامطلى ما حييت به
ودعينى أعيش من … ك بنجوى تطلّبه
فعسى يعثر الزما … ن بجنبى فينتبه
ونظائره كثيرة، قديمة ومولّدة-كان العبد البرّ والزاهد المجتهد أحرى أن يسأل خالقه جل وعز، مقتصدا فى سؤاله، وضامنا من نفسه السمع والطاعة على ذلك ممن يأمره.
ويؤكد عندك مذهب ما أنشدته آنفا ما حدثنا به أبو على قال: لما قال كثير:
ولست براض من خليلى بنائل … قليل ولا أرضى له بقليل
قال له ابن أبى عتيق: هذا كلام مكافئ، هلا قلت كما قال ابن الرقيات:
[ ١ / ١١٨ ]
رقىّ بعمركم … لا تهجرينا
ومنّينا المنى ثم امطلينا
وأنشدنى بعض أصحابنا:
وعللينى بوعد منك آمله … إنى أسرّ وإن أخلفت أن تعدى
وعليه قول الله عز اسمه: ﴿وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾؛ أى: هديناهم من نعمتنا عليهم، ونظرنا لهم صراطا مستقيما. وقال كثير:
أمير المؤمنين على صراط … إذا اعوج الموارد مستقيم
وهذا كقولك: أمير المؤمنين على الصراط المستقيم لا فرق بينهما، وذلك أن مفاد نكرة الجنس مفاد معرفته من حيث كان فى كل جزء منه معنى ما فى جملته؛ ألا ترى إلى قوله:
وأعلم إنّ تسليما وتركا … للا متشابهان ولا سواء
فهذا فى المعنى كقوله: إن التسليم والترك لا متشابهان ولا سواء.
***
[ ١ / ١١٩ ]
﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] ومن ذلك قوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.
ذكر أبو بكر أحمد بن موسى: أن فيها سبع قراءات: «عليهمو»، «وعليهم» بضم الميم من غير إشباع إلى الواو، و«عليهم» بسكون الميم مع ضمة الهاء، و«عليهمى» و«عليهم» بكسر الهاء وسكون الميم، و«عليهمو» بكسر الهاء وواو بعد الميم، و«عليهم» مكسورة الهاء مضمومة الميم من غير واو.
وزاد أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش على ما قال أبو بكر ثلاثة أوجه،
[ ١ / ١٢٠ ]
فصار الجميع عشرة أوجه. والثلاثة: «عليهمى» بضم الهاء، وميم مكسورة بعدها ياء.
و«عليهم» بضمة الهاء وكسرة الميم من غير إشباع إلى الياء، و«عليهم» بكسر الهاء وكسرة الميم أيضا من غير بلوغ ياء. فتلك عشرة أوجه: خمسة مع ضم الهاء، وخمسة مع كسرها.
قرأ: «عليهمو» ابن أبى إسحاق ومسلم بن جندب والأعرج وعيسى الثقفى وعبد الله بن يزيد. وقرأ: «عليهمى» الحسن، وعمرو بن فايد، وروى عن الأعرج:
«عليهم»، مكسورة الهاء، مضمومة الميم من غير بلوغ واو.
وقرأ: «عليهم»، مضمومة الهاء والميم من غير بلوغ واو. رويت عن الأعرج أيضا.
قال أبو الفتح: أما «عليهمو» فهى الأصل؛ لأنها رسيلة عليهما فى التثنية: أعنى:
ثبات الواو كثبات الألف، وينبغى أن تعلم: أن أصل هذا الاسم المضمر الهاء، ثم زيدت عليها الميم، علامة لتجاوز الواحد من غير اختصاص بالجمع، ألا ترى الميم موجودة فى التثنية: «عليهما»؟، وأما الواو فلإخلاص الجمعية.
وأما «عليهمى» فطريقه: أنه كسرت الهاء لوقوع الياء قبلها ساكنة، وضعف الهاء، فأشبهت لذلك الألف، لا سيما وهى تجاورها فى المخرج. لا بل أبو الحسن يدعى أن مخرج الألف هو مخرج الهاء البتة. فكما أن الياء الساكنة إذا وقعت قبل الألف قلبتها ياء؛ نحو قولك فى تحقير كتاب: كتيّب. كذلك كسرت الهاء، فكان انكسار الهاء للياء قبلها تغييرا لحقها لهما، كما أن انقلاب الألف ياء لمكانها تغيير لحقها من أجلها، فصار
[ ١ / ١٢١ ]
اللفظ بها من بعد عليهمو، فكرهوا الخروج من كسر الهاء إلى ضم الميم ثم الواو من بعدها، فكسروا الميم لذلك فصارت عليهمو، فانقلبت الواو ياءا لسكونها وانكسار ما قبلها فصارت عليهمى.
ومن كسر الهاء وضم الميم وحذف الواو فقال: «عليهم» فإنه لما انتهت به الصنعة إلى كسر الهاء احتمل الضمة بعد الكسرة؛ لأنها ليست بلازمة؛ إذ كانت ألف التثنية تفتحها، لكنه حذف الواو تفاديا من ثقلها مع ثقل الضمة التى تجشّمها.
ومن قرأ: «عليهم» بضم الهاء والميم، فإنه حذف الواو استخفافا، واحتمل الضمة قبلها دليلا عليها.
لكن من قال: «عليهمى» بهاء مضمومة، وياء بعد الميم ففيه نظر، وذلك أنه كره ضمة الهاء وضمة الميم ووقوع الواو من ذلك كما كره فى الاسم المظهر وقوع الواو طرفا بعد ضمة، وذلك نحو قولهم فى دلو وحقو: أدل وأحق، وأصلها أفعل أدلو وأحقو، ككلب وأكلب؛ فأبدلوا من الضمة كسرة تطرقا إلى قلب الواو، فصارت فى التقدير: أدلو وأحقو، فقلبت الواو ياء بعذر قاطع وهو: وقوع الكسرة قبلها، فصارت أدلى، وأحقى، وكذلك أبدلت ضمة الميم من «عليهمو» كسرة فصارت عليهمو، فأبدلت الواو ياء للكسرة قبلها فصارت عليهمى.
وأما «عليهم»، بكسرة الميم من غير ياء فإنه لما كانت الصنعة فيه إنما طريقها الاستخفاف-اكتفى بالكسرة من الياء.
وكذلك من قال: «عليهم»، بكسر الهاء مع ضم الميم اكتفى بالضمة من الواو، وقد ذكرناه، ومن قال: «عليهم»، بكسر الهاء والميم من غير ياء فإنه اكتفى بالكسرة أيضا من الياء استخفافا فأما قول الشاعر-ورويناه عن قطرب-:
فهمو بطانتهم وهم وزراؤهم … وهم القضاة، ومنهم الحكام
[ ١ / ١٢٢ ]
وروينا عنه أيضا:
ألا إن أصحاب الكنيف وجدتهم … هم الناس لما أخصبوا وتموّلوا
فقوله: وهم القضاة، ومنهم الحكام فيحتمل كسر الميم وجهين:
أحدهما: أن يكون حركه لالتقاء الساكنين.
والآخر: أن يكون على لغة من قال عليهمى، فحذف الياء لالتقاء الساكنين من اللفظ، وهو ينويها فى الوقف.
ووجه ثالث: أن يكون على لغة من قال عليهم بكسر الميم من غير ياء.
وقوله: «هم الناس». يحتمل أيضا هذه الأوجه الثلاثة.
وروينا عن قطرب أيضا: عافاكم الله، ففيه أيضا ما فيما قبله، واللغات فى هذا ونحوه كثير.
***
[ ١ / ١٢٣ ]
﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] ومن ذلك: قراءة أيوب السختيانى: «ولا الضّألّين» بالهمز.
قال أبو الفتح: ذكر بعض أصحابنا: أن أيوب سئل عن هذه الهمزة، فقال: هى بدل من المدة لالتقاء الساكنين. واعلم أن أصل هذه ونحوه: الضاللين، وهو «الفاعلون» من ضلّ يضل، فكره اجتماع حرفين متحركين من جنس واحد على غير الصور المحتملة فى ذلك، فأسكنت اللام الأولى وأدغمت فى الآخرة، فالتقى ساكنان: الألف واللام الأولى المدغمة فزيد فى مدة الألف، واعتمدت وطأة المد، فكان ذلك نحوا من تحريك الألف؛ وذلك أن الحرف يزيد صوتا بحركاته كما يزيد صوت الألف بإشباع مدته.
وحكى أبو العباس محمد بن يزيد عن أبى عثمان عن أبى زيد قال: سمعت
[ ١ / ١٢٤ ]
عمرو بن عبيد يقرأ: «فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جأنّ». قال أبو زيد:
فظننته قد لحن إلى أن سمعت العرب تقول: شأبّة ومأدّة ودأبّة، وعليه قول كثير.
إذا ما العوالى بالعبيط احمأرّت
وقال:
وللأرض أما سودها فتجلّلت … بياضا وأما بيضها فادهأمّت
وقد ذكرنا من هذا الضرب فى كتابنا الموسوم بالخصائص ما فيه كفاية عن غيره.
ومن طريف حديث إبدال الألف همزة ما حكاه اللّحيانى من قول بعضهم فى الباز:
البأز بالهمز. ووجه ذلك: أن الألف ساكنة وهى مجاورة لفتحة الباء قبلها وقد أرينا فى كتاب الخصائص وغيره من كتبنا: أن الحرف الساكن إذا جاور الحركة فقد تنزله
[ ١ / ١٢٥ ]
العرب منزلة المتحرك بها؛ من ذلك قولهم فى الوقف على بكر: هذا بكر ومررت ببكر ألا ترى حركتى الإعراب لما جاورتا الراء صارتا كأنهما فيها. ومنه قول جرير:
لحبّ المؤقدان إلىّ موسى …
فهمز الواو فى الموضعين جميعا، لأنهما جاورتا ضمة الميم قبلهما، فصارت الضمة كأنها فيهما؛ والواو إذا انضمت ضمّا لازما فهمزها جائز، نحو: «أقّتت» فى «وقّتت»، وأجوه فى «وجوه»، ونظائر ذلك كثيرة.
وكذلك الفتحة قبل الألف فى باز لما جاورتها صارت على ما ذكرنا كأنها فيها، والألف إذا حركت همزت على ما ذكرنا فى «الضألّين» و«جأنّ» فهذا وجهه.
فإن قلت: فقد حكى أيضا جمعه بئزان بالهمز، فصارت لذلك كرأل ورئلان، فما أنكرت أن يكون ذلك لغة فى الباز لا على البدل الذى رمته؟.
قيل هذا وجه يذهب إلى مثله، لكنا لم نسمع الهمز فى هذا الحرف أصلا إلا فى هذه الحكاية، والواو فيه هى الشائعة المستفيضة.
حدثنا أبو على قال: قال أبو سعيد الحسن بن الحسين يقال: بأز، وثلاثة أبواز
[ ١ / ١٢٦ ]
فإذا كثرت فهى البيزان.
وقالوا: باز وبواز وبزاة؛ فباز وبزاة كغاز وغزاة، وهو مقلوب الأصل الأول، وأنشدنا لذى الرمة:
كأن على أنيابه كل سدقة … صياح البوازى من صريف اللوائك
وقالوا فى تصريفه: بزا فلان يبزو إذا غلب، فكأن البازى اسم الفاعل فى الأصل، ثم خص به هذا الجارح على وجه التسمية به له، كما أن الصاحب فى أصله اسم الفاعل من صحب، ثم خص بالتسمية به، ونسى أصل وصفيته.
وكما أن الوالد كذلك، فقد ترى إلى سعة تصرف هذا الأصل على الواو. ولم نسمع فى تصرفه شيئا من الهمز غير هذه الحكاية من هذه الجهة، على ما يقال فى صاحبها.
وحدثنى أبو على قال: قال أبو بكر فى نوادر الّلحيانى: إنه لا يترقّى بهما السماع إليه. وعلى أنه قد يمكن فى الباز ما ذكرناه فلما سمع فيه بأز بالهمز أشبه فى اللفظ رألا، فقيل فى تكسيره: بئزان، كما قيل رئلان. وإذا جاز استمرار البدل فى نحو عيد وأعياد، وإجراؤه مجرى قيل وأقيال مع أن البدل فى حرف المد الذى لا يكاد يعتدّ
[ ١ / ١٢٧ ]
البدل فيه للضعف-فأن يجوز استمرار هذا فى الهمزة لأنها أقوى، فالأمر لذلك فيها أثبت وأحرى وأجدر؛ ألا ترى أنهم قالوا فى تحقير قائم: قويئم، فأثبتوا همزه كما أثبتوا همزة سائل من سأل؟ وقالوا فى تحقير أدؤر: أديئر، فأجروها مجرى همزة أرؤس. ولو كان مكان هذه الهمزة واو مبدلة من ياء لما ثبتت، وذلك قولك فى تحقير عوطط:
عييطط، ولا تقرّ الواو وإن كانت عينا.
وكذلك لو كسّرت الطوبى والكوسى على فعل، لقلت: الطّيب والكيس.
ولو كسّرتهما على مثيل حبلى وحبالى لقلت: طيابى وكياسى.
وعلى هذا قالوا فى تكسير ريح: أرواح، فلم يحفلوا بانقلاب العين من ريح؛ لأن العمل إنما هو فى الواو ليست لها عصمة الهمزة.
فأمّا ما حكى عن عمارة من قوله فى تكسير ريح أرياح، وعلى أن اللحيانى أيضا قد حكى هذا-فمردود عندنا، ومنعى عليه فى آرائنا.
قال أبو حاتم -وقد أغلظ فى ذلك-أنكرتها على عمارة، قال: فقال لى: قد قال الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قال: ولم يعلم عمارة أن الياء فى الرياح بعد كسرة فهذا أمر قاد إليه همز أيوب «الضالين».
وفيه أكثر من هذا، ولولا تنكّب الإطالة كراهية الإملال والسآمة لأتينا به، وعلى أنه مثبت فى أماكن من تأليفنا وإملائنا.
***
[ ١ / ١٢٨ ]