﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١)
قرأ الضحاك: «الحمد لله فطر السّموات والأرض» (^١).
قال أبو الفتح: هذا على الثناء على الله «سبحانه»، وذكر النعمة التى استحق بها الحمد. وأفرد ذلك فى الجملة التى هى «جعل» بما فيها من الضمير، فكان أذهب فى معنى الثناء؛ لأنه جملة بعد جملة. وكلما زاد الإسهاب فى الثناء أو الذم كان أبلغ فيهما ألا ترى إلى قول خرنق (^٢):
لا يبعدا قومى الّذين هم … سمّ العداة وآفة الجزر
النّازلين بكلّ معترك … والطّيّبين معاقد الأزر (^٣)
ويروى: النازلون والطيبون، والنازلين والطيبون، والطيبين والنازلون. والرفع على هم، والنصب على أعنى. فكلما اختلفت الجمل كان الكلام أفانين وضروبا، فكان أبلغ منه إذا ألزم شرحا واحدا. فقولك أثنى على الله، أعطانا فأغنى-أبلغ من قولك: أثنى على الله المعطينا والمغنينا؛ لأن معك هنا جملة واحدة، وهناك ثلاث جمل.
_________________
(١) وقراءة الزهرى. انظر: (القرطبى ٣١٩/ ١٤، البحر المحيط ٢٩٧/ ٧).
(٢) انظر: (الكتاب ٢٠٢/ ١،٥٧/ ٢،٥٨، خزانة الأدب ٣٠١/ ٢، العينى ٦٠٢/ ٣، أمالى ابن الشجرى ٣٤٤/ ١، همع الهوامع ١١٩/ ٢).
(٣) روى فى الكتاب ٢٠٢/ ١، النازلون، والطيبون بالرفع، وروى فى الكتاب ٥٨/ ٢، النازلين، والطيبون-لا يبعدن بفتح العين، أى: لا يهلكن. سم العداة، أى: هم كان لأعدائهم يقضون عليهم، والعداة: جمع عاد، كقاض وقضاة. والآفة: العلة والمرض. والجزر: جمع جزور، وهى الناقة تجزر. جعلتهم آفة للإبل لكثرة ما ينحرون منها. والمعترك: موضع ازدحام القوم فى الحرب. والأزر: جمع إزار، وهو ما يستر النصف الأسفل من البدن، والرداء: ما ستر النصف الأعلى منه، والمعاقد: جمع معقد، حيث يعقد الإزار ويثنى، وطيب المعاقد كناية عن العفة وأنها لا تحل لفاحشة.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
ويدلك على صحة هذا المعنى قراءة الحسن: «جاعل الملائكة» بالرفع (^١)؛ فهذا على قولك: هو جاعل الملائكة، ويشهد به أيضا قراءة خليد بن نشيط: «جعل الملائكة» (^٢).
قال أبو عبيدة: إذا طال الكلام خرجوا من الرفع إلى النصب، ومن النصب إلى الرفع. يريد ما نحن عليه؛ لتختلف ضروبه، وتتباين تراكيبه.
***
﴿سائِغٌ شَرابُهُ﴾ (١٢)
ومن ذلك قراءة عيسى الثقفى: «سيغ شرابه» (^٣).
قال أبو الفتح: هو محذوف من سيّغ: فيعل، بمنزلة ميت من ميّت، وهين من هيّن. وعينه واو، وأصله سيوغ، كميوت فى الأصل. يدل على كون عينه واوا قولهم: هذا أسوغ من هذا، وقولهم: هى أخته سوغة، وسوغته، أى: يسوغ لها وتسوغ له، أى: يقبلها طبعه، ويقبله طبعها.
فأما قول الله تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ (^٤)، فلا دلالة فيه على كون العين واوا؛ وذلك لأنه فى الأصل يسوغه، كما أن أصل يقيم يقوم، ويستعين يستعون، وهذا واضح. وحكاه أبو حاتم عن عيسى: «سيّغ»، وقال فيه: بغير ألف مشددة الياء، وهذا واضح.
***
﴿وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ (١٢)
ومن ذلك قراءة طلحة بن مصرّف: «وهذا ملح أجاج» (^٥).
&
_________________
(١) انظر: (الكشاف ٢٩٧/ ٣، القرطبى ٣١٩/ ١٤، البحر المحيط ٢٩٧/ ٧).
(٢) وقراءة ابن يعمر، والضحاك، والزهرى. انظر: (القرطبى ٣١٩/ ١٤، البحر المحيط ٢٩٧/ ٧، الآلوسى ١٦٢/ ٢٢).
(٣) انظر: (الكشاف ٣٠٤/ ٣، مجمع البيان ٤٠٣/ ٨، العكبرى ١٠٧/ ٢، البحر المحيط ٣٠٥/ ٧).
(٤) سورة إبراهيم الآية (١٧).
(٥) وقراءة أبى نهيك. انظر: (القرطبى ٣٠٥/ ٧، النحاس ٦٩١/ ٢، البحر المحيط ٣٠٥/ ٧، الآلوسى ١٧٩/ ٢٢).
[ ٢ / ٢٤٣ ]
قال أبو الفتح: قد تقدم القول على مثله، وأنه فى الأصل مالح؛ فحذفت ألفه تخفيفا.
***
﴿جُدَدٌ﴾ (٢٧)
ومن ذلك قراءة الزهرى: «جدد» (^١)، بفتح الجيم والدال، فيما رواه سهل عن الوقاصى عنه.
قال أبو الفتح: قال أبو حاتم: لا قراءة غير «جدد»، وقال قطرب: قراءة الناس كلهم:
﴿جُدَدٌ،﴾ وقراءة الزهرى: «جدد» (^٢) فأما «جدد» فجمع جدّة، وهى الطريقة يخالف لونها لون ما يليها. قال المتلمسّ:
له جدد سود كأنّ أرندجا … بأكرعه وبالذّراعين سندس
وقال الأعشى (^٣):
كأنّ قطوعها بعنيبسات … تعطّفهن ذو جدد فريد (^٤)
وأما «جدد» فجمع جديد، أى: آثار جدد غير مخلقة؛ فهو أصح لها، وأوضح للونها.
وأما «جدد» فلم يثبته أبو حاتم ولا قطرب. وعلى أن له معنى، وهى الطريق الواضح المسفر، فالمعنى نحو من الأول. وقد يجوز فى «جدد» -وهى جمع جديد-الفتح؛ هربا من التضعيف إلى الفتح. وكذلك جميع ما كان مثله من المضاعف: كسرير وسرر وسرر، وجرير وجرر وجرر، وتليل وتلل وتلل، وبئر جرور وجرر وجرر وجرائر أيضا. قال:
كانت مياهى نزعا قواصرا … ولم أكن أمارس الجرائرا
وعلى كل حال فللقرّاء الرواية، إذا عضدها قياس فحسبك به من إيناس.
***
_________________
(١) انظر: (القرطبى ٣٤٢/ ١٤، البحر المحيط ٣١١/ ٧).
(٢) انظر: (القرطبى ٣٤٢/ ١٤، الكشاف ٣٠٧/ ٣، العكبرى ١٠٨/ ٤، البحر المحيط ٣١١/ ٧).
(٣) من قصيدته التى مطلعها: ألا ياقتل قد خلق الجديد وحبك ما يمح وما يبيد انظر: (ديوانه ٩٥).
(٤) فى الديوان ٩٨: «كأن قتودها بعنيبسات». القتود: الرحل، بعنيبسات: اسم موضع، تعطفن: لبسبن المعاطف، ذو الجدد: الثور الوحشى.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
﴿وَالدَّوَابِّ﴾ (٢٨)
ومن ذلك قراءة الزهرى أيضا: «والدّواب» (^١)، خفيفة.
قال أبو الفتح: قد ذكرنا ذلك مشروحا فيما مضى بشواهده.
***
﴿فِيها لُغُوبٌ﴾ (٣٥)
ومن ذلك قراءة علىّ ﵇: «فيها لغوب» (^٢)، بفتح اللام. وهى قراءة السّلمى.
قال أبو الفتح: لك فيه وجهان:
إن شئت حملته على ما جاء من المصادر على الفعول، نحو: الوضوء، والولوغ، والوقود.
وإن شئت حملته على أنه صفة لمصدر. محذوف، أى: لا يمسنا فيها لغوب لغوب، على قولهم: هذا شعر شاعر، وموت مائت، كأنه يصف «اللّغوب» بأنه قد لغب، أى أعيا وتعب، وهذا ضرب من المبالغة، كقول الآخر (^٣):
إذا ناقة شدّت برحل ونمرق (^٤) … إلى حكم بعدى فضلّ ضلالها (^٥)
وعليه قالوا: جنّ جنونه، وخرجت خوارجه.
ومن طريف ما مرّ بنا لمولدين فى هذا قول شاعرنا (^٦):
وجبت هجيرا يترك الماء صاديا (^٧) …
_________________
(١) انظر: (القرطبى ٣٤٢/ ١٤، الكشاف ٣٠٧/ ٣، البحر المحيط ٣١٢/ ٧، الآلوسى ١٩٠/ ٢٢).
(٢) وقراءة سعيد بن جبير. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٢٤، الفراء ٣٧٠/ ٢، الكشاف ٣١٠/ ٣، البحر المحيط ٣١٥/ ٧، النحاس ٦٩٩/ ٢، الرازى ٢٨/ ٤٦).
(٣) أوس بن حجر، يقوله فى الحكم بن مروان بن زنباغ العبسى وكان مدحه فلم يتبعه. انظر: (ديوانه ١٠٠، اللآلى ٩١٨).
(٤) النمرق: كساء يوضع على الناقة.
(٥) فى ديوان المعانى: إذا ناقة شعرت برحل ونمرق إلى حكم بعدى فضل ضلالها وفى العمدة: «إلى حكيم بعدى فضل ضلالها».
(٦) يقصد: المتنبى.
(٧) صدره: «لقيت المرورى والشناخيب دونه».
[ ٢ / ٢٤٥ ]
فهذا مع ما فيه من المبالغة حلو وواصل إلى الفكر. وعلى هذا حمل أبو بكر قولهم: توضأت وضوءا: أنه وصف لمصدر محذوف، أى: وضوءا وضوءا، كقولك: وضوءا وضيئا، أى: كلامك حسنا.
وحكى أبو زيد: رجل ساكوت بيّن الساكوتة، فلما قرأت هذا الموضع على أبى علىّ حمله على قياس قول أبى بكر هذا، فقال: تقديره بين السكتة السّاكوتة، فجعل السّاكوتة صفة لمصدر محذوف، وحسّن ذلك عندى شيئا أنه من لفظه، فكأن أحدهما صاحبه ألبتة.
وحكى الأصمعى: ليس عليك فى ذلك تضرّة ولا ضارورة، فضارورة-على قياس قول أبى بكر-كالسّاكوتة، أى: ضرّة ضارورة.
***
﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ (٣٦)
ومن ذلك قراءة الحسن: «لا يقضى عليهم فيموتون» (^١)، وكذلك الثقفى.
قال أبو الفتح: «يموتون» عطف على «يقضى»، أى: لا يقضى عليهم، ولا يموتون.
والمفعول محذوف، أى: لا يقضى عليهم الموت. وحسن حذفه هنا؛ لأنه لو قيل: لا يقضى عليهم الموت فيموتون-كان تكريرا يغنى من جميعه بعضه، ولا توكيد أيضا فيه فيحتمل لفظه. وعلى كل حال فقد بيّنا فى كتابنا هذا وفى غيره-حسن حذف المفعول لدلالة الكلام عليه، وأنه لا يصدر إلاّ عن فصاحة عذبة.
وقراءة العامة فى هذا أوضح وأشرح؛ وذلك أن فيها نفى سبب الموت، وهو القضاء عليهم. وإذا حذف السبب فالمسبب أشد انتفاء، ومن هذا قولهم: لم يقم زيد أمس، فنفى الماضى بلفظ المستقبل؛ وذلك أن المستقبل أسبق رتبة فى النفس من الماضى، فإذا نفى الأصل كان الفرع أشد انتفاء، ونظائره كثيرة، فتأمله.
***
﴿الْمَكْرُ السَّيِّئُ﴾ (٤٣)
ومن ذلك قراءة ابن مسعود: «ومكرا سيئا» (^٢).
_________________
(١) انظر: (القرطبى ٣٥٢/ ١٤، الكشاف ٣١٠/ ٣، النحاس ٧٠٠/ ٢، البحر المحيط ٣١٦/ ٧).
(٢) انظر: (الفراء ٣٧١/ ٢، القرطبى ٣٥٩/ ١٤، الكشاف ٣١٢/ ٣، البحر المحيط ٣٢١/ ٧، التبيان ٤٠١/ ٨).
[ ٢ / ٢٤٦ ]
قال أبو الفتح: يشهد لتنكيره تنكير ما قبله من قول الله سبحانه: ﴿اِسْتِكْبارًا فِي الْأَرْضِ،﴾ وقراءة العامة أقوى معنى؛ وذلك أن «المكر» فيها معرفة لإضافته إلى المعرفة؛ أعنى «السّيّئ»، فكأنه قال: والمكر السّيّئ الذى هو عال مستكره مستنكر فى النفوس. وعليه قال من بعد: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ،﴾ وأبدل ﴿اِسْتِكْبارًا﴾ وما بعده من النكرة قبله، وهى هو من قوله: ﴿ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُورًا﴾ (^١)، وحسن تنكير الاستكبار لأنه أدنى إلى «نفور» مما بعده. وقد يحسن مع القرب فيه ما لا يحسن مع البعد، واعتمد ذلك لقوة معناه بتعريفه، والإخبار عنه بأن مثله لا يخفى، لعظمه وشناعته.
***
_________________
(١) سورة فاطر الآية (٤٢).
[ ٢ / ٢٤٧ ]