﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿ق﴾ (١)
قرأ الثقفى: «قاف»، بفتح الفاء (^١).
وقرأ: «قاف» -بالكسر-الحسن وابن أبى إسحاق (^٢).
قال أبو الفتح: يحتمل «قاف»، بالفتح أمرين:
أحدهما: أن تكون حركته لالتقاء الساكنين، كما أن من يقرأ: «قاف» بالكسر كذلك، غير أن من فتح أتبع الفتحة صوت الألف؛ لأنها منها، ومن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين. والآخر: أن يكون «قاف» منصوبة الموضع بفعل مضمر، غير أنه لم يصرفها لاجتماع التعريف والتأنيث فى معنى السورة.
وأما قراءة الحسن: «صاد» بالكسر (^٣) فقد تقدم أنه يريد بها مثال الأمر من صاديت، أى: عارض عملك بالقرآن، فلا وجه لإعادته.
وقيل: «قاف» جبل محيط بالأرض، فكان قياسه الرفع، أى: هو «قاف». وقد تمحّل الفراء فى هذا، فقال: جاء ببعض الاسم كقوله:
قلنا لها قفى لنا قالت قاف (^٤) …
وفى هذا ضعف، ألا ترى إلى الفتح والكسر فيه؟.
***
_________________
(١) انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٥، القرطبى ١٧،٢، الرازى ١٤٨/ ٢٨، البحر المحيط ١٢٠/ ٨).
(٢) وقراءة أبى السمال، ونصر بن عاصم. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٥، القرطبى ١/ ١٧، الرازى ١٤٨/ ٢٨، البحر المحيط ١٢٠/ ٨، الإتحاف ٣٩٨).
(٣) وقراءة أبى، وأبى السمال، وابن أبى عبلة، ونصر بن عاصم، وابن أبى إسحاق. انظر: (معانى القرآن للفراء ٢٩٦/ ٢، الإتحاف ٣٧١، البحر المحيط ٣٨٣/ ٧، القرطبى ١٤٢/ ١٥، الكشاف ٣٥٨/ ٣، التبيان ٤٩٤/ ٨، القرطبى ١٤٢/ ١٥، مجمع البيان ٤٦٣/ ٨).
(٤) سبق الاستشهاد به فى (٢٥٣/ ٢).
[ ٢ / ٣٣٠ ]
﴿أَإِذا مِتْنا﴾ (٣)
ومن ذلك قراءة يحيى والأعرج وشيبة وأبى جعفر وصفوان بن عمرو: «إذا متنا» (^١)، بغير استفهام.
قال أبو الفتح: يحتمل هذا أمرين:
أحدهما: حذف همزة الاستفهام على القراءة العامة، فحذفها تخفيفا، وقد مضى نحو هذا، وذكرنا ضعفه.
والآخر: أن يكون غير مريد للهمزة، فكأنه قال: إذا متنا وكنا ترابا بعد رجعنا ونشورنا ودل قوله: ﴿ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ على هذا الفعل الذى هو «بعد»، كما أن قولك: إذا زرتنى فلك درهم ناب قوله: فلك درهم عن الفعل الذى استحققت عليه درهما، وإن كان قوله: فلك درهم جوابا، وقوله: ﴿ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ ليس جوابا؛ لأنه لا فاء فيه، غير أن دلالتهما على الفعل واحدة.
ومعنى قوله: ﴿ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أى بعيد فى التقدير والظن، لا فى الزمان؛ لأنهم لم يكونوا يعترفون بالبعث، لا قريبا ولا بعيدا.
***
﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ (٥)
ومن ذلك قراءة الجّحدرى: «لما جاءهم» (^٢)، بكسر اللام.
وقراءة الجماعة: ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾.
قال أبو الفتح: معنى «لما جاءهم»، أى: عند مجيئه إياهم، كقولك: أعطيته ما سأل لطلبه، أى: عند طلبه ومع طلبه، وفعلت هذا لأول وقت، أى: عنده ومعه، وكقولك فى التاريخ: لخمس خلون، أى: عند خمس خلون، أو خمس خلون. فرجع ذلك المعنى إلى معنى القراءة العامة: ﴿لَمّا جاءَهُمْ،﴾ أى: وقت مجيئه إياهم قال:
شنئت العقر عقر بنى شليل … إذا هبّت لقاريها الرّياح (^٣)
&
_________________
(١) انظر: (الكشاف ٤/ ٤، البحر المحيط ١٢٠/ ٨، الإتحاف ٣٩٨، وانظر قراءة «متنا» فى النشر ٢٤٢/ ٢،٢٤٣، غيث النفع ٣٠٧).
(٢) انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٥، الكشاف ٤/ ٤، البحر المحيط ١٢١/ ٨).
(٣) انظر: لسان العرب «عقر».
[ ٢ / ٣٣١ ]
أى: عند وقتها. وقال تعالى: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾ (^١)، أى: عند وقتها.
***
﴿وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ (١٠)
ومن ذلك ما يروى عن النبى ﷺ: ﴿وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ،﴾ و«باصقات» (^٢).
قال أبو الفتح: الأصل السين، وإنما الصاد بدل منها؛ لاستعلاء القاف، فأبدلت السين صادا لتقرب من القاف؛ لما فى الصاد من الاستعلاء، ونحوه قولهم فى سقر: صقر، وفى السّقر الصّقر.
وروينا عن الأصمعى قال: اختلف رجلان من العرب فى السّقر، فقال أحدهما: بالصاد، وقال الآخر: بالسين؛ فتراضيا بأول من يقدم عليهما، فإذا راكب فأخبراه ورجعا إليه، فقال: ليس كما قلت، ولا كما قلت: إنما هو الزّقر. وهذا أيضا تقريب الحرف من الحرف، وذلك أن السين مهموسة، والقاف مجهورة، فأبدل السين زايا، وهى مجهورة، والزاى أخت السين، كما أن الصاد أختها. وهذا التقريب للحرف من الحرف باب طويل منقاد، وهو فى فصل الإدغام، وما أصنعه وألطفه وأظرفه!.
***
﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ (١٩)
ومن ذلك ما روى عن أبى بكر ﵁، عند خروج نفسه: «وجاءت سكرة الحقّ بالموت» (^٣)، وقرأ بها سعيد بن جبير وطلحة.
قال أبو الفتح: لك فى هذه الباء ضربان من التقدير:
إن شئت علقتها بنفس «جاءت»، كقولك: جئت بزيد أى: أحضرته وأجأته وإن شئت علقتها بمحذوف، وجعلتها حالا، أى: وجاءت سكرة الحق ومعها الموت،
_________________
(١) سورة الأعراف الآية (١٨٧).
(٢) وقراءة قطبة بن مالك. انظر: (الكشاف ٥/ ٤، القرطبى ٧/ ١٧، البحر المحيط ١٢٢/ ٨، الآلوسى ١٧٦/ ٢٦).
(٣) وقراءة عبد الله بن مسعود، وشعبة، وأبى عمران. انظر: (الطبرى ١٠٠/ ٢٦، الفراء ٧٨/ ٣، الكشاف ٧/ ٤، القرطبى ١٢/ ١٧، النحاس ٢١٧/ ٣، مجمع البيان ١٤٣/ ٩، زاد المسير ١٩٤/ ٧).
[ ٢ / ٣٣٢ ]
كقولنا: خرج بثيابه: أى: وثيابه عليه. ومثله قول الله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ (^١)، أى: وزينته عليه، ومثله قول الهذلىّ:
يعثرن فى حدّ الظّبات كأنّها … كسيت برود بنى يزيد الأذرع (^٢)
أى: يعثرن وهنّ فى حد الظبات، وكقوله-أنشده الأصمعى:
ومستنّة كاستنان الخرو … ف قد قطع الحبل بالمرود (^٣)
أى قطعه: وفيه مروده، وكذلك القراءة العامة: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾. إن شئت علقت الباء بنفس «جاءَتْ» على ما مضى.
وإن شئت علقتها بمحذوف وجعلتها حالا، فكأنه قال: وجاءت سكرة الموت ومعها الحق. فإن قلت: فكيف يجوز أن تقول: جاءت سكرة الحق بالموت، وأنت تريد به: وجاءت سكرة الموت بالحق، فياليت شعرى أيتهما الجائية بصاحبتها؟.
قيل: لاشتراكهما فى الحال، وقرب إحداهما من صاحبتها صار كأن كل واحدة منهما جائية بالأخرى؛ لأنهما ازدحمتا فى الحال، واشتبكتا حتى صارت كل واحدة منهما جائية بصاحبتها، كما يقول، الرجلان المتوافيان فى الوقت الواحد إلى المكان- كل واحد منهما لصاحبه: لا أرى أأنا سبقتك، أم أنت سبقتنى؟.
***
﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ﴾ (٢٤)
ومن ذلك قراءة الحسن: «ألقيا فى جهنّم»، بالنون الخفيفة (^٤).
قال أبو الفتح: هذا يؤكد قول أصحابنا فى «ألقيا»: إنه أراد «ألقيا»، وأجرى الوصل فيه مجرى الوقف، كقوله: يا حرسىّ اضربا عنقه.
***
﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾ (٣٠)
ومن ذلك قراءة ابن مسعود والحسن والأعمش: «يوم يقال لجهنّم» (^٥).
_________________
(١) سورة القصص الآية (٧٩).
(٢) سبق الاستشهاد به فى (١٣١/ ٢).
(٣) سبق الاستشهاد به فى (١٣١/ ٢).
(٤) انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٥، الكشاف ٨/ ٤، القرطبى ١٦/ ١٧، البحر المحيط ١٢٦/ ٨).
[ ٢ / ٣٣٣ ]
قال أبو الفتح: هذا يدل على أن قولنا: ضرب زيد ونحوه لم يترك ذكر الفاعل للجهل به؛ بل لأن العناية انصرفت إلى ذكر وقوع الفعل بزيد، عرف الفاعل به، أو جهل؛ لقراءة الجماعة: ﴿يَوْمَ نَقُولُ،﴾ وهذا يؤكد عندك قوة العناية بالمفعول به.
وفيه شاهد وتفسير لقول سيبويه فى الفاعل والمفعول: وإن كانا جميعا يهمّانهم ويعنيانهم، ومن شدة قوة العناية بالمفعول أن جاءوا بأفعال مسندة إلى المفعول، ولم يذكروا الفاعل معها أصلا، وهى نحو قولهم: امتقع لون الرجل، وانقطع به، وجنّ زيد. ولم يقولوا: امتقعه ولا انقطعه، ولا جنّه. ولهذا نظائر، فهذا كإسنادهم الفعل إلى الفاعل البتة فيما لا يتعدى، نحو قام زيد، وقعد جعفر.
***
﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾ (٣٦)
ومن ذلك قراءة ابن عباس وأبى العالية ويحيى بن يعمر ونصر بن سيار: «فنقّبوا فى البلاد»، بكسر القاف مشددا (^١).
قال أبو الفتح: هذا أمر للحاضرين، ثم لمن بعدهم. فهو كقولك: قد أجلتك فانظر هل لك من منجى أو من وزر؟ وهو فعّلوا من النقب، أى: ادخلوا وغوروا فى الأرض، فإنكم لا تجدون لكم محيصا.
***
﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ (٣٧)
ومن ذلك قراءة السّدّى: «أو ألقى السّمع» (^٢).
قال أبو الفتح: أى: ألقى منه، وهذا كأنه أندى معنى إلى النفس من القراءة العامة، وذلك أن قوله تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ معناه: ألقى سمعه نحو كتاب الله
_________________
(١) = ٥ وقراءة أبان بن عاصم. انظر: (القرطبى ١٨/ ١٧، مختصر شواذ القراءات ١٤٥، البحر المحيط ١٢٧/ ٨، الإتحاف ٣٩٨).
(٢) انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٥، الإتحاف ٣٩٨، الكشاف ١١/ ٤، الفراء ٧٩/ ٣، الطبرى ١١٠/ ٢٦ البحر المحيط ١٢٩/ ٨، القرطبى ٢٢/ ١٧، تهذيب اللغة، لسان العرب «نقب»).
(٣) وقراءة أبى البرهسم، وطلحة. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٥، مجمع البيان ١٤٨/ ٩، الكشاف ١٨/ ٤، البحر المحيط ١٢٩/ ٨).
[ ٢ / ٣٣٤ ]
تعالى وهو شهيد، أى: قلبه حاضر معه، ليس غرضه أن يصغى كما أمر بالإصغاء نحو القرآن، ولا يجعل قلبه إليه، إلا أن ظاهر الأمر وأكثره أنه إذا ألقى سمعه أيضا فقلبه أيضا نحوه ومعه.
وهذه القراءة المنفردة كأنها أشد تشابه لفظ؛ لأن ظاهرها أن قلبه ألقى إليه، وليس فى اللفظ أنه هو ألقاه، فاتصل بعض ببعض، فكأنه ألقى سمعه إليه وقلبه، حتى كأن ملقيا غيره ألقى سمعه إلى القرآن. وليس عجيبا أن يقال: إن قلبه عند ذلك معه؛ لأنه إذا كان هو الذى ألقاه نحوه فالعرف أن يكون قلبه معه، وهو شاهد لا غائب.
***
﴿وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (٣٨)
ومن ذلك قراءة أبى عبد الرحمن السّلمى وطلحة: «وما مسّنا من لغوب» (^١)، بفتح اللام.
قال أبو الفتح: قد تقدم القول على ذلك، وذكرنا رأى أبى بكر ونحوه من المصادر التى جاءت على فعول بفتح الفاء، كالوضوء، والولوغ، والطّهور، والوزوع، والقبول، وأنها صفات مصادر محذوفة، أى: توضأت وضوءا وضوءا، أى: وضوءا حسنا. وكذلك هذا؛ أى: ما مسنا من لغوب لغوب، فيصف اللغوب بأنه لغوب، أى: لغب ملغب.
***
_________________
(١) وقراءة على. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٥، الفراء ٨٠/ ٣، الكشاف ١٢/ ٤، مجمع البيان ١٤٨/ ٩ البحر المحيط ١٢٩/ ٨).
[ ٢ / ٣٣٥ ]