﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ (١٥)
قرأ علىّ وابن عباس، ﵄: «أمثال الجنّة الّتى وعد المتّقون» (^١).
قال أبو الفتح: هذه القراءة دليل على أن القراءة العامة التى هى «مثل»، بالتوحيد- بلفظ الواحد ومعنى الكثرة؛ وذلك لما فيه من معنى المصدرية؛ ولهذا جاز مررت برجل مثل رجلين وبرجلين مثل رجال، وبامرأة مثل رجل، وبرجل مثل امرأة. ألا ترى أنك تستفيد فى أثناء ذلك معنى التشبيه والتمثيل؟.
ومثل ومثل بمعنى واحد، كشبه وشبه، وبدل وبدل.
فإن قيل: فإنه لم يأت عنهم ضربت له مثلا، كما يقال: ضربت له مثلا.
قيل: المعنى واحد، وإن لم يأت الاستعمال به، كما أتى الآخر فى هذا المعنى. ألا ترى أنك لا تضرب مثلا إلاّ بين الشيئين اللذين كل واحد منهما مثل صاحبه، ولو خالفه فيما ضربته فيه لم تضربه مثلا؟.
***
﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ (١٨)
ومن ذلك قراءة أهل مكة-فيما حكاه أبو جعفر الرّؤاسى: «إن تأتهم»، بكسر الألف من غير ياء (^٢).
قال أبو الفتح: هذا على استئناف شرط؛ لأنه وقف على قوله: هل ﴿يَنْظُرُونَ إِلاَّ﴾
_________________
(١) وهى قراءة ابن مسعود، والسلمى. انظر: (الآلوسى ٤٨/ ٢٦، الكشاف ٥٣٣/ ٣، الفراء ٦١/ ٣، مجمع البيان ٩٩/ ٦).
(٢) انظر: (الفراء ٦١/ ٣، الطبرى ٣٣/ ٢٦، البحر المحيط ٧٩/ ٨، التبيان ٢٧٩/ ٩، الرازى ٦٠/ ٢٨).
[ ٢ / ٣١٩ ]
﴿السّاعَةَ،﴾ ثم قال: «إن تأتهم بغتة فقد جاء أشراطها» فأجاب الشرط بقوله: ﴿فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها﴾ فإن قلت: فإن الشرط لا بد فيه من الشك، وهذا موضع محذوف عنه الشك البتة. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها،﴾ وغير ذلك من الآى القاطعة بإتيانها؟.
قيل: لفظ الشك من الله سبحانه، ومعناه منا، أى: إن شكّوا فى مجيئها بغتة فقد جاء أشراطها، أى: أعلامها، فهلا توقعوها وتأهبوا لوقوعها مع دواعى العلم بذلك لهم إلى حال وقوعها. فنظيره مما اللفظ فيه من الله تعالى، ومعناه منّا-قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ،﴾ أى: يزيدون عندكم أنتم؛ لأنكم لو رأيتم جمعهم لقلتم أنتم: هؤلاء مائة ألف، أو يزيدون. وقد مضى هذا مشروحا فيما قبل.
***
﴿بَغْتَةً﴾ (١٨)
ومن ذلك قراءة أبى عمرو فى رواية هارون بن حاتم (^١) عن حسين عنه: «بغتّة» (^٢).
قال أبو الفتح: فعلّة مثال لم يأت فى المصادر ولا فى الصفات أيضا، وإنما هو مختص بالاسم، منه الشربّة: اسم موضع. أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أبى العباس أحمد ابن يحيى: يقول عبد الله بن الحجاج التغلبى لعبد الملك بن مروان فى خبر له معه:
ارحم أصيبيتى الّذين كأنّهم … حجلى تدرّج بالشّربّة وقّع (^٣)
ومنه الجربّة: الجماعة. قال:
جريّة كحمر الأبكّ … لا ضرع فيها ولا مذكّى (^٤)
وجاء بلا تاء فى الاسم أيضا، وهو معدّ، وهبىّ وهو الصبّى الصغير. ولا بدّ من إحسان الظن بأبى عمرو، ولا سيما وهو القرآن، وما أبعده عن الزيغ والبهتان!.
***
_________________
(١) هارون بن حاتم التميمى، أبو بشر البزار: من قدماء المؤرخين، مقرئ، له اشتغال بالحديث. من أهل الكوفة أخذ القراءات عنه جماعة. انظر: (ميزان الاعتدال ٢٤٦/ ٣، ولسان الميزان ١٧٧/ ٦، وطبقات القراء ٣٤٥/ ٢، ومخطوطات الظاهرية ٩٤/ ٩٣، الأعلام ٦٠/ ٨).
(٢) انظر: (القرطبى ٢٤١/ ١٦، البحر المحيط ٨٠/ ٨، الآلوسى ٥٢/ ٢٦).
(٣) انظر: لسان العرب «صبا».
(٤) انظر: لسان العرب «جرى».
[ ٢ / ٣٢٠ ]
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٢٢)
ومن ذلك قراءة النبى ﷺ: «فهل عسيتم إن ولّيتم أن تفسدوا فى الأرض» (^١).
وروى عن علىّ: «إن تولّيتم» (^٢).
قال أبو الفتح: قال أبو حاتم: معناه إن تولاكم الناس.
***
﴿سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ﴾ (٢٥)
ومن ذلك قراءة الأعرج ومجاهد والجحدرى والأعمش ويعقوب: «سوّل لهم وأملى لهم»، بضم الألف، وسكون الياء (^٣).
قال أبو الفتح: تقديره الشيطان سوّل لهم، وأملى أنا لهم، أى: الشيطان يغويهم، وأنا أنظرهم. ومعنى سوّل لهم، أى: دلاّهم، وهو من السّول، وهو استرخاء البطن. رجل أسول، وامرأة سولاء: إذا كانا مسترخيى البطون. قال الهذلىّ (^٤):
كالسّحل البيض جلا لونها … سحّ نجاء الحمل الأسول (^٥)
أى: السحاب المسترخى الأسافل، لثقله وغزر مائه. فهذا إذا كقول الله سبحانه: ﴿فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ﴾ (^٦)، وهذا اشتقاق حسن، أخذناه عن أبى علىّ.
***
_________________
(١) انظر: (الكشاف ٥٣٦/ ٣، مجمع البيان ١٠٣/ ٩، البحر المحيط ٨٢/ ٨).
(٢) وقراءة يعقوب، وأويس، وابن أبى إسحاق. انظر: (الإتحاف ٣٩٤، النشر ٣٧٤/ ٢، مجمع البيان ١٠٣/ ٩، الكشاف ٥٣٦/ ٣، التبيان ٩٩٩/ ٩، البحر المحيط ٨٢/ ٨، العكبرى ١٢٧/ ٢، النحاس ١٧٦/ ٣).
(٣) انظر: (الإتحاف ٣٩٤، القرطبى ٢٤٩/ ١٦، الفراء ٦٣/ ٣، النشر ٣٧٤/ ٢، البحر المحيط ٨٣/ ٨، النحاس ١٧٩/ ٣، التبيان ٢٩٩/ ٩، الرازى ٦٦/ ٢٨).
(٤) من قول التنخل الهذلى من قصيدته التى مطلعها: هل تعرف المنزل بالأهيل كالوشم فى المعصم لم يجمل انظر: (ديوان الهذليين ١/ ٢).
(٥) السّحل: ثياب بيض، واحدها سحل، جلا لونها، يقول: جلا لون هذه الحمير سحابة، وكل سوداء من السحاب تسمى حملا. والأسول: المسترخى أسفل البطن، والاسم السول؛ وإنما هذا مثل.
(٦) سورة الأعراف الآية (٢٢).
[ ٢ / ٣٢١ ]
﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ (٣٥)
ومن ذلك: «فلا تهنوا وتدّعوا إلى السّلم»، بالتشديد. (^١) قرأ بها السّلمى.
قال أبو الفتح: معنى تدّعوا هنا، أى: تنسبوا إلى السلم، كقولك: فلان يدّعى إلى بنى فلان، أى: ينتسب إليهم، ويحمل نفسه عليهم. وإلى هذا يرجع معنى قوله:
فما برحت خيل تثوب وتدّعى (^٢) …
فأما قوله (^٣):
فلا وأبيك ابنة العامرىّ … لا يدّعى القوم أنّى أفر
فإنه من الدعوى المستعملة فى المعاملات، المحوجة إلى البيّنة. وقد يمكن رجوعها أيضا إلى معنى الانتساب، أى: لا ينسبوننى إلى الفرار. وما أقرب أطراف هذه اللغة على ظاهر بعدها وأشدّ تلاقيها مع مظنون تنافيها!.
***
﴿وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ﴾ (٣٧)
ومن ذلك ما رواه الحلوانىّ عن أبى معمر، عن عبد الوارث، عن أبى عمرو: «ويخرج أضغانكم»، مرفوعة الجيم (^٤).
قال أبو الفتح: هو على القطع تقديره: «إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا»، تم الكلام هنا، ثم استانف فقال: وهو «يخرج أضغانكم» على كل حال، أى: هذا مما يصح منه، فاحذروه أن يتم منه عليكم، فهو راجع بالمعنى إلى معنى الجزم.
وهذا كقولك: إذا زرتنى فأنا ممن يحسن إليك، أى: فحرّى بى أن أحسن إليك. ولو جاء بالفعل مصارحا به فقال: إذا زرتنى أحسنت إليك لم يكن فى لفظه ذكر عادته
_________________
(١) وقراءة على بن أبى طالب. انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤١، الكشاف ٥٣٩/ ٣، البحر المحيط ٨٥/ ٨).
(٢) انظر: (الأصمعيات ١٦١، وقد نسبه ليزيد بن الصعق).
(٣) لامرئ القيس من قصيدته التى مطلعها: أحار بنى عمرو كأنى حمر ويعدو على المرء ما يأتمر انظر: (ديوانه ١٠٩).
(٤) انظر: (مختصر شواذ القراءات ١٤٢، البحر المحيط ٨٦/ ٨، الكشاف ٣٩/ ٣، القرطبى ٢٥٧/ ١٦، مجمع البيان ١٠٧/ ٩).
[ ٢ / ٣٢٢ ]
التى يستعملها من الإحسان إلى زائره. وجاز أيضا أن يظن به عجز عنه، أو ونىّ وفتور دونه. فإذا ذكر أن ذلك عادته، ومظنّة منه، كانت النفس إلى وقوعه أسكن، وبه أوثق. فاعرف هذه المعاريض فى القول، ولا تريّنها تصرفا واتساعا فى اللغة، مجردة من الأغراض المرادة فيها، والمعانى المحمولة عليها.
***
&
[ ٢ / ٣٢٣ ]