﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿كهيعص﴾ (١)
قرأ أبو جعفر: «كاف ها يا عين صاد» (^١).
وقرأ: «كاف ها يا عين صاد» (^٢)، بفتح «الهاء»، ورفع «الياء» -الحسن.
وقرأ: «كاف ها يا عين صاد» بضم الهاء (^٣) وفتح الياء-الحسن أيضا.
قال أبو الفتح: أما على الجملة فإن الإمالة والتفخيم فى حروف المعجم ضرب من الاتساع؛ وذلك أن الإمالة والتفخيم ضربان. من ضروب التصرف، وهذه الحروف جوامد لا حظّ لها فى التصرف؛ لأنها ك «ما» و«لا» و«هل» و«قد» و«بل» و«إنما». وإنما أتاها ذانك من قبل أنها إذا فارقت موضعها من الهجاء صارت أسماء، كقولنا: الهاء حرف هاو، والواو والياء والألف حروف الإعلال، وفى الصاد والزاى والسين صفير، والميم حرف ثقيل.
فلما كانت تفارق كونها هجاء إلى الاسمية دخلها ضرب من القوة، فتصرفت، فحملت الإمالة والتفخيم.
فمن فتح ولم يفخم ولم يمل فعلى ظاهر الأمر، ومن أمال أو فخّم اعتمد ما ذكرنا: من جواز كونها أسماء، فمن قال «يا» فأمال-جنح بالإمال إلى الياء، كما جنح بها إليها فى نحو قولك: السّيال والهيام. ومن فخّم تصور أن عين الفعل فى الياء انقلبت عن الواو، كالباب والدار والمال والحال؛ وذلك أن هذه الألفات-وإن كانت مجهولة
_________________
(١) انظر: (الإتحاف ٢٩٧، البحر المحيط ١٧٢/ ٦، الكشف ٢٨٧/ ١، النشر ٧١/ ٢، القرطبى ٧٤/ ١١).
(٢) انظر: (القرطبى ٧٤/ ١١، البحر المحيط ١٧٢/ ٦، التبيان ٩٧/ ٧).
(٣) بإشباع تفخيم الهاء قراءة عاصم، ونصر بن عاصم. انظر: (الإتحاف ٢٩٧، البحر المحيط ١٧٢/ ٦، القرطبى ٧٤/ ١١، الرازى ١٧٨/ ٢١).
[ ٢ / ٨٠ ]
أنه لا اشتقاق لها-فإنها تحمل على ما هو فى اللفظ مشابه لها، والألف إذا وقعت عينا فجهلت فالواجب فيها أن تعتقد منقلبة عن الواو. على ذلك وجدنا سرد اللغة عند اعتبارنا له؛ ولذلك حمل الخليل ألف آءة على أنها من الواو، فقال: كأنها من أؤت. وبمثل ذلك ينبغى أن يحكم فى راءة وصاءة، حتى كأنها فى الأصل روأة وصوأة. فهذا قول جامع فى هذا الضرب من الألفات، فاغن به عما وراءه.
***
﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ (٢)
ومن ذلك قراءة الحسن أيضا: «ذكّر رحمة ربّك» (^١).
قال أبو الفتح: فاعل ذكّر ضمير ما تقدم؛ أى: هذا المتلوّ من القرآن الذى هذه الحروف أوله وفاتحته يذكّر رحمة ربك، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (^٢). وعلى هذا أيضا يرتفع قوله: «ذكر رحمة ربك» أى هذا القرآن ذكر رحمة ربك. وإن شئت كان تقديره: مما يقصّ عليك، أو يتلى عليك: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾.
***
﴿خِفْتُ الْمَوالِيَ﴾ (٥)
ومن ذلك قراءة عثمان وزيد بن ثابت وابن عباس وسعيد بن العاص وابن يعمر وسعيد بن جبير وعلى بن الحسين ومحمد بن علىّ وشبيل بن عزرة (^٣): «خفّت الموالى» (^٤)، بفتح الخاء والتاء مكسورة.
قال أبو الفتح: أى قلّ بنو عمى وأهلى، ومعنى قوله-والله أعلم- ﴿مِنْ وَرائِي،﴾
_________________
(١) انظر: (البحر المحيط ١٧٢/ ٦، الكشاف ٥٠٢/ ٢، القرطبى ١٧٥/ ١٢، الرازى ١٧٩/ ٢١).
(٢) سورة الإسراء الآية (٩).
(٣) شبيل بن عزرة بن عمير الضبعى: راوية، خطيب، شاعر، نسابة. من أهل البصرة. له كتاب: «الغريب» في اللغة كان يرى رأى الخوارج ثم رجع عنه. وله فى كلا الحالين شعر. انظر: (البيان والتبيين ١٧٥/ ١، وتهذيب التهذيب ٣١٠/ ٤، وسمط اللآلى ١٩٤،١٩٥، وإنباه الرواة ٧٦/ ٢، والأعلام ١٥٧/ ٣.)
(٤) انظر: (الطبرى ٣٧/ ١٦، القرطبى ٧٧/ ١١، الكشاف ٥٠٢/ ٢، البحر المحيط ١٧٤/ ٦ التبيان ٩٨/ ٧، مجمع البيان ٥٠٠/ ٦).
[ ٢ / ٨١ ]
أى من أخلّفه بعدى. قوله: ﴿مِنْ وَرائِي﴾ حال متوقعة محكية، أى: خفّوا متوقّعا متصوّرا كونهم بعدى. ومثله مسأله الكتاب: مررت برجل معه صقر صائدا؛ أى: متصوّرا صيده به غدا، ومثله قول الله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ (^١)؛ أى متصوّرا خلودهم فيها مدة دوام السموات والأرض. فإذ أشفقت من ذلك فارزقنى ولدا يخلفنى.
***
﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ (٦)
ومن ذلك قراءة علىّ بن أبى طالب وابن عباس ﵉، وابن يعمر وأبى حرب بن أبى الأسود والحسن والجحدرى وقتادة وأبى نهيك وجعفر بن محمد: «يرثنى وارث من آل يعقوب» (^٢).
قال أبو الفتح: هذا ضرب من العربية غريب، ومعناه التجريد؛ وذلك أنك تريد: فهب لى من لدنك وليّا يرثنى منه أو به وارث من آل يعقوب، وهو الوارث نفسه، فكأنه جرّد منه وارثا. ومثله قول الله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ﴾ (^٣)، فهى نفسها دار الخلد، فكأنه جرّد من الدار دارا، وعليه قول الأخطل:
بنزوة لصّ بعد ما مرّ مصعب … بأشعث لا يفلى ولا هو يقمل
ومصعب نفسه هو الأشعث، فكأنه استخلص منه أشعث. ومثله قول الأعشى (^٤):
. . . أم من … جاء منها بطائف الأهوال (^٥)
وهى نفسها طائف الأهوال. وقد أفردنا لهذا الضرب من العربية بابا من كتاب
_________________
(١) سورة: هود الآيتان (١٠٧،١٠٨).
(٢) انظر: (البحر المحيط ١٧٤/ ٦، الكشاف ٥٠٣/ ٢، مجمع البيان ٣٨/ ٢).
(٣) سورة فصلت الآية (٢٨).
(٤) من قصيدة فى مدح الأسود بن المنذر اللخمى مطلعها: ما بكاء الكبير بالأطلال وسؤالى فهل ترد سؤالى انظر: (ديوانه ٢٤٤).
(٥) البيت بتمامه: لات منا ذكرى جبيرة أو من جاء منها بطائف الأهوال انظر: (ديوانه ٢٤٤). وجبيرة: اسم امرأة.
[ ٢ / ٨٢ ]
الخصائص (^١) فاعرفه، فإنه موضع غريب لطيف وطريف. وقد ذكرناه أيضا فيما مضى.
***
﴿الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (٨)
ومن ذلك قراءة ابن مسعود: «الكبر عتيّا» (^٢)، بفتح العين.
وكذلك قرأ أيضا: «أولى بها صليّا»، بفتح الصاد. وقال ابن مجاهد: لا أعرف لهما فى العربية أصلا. قال ابن مجاهد: ويقرأ مع ذلك «بكيّا»، بضم الباء.
قال أبو الفتح: لا وجه لإنكار ابن مجاهد ذلك لأن له فى العربية أصلا ماضيا، وهو ما جاء من المصادر على فعيل نحو: الحويل، والزويل، والشخير، والنخير. فأما «البكىّ» فجماعة، وهى فعول: كالحثىّ، والدنّى، والفلىّ، جمع فلاة، والحلىّ.
***
﴿فَأَجاءَهَا﴾ (٢٣)
ومن ذلك قراءة شبيل بن عزرة: «فأجأها» (^٣)، مثل فألجأها.
قال أبو الفتح: رواها ابن مجاهد أيضا أنها من المفاجأة، إلا أن ترك همزها إنما هو بدل لا تخفيف قياسىّ. وقد يجوز أن تكون القراءة على التخفيف القياسى، إلا أنه لطفت لضعف الهمزة بعد الألف؛ فظنها القراء ألفا ساكنة مدة، إلا أن قوله: مثل ألجأها يشهد لقراءة الجماعة: ﴿فَأَجاءَهَا﴾. وقد يمكن أن يكون أراد مثل أجاءها إذا أبدلت همزته ألفا فيكون التشبيه لفظيا لا معنويا.
***
﴿نَسْيًا﴾ (٢٣)
ومن ذلك قراءة محمد بن كعب وبكر بن حبيب السهمى: «نسئا» (^٤)، بفتح النون مهموزة.
&
_________________
(١) انظر: (الخصائص ٤٧٥/ ٢ باب فى التجريد).
(٢) انظر: (الكشاف ٥٠٣/ ٢ البحر المحيط ١٧٥/ ٦، الرازى ١٨٧/ ٢١، العكبرى ٦١/ ٢).
(٣) وقراءة عاصم، وحماد بن سلمة، ومجاهد. انظر: (القرطبى ٩٢/ ١١، البحر المحيط ١٨٢/ ٦، العكبرى ٦١/ ٢).
(٤) وقراءة نوف البكالى. انظر: (القرطبى ٩٣/ ١١، العكبرى ٦١/ ٢، الكشاف ٥٠٦/ ٢، البحر المحيط ١٨٣/ ٦).
[ ٢ / ٨٣ ]
قال أبو الفتح: قال أبو زيد: نسأت اللبن أنسؤه نسئا، وذلك أن تأخذ حليبا فتصب عليه ماء، واسمه النّسء والنّسئ، وأنشد:
سقونى نسيئا قطّع الماء متنه … يبيل على ظهر الفراش ويعجل
فتأويل هذه القراءة-والله أعلم-يا ليتنى متّ قبل هذا، وكنت كهذا اللبن المخلوط. بالماء فى قلته وصغارة حاله، كما أن قوله: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا،﴾ أى: كنت كالشئ المحتقر ينساه أهله، ونزارة أمره.
***
﴿تُساقِطْ﴾ (٢٥)
ومن ذلك قراءة مسروق: «يساقط» (^١)، بالياء خفيفة.
قال أبو الفتح: يساقط هنا بمعنى يسقط، إلا أنه شيئا بعد شئ، وعليه قول ضابئ البرجمىّ:
يساقط عنه روقه ضارياتها … سقاط حديد القين أخول أخولا (^٢)
أى يسقط قرن هذا الثور ضاريات كلاب الصيد لطعنه إياها، شيئا بعد شئ.
***
﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾ (٢٥)
ومن ذلك قراءة طلحة (^٣): «رطبا جنيّا»، بكسر الجيم (^٤).
قال أبو الفتح: أتبع فتحة الجيم من «جنيّا» كسرة النون، وشبه النون وإن لم تكن من حروف الحلق بهن فى نحو صأى الفرخ صئيّا، وفى نحو الشّخير، والنخير، والنّغيق والشّعير، والبعير، والرّغيف. وحكى أبو زيد عنهم: ذلك لمن خاف وعيد الله.
وله فى تشبيهه النون بالحرف الحلقىّ عذر ما؛ وذلك لتفاوتهما، فالنون متعالية، كما أنهن سوافل: فكلّ فى شقّه مضاه لصاحبه، ألا ترى أن أبا العباس قال فى همزة
_________________
(١) انظر: (مجمع البيان ٥٠٨/ ٦، العكبرى ٦٢/ ٢، الرازى ٢٠٦/ ٢١).
(٢) نسبه فى لسان العرب لضابئ بن الحارث البرجمى (لسان العرب «خول»، «سقط»). وانظر: (الخصائص ١٣٢/ ٢).
(٣) هو طلحة بن سليمان.
(٤) انظر: (الكشاف ٥٠٧/ ٢، البحر المحيط ١٨٥/ ٦، مجمع البيان ٥٠٨/ ٦).
[ ٢ / ٨٤ ]
صحراء وبطحاء ونحوهما: صحراوان وبطحاوان وصحراوات وبطحاوات؟ شبهت الهمزة بالواو؛ لأن كل واحدة منهما طارفة فى جهتها؛ فجعل تناهيهما فى البعد طريقا إلى تلاقيهما فى الحكم.
وبعد فالعرب تجرى الشئ مجرى نقيضه، كما تجريه مجرى نظيره. ألا تراها قالت: طويل كما قالت: قصير، وشبعان كجوعان، وكرم كلؤم، وعلم كجهل؟ ولأجل هذا قال بعضهم: إنّ قوى فعل فى الأصل حملا على نظيره الذى هو ضعف، وفى هذا كاف من غيره. ونحو من معناه قول المنجّمين فى النحسين إذا تقابلا: استحالا سعدا، وعليه قول الناس: عداوة أربعين سنة مودّة. والمعانى فى هذا العالم متلاقية على تفاوتها، ومجتمعة مع ظاهر تفرقها، لكنها محتاجة إلى طبّ بها وملاطف لها.
***
﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ﴾ (٢٦)
ومن ذلك قراءة طلحة: «فإمّا ترين» (^١).
وروى عن أبى عمرو: «ترئنّ»، بالهمز (^٢).
قال أبو الفتح: الهمز هنا ضعيف؛ وذلك لأن الياء مفتوح ما قبلها، والكسرة فيها لالتقاء الساكنين؛ فليست محتسبة أصلا، ولا يكثر مستثقله، وعليه قراءة الجماعة: ﴿تَرَيِنَّ،﴾ بالياء لما ذكرنا. غير أن الكوفيين قد حكوا الهمز فى نحو هذا، وأنشدوا:
كمشترئ بالحمد أحمرة بترا (^٣) …
نعم، وقد حكى الهمز فى الواو التى هى نظيرة الياء فى قول الله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ﴾ (^٤)، فشبّه الياء لكونها ضميرا وعلم تأنيث بالواو، من حيث كانت ضميرا وعلم تذكير. وهذا تعذّر ما وليس قويا، ولا ترينّ هذه الهمزة هى همزة رأيت، تلك قد
_________________
(١) وقراءة أبى جعفر، وشيبة. انظر: (الكشاف ٥٠٧/ ٢، مغنى اللبيب ٢٢/ ٢،٢٣، البحر المحيط ١٨٥/ ٦، مجمع البيان ٥٠٨/ ٦).
(٢) فى رواية ابن الدومى عنه. انظر: (مختصر شواذ القراءات ٨٤، البحر المحيط،٢٨٥/ ٦، الكشاف ٥٠٧/ ٢، الآلوسى ٨٦/ ١٦).
(٣) فى شواهد الشافية ٤٠٩/ ٤: «كمشترى بالخيل أحمرة بترا». والبتر: جمع أبتر، وهو المقطوع الذنب.
(٤) سورة آل عمران الآية (١٨٦).
[ ٢ / ٨٥ ]
حذفت للتخفيف فى أصل الكلمة «ترأين»، فحذفت الهمزة، وألقيت حركتها على الراء فصارت «ترين»، فالهمزة الأصلية إذا محذوفة، وغير هذه الملفوظ بها.
وأما قراءة طلحة: «فإمّا ترين» فشاذة، ولست أقول إنها لحن لثبات علم الرفع، وهو النون فى حال الجزم، لكن تلك لغة: أن تثبت هذه النون فى الجزم، وأنشد أبو الحسن:
لولا فوارس من قيس وأسرتهم … يوم الصّليفاء لم يوفون بالجار (^١)
كذا أنشده «يوفون» بالنون، وقد يجوز أن يكون على تشبيه «لم» بلا.
***
﴿وَبَرًّا﴾ (٣٢)
ومن ذلك قراءة أبى نهيك وأبى مجلز: «وبرّا» (^٢)، بكسر الباء.
قال أبو الفتح: هو معطوف على موضع الجار والمجرور من قوله: ﴿وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ﴾ (^٣)، كأنه قال: وألزمنى برّا، وأشعرنى برّا بوالدتى؛ لأنه إذا أوصاه به، فقد ألزمه إياه. وعليه بيت الكتاب:
يذهبن فى نجد وغورا غائرا
أى: ويسلكن غورا، وبيته أيضا (^٤):
فإن لم تجد من دون عدنان والدا … ودون معدّ فلتزعك العواذل (^٥)
عطف «دون» الثانية على موضع «من دون» الأولى، ونظائره كثيرة جدا. وإن شئت
_________________
(١) انظر: لسان العرب «صلف».
(٢) وقراءة الحسن، وأبى جعفر. انظر: (الإتحاف ٢٩٨، الكشاف ٥٠٨/ ٢، البحر المحيط ١٧٧/ ٦، ١٧٨، مجمع البيان ٥١٣/ ٦).
(٣) سورة مريم الآية (٣١).
(٤) هو للبيد من قصيدة فى رثاء النعمان بن المنذر. انظر: (ديوانه ٢٥٥، الكتاب ٦٨/ ١، خزانة الأدب ٣٣٩/ ١، شرح شواهد المغنى ٢٩٣/ ٥٥)، وقبله: فإن أنت لم تصدقك نفسك فانتسب لعلك تهديك القرون الأوائل
(٥) يقول: انتسب إلى عدنان أو معد، فإن لم تجد من بينك وبينهما من الآباء باقيا فأعلم أن مصيرك مصيرهم، فوجب أن تنزع عما أنت عليه. تزعك: تكفك. وأراد بالعواذل ما يزعه ويكفه من حوادث الدهر وزواجره. وأصل العذل: اللوم. وفى البيت حمل «دون الأخرى على موضع الأولى، إذا «من» قبل الأولى زائدة.
[ ٢ / ٨٦ ]
حملته على حذف المضاف؛ أى: وجعلنى ذا برّ، وإن شئت جعلته إياه على المبالغة، كقولها (^١):
فإنّما هى إقبال وإدبار (^٢) …
على غير حذف المضاف.
***
﴿وَرِءْيًا﴾ (٧٤)
ومن ذلك قراءة طلحة: «وريا» (^٣)، خفيفة بلا همز.
وقرأ «وزيّا»، بالزاى: سعيد بن جبير ويزيد البربرى والأعسم المكى (^٤).
قال أبو الفتح: النظر من ذلك فى «وريّا»، خفيف بلا همز؛ وذلك أنه فى الأصل فعل إما من رأيت وإما من رويت، فأصله-وهو من الهمز- «ورئيا» كرعيا، على قراءة أبى عمرو وغيره؛ فأريد تخفيف الهمز، فأبدلت الهمزة ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ثم أدغمت الياء المبدلة من الهمزة فى الياء الثانية التى هى لام الفعل، فصارت «وريا».
ويجوز أن يكون من رويت. قال أبو على: وذلك لأن للريّان نضارة وحسنا، فيتفق إذا معناه معنى «وزيّا» بالزاى. وأصله على هذا «روى»، فأبدلت الواو ياء، وأدغمت فى الياء بعدها، فصارت «وريّا».
حدثنا أبو على عن ابن مجاهد أن القراءة فيها على ثلاثة أضرب: «ورئيا»، «وريّا»، «وزيّا» فهذا هذا.
فأما «ريا»، مخففة غير مهموزة فتحتمل أمرين:
_________________
(١) للخنساء من قصيدتها التى مطلعها: قذى بعينك أم بالعين عوّار أم ذرفت إذ خلت من أهلها الدار انظر: (ديوان الخنساء ٤٧).
(٢) صدره: «ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرت». انظر: (ديوان الخنساء ٤٨). إقبال وإدبار: أى لا تنفك تقبل وتدبر، كأنها خلقت منهما.
(٣) وقراءة ابن عباس. انظر: (القرطبى ١٤٣/ ١١، الكشاف ٥٢١/ ٢، مجمع البيان ٥٢٤/ ٦، البحر المحيط ٢١١/ ٦ النحاس ٣٢٥/ ٢، العكبرى ٦٤/ ٢).
(٤) وقراءة ابن عباس، والأعمش، وأبى ظبيان، وسفيان. انظر: (القرطبى ١٤٣/ ١١، الطبرى ٨٩/ ١٦، مجمع البيان ٥٢٤/ ٦، الفراء ١٧١/ ٢، التبيان ١٢٦/ ٧، البحر المحيط ٢١١/ ٦).
[ ٢ / ٨٧ ]
أحدهما: أن تكون مقلوبة من فعل إلى فلع، فصارت فى التقدير «ريئا»، ثم خفف على هذا، فحذفت الهمزة، فألقيت حركتها على الياء، فصارت «ريا»، كقولك فى تخفيف نئ: أكلت طعاما نيا، وفى تخفيف الجيئة: الجية. فإن خففت البيئة من قولهم: بات بيئة سوء قلت فيها: البوة، وذلك أنها فى الأصل بوءة؛ لأنها فعلة من تبوّأت، فانقلبت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، فصارت بيئة، فإذا ألقيت عليها فتحة الهمزة قويت بها، فرجعت الواو لقوة الحرف بالحركة، فقلبت «بوة» وقد استقصينا هذا الموضع من كتابنا المعرب، فهذا أحد الوجهين فى «ريا» بالتخفيف.
والآخر: أن يكون يريد «ريا» من رويت، ثم يخفف الكلمة بحذف إحدى الياءين، كما قال: أتانى القوم لا سيما زيد بتخفيف الياء، وقولهم فى الطّيّة والنّيّة: الطية والنية، بحذف إحدى الياءين. وينبغى أن تكون المحذوفة من ذلك كله هى الياء الثانية؛ لأمرين:
أحدهما: أنها المكررة، وبها وقع الاستثقال، وإياها ما حذف.
والآخر: أنها لام، وقد كثر حذف اللام حرف علة: كمائة، ورئة، وفئة. وقلّما تحذف العين، فهذا هذا.
وأما «الزّى»، بالزاى ففعل من زويت؛ وذلك أنه لا يقال لمن له شئ واحد من آلته: زىّ، حتى تكثر آلته المستحسنة، فهى إذا من زويت؛ أى: جمعت.
ومن قول النبى ﷺ: «زويت لى الأرض» (^١)؛ أى: جمعت، ومن قول الأعشى (^٢):
يزيد يغضّ الطّرف دونى كأنّما … زوى بين عينيه علىّ المحاجم (^٣)
وأصلها زوى، فقلبت الواو على ما مضى، وأدغمت فى الياء.
***
_________________
(١) انظر: (النهاية فى غريب الحديث ١٤٥/ ٢).
(٢) من قصيدته فى هجاء يزيد بن مسهر الشيبانى مطلعها: هريرة ودعها، وإن لام لائم غداة غد أم أنت للبين واجم انظر: (ديوانه ٢٦٣).
(٣) انظر: (ديوانه ٢٦٦)، زوى المحاجم: صرف النظر وأمال الطرف.
[ ٢ / ٨٨ ]
﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ﴾ (٨٢)
ومن ذلك قراءة أبى نهيك: «كلاّ سيكفرون» (^١)، بالتنوين.
قال أبو الفتح: ينبغى أن تكون «كلاّ» هذه مصدرا، كقولك كلّ السيف كلاّ، فهو إذا منصوب بفعل مضمر، فكأنه لما قال: سبحانه: ﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ قال الله سبحانه رادا عليهم: ﴿كَلاّ؛﴾ أى: كلّ هذا الرأى والاعتقاد كلاّ، ورأوا منه رأيا كلاّ، كما يقال: ضعفا لهذا الرأى وفيالة، فتم الكلام، ثم قال تعالى مستأنفا القول: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا،﴾ والوقف إذا على ﴿عِزًّا﴾ ثم استأنف فقال: كلّ رأيهم كلاّ، ووقف، ثم قال من بعد: ﴿سَيَكْفُرُونَ،﴾ فهناك إذا وقفان: أحدهما «عزّا»، والآخر «كلاّ»، من حيث كان منصوبا بفعل مضمر، لا من حيث كان زجرا وردّا وردعا.
***
﴿شَيْئًا إِدًّا﴾ (٨٩)
ومن ذلك قراءة السّلمى: شيئا أدّا (^٢)، بالفتح.
قال أبو الفتح: الأدّ، بالفتح: القوة.
قال:
نضون عنّى شرّة وأدّا … من بعد ما كنت صملاّ نهدا
فهو إذا على حذف المضاف، فكأنه قال: لقد جئتم شيئا ذا أدّ؛ أى: ذا قوة. فهو كقولهم: رجل زور وعدل وضيف، تصفه بالمصدر إن شئت على حذف المضاف، وإن شئت على وجه آخر أصنع من هذا وألطف، وذلك أن تجعله نفسه هو المصدر للمبالغة، كقول الخنساء:
ترتع ما غفلت حتّى إذا ادّكرت … فإنّما هى إقبال وإدبار (^٣)
إن شئت على ذات إقبال وإدبار، وإن شئت جعلتها نفسها هى الإقبال والإدبار؛
_________________
(١) انظر: (القرطبى البحر المحيط ٢١٣/ ٦،١٤٨/ ١١، الكشاف ٥٢٣/ ٢، الرازى ٢٥٠/ ٢١).
(٢) وقراءة علىّ بن أبى طالب. انظر: (الطبرى ٩٨/ ١٦، القرطبى ١٥٦/ ١١، الكشاف ٥٢٥/ ٢، النحاس ٣٢٨/ ٢، العكبرى ٦٤/ ٢، البحر المحيط ٢١٨/ ٦).
(٣) سبق الاستشهاد به.
[ ٢ / ٨٩ ]
أى: مخلوقة منهما: ويدلك على أن هذا معنى عندهم لا على حذف المضاف؛ بل لأنهم جعلوه الحدث نفسه قولهم، أنشدناه أبو علىّ:
ألا أصبحت أسماء جاذمة الحبل … وضنّت علينا والضّنين من البخل (^١)
أى: هو مخلوق من البخل، ولا تحمله على القلب؛ أى: والبخل من الضنين؛ لصغر معناه إلى المعنى الآخر، ولأنه مع ذلك أيضا نزول عن الظاهر وأنشدنا أيضا:
وهنّ من الإخلاف قبلك والمطل (^٢) …
وأنشدنا أيضا:
وهنّ من الإخلاف والولعان (^٣) …
ويكفى من هذا كله قول الله سبحانه: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ؛﴾ أى: من العجلة، لا من الطين كما يقول قوم؛ لقوله: ﴿سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ (^٤).
***
_________________
(١) نسبه فى لسان العرب «ضنن» إلى البعيث، وقد أورد ابن قتيبة فى الشعراء والشعراء للبعيث أربعة أبيات على هذا الروى، وليس منها هذا البيت، وورد غير معزو فى أمالى ابن الشجرى ٧٢/ ١، وهو غير منسوب فى الخصائص ٢٠٤/ ٢،٢٦٢/ ٣.
(٢) نسبه فى لسان العرب «ولع» إلى البعيث، وأورده ابن جنى فى الخصائص ٢٠٥/ ٢ دون نسبة، وكذلك هو فى التمام لابن جنى ١٤٣، وفيه: «وهن من الإخلاف بعدك والمطل».
(٣) صدره كما ورد فى لسان العرب «ولع»: «لخلابة العينين كذابة المنى». والولعان: الكذب. وانظر: (إصلاح المنطق ٢٩٨، الخصائص ٢٠٥/ ٢).
(٤) سورة الأنبياء الآية (٣٧).
[ ٢ / ٩٠ ]