﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ (١) من ذلك قراءة الناس: ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾، وقرأ: «فصلت»، بفتح الفاء والصاد خفيفة عكرمة والضحاك والجحدرى، ورويت عن ابن كثير.
قال أبو الفتح: معنى «فصلت»: أى صدرت وانفصلت عنه ومنه، وهو كقولك: قد فصل الأمير عن البلد: أى سار عنه.
***
﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ (٥) ومن ذلك قراءة ابن عباس بخلاف ومجاهد ويحيى بن يعمر ونصر بن عاصم وعبد الرحمن بن أفزى والجحدرى وابن أبى إسحاق وأبى رزين وأبى جعفر محمد بن على وعلى بن حسين وزيد بن على وجعفر بن محمد والضحاك وأبى الأسود: «تثنونى صدورهم» على تفعوعل، وقرأ: «تثنونّ صدورهم» ابن عباس بخلاف، وقرأ:
«تثنئنّ صدورهم» عروة الأعشى، ورويت عن عروة الأعشى أيضا: «يثنؤنّ»
[ ١ / ٤٤٠ ]
«صدورهم» وروى ذلك عن مجاهد أيضا، وروى عن ابن عباس: «تثنون صدورهم» وروى عن سعيد بن جبير وأحسبها وهما: «يثنون صدورهم»، بضم الياء والنون.
قال أبو الفتح: أما «تثنونى» فتفعوعل، كما قال: وهذا من أبنية المبالغة لتكرير العين، كقولك: أعشب البلد، فإذا كثر فيه ذلك قيل: اعشوشب، واخلولقت السماء للمطر:
إذا قويت أمارة ذلك، واغدودن الشعر: إذا طال واسترخى. أنشدنا أبو على:
وقامت ترائيك مغدودنا … إذا ما تنوء به آدها
وقرأت على أبى بكر محمد بن الحسن عن أبى العباس أحمد بن يحيى قول الشاعر:
لو كنت تعطى حين تسأل سامحت … لك النفس واحلولاك كل خليل
وقال حميد بن ثور:
فلما مضى عامين بعد انفصاله … عن الضرع واحلولى دماثا يرودها
فهذا أقوى معنى من استحلى.
وأما «تثنئنّ» و«تثنونّ» ففيهما النظر فتثنئنّ تفعللّ من لفظ الثّنّ ومعناه، وهو ما هشّ وضعف من الكلأ. وأنشد أبو زيد ورويناه عنه:
يأيها الفصيّل المعنّى … إنك ريّان فصمت عنىّ
يكفى اللقوح أكلة من ثنّ
وأصله تثنانّ فحركت الألف لسكونها وسكون النون الأولى، فانقلبت همزة على ما مضى قبل، وعليه قول دكين:
[ ١ / ٤٤١ ]
راكدة مخلاته ومحلبه … وجلّه حتى ابيأضّ ملببه
يريد ابياض، فحرك الألف فهمزها على ما مضى. والتقاء المعنيين أن «الثّنّ»: ما ضعف ولان من الكلأ، فهو سريع إلى طالبه خفيف، وغير معتاص على آكله، وكذلك «صدورهم» مجيبة لهم إلى أن يثنوها ليستخفوا من الله سبحانه.
وأما «تثنونّ» فإنها تفعوعل من لفظ الثّنّ ومعناه أيضا، وأصلها تثنونن، فلزم الإدّغام لتكرير العين إذ كان غير ملحق، وكذلك قالوا: فى مفعوعل من رددت مردودّ، وأصلها مردودد. فلمّا لم يكن ملحقا وجب إدغامه، فنقلت الكسرة من الدال الأولى فألقيت على الواو، وأدغمت الدال فى الدال فصار مردودّ. وكذلك أصل هذه تثنونن، فأسكنت النون الأولى، ونقلت كسرتها على الواو، فأدغمت النون فى النون فصار «تثنونّ».
وذهب أبو إسحاق فى قولهم: مصائب، بالهمز إلى أن أصلها مصاوب، فهمزت الواو لانكسارها، كما همزت فى إسادة وإعاء، فقياسه على هذا أن تكون «تثنئنّ» أصلها تثنونّ، فهمزت الواو لانكسارها، وعلىّ أن مذهب أبى إسحاق هذا مردود عندنا غير أن قياسه أن يقول ما ذكرنا.
وأما «تثنون صدورهم»، بنون مكسورة من غير ياء، ورفع «صدورهم» فإنه أراد الياء، فحذفها تخفيفا كالعادة فى ذلك، ولا سيما والكلمة طويلة بكونها على تفعوعل.
وأما «يثنؤنّ صدورهم»، بالنصب، وبالهمزة المضمومة فوهم من حاكيه أو قارئه؛ لأنه لا يقال: ثنأت كذا بمعنى تثنيته، وكذلك «يثنون صدورهم»؛ لأنه لا يعرف فى اللغة أثنيت كذا بمعنى ثنيته، إلا أن يكون معناه يجدونها منثنية، كقولهم: أحمدته:
وجدته محمودا، وأذممته: وجدته مذموما.
***
﴿وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٦) ومن ذلك قراءة أبىّ وابن مسعود: «وباطلا ما كانوا يعملون».
قال أبو الفتح: «باطلا» منصوب ب «يعملون»، و«ما» زائدة للتوكيد، فكأنه قال:
[ ١ / ٤٤٢ ]
وباطلا كانوا يعملون. ومن بعد ففى هذه القراءة دلالة على جواز تقديم خبر كان عليها، كقولك: قائما كان زيد، وواقفا كان جعفر. ووجه الدلالة من ذلك أنه إنما يجوز وقوع المعمول بحيث يجوز وقوع العامل، و«باطلا» منصوب ب «يعملون»، والموضع إذا ل «يعملون»؛ لوقوع معموله متقدما عليه، فكأنه قال: ويعملون باطلا كانوا. ومثله قول الله تعالى: ﴿أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ﴾؟ استدل أبو علىّ بذلك على جواز تقديم خبر كان عليها؛ لأنّ «إياكم» معمول «يعبدون»، وهو خبر كان. وإنما يجوز وقوع المعمول فيه بحيث يجوز وقوع العامل على ما قدمناه.
وعلى نحو من ذلك ما استدل أبو على على جواز تقديم خبر المبتدأ عليه بقول الشماخ:
كلا يومى طوالة وصل أروى … ظنون آن مطّرح الظّنون
فقال: «كلا» ظرف لقوله: «ظنون»، و«ظنون» خبر المبتدأ الذى هو «وصل أروى»، فدل هذا على جواز تقديم «ظنون» على «وصل أروى» كأنه قال: ظنون فى كلا هذين اليومين وصل أروى، أى: هو متّهم فيهما كليهما. وقد مضى نحو هذا.
***
﴿فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ (٣٢) ومن ذلك قراءة ابن عباس بخلاف وأيوب السختيانى: «فأكثرت جدلنا».
قال أبو الفتح: الجدل اسم بمعنى الجدال والمجادلة، وأصل «ج د ل» فى الكلام:
القوة، منه قولهم: غلام جادل: إذا ترعرع وقوى، وركب فلان جديلة رأيه: أى صمم عليه ولم يلن فيه. ومنه الأجدل للصقر، وذلك لشدة خلقه، وعليه بقية الباب. وكذلك
[ ١ / ٤٤٣ ]
الجدال إنما هو الاقتواء على خصمك بالحجة. قال الله ﷿: ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾، أى: مغالبة بالقول، وتقويا.
ونحو منه لفظا قولهم: ظبى شادن: أى قد قوى واشتد، والشين أخت الجيم، والنون أخت اللام. ونحو منه قولهم: عطوت الشئ: إذا تناولته، وقالوا: أتيت عليه: إذا ملكته واشتملت عليه. والعين أخت الهمزة، والطاء أخت التاء، والواو أخت الياء. وهذا باب من اللغة لعله لو تقرّيت لأتى على أكثرها، وقد أتيت على كثير منه فى كتاب الخصائص.
ولولا أن القراء لا ينبسطون فى هذه الطريق لنبهت على كثير منه. لا، بل إذا كان منتحلو هذا العلم والمترسمون به قلّما تطوع طباعهم لهذا الضرب منه، وإن اضطروا إلى فهم شئ من جملته أظهروا التجاهل به، ولم يشكروا الله ﷿ على ما لاح لهم وأعرض من طريقه؛ جريا على عادة مستوخمة، وإخلادا إلى خليقة كرهة مستوبلة حسدا يريهم ونغلا يجويهم. وما أقلهم مع ذلك عددا! وكذلك هم بحمد الله ولو ضوعفوا مددا، فما ظنك بالقرّاء لو جشموا النظر فيه والتقرّى لغروره ومطاويه؟ جعلنا الله ممن يأوى إلى طاعته وأودعنا أبدا شكر نعمته.
***
﴿وَنادى نُوحٌ اِبْنَهُ﴾ (٤٢) ومن ذلك قراءة على بن أبى طالب ﵇ وعروة بن الزبير وأبى جعفر محمد بن على وأبى عبد الله جعفر بن محمد: «ونادى نوح ابنه»، وروى عن عروة:
[ ١ / ٤٤٤ ]
«ابنها». وقرأ: «ابناه»، ممدودة الألف السّدّى على النداء. وبلغنى أنه على التّرثى، وروى عن ابن عباس: «نوح ابنه»، جزم.
قال أبو الفتح: أما «ابنه» فإنه أراد ابنها كما يروى عن عروة فيما قرأ: «ابنها»، يعنى ابن امرأته؛ لأنه قد جرى ذكرها فى قوله سبحانه: «وَأَهْلَكَ»، فحذف الألف تخفيفا، كقراءة من قرأ: «يا أبت». قال أبو عثمان يريد: يا أبتاه، وقد ذكرنا حذف الألف فيما مضى، وأنشدنا البيت الذى أنشده أبو الحسن وابن الأعرابى جميعا:
فلست بمدرك ما فات منّى … بلهف ولا بليت ولا لو انىّ
أراد بلهفا، وغيّره.
وقراءة السّدى: «ابناه» يريد بها النّدبة، وهو معنى قولهم: الترثّى. وهو على الحكاية:
أى قال له: يا ابناه، على النداء. ولو أراد حقيقة الندبة لم يكن بد من أحد الحرفين: يا ابناه، أو وا ابناه، كقولك فيها: وازيداه، ويا زيداه.
وأما «ابنه»، بجزم الهاء فعلى اللغة التى ذكرناها لأزد السرّاة فى نحو قوله:
ومطواى مشتاقان له أرقان
***
﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ (٤٤) ومن ذلك قراءة الأعمش بخلاف: «على الجودى»، خفيف.
[ ١ / ٤٤٥ ]
قال أبو الفتح: تخفيف ياءى الإضافة قليل إلا فى الشعر. أنشدنا أبو على:
بكّى بعينك واكف القطر … إبن الحوارى العالى الذّكر
يريد «الحوارىّ». وروى عنهم: لا أكلمك حيرى دهر بتخفيف الياء يريد حيرىّ دهر، وهذا فى النثر، فعليه قراءة الأعمش: «الجودى»، خفيفا.
***
﴿فَضَحِكَتْ﴾ (٧١) ومن ذلك قراءة محمد بن زياد الأعرابى: «فضحكت»، فتحا.
قال أبو الفتح: روى ابن مجاهد قال: قال أبو عبد الله بن الأعرابى: الضّحك: هو الحيض، وأنشد:
ضحك الأرانب فوق الصفا … مثل دم الجوف يوم اللّقا
قال: وأنشد:
فجاءت بمزج لم ير الناس مثله … هو الضّحك إلا أنه عمل النحل
وبعد، فليس فى اللغة ضحكت، وإنما هو ضحكت، أى: حاضت. قال أحمد بن يحيى: ضحكت وطمثت لوقتها، والضّحك: والشهد، وهو الثلج. وقال أحمد بن يحيى:
[ ١ / ٤٤٦ ]
وهو الطلع. قال محمد بن الحسن: قلت لأبى حاتم فى قوله:
تضحك الضبع لقتلى هذيل …
قال: ومن أين لهم أن الضبع تحيض؟ وقال: يا بنى، إنما تكشر للقتلى إذا رأتهم، كما قالوا: يضحك العير إذا انتزع الصلّيانة.
ويقال فى:
تضحك الضبع لقتلى هذيل
أى: تستبشر لقتلاهم لتأكلهم، فيهرّ بعضها على بعض، فجعله ضحكا.
وترى الذئب لها يستهلّ
أى: يعوى، فيستدعى الذئاب فرحا بذلك.
***
﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (٧٢) ومن ذلك قراءة الأعمش: «وهذا بعلى شيخ».
وقال أبو الفتح: الرفع فى «شيخ» من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون «شيخ» خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هذا شيخ، والوقف إذا على قوله: «هذا بعلى»؛ لأن الجملة هناك قد تمت، ثم استأنف جملة ثانية فقال: «هذا شيخ».
والثانى: أن يكون «بعلى» بدلا من «هذا»، و«شيخ» هو الخبر.
والثالث: أن يكون «شيخ» بدلا من «بعلى»، وكأنه قال: هذا شيخ، كما كان التقدير فيما قبله: بعلى شيخ.
والرابع: أن يكون «بعلى» و«شيخ» جميعا خبرا عن هذا، كقولك: هذا حلو حامض،
[ ١ / ٤٤٧ ]
أى: قد جمع الحلاوة والحموضة، وكذلك هذا: أى قد جمع البعولة والشيخوخة.
فإن قلت: فهل تجيز أن يكون «بعلى» وصفا ل «هذا»؟ قيل: لا؛ وذلك أن هذا ونحو من أسماء الإشارة لا يوصف بالمضاف. ألا تراهم لم يجيزوا مررت بهذا ذى المال، كما أجازوا مررت بهذا الغلام؟ وإذا لم يجز أن يكون «بعلى» وصفا ل «هذا» من حيث ذكرنا لم يجز أيضا أن يكون عطف بيان له؛ لأن صورة عطف البيان صورة الصفة، فافهم ذلك.
وهنا وجه خامس، لكنه على قياس مذهب الكسائى، وذلك أنه يعتقد فى خبر المبتدأ أبدا أن فيه ضميرا وإن لم يكن مشتقا من الفعل، نحو زيد أخوك، وهو يريد النسب. فإذا كان كذلك فقياس مذهبه أن يكون «شيخ» بدلا من الضمير فى «بعلى»؛ لأنه خبر عن «هذا».
فإن قلت: فإن الكوفيين لا يجيزون إبدال النكرة من المعرفة إلا إذا كان من لفظها، نحو قول الله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾، وليس قبل «شيخ» معرفة من لفظه-قيل: أجل، إلا أن هذا اعتبار فى الاسمين الملفوظ بكل واحد منهما، فأما الضمير فيه فعلى قياس قول من استودعه إياه فلا لفظ له أيضا فيعتبر خلافه أو وفاقه، وإذا سقط ذلك ساغ، وجاز إبدال النكرة منه لما ذكرنا من تقديم لفظه المخالف للفظها.
***
﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ (٧٨) ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير والحسن بخلاف ومحمد بن مروان وعيسى الثقفى وابن أبى إسحاق: «هن أطهر لكم»، بالنصب.
قال أبو الفتح: ذكر سيبويه هذه القراءة وضعفها، وقال فيها: احتبى ابن مروان فى لحنه، وإنما قبح ذلك عنده لأنه ذهب إلى أنه جعل «هنّ» فصلا، وليست بين أحد الجزئين
[ ١ / ٤٤٨ ]
اللذين هما مبتدأ وخبر ونحو ذلك، كقولك: ظننت زيدا هو خيرا منك، وكان زيد هو القائم.
وأنا من بعد أرى أن لهذه القراءة وجها صحيحا، وهو أن تجعل «هنّ» أحد جزئى الجملة، وتجعلها خبرا ل «بناتى»، كقولك: زيد أخوك، وتجعل «أطهر» حالا من «هنّ» أو من «بناتى»، والعامل فيه معنى الإشارة، كقولك: هذا زيد قائما أو جالسا، أو نحو ذلك. فعلى هذا مجازه، فأما على ما ذهب إليه سيبويه ففاسد كما قال.
***
﴿أَوْ آوِي﴾ (٨٠) ومن ذلك ما رواه الحلوانىّ عن قالون عن شيبة: «أو آوى»، بفتح الياء. وروى أيضا عن أبى جعفر مثله. قال ابن مجاهد: ولا يجوز تحريك الياء هاهنا.
قال أبو الفتح: هذا الذى أنكره ابن مجاهد عندى سائغ جائز، وهو أن تعطف «آوِي» على «قُوَّةً»، فكأنه قال: لو أنّ لى بكم قوة أو أويّا إلى ركن شديد. فإذا صرت إلى اعتقاد المصدر فقد وجب إضمار أن ونصب الفعل بها، ومثله قول ميسون بنت بحدل الكليبيّة:
للبس عباءة وتقرّ عينى … أحب إلىّ من لبس الشّفوف
فكأنها قالت: للبس عباءة وأن تقرّ عينى، أى: لأن ألبس عباءة وتقرّ عينى أحب إلىّ من كذا، وعليه بيت الكتاب أيضا:
فلولا رجال من رزام أعزّة … وآل سبيع أو أسوءك علقما
[ ١ / ٤٤٩ ]
أى: أو أن أسوءك، فكأنه قال: أو مساءتى إياك، فكذلك هذه القراءة: لو أنّ لى بكم قوّة أو أويّا، أى: أو أن آوى إلى ركن شديد، وهذا واضح.
***
﴿يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ (٨٩) ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش: «يجرمنّكم».
قال أبو الفتح: جرم الرجل ذنبا إذا كسب الجرم، ثم ينقل فيقال: أجرمته ذنبا إذا كسبته إياه، فعليه جاء: «لا يجرمنّكم» أى: لا يكسبنّكم بغض القوم ترك العدل، كما يدعو الإنسان الحفظة والغضب إلى ما يحوب فيه وينال من دينه.
***
﴿بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ (٩٥) ومن ذلك قراءة السّلمىّ: «بعدت ثمود»، بضم العين.
قال أبو الفتح: أما بعد فيكون مع الخير والشر، تقول: بعد عن الشر، وبعد عن الخير، ومصدرها البعد. وأما بعد ففى الشر خاصة، يقال: بعد يبعد بعدا. ومنه قولهم: أبعده الله، فهو منقول من بعد؛ لأنه دعاء عليه، فهو من بعد الموضوعة للشر. فقراءة السّلمى هذه: «ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود» متفقة الفعل مع مصدره، وإنما السؤال عن قراءة الجماعة: ﴿أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾.
وطريق ذلك أن يكون البعد بمعنى اللعنة، فيكون أبعده الله فى معنى لعنه الله، ومنه قوله:
ذعرت به القطا ونفيت عنه … مقام الذئب كالرجل اللّعين
أى: مقام اللعين، أى: المبعد. وعلى كل حال فالإبعاد للشئ نقص له وابتذال منه، فقد يلتقى معنى بعد مع معنى بعد من هذا الموضع. ألا ترى أنهم إذا أدنوا شيئا من
[ ١ / ٤٥٠ ]
نفوسهم قالوا: هو الحبيب القريب، فالقرب على كل حال من صفات المدح، فنقيضه إذا من صفات الذم، ولهذا قالوا: حبذا زيد، ولم يقولوا: حبذاك؛ لأنه موضع بشارة وتحفّ به. فالقرب أولى به من البعد، ولهذا قالوا فيمن يصطفى: قد أدناه منه، وقد قرب من قلبه، وعليه قال:
ودار أنت ساكنها حبيب … توددها إلى قلبى قريب
فهذا طريق قراءة الجماعة: ﴿أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾، وإن شئت كان من هذا الطّرز، وإن شئت كان من معنى اللعنة.
***
﴿لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ (١١١) ومن ذلك قراءة الزّهرى وسليمان بن أرقم: «لمّا ليوفّينّهم» بالتنوين. . ابن مسعود والأعمش: «إن كلّ إلا ليوفّينّهم ربّك».
قال أبو الفتح: أما «لمّا ليوفّينّهم»، بالتنوين فإنه مصدر كالذى فى قوله سبحانه:
ويأكلون ﴿التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ أى أكلا جامعا لأجزاء المأكول، فكذلك تقدير هذا:
وإنّ كلا ليوفّينهم ربّك أعمالهم لمّا، أى: توفية جامعة لأعمالهم جميعا، ومحصّلة لأعماهم تحصيلا، فهو كقولك: قياما لأقومنّ، وقعودا لأقعدنّ.
وأما «إن كلّ إلا ليوفّينّهم» فمعناه: ما كلّ إلا والله ليوفينهم، كقولك: ما زيد إلا لأضربنّه، أى: ما زيد إلا مستحق لأن يقال فيه هذا، ويجوز فيه وجه ثان، وهو أن تكون «إن» مخففة من الثقيلة، وتجعل «إلا» زائدة، وقد جاء عنهم ذلك. قال:
أرى الدهر إلا منجنونا بأهله … وما طالب الحاجات إلا معلّلا
أى: أرى الدهر منجنونا بأهله يتقلب بهم، فتارة يرفعهم، وتارة يخفضهم. وعلى ذلك أيضا تأولوا قول ذى الرمة:
[ ١ / ٤٥١ ]
حراجيج ما تنفك إلا مناخة … على الخسف أو ترمى بها بلدا قفرا
أى: ما تنفك مناخة، وإلا زائدة.
***
﴿وَلا تَرْكَنُوا﴾ (١١٣) ومن ذلك قراءة طلحة وقتادة والأشهب، ورويت عن أبى عمرو: «ولا تركنوا»، بضم الكاف.
قال أبو الفتح: فيها لغتان: ركن يركن كعلم يعلم، وركن يركن كقتل يقتل.
وحكى عنهم ركن يركن فعل يفعل. وهذا عند أبى بكر من اللغات المتداخلة، كأن الذى يقول: ركن بفتح الكاف سمع مضارع الذى يقول: ركن، وهو يركن، فتركبت له لغة بين اللغتين، وهى ركن يركن. وقد ذكرنا فى كتابنا الخصائص بابا فى تركيب اللغات.
وعليه كان أبو بكر يقول أيضا فى قولهم ضفن الرجل يضفن: إن قائل ذلك سمع قولهم: ضيفن، وظاهر لفظ ذلك أن يكون فيعلا لأنه أكثر فى الكلام من فعلن، فصارت نون ضيفن وإن كانت زائدة كأنها أصل لما ذكرناه. فلما استعمل الفعل منه جاء به على ذلك، فقال: ضفن يضفن. فضفن يضفن على حقيقة الأمر إنما هو فلن يفلن؛ لأن الضاد فاء والفاء لام، وعين ضيف التى هى ياء محذوفة للشبهة الداخلة هناك من حيث ذكرنا، وله نظائر.
*** ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ (١١٣) ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش وطلحة بخلاف ورواه إسحاق الأزرق عن حمزة:
«فتمسّكم النار».
قال أبو الفتح: هذه لغة تميم، أن تكسر أول مضارع ما ثانى ماضيه مكسور، نحو
[ ١ / ٤٥٢ ]
علمت تعلم، وأنا إعلم وهى تعلم، ونحن نركب. وتقلّ الكسرة فى الياء، نحو يعلم، ويركب استثقالا للكسرة فى الياء، وكذلك ما فى أول ماضيه همزة وصل مكسورة، نحو: تنطلق، ويوم تسودّ وجوه وتبيضّ وجوه، فكذلك «فتمسّكم النار».
فأمّا قولهم: أبيت تيبى فإنما كسر أول مضارعه وعين ماضيه مفتوحة من قبل أن المضارع لما أتى على يفعل، بفتح العين صار كأن ماضيه مكسور العين حتى كأنه أبى.
وقد شرحنا ذلك فى كتابنا المنصف.
***
﴿وَزُلَفًا﴾ (١١٥) ومن ذلك: «وزلفا»، بضم الزاى واللام. قرأ بها أبو جعفر يزيد وطلحة بن مصرّف بخلاف، وعيسى وابن أبى إسحاق، وقرأ: «وزلفا»، بضم الزاى ساكنة اللام ابن محيصن ومجاهد.
قال أبو الفتح: من قال: «زلفا»، بضم الزاى واللام جميعا فواحدته زلفة، كبسرة وبسر فيمن ضم السين، ومن قرأ: «زلفا»، بسكون اللام فواحدته زلفة، إلا أنه جمعه جمع الأجناس المخلوقات، كبرّة وبرّ، ودرّة ودرّ؛ وذلك أن الزلفة جنس من المخلوقات وإن لم يكن جوهرا، كما أن الدّرة والبرّة جوهر جنس من الجواهر. وعلى هذا أجاز أبو العباس فى قولنا: ضربت ضربا أن يكون جمع ضربة كحبة وحب، ومثله قول الآخر:
حتى اتّقوها بالسلام والتّحى
يريد جمع تحية.
[ ١ / ٤٥٣ ]
والزلفة: الطائفة من الليل. وأما قراءة الجماعة: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ فعلى الظاهر، نحو غرفة وغرف، وصفّة وصفف.
***
﴿وَاِتَّبَعَ الَّذِينَ﴾ (١١٦) ومن ذلك قراءة جعفر بن محمد والعلاء بن سيابة، ورواه حسين الجعفىّ عن أبى عمرو: «وأتبع الذين ظلموا»، بضم الهمزة، وإسكان التاء، وكسر الباء.
قال أبو الفتح: هو عندنا على حذف المضاف: أى أتبع الذين ظلموا جزاء ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين، أى جزاء ما أترفوا فيه وأجرموا فلم يشكروا، بل أترفوا فيه مجرمين ظالمين.
*** آخر الجزء الأول، ويليه بإذن الله الجزء الثاني وأوله «سورة يوسف».
[ ١ / ٤٥٤ ]